الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




الخلاف- الشيخ الطوسي ج 1

الخلاف

الشيخ الطوسي ج 1


[ 1 ]

الخلاف تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي قدس سره 460 - 385 ه‍ الجزء الأول مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 2 ]

الكتاب: الخلاف (الجزء الأول) المؤلف: شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي التحقيق: جماعة من المحققين الناشر: مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة التاريخ: جمادى الآخرة 1407 ه‍

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الطيبين الطاهرين. لا شك أن كتاب " الخلاف " هو من الكتب المعروفة المشهورة عند الإمامية لأن مؤلف هذا السفر العظيم هو شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي رضوان الله عليه حيث إن مكانة الشيخ وثروته العلمية الغزيرة في غنى عن البيان، فمن لاحظ تاريخ الإمامية ومعاجمعهم وأمعن النظر في مؤلفات الشيخ علم أنه أكبر علماء الدين وشيخ كافة المجتهدين والقدوة لجميع المتضلعين، وأن الهدف من تأليف كتابه هذا كما يستفاد من مقدمته رحمه الله هو درج الخلاف في المسائل الفرعية بين الخاصة والعامة بنحو استدلالي جامع، وبيان النظرية الصائبة والرأي الصحيح الموافق للكتاب العزيز والسنة الشريفة عن طريق أهل بيت العصمة عليهم السلام. فمن هنا يعلم إن علماءنا رضوان الله تعالى عليهم لم يكونوا متعصبين بل هدفهم هو العثور على الرأي الصائب الذي يكون معاضدا بالكتاب والسنة، فمن الحري أن يتخذ هذا طريقا في البحث العلمي. وقبل سنين كانت المؤسسة في صدد طبع هذا الكتاب بصورة أنيقة وكاملة لكي يستفاد أكثر فأكثر من أفكار شيخ الطائفة. وقد أكد على هذا الأمر سماحة أية الله العظمى الشيخ المنتظري دام ظله الوارف. وقد اطلعت هذه المؤسسة أخيرا على تحقيق أنيق قام به جماعة من المحققين

[ 4 ]

وبإشراف حجة الاسلام والمسلمين الحاج الشيخ مجتبى العراقي أدام الله توفيقاتهم، وقد تحقق ما كان تستهدفه المؤسسة ولله الحمد، وبما أن المؤسسة رغبت أن تؤدي خدمة في هذا المجال قامت بطبع هذا الكتاب وبهذه الصورة، سائلة الله سبحانه أن يوفقها لنشر الكتب العلمية الاسلامية وتقديمها لرواد العلم والفضيلة إنه خير ناصر ومعين. مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[ 5 ]

تقديم بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أوضح وجوه الشك بكشف النقاب عن وجه اليقين، وشيد أعلام الدين بكتابه المبين، وبين أحكام أصوله ومنهج شريعته بمحكم التبيين. والصلاة والسلام على خير خلقه، وأشرف بريته الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، وعلى آله الأطهار الأئمة المنتجبين، واللعنة الدائمة على أعدائهم أعداء الله إلى قيام يوم الدين. قال الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام: " كل شئ يعز إذا نزر، ما خلا العلم فإنه يعز إذا غزر ". ومن أجل العلوم شأنا، وأعظمها شرفا، وأعلاها قدرا، هو علم الفقه، فبالفقه يتعرف الانسان على أحكامه اليومية. فصنف علماء الاسلام في شتى العلوم، ومختلف الفنون، تصانيف عديدة وتآليف كثيرة... يتقدم الركب أعلام الإمامية بآثارهم الباهرة، واحتجاجاتهم القاهرة، وأدلتهم الساطعة الظاهرة. فغاصوا في أعماق وكنه تلك المعارف الإلهية الحقة، سائرين على نهج وخطى أئمتهم المعصومين الغر الميامين. لا يحيدون عنهم قيد أنملة... فمنهم من أطنب فأجاد، ومنهم من أوجز فأفاد، فلله درهم وعليه أجرهم.

[ 6 ]

وظهر - بذلك - على مسرح الأحداث أعلام اشير لهم بالبنان، فأهاب بهم التاريخ، وعنت لهم عروش الجبابرة، وطأطأ لهم طواغيت العصر. فأذعن لفضلهم وعلمهم القاصي والداني، فتلألأت أنوارهم الوهاجة، فأضاؤا ما حولهم، وامتازوا عن أقرانهم بمواهب خلاقة، وخصال حميدة، وسجايا طيبة رشيدة، فأسسوا بذلك مجدهم المؤثل، وآراءهم الخالدة، على مر الدهور وكر العصور (1). وممن نحا هذا المنحى، وسار على الطريقة المثلى، وشق طريقه المملوء بالأشواك والعراقيل لإرساء القواعد الصلدة، وبذر اللبنة الصالحة، هو: " شيخ الطائفة الحقة الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ". فالطوسي كما يعرفه كل من له أيسر إلمام بالثقافة الاسلامية، علم خفاق في عالم الفكر الاسلامي، وشخصية فريدة من نوعها في تاريخ الاسلام. فهو كالطود الشامخ في آثاره، واليم الخضم المتلاطم الأمواج في أفكاره وآرائه، وهو بحق قطب رحى الدين، وأحد أكبر دعائم الاسلام، عماد الشيعة، ورافع أعلام الشريعة. فالثقافة الاسلامية بكل فروعها مدينة لجهود هذا الرجل العظيم، الذي نذر حياته لخدمة الاسلام، وأدى إلى الفكر الاسلامي خدمة منقطعة النظير. ولادته: ولد الشيخ الطوسي في طوس خراسان، في شهر رمضان عام 385 هجرية،

(1) راجع كتابي الذريعة إلى تصانيف الشيعة، وطبقات أعلام الشيعة للبحاثة الكبير والمتتبع الشهير الشيخ آقا بزرك الطهراني، وأعيان الشيعة لآية الله السيد محسن الأمين العاملي، وتأسيس الشيعة لعلوم الاسلام لآية الله السيد حسن الصدر.

[ 7 ]

بعد وفاة الشيخ الصدوق أحد أكبر محدثي الشيعة بأربع سنين... فرضع من ثدي الإيمان الصادق، والولاية المخلصة الحقة، وتربى تربية سالمة من شوائب الادران، فجعلت منه أمة في وضعه وسيرته، أمة في أخلاقه وأفعاله، وبالتالي أمة عظمي في فكره وقلمه. فكان شعلة وهاجة لا تنطفئ في جولان من الخواطر، يبرمج ويخطط لمستقبله الزاهر الذي ينتظره. فدرس أولا في مدارس خراسان، وقطع بذلك أشواطا عالية من العلم والمعرفة، ولما لم يجد ما يطفي غليل ظمأه، شد الرحال إلى بغداد - عاصمة العلم آنذاك - في عام 408 هجرية بعد وفاة السيد الرضي بسنتين، للاغتراف من نمير علمائها، والارتشاف من مناهل غدرانها، وهو ابن ثلاثة وعشرين عاما، وذلك أبان زعامة ومرجعية شيخ الفرقة الحقة آنذاك (محمد بن محمد بن النعمان) المشتهر بالشيخ المفيد، عطر الله رمسه، ونور الله ضريحه. فلازم الشيخ المفيد ملازمة الظل للاستزادة من عبيق يمه الصافي، والغور في بحر علومه. كما وأدرك شيخه الحسين بن عبيد الله بن الغضائري المتوفى عام 411 هجرية. وتتلمذ على أبي الحسين، علي بن أحمد بن محمد بن أبي جيد القمي الذي يروي عنه النجاشي. وفي عام 413 هجرية التحق الشيخ المفيد بالرفيق الأعلى، وانتقلت زعامة الطائفة إلى السيد الشريف المرتضى، فانضوى الطوسي تحت لوائه، واهتم السيد به غاية الاهتمام، وبالغ في إجلاله وتقديره والترحيب به، وكان يدر عليه من المعاش في كل شهر اثني عشر دينارا، فلم يكد ليغيب يوما واحدا عن درس أستاذه الأعظم، همه الاستماع لآرائه وأفكاره، والتدقيق في معانيها ونقضها وإبرامها.

[ 8 ]

واستمرت الحال سنون متمادية حتى اختار الله للسيد المرتضى اللقاء به، لخمس بقين من شهر ربيع الأول سنة 436 هجرية. فاستقل الشيخ الطوسي بالظهور، وانثنت له وسادة المرجعية العليا للطائفة، وتفرد بالزعامة الكبرى، وأصبح وحيد العصر بلا منازع، فقصد إليه القاصدون يضربون آباط الإبل بعد أن سار ذكره في الآفاق سير المثل، وازدلفت إليه العلماء تستضئ بنوره المتألق وترتشف من معينه المتدفق، يشد إليه الرحال من كل حدب وصوب ليستمتعوا بغزير علومه على اختلاف مسالكهم ومذاهبهم، ويستزيدوا من سعة دائرة استبحاره في شتى العلوم، حتى بلغ عدد تلاميذه الذين اجتهدوا على يديه، وتلقوا منه رموز العلم وكنوز المعرفة، أكثر من ثلاثمائة مجتهد من الخاصة، فضلا عن العامة الذين لا يمكن حصرهم و عدهم، لما رأوا فيه من شخصية علمية وقادة ونبوغا موصوفا، وعبقرية ظاهرة في العلم والعمل، حتى إن خليفة الوقت القائم بأمر الله (عبد الله بن القادر بالله أحمد) أسند إليه كرسي الكلام والإفادة، ولم يكن هذا الكرسي ليمنح إلا للأوحدي من الناس في ذلك العصر، والمتفوق على الكل علما وعملا وكمالا. فلم يفتأ شيخ الطائفة على هذا المنوال اثنتي عشرة سنة مقصودا لحل المشكلات، وأداء المهمات، وقضاء الحاجات، حتى حدثت القلاقل والفتن والاضطرابات. وجد الشيخ الطوسي في إخمادها وإطفاء لهيبها، ولكن الحظ لم يحالفه، فاضطرمت نيرانها أكثر فأكثر. تلك الأحداث المؤلمة التي شنها (طغرل بك) أول ملوك السلجوقيين على الشيعة العزل من السلاح، عند دخوله بغداد عام 447 هجرية، فأمر بإحراق مكتبة شيخ الطائفة العامرة بأمهات الكتب الخطية الثمينة، والتي لا تقدر بثمن، تلك المكتبة التي بذل أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة البويهي

[ 9 ]

جهده العميم في إنشائها والاهتمام بها، في محلة بين السورين في الكرخ عام 381 هجرية على غرار بيت الحكمة التي بناها هارون الرشيد. يقول ياقوت الحموي في معجم بلدانه: " إن هذا الوزير قد جمع فيها أنفس الكتب والآثار القيمة... ونافت كتبها على عشرة آلاف مجلد، وهي بحق من أعظم المكتبات العالمية، وكان فيها مائة مصحف بخط ابن مقلة ". وقال ابن الجوزي في حوادث سنة 449 هجرية "... وفي صفر هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي، متكلم الشيعة بالكرخ، وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام، وأخرج إلى الكرخ، وأضيف إليه ثلاث سناجيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديما يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة فأحرق... ". ولكن المؤسف حقا أن نرى المعايير متزلزلة، والقيم متأطرة بأطر بالية... فالخطيب البغدادي المتوفى عام 463 هجرية مع كونه معاصرا للشيخ الطوسي المتوفى عام 460 هجرية... وبما إنه يكتب تأريخا عن بغداد وعن سير الأحداث التاريخية الهامة التي حدثت بها. يتجاهل ذكر الحوادث التي ألمت بالشيعة وشيخ طائفتها الشيخ الطوسي - ولو استطرادا عابرا - لا لشئ إلا لأمر كان يبطنه؟!. والعجب كل العجب من بعض الكتاب الذين جاءوا بعده وسودوا صفحات كتبهم بعبارات وتفاسير ومحاكمات تندى له جبين الانسانية، فما السر إذن في التحامل على مثل هذا المخلص في وظيفته، الذاب عن عقيدته، المدافع عن حقه ومذهبه. ولكن " الحق جديد وإن طالت به الأيام، والباطل مخذول وإن نصره أقوام " كما قاله صنو سيد الأنام، إمام الخاص والعام، أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام. * * *

[ 10 ]

هجرته: وفي خضم الأحداث المؤلمة آثر الشيخ الطوسي الهجرة إلى النجف الأشرف حيث مرقد سيد الأبطال أمير المؤمنين علي عليه السلام، ليبقى بعيدا عن المعمعات الطائفية، وليتفرغ للتأليف والتصنيف، يسامر القماطر والمحابر، ويكد في حصر آراء الأكابر وتقييد شواردهم. وأمه الفضلاء للاغتراف من معينه الذي لا ينضب، والتطلع على درايته الصائبة، وقريحته الثاقبة، وهمته العالية، فوضع بذلك اللبنة الأولى لأكبر جامعة علمية إسلامية في النجف الأشرف، وشيد أركانها، فأصبحت ربوع وادي الغري تشع بمظاهر الجلال والكمال، صانها الله من طوارق الحدثان. * * * مكانته العلمية: سرى ذكره يطوي المفاوز والحزوم عبر حقب الزمن. فلا تجد صقعا إلا وفيه عبقة فواحة من فضله، وألق من نبله. وإن اليراع لعاجز عن وصفه، والاطراء عليه، ومهما أراد الانسان الغور والغوص في عظمة هذه الشخصية الفذة، كلما ازداد تعجبا من مواطن عبقريته، ونبوغه الفكري الخلاق، راعى تلعات العلم والمعرفة وجمع أشتات الفنون، وكفاه مدحا أن يلقب (بشيخ الطائفة). يقول البحاثة الكبير والمتتبع الخبير الشيخ آقا بزرك الطهراني (قدس سره) في مقدمته على التبيان في تفسير القرآن: " مضت على علماء الشيعة سنون متطاولة، وأجيال متعاقبة، ولم يكن من الهين على أحد منهم أن يعدوا نظريات شيخ الطائفة في الفتاوى، وكانوا يعدون أحاديثه أصلا مسلما ويكتفون بها، ويعدون التأليف في قبالها وإصدار الفتوى

[ 11 ]

مع وجودها تجاسرا على الشيخ وإهانة له، واستمرت الحال على ذلك حتى عصر الشيخ ابن إدريس، فكان أعلى الله مقامه الشريف يسميهم بالمقلدة، وهو أول من خالف بعض آراء الشيخ وفتاواه، وفتح باب الرد على نظرياته، ومع ذلك فقد بقوا على تلك الحال حتى إن المحقق وابن أخته العلامة الحلي ومن عاصرهما بقوا لا يعدون رأي شيخ الطائفة ". وقال العلامة في خلاصته: " شيخ الإمامية ووجههم ورئيس الطائفة جليل القدر عظيم المنزلة، ثقة عين صدوق، عارف بالأخبار والرجال والفقه والأصول والكلام والأدب، وجميع الفضائل تنسب إليه، صنف في كل فنون الاسلام وهو المهذب للعقائد في الأصول والفروع، الجامع لكمالات النفس في العلم والعمل ". ونعته السيد بحر العلوم في فوائده الرجالية بقوله: " شيخ الطائفة المحقة، ورافع أعلام الشريعة الحقة، إمام الفرقة بعد الأئمة المعصومين عليهم السلام، وعماد الشيعة الإمامية في كل ما يتعلق بالمذهب والدين، محقق الأصول والفروع، ومهذب فنون المعقول والمسموع، شيخ الطائفة على الإطلاق، ورئيسها الذي تلوى إليه الأعناق، صنف في جميع علوم الاسلام، وكان القدوة في ذلك والإمام... ". تهافت لا يغتفر: بعد أن أقر بفضله الخصوم، وسلموا له في كل العلوم فرأوه مكينا في المعارف الإلهية، ضليعا في الفنون الاسلامية، فاشتبه الأمر على السبكي وغيره فوقعوا في تهافت فظيع، وغلط فاحش من نسبة الإمام الطوسي إلى الشافعية. يقول تاج الدين تقي الدين السبكي في الجزء الثالث من طبقات الشافعية

[ 12 ]

الكبرى / 51: " (محمد بن الحسن بن علي) أبو جعفر الطوسي، فقيه الشيعة ومصنفهم كان ينتمي إلى مذهب الشافعي، له تفسير القرآن وأملى أحاديث وحكايات تشتمل على مجلدين، قدم بغداد وتفقه على مذهب الشافعي، وقرأ الأصول والكلام على أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان المعروف بالمفيد، فقيه الإمامية، وحدث عن هلال الحفار، روى عنه ابنه أبو علي الحسن، وقد أحرقت كتبه عدة نوب بمحضر من الناس، توفي بالكوفة سنه ستين وأربعمائة " إنتهى كلام السبكي. نعم إن الشيخ الطوسي تفقه على مذهب الشافعي، وبقية المذاهب الأخرى كالحنفية، والمالكية، والحنابلة، والظاهرية وغيرها. وتضلع بها وكتب عنها الكثير - والكتاب الماثل بين يديك هو أنموذج حي ودليل ناصع على تبحره واضطلاعه بخرائد مسائل الجماعة وفرائد أصولهم -. ولكن ذلك لا يعني إنه قد انتمى إلى أحد تلك المذاهب، علما بأن التاريخ لم يذكر بأن الطوسي كان شافعيا، أو أنه قد انتحل إحدى المذاهب الأخرى. يقول ابن كثير في كتابه البداية والنهاية، في أوضاع سنة 460 هجرية / 97 من المجلد 12: " أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي، فقيه الشيعة ودفن في مشهد علي، وكان مجاورا به حين أحرقت داره بالكرخ وكتبه، سنة ثمان وأربعين إلى محرم هذه السنة فتوفي ودفن هناك ". وقال ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ 10: 58 " توفي أبو جعفر الطوسي، فقيه الإمامية بمشهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ". كتبه ومؤلفاته: امتاز الشيخ الطوسي (قدس سره) بكثرة التآليف القيمة، والتصانيف

[ 13 ]

الجيدة، الغنية عن كل إطراء وثناء، فبزغت أسفاره في المشارق والمغارب طلوع النجم في الغياهب. وهو من أكثر أعلام الفكر الاسلامي أثرا، وأجودهم إنتاجا، ولا زالت آثاره التي دبجها يراعه غرة ناصعة في جبين الدهر وناصية الزمن. ومن مميزاته إنه صنف في كل فروع الثقافة الاسلامية تصانيف عديدة، أصحبت المصدر والمرجع المؤول عليه عند الباحثين والمحققين. وحسبه عظمة وفخرا أن تكون كتبه محور كل الأبحاث والدراسات الفقهية منها والأصولية والرجالية والحديثية. وهي العمدة في كل باب. ولم يتوخ من كل ذلك إلا الخدمة الصادقة لآل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا. مبتعدا عن الشهوات واللذائذ الدنيوية. هذا وقد كان الشيخ الطوسي يستقي معارفه من مكتبتين ضخيمتين: الأولى: مكتبة سابور في الكرخ - السالف الذكر - والتي أصبحت طعمة الحريق بأمر طغرل بك، والتي كانت حاوية لأمهات الكتب الأصول بخطوط المؤلفين. والمكتبة الثانية، مكتبة أستاذه السيد المرتضى، وكانت تحوي على أكثر من ثمانين ألف كتاب. نعم لقد سبر الشيخ الطوسي أغوار هذه الكتب القيمة وغربلها، وغاص في أعماقها، واقتنى دررها، وترك الزائد منها. وبذلك ألف كتبه المعول عليها في الأبحاث العلمية. وأهم تلك الآثار هي:
1 - الأبواب المعروف ب‍ (رجال الشيخ الطوسي: سمي بالأبواب لأنه مرتب على أبواب بعدد رجال أصحاب النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام. وهو أحد الأصول الرجالية الخمسة المعول عليها عند أعلام الطائفة.

[ 14 ]

2 - اختيار معرفة الناقلين: لأبي عمرو، محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي، المعاصر لابن قولويه، المتوفى سنة 369 هجرية. والنسخة المتداولة المعروفة برجال الكشي هي عين اختيار شيخ الطائفة، وليس للأصل أثر يذكر.
3 - الاستبصار، وهو أحد الكتب الأربعة المعول عليها في استنباط الأحكام الشرعية عند فقهاء الطائفة، وأحاديثها 5511 حديثا، وقال: " حصرتها لئلا يقع فيها زيادة أو نقصان " طبع عدة مرات، وله شروح طويلة ومفصلة وكثيرة ليس في وسعنا ذكرها. راجع الذريعة إلى تصانيف الشيعة.
4 - أصول العقائد.
5 - الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد. طبع عدة مرات.
6 - أنس الوحيد.
7 - الايجاز في الفرائض.
8 - التبيان في تفسير القرآن، فهو تفسير نفيس قيم، وصفه الشيخ بقوله: (لم يعمل مثله). وقال إمام المفسرين الشيخ الطبرسي في مقدمة كتابه الجليل (مجمع البيان في تفسير القرآن): إنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق، ويلوح عليه رواء الصدق، قد تضمن من المعاني الأسرار البديعة، واحتضن من الألفاظ اللغة الوسيعة، ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها، ولا بتنميقها دون تحقيقها، وهو القدوة أستضئ بأنواره، وأطأ مواقع آثاره.
9 - تلخيص كتاب الشافي في الإمامة: لعلم الهدى السيد المرتضى.
10 - تمهيد الأصول: شرح لكتاب (جمل العلم والعمل) لاستاذه السيد المرتضى. 11 - تهذيب الأحكام: وهو نظير الاستبصار، وأحد الكتب الأربعة المعول

[ 15 ]

عليها، الحافلة بأدلة الأحكام من السنة الشريفة، استخرجها شيخ الطائفة من الأصول المعتمدة للقدماء، وهو شرح على كتاب المقنعة لاستاذه الشيخ المفيد المتوفى عام 413 هجرية. وأحصيت أحاديثه في 13590 حديثا، وللتهذيب تذييلات عديدة، وشروح كثيرة، وحواشي أكثر.
12 - الجمل والعقود في العبادات: ألف بطلب من ابن البراج الطرابلسي.
13 - رياضة العقول: شرح (مقدمة في المدخل إلى علم الكلام).
14 - شرح الشرح في الأصول.
15 - العدة في الأصول: ألفه في حياة أستاذه السيد المرتضى وقسمه إلى قسمين، قسم في الأصول الاعتقادية، والثانية في أصول الفقه.
16 - الغيبة: في غيبة الإمام المهدي المنتظر عجل الله تعالى فرجه.
17 - الفهرست: وهو من أهم الكتب الرجالية المعتمد عليها عند أعلام الإمامية. طبع لأول مرة قبل عقود عديدة في الهند بتصحيح (ألويس اسپرنگر ومولوي عبد الحق ومولوي غلام قادر).
18 - ما لا يسع المكلف الاخلال به في علم الكلام.
19 - ما يعلل وما لا يعلل في علم الكلام.
20 - المبسوط في الفقه: وهو من أجل الكتب المدونة في هذا الباب، وفيه آخر آراءه العلمية.
21 - مختصر أخبار المختار بن أبي عبيدة الثقفي.
22 - مختصر المصباح في الأدعية والعبادات.
23 - مختصر في عمل يوم وليلة في العبادات.
24 - مسألة في الأحوال.
25 - مسألة في العمل بخبر الواحد وبيان حجيته.
26 - مسألة في وجوب الجزية على اليهود والمنتمين إلى الجبابرة.

[ 16 ]

27 - مسألة في تحريم الفقاع. 28 - مسائل ابن البراج. 29 - الفرق بين النبي والإمام. 30 - المسائل الإلياسية: وهي مائة مسألة في فنون مختلفة. 31 - المسائل الجنبلائية في الفقه. 32 - المسائل الحائرية في الفقه. 33 - المسائل الحلبية في الفقه. 34 - المسائل الدمشقية في تفسير القرآن: وهي اثنتي عشرة مسألة. 35 - المسائل الرازية في الوعيد: وهي خمس عشرة مسألة. 36 - المسائل الرجبية في تفسير آي من القرآن. 37 - المسائل القمية. 38 - مصباح المتهجد في أعمال السنة، وهو من أجل الكتب المؤلفة في الأعمال والأدعية. 39 - المفصح في الإمامة: وهو من آثار العامة. 40 - مقتل الحسين عليه السلام. 41 - مقدمة في المدخل إلى علم الكلام. 42 - مناسك الحج في مجرد العمل. 43 - النقض على ابن شاذان في مسألة الغار. 44 - النهاية في مجرد الفقه والفتاوى: وهو من أعظم الآثار، وأجل الكتب في الفقه، وكان هذا الكتاب بين الفقهاء من لدن عصر مصنفه إلى عصر المحقق الحلي مورد البحث والتدريس في الجامعات العلمية. 45 - هداية المسترشد وبصيرة المتعبد في الأدعية والعبادات. 46 - مسائل الخلاف في الأحكام - وهو الكتاب الذي بين يديك - وهو كتاب

[ 17 ]

فقهي مقارن بين المذاهب الاسلامية عني بذكر المسائل الفقهية مع النظر بعين الاعتبار لموارد الاختلاف من أصحاب الحديث والرأي من فقهاء العامة. وقد ذكر البحاثة المتتبع آية الله الشيخ آقا بزرك الطهراني عن وجود عدة نسخ خطية له. ومن أهم تلك النسخ، النسخة الموجودة في مكتبة (الشيخ هادي كاشف الغطاء) و (مكتبة الشيخ محمد السماوي) و (مكتبة الشيخ مشكور الحولاوي) و (مكتبة الحسينية الشوشترية) و (مكتبة السيد حسن الصدر في الكاظمية) والأخيرة من أقدم النسخ التي رآها الشيخ الطهراني حيث كتب على ظهر الصفحة الأخيرة منها إجازة تاريخها 668 هجرية، ونسخة في (الخزانة الرضوية بخراسان) ونسخة في (مكتبة الحجة السيد ميرزا باقر القاضي بتبريز). هذا وإن للكتاب نسخ أخرى موجودة في أكثر المكتبات العامة هنا وهناك منها: النسخة الموجودة في (مكتبة آية الله المرعشي العامة بقم) والنسخة الموجودة في (مكتبة المدرسة الفيضية العامرة بقم) والنسخة الموجودة في (مكتبة مجلس الشورى الاسلامي بطهران). * * * وفي إطار إحدى اللقاءات المتكررة بسماحة العلامة الفقيه آية الله العظمى الشيخ حسين علي المنتظري - دام ظله - جرى الحديث عن الوحدة الاسلامية وسبل تطويرها وتنميتها وتقريب وجهات النظر المختلفة حولها. فأبدى - دام ظله - اهتمامه الجاد والمتزايد لنشر التراث الاسلامي الذي يمكنه أن يؤدي دورا ملحوظا وهاما لرفع الحواجز المصنوعة. وبما إن كتاب الخلاف للشيخ الطوسي خير كتاب يرسم الخطوط الأصلية لآراء علماء الخاصة والعامة، فلذا طلب سماحته في السعي بطبعه بحلة قشيبة وتحقيق جيد، وتشجيع المحققين، والأخذ بيدهم، ورفع الصعاب من أمامهم.

[ 18 ]

هذا وإني إذ أبارك للأخوة حجج الاسلام الشيخ محمد مهدي نجف سبط فقيه عصره المرحوم آية الله العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس سره والسيد جواد نجل العلامة السيد عبد الرضا الشهرستاني والسيد علي نجل العلامة السيد إبراهيم الخراساني الكاظمي دامت بركات أيامهم آمين - بفضل الله وقوته - من إخراج هذا الكتاب بحلته الأنيقة المزينة بهوامش وتحقيقات جيدة غنية عن كل اطراء وثناء. علما بأن هذا الكتاب الخالد قد طبع وبسعي المؤمنين عدة طبعات إلا أنها مع الأسف خالية من التصحيح فضلا عن التحقيق. * * * مشايخه وأساتذته: للشيخ الطوسي أساتذة كثيرون، ومشائخ كبار، نذكر أهمهم حسب استقصاء المحدث النوري في مستدركه على الوسائل المجلد الثالث: 509.
1 - الشيخ محمد بن محمد بن النعمان، المشتهر بالشيخ المفيد المتوفى عام 413 هجرية.
2 - الشيخ حسين بن عبيد الله بن الغضائري، المتوفى عام 411 هجرية.
3 - أبو عبد الله، أحمد بن عبد الواحد البزاز، المعروف بابن عبدون وبابن الحاشر. المتوفى عام 423 هجرية.
4 - أبو الحسين، علي بن أحمد، المعروف بابن أبي جيد القمي المتوفى عام 408 هجرية.
5 - أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت الأهوازي، وهو طريقه إلى ابن عقدة.
6 - أبو القاسم علي بن شبل بن أسد الوكيل، أشار إليه في ترجمة إبراهيم بن

[ 19 ]

إسحق الأحمري في الأمالي: " قرأ علي وأنا أسمع في منزله ببغداد في الربض بباب محول في سنة عشر وأربعمائة ". والمتوفى بعد سنة 410 هجرية.
7 - السيد الشريف علم الهدى، أبو القاسم، علي بن الحسين بن موسى ابن محمد بن إبراهيم بن الإمام موسى الكاظم عليه السلام، المتوفى عام 436 هجرية.
8 - الشريف أبو محمد الحسن بن القاسم المحمدي، أشار إليه في ترجمة إسماعيل بن علي الخزاعي، ومحمد بن أحمد الصفواني، ومحمد بن علي بن المفضل. والمتوفى بعد سنة 408 هجرية.
9 - أحمد بن إبراهيم القزويني المتوفى بعد عام 408 هجرية.
10 - أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم القزويني.
11 - جعفر بن الحسين بن حسكة القمي المتوفى عام 408 هجرية.
12 - أبو زكريا محمد بن سليمان الحراني، أو (الحمداني) من أهل طوس.
13 - الشيخ أبو طالب بن عزور.
14 - السيد أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار، المولود سنة 322 هجرية والمتوفى 414 هجرية.
15 - أبو عمرو، عبد الواحد بن محمد بن عبد الله بن مهدي، المتوفى بعد سنة 410 هجرية، وهو الواسطة بين الشيخ وابن عقدة.
16 - الشيخ أبو محمد، الحسن بن محمد بن يحيى بن داود الفحام، المعروف بابن الفحام السر من رائي - السامرائي - المتوفى بعد سنة 408 هجرية.
17 - الحسين بن أبي محمد هارون بن موسى التلعكبري، المتوفى بعد سنة 408 هجرية وهو طريق الشيخ إلى أخبار أبي قتادة القمي.
18 - محمد بن أحمد بن أبي الفوارس الحافظ المتوفى بعد سنة 411 هجرية.
19 - أبو منصور السكري يروي عن جده علي بن عمر.

[ 20 ]

20 - محمد بن علي بن خشيش - بالخاء المعجمة المضمومة والشين المفتوحة المعجمة والياء الساكنة المنقطة تحتها نقطتين والشين المعجمة أخيرا - بن نضر ابن جعفر بن إبراهيم التميمي، المتوفى بعد سنة 408 هجرية.
21 - أبو الحسن، علي بن أحمد بن عمر بن حفص المقرئ، المعروف بابن الحمامي المقرئ، المتوفى بعد سنة 408 هجرية.
22 - أبو الحسن، محمد بن محمد بن محمد بن مخلد المتوفى بعد سنة 417 هجرية.
23 - أبو الحسين، علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعروف بابن بشران المعدل والمتوفى بعد سنة 411 هجرية.
24 - أبو عبد الله محمد بن علي بن حموي البصري المتوفى بعد سنة 413 هجرية.
25 - أبو الحسن بن سوار المغربي، عده العلامة الحلي في الإجازة الكبيرة من مشائخه من العامة.
26 - محمد بن سنان. عده العلامة في الإجازة الكبيرة من مشائخه من العلامة. 27 - أبو علي بن شاذان المتكلم. عده العلامة في الإجازة كسابقيه. 28 - أبو الحسين حسنبش المقرئ، المتوفى بعد سنة 408 هجرية. 29 - القاضي أبو القاسم علي التنوخي بن القاضي أبي علي المحسن بن القاضي أبي القاسم علي بن محمد بن أبي الفهم داود بن إبراهيم بن تميم القحطاني، من تلامذته السيد المرتضى. قال السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض: الأكثر إنه من الإمامية، ولكن العلامة الحلي عده في الإجازة الكبيرة من العامة. 30 - القاضي أبو الطيب الطبري الحويري، المتوفى بعد سنة 408 هجرية.

[ 21 ]

31 - أبو علي، الحسن بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن أشناس المعروف بابن الحمامي البزاز، وهو غير ابن الحمامي السالف الذكر. المتوفى عام 439 هجرية. 32 - أبو عبد الله الحسين بن إبراهيم بن علي القمي المعروف بابن الخياط. 33 - أبو عبد الله بن الفارسي. 34 - أبو الحسين الصفار. 35 - أبو الحسين وأبو العباس أحمد بن علي النجاشي، صاحب (كتاب الرجال) المعروف والمتوفى عام 450 هجرية. 36 - أبو محمد عبد الحميد بن محمد المقرئ النيسابوري. 37 - أبو عبد الله أخو سروة، وكان يروي عن ابن قولويه. * * * تلامذته: يربو عدد تلاميذ الشيخ الطوسي على المئات من الخاصة فضلا عن العامة، وإنا نذكر المشاهير منهم كما ذكره العلامة السيد محمد باقر الخوانساري في روضاته 6: 228.
1 - الثقة العين، أبو علي، الحسن بن الشيخ الطوسي.
2 - أبو إبراهيم، إسماعيل بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسين بن بابويه القمي.
3 - أبو طالب، إسحاق بن محمد بن الحسن بن محمد بن الحسين بن بابويه القمي.
4 - الشيخ العدل الثقة، آدم بن يونس بن المهاجر النسفي.
5 - الشيخ الفقيه الدين، أبو الخير، بركة بن محمد بن بركة الأسدي.

[ 22 ]

6 - الشيخ العلم العين المشهور، أبو الصلاح الحلبي.
7 - السيد الثقة المحدث، أبو إبراهيم، جعفر بن علي بن جعفر الحسيني.
8 - شيخ الاسلام، الحسن بن بابويه القمي.
9 - الفقيه الثقة الوجيه الكبير محي الدين، أبو عبد الله، الحسن بن المظفر الهمداني.
10 - الشيخ الثقة الفقيه، أبو محمد، الحسن بن عبد العزيز الجبهاني.
11 - الفقيه الثقة الإمام موفق الدين.
12 - الفقيه الثقة، الحسين بن الفتح الواعظ الجرجاني.
13 - السيد الفقيه، أبو محمد زيد بن علي بن الحسين الحسيني.
14 - السيد أبو الصمصام، ذو الفقار بن معبد الحسيني.
15 - الشيخ سلمان بن الحسن بن سلمان الصهرشتي.
16 - الشيخ الفقيه الثقة، صاعد بن ربيعان. 17 - الشيخ الفقيه، أبو الصلت، محمد بن عبد القادر.
18 - الشيخ الفقيه المشهور، سعد الدين ابن البراج.
19 - الشيخ المفيد المقدم، عبد الرحمن بن أحمد النيسابوري.
20 - والمفيد الآخر، عبد الجبار بن علي المقري الرازي.
21 - الشيخ علي بن عبد الصمد التميمي السبزواري.
22 - الشيخ عبيد الله بن الحسن بابويه القمي.
23 - الأمير الفاضل الزاهد الورع غازي بن أحمد بن أبي منصور الساماني.
24 - الشيخ الثقة الفقيه، كردي بن عكبري بن كردي الفارسي.
25 - السيد المرتضى، أبو الحسن، المطهر ابن أبي القاسم الديباجي.
26 - الشيخ الثقة الفقيه، أبو عبد الله، محمد بن هبة الله الوراق. 27 - الشيخ أبو جعفر، محمد بن علي بن محسن الحلبي.

[ 23 ]

28 - الشيخ أبو سعيد، منصور بن الحسين الآبي. 29 - الشيخ الإمام جمال الدين محمد بن أبي القاسم الطبري. 30 - السيد الفقيه المحدث الثقة، ناصر الدين الرضي بن محمد الحسيني. 31 - محمد بن الحسن بن علي الفتال. * * * وفاته ومدفنه: واستمرت السنون المتطاولة، والشيخ الطوسي منهمك بالتأليف والتصنيف، مكب على البحث والتدريس منشغل بالقضاء والافتاء. حتى وافاه الأجل المحتوم في ليلة الاثنين الثاني والعشرين من محرم الحرام سنة 460 هجرية عن عمر يناهز الخامسة والسبعين عاما. وتولى غسله ودفنه تلميذه الشيخ الحسن بن مهدي السليقي. والشيخ أبو محمد الحسن بن عبد الواحد العين زربي، والشيخ أبو الحسن اللؤلؤي. ودفن في داره التي كان يقطنها بوصية منه، وهي الآن من أشهر مساجد النجف الأشرف. وكانت محط بحث وإفادة العلماء العظام والمراجع الكرام منهم الشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، والشيخ محمد كاظم الآخوند الخراساني، والشيخ المجاهد شيخ الشريعة الاصفهاني، والشيخ آقا ضياء الدين العراقي، والسيد محسن الطباطبائي الحكيم قدس الله أسرارهم. تراب أقدام أهل العلم والعمل مجتبى المحمدي العراقي عفي عنه

[ 24 ]

كلمة المحققين بسم الله الرحمن الرحيم إن الخلاف والفقه المقارن من العلوم الجليلة، العظيمة الشأن، الكثيرة الفائدة، التي أتعب العلماء السابقون أنفسهم الزاكية في إروائها وتنقيحها والكتابة فيها، إلى أن انتهى المطاف - بها أخيرا - ولظروف قاسية قاهرة في زوايا الخمول والنسيان. فالكتابة فيها أمر شاق وعسير، ولكنه ذو فوائد جمة في تطوير الدراسات الاسلامية والأبحاث العلمية، والاستفادة من التلاقح الفكري في أوسع النطاقات والأفق، والقضاء على النزعات الطائفية، وإبعادها عن مجالات البحث العلمي، والحد من تأثير العوامل المساعدة على التفرقة والتشتت، بتقارب وجهات النظر المختلفة، واطلاع أصحاب هذا المذهب على آراء المذهب الآخر. فالخلافي المطلع على اسلوب البحث المنهجي البعيد عن التعصب الأعمى، المجرد ذهنه من الشوائب يمكنه التغلب على عواطفه، والتحكم بآرائه، والظهور على المسرح بأفكار صائبة ثاقبة. فالفقه المقارن: هو جمع آراء المجتهدين في شتى المسائل الفقهية على صعيد واحد من دون إجراء موازنة بينها. وأما الخلاف: فهو جمع الآراء الفقهية المختلفة وتقييمها والموازنة بينها

[ 25 ]

بالتماس أدلتها وترجيح بعضها على بعض (1). أو إنه " علم يعرف به كيفية إيراد الحجج الشرعية، ودفع الشبه وقوادح الأدلة الخلافية بإيراد البراهين القطعية " (2). فالخلافي هدفه جمع آراء الفقهاء، وإقامة الأدلة والبراهين والحجج الساطعة التي تؤيد مذهبه، وتقوي رأيه الذي اعتمد عليه. يقول ابن خلدون في مقدمته: " وأما الخلافات: فاعلم إن هذا الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية كثر فيه الخلاف بين المجتهدين باختلاف مداركهم وأنظارهم خلافا لا بد من وقوعه لما قدمناه، واتسع ذلك في الملة اتساعا عظيما وكان للمقلدين أن يقلدوا من شاءوا منهم، ثم لما انتهى ذلك إلى الأئمة الأربعة من علماء الأمصار، وكانوا بمكان من حسن الظن بهم، اقتصر الناس على تقليدهم ومنعوا من تقليد سواهم لذهاب الاجتهاد لصعوبته وتشعب العلوم التي هي مواده باتصال الزمان، وافتقاد من يقوم على سوى هذه المذاهب الأربعة، فأقيمت هذه المذاهب الأربعة أصول الملة، وأجري الخلاف بين المتمسكين بها والآخذين بأحكامها مجرى الخلاف في النصوص الشرعية والأصول الفقهية، وجرت بينهم المناظرات في تصحيح كل منهم مذهب إمامه، تجري على أصول صحيحة وطرائق قويمة يحتج بها كل على مذهبه الذي قلده وتمسك به. وأجريت في مسائل الشريعة كلها، وفي كل باب من أبواب الفقه، فتارة يكون الخلاف بين الشافعي ومالك، وأبو حنيفة يوافق أحدهما وتارة بين مالك وأبي حنفية، والشافعي يوافق أحدهما. وتارة بين الشافعي وأبي حنيفة، ومالك يوافق أحدهما. وكان في هذه المناظرات بيان مآخذ هؤلاء الأئمة ومثارات اختلافهم

(1) الأصول العامة للفقه المقارن: 13.
(2) كشف الظنون 1: 721 مادة (علم الخلاف).

[ 26 ]

ومواقع اجتهادهم، وكان هذا الصنف من العلم يسمى " بالخلافيات " ولا بد لصاحبه من معرفة القواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام كما يحتاج إليها المجتهد، إلا أن المجتهد يحتاج إليها للاستنباط، وصاحب الخلافيات يحتاج إليها لحفظ تلك المسائل المستنبطة من أن يهدمها المخالف بأدلته، وهو لعمري علم جليل الفائدة في معرفة مآخذ الأئمة وأدلتهم ومران المطالعين له على الاستدلال عليه. وتآليف الحنفية والشافعية فيه أكثر من تآليف المالكية، لأن القياس عند الحنفية أصل للكثير من فروع مذهبهم كما عرفت، فهم لذلك آهل النظر والبحث. وأما المالكية فالأثر أكثر معتمدهم وليسوا بأهل نظر، وأيضا فأكثرهم أهل الغرب وهم بادية غفل من الصنائع إلا في الأقل، وللغزالي، فيه كتاب المآخذ، ولأبي زيد الدبوسي كتاب التعليقة، ولابن القصار من شيوخ المالكية عيون الأدلة، وقد جمع الساعاتي في مختصره في أصول الفقه جميع ما ينبني عليها من الفقه الخلافي مدرجا في كل مسألة ما ينبني عليها من الخلافيات " إنتهى (1). وهناك كتب خلافية مهمة لم يتعرض لها ابن خلدون نذكر قسما منها وهي: خلافيات الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي المتوفي عام 458 هجرية، جمع فيه المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة، واختلاف الفقهاء للطحاوي، والتخليص لأبي بكر بن العربي، واختلاف الفقهاء للطبري. والخلاف للشيخ الطوسي - الكتاب الماثل بين يديك - حيث إنه جمع المسائل الخلافية بين السنة والشيعة. * * *

(1) مقدمة ابن خلدون: 456 - 457.

[ 27 ]

البواعث الدواعي لتأليف الخلاف: لقد توخى المصنف - رحمه الله - عند تصنيفه لهذا السفر القيم طرح آراء فقهاء العامة والخاصة على طاولة البحث والمناظرة، ومن ثم ذكر الدليل الذي يؤيد مدعاه ويفند آراء الآخرين بأسلوب جيد ومناقشة هادفة. وحري بنا أن نلم إلمامة عجلى بأسباب الخلاف الجوهري الحاصل بين أعلام الطائفتين. فالشيعة الإمامية يستقون معارفهم الاسلامية عن طريق أئمتهم المعصومين الغر الميامين، لما ورد عن الرسول الأعظم - الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى - بأن نأتمر بأوامر كتابه وننتهي بنواهيه، ونهتدي بهدى عترته، ونقتدي بسيرتهم، للمأثور عنه صلى الله عليه وآله في حديث الثقلين عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض " (1). وفي سنن الترمذي بإسناده عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله: " يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي ". وفيه أيضا عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أحدهما أعظم من الآخر كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما " (2).

(1) مسند أحمد بن حنبل 3: 14، 17.
(2) سنن الترمذي 5: 662.

[ 28 ]

وفي صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " أما بعد: ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به، وأهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي. أذكركم الله في أهل بيتي " (1). فجعل الرسول الأعظم العترة عدلا للكتاب الجليل في وجوب التمسك بهم والانصياع لأوامرهم والتأسي بأقوالهم وأفعالهم، وإنهما متلازمان في الحجية والاعتبار إلى يوم القيامة لقوله صلى الله عليه وآله " حتى يردا علي الحوض " وأي عذر لمن ترك أقوالهم وفتاواهم المأثورة. اللهم وفقنا للتمسك بهم، والاهتداء بهديهم. وروى القندوزي الحنفي عن عمر بن الخطاب إنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما عقد المؤاخاة بين أصحابه قال: " هذا علي أخي في الدنيا والآخرة، وخليفتي في أهلي، ووصيي في أمتي ووارث علمي وقاضي ديني، ماله مني مالي منه، نفعه نفعي، وضره ضري، من أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني " (2).

(1) صحيح مسلم 4: 1873. وسنن الدارمي 2: 432، وانظر مستدرك الحاكم 3: 109، والجامع الصغير 1: 402، وينابيع المودة: 286. هذا ورويت بأسانيد أخر، ففي صحيح الترمذي عن سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي المعروف بالأعمش، وفي معجم الطبراني عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي المسعودي، وفي مسند أحمد بن حنبل عن عبد الملك بن أبي سليمان ميسرة العرزمي وشريك بن عبد الله القاضي وزيد بن ثابت، وفي فرائد السمطين عن محمد بن طلحة اليامي الكوفي، وفي المستدرك على الصحيحين للحاكم وخصائص النسائي عن أبي عوانة وضاح بن عبد الله اليشكري الواسطي البزاز، وغيرها مما لا يسعنا حصرها.
(2) ينابيع المودة: 299.

[ 29 ]

وقال أبو ليلى الغفاري مرفوعا: " ستكون من بعدي فتنة فإذا كان ذلك فألزموا عليا فإنه الفاروق بين الحق والباطل ". فلذلك اقتدت الشيعة بعلي عليه السلام وتمسكت بآله المعصومين، وركبت السفينة التي من دخل فيها نجا، ومن تخلف عنها هلك وهوى. وأما أبناء السنة والجماعة فإنهم يسيرون على نهج الخلفاء، ويهتدون بهديهم ويقتفون آثارهم ويعتمدون على أحاديث كل الصحابة والتابعين. وهناك عوامل جانبية أخرى أدت إلى انفصام عرى الأخوة وتوسيع رقعة الخلاف أكثر فأكثر منها: 1 - إن منع الخلفاء من تدوين حديث الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله كان له الأثر الحساس والهام في إيجاد شقة الخلاف بين الطائفتين. يقول ابن سعد في طبقاته " إن الأحاديث كثرت على عهد عمر بن الخطاب، فأنشد الناس أن يأتوه بها، فلما أتوه أمر بتحريقها (1). واستمر الحال حتى رأس المائة الهجرية في عهد عمر بن عبد العزيز الذي أمر بتدوين الحديث، وكان بذلك ابن شهاب أول من دون الحديث ثم كثر التدوين والتصنيف بعده. هذا وقد روى الذهبي في تذكرة الحفاظ " إن أبا بكر جمع الناس بعد وفاة نبيهم فقال: إنكم تحدثون عن رسول الله صلى الله عليه وآله أحاديث تختلفون فيها، والناس بعدكم أشد اختلافا، فلا تحدثوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله، فاستحلوا حلاله وحرموا حرامه " (2).

(1) طبقات ابن سعد 5: 188 (في ترجمة القاسم بن محمد بن أبي بكر).
(2) تذكرة الحفاظ 1: 2 - 3.

[ 30 ]

ووقف أمام هذا التيار جمع من الصحابة كأبي ذر الغفاري وسلمان الفارسي والمقداد اقتداءا بإمامهم وسيدهم ومولاهم علي بن أبي طالب عليه السلام، وعارضوا الفكرة معارضة شديدة، وأكدوا بأن للكتاب عدل وهو العترة (1) وكان الأمر أن أبعدت السلطة الحاكمة آنذاك أبا ذر من بلد إلى بلد حتى لقي حتفه طريدا فريدا بالربذة سنة 31 هجرية. ولهذا السبيل قتل وصلب ميثم التمار، ورشيد الهجري وغيرهم في زمان معاوية وبأمر منه. فخنق الجائرون من الحكام صوت المعارضة الاسلامية من الصحابة والتابعين الأجلاء وقضت عليهم قضاء وقتيا، وفتحت الأبواب على مصراعيها لبعض اليهود المتزمتين، والذين يحملون بغضا دفينا للاسلام والمسلمين. فتمكن كعب بن ماتع اليهودي الملقب بكعب الأحبار، وتميم الداري الراهب النصراني في رواية أحاديث كثيرة باسم الاسلام، فروى عنهما بعض مشاهير الصحابة كأنس بن مالك وأبي هريرة وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن الزبير ومعاوية وعبد الله بن عباس ونظرائهم من الصحابة والتابعين " (2). وكان ذلك أن تأثر البعض من السياسيين - المخضرمين - في أيام الأمويين والعباسيين بثقافة أهل الكتاب وتطبعوا بطابعهم في خلق الأحاديث والروايات، وجعل قصص غريبة على لسان النبي الأمي والصحابة.
2 - لقد كان لباعة الضمير والوجدان القدح المعلى في تشويه الحقائق، فلأجل اكتساب المزيد من الدراهم والدنانير نراه يختلق أحاديث ينسبها تارة للنبي صلى الله عليه وآله وأخرى لأحد الصحابة وثالثة لنفسه وهو كل يوم في شأن.

(1) تقدم في صفحة 26 و 27.
(2) تهذيب التهذيب 1: 511 و 8: 438، والجرح والتعديل 7: 161.

[ 31 ]

يقول ابن تيمية في منهاجه: " وطائفة وضعوا لمعاوية فضائل، ورووا أحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله في ذلك كلها كذب " (1). والمهدي العباسي المغرم بلعب الحمام لا يتورع عن دفع عشرة آلاف درهم إلى من يصحح له لعبته بالتماس دليل من السنة يضعه له رجل فقيه. فيأتيه غياث بن إبراهيم - وهو من فقهاء عصره - ليدخل عليه وليروي له (لا سبق إلا في خف أو حافر أو جناح) فيضيف لفظ الجناح إلى الحديث الشريف ليصحح للمهدي لعبته ولينال الجائزة. والذي يبدو للمتطلع إن الكذبة لم تنطل على جلاس المهدي، وإن المهدي شعر بذلك أو أدركه شئ من تأنيب الضمير، فقال بعد قيام هذا المحدث: " أشهد أن قفاك قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وآله. ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله جناح، ولكنه أراد أن يتقرب إلينا ". وقد جمع ابن الجوزي نزرا يسيرا من الأحاديث المختلفة في كتابه الموسوم (العلل المتناهية في الأحاديث الواهية) و (الموضوعات) ولخصه السيوطي في كتابه (اللآلئ المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) فراجعها. يقول العلامة السيد محمد تقي الحكيم في مناهج البحث في التاريخ: " والغريب إننا أصبحنا لكثرة ما ألفنا هذا النوع من الكذب على حساب التاريخ لا نستنكره على القائمين به، وكأنه من الأمور الطبيعية التي تدعوا إليها مصالح البلاد. فموظفوا الدعاية المعنيون بهذا الأمر لا يختلفون في مقاييسنا عن بقية المواطنين لصالح المجموع " (2).
3 - هذا وإن ابتعاد الناس عن القيم الرفيعة والمثل العليا وانخراطهم في

(1) منهاج السنة 2: 207، وقال العيني في عمدة القاري: فإن قلت: قد ورد في فضله - يعني معاوية - أحاديث كثيرة، قلت: نعم، ولكن ليس فيها حديث صحيح يصح من طرق الاسناد.
(2) مناهج البحث في التاريخ: 12.

[ 32 ]

الجو المادي المكهرب الحاكم آنذاك، أدى إلى أن يعيشوا في مفارقات متناقضة وأجواء وهمية كاذبة يترنحون ذات اليمين مرة وذات الشمال أخرى. ولذا يقول الأستاذ عبد الرحمن بدوي في تصديره لكتاب شخصيات قلقة في الاسلام: " للشيعة أكبر الفضل في إغناء المضمون الروحي للاسلام، وإشاعة الحياة الخصبة القوية العنيفة التي وهبت هذا الدين البقاء قويا غنيا قادرا على إشباع النوازع الروحية للنفوس، حتى أشدها تمردا وقلقا، ولولا هذا لتحجر في قوالب جامدة، ليت شعري ماذا كان سيؤول إليه أمره فيها. ومن الغريب إن الباحثين لم يوجهوا عناية كافية إلى هذه الناحية، ناحية الدور الروحي في تشكيل مضمون العقيدة الذي قامت به الشيعة، والعلة في هذا إن الجانب السياسي في الشيعة هو الذي لفت الأنظار أكثر من بقية الجوانب، مع إنه ليس إلا واحدا منها ". * * * وإنا إذ نتسائل ألم يكن الواقع الحي آنذاك - كما صورناه - يوحي بوقوف الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وبحزم بوجه الجبابرة والطغاة المنحرفين عن وجه الصراط السوي، يأمرونهم بالمعروف وينهونهم عن المنكر ويطالبونهم بالرجوع إلى حضيرة الاسلام والعمل على ضوء تعاليمه العالية والابتعاد عن كل أوجه التخلف والفساد المتفشي في أوصال الجهاز الحاكم. ألم يحكم هؤلاء باسم الاسلام؟ أو ليس إنهم تسنموا منصب الخلافة إلا باعتبارهم خلفاء لرسول الله صلى الله عليه وآله؟ ولكن ما الحيلة عندما يمارس الخليفة الحكم في ضمن أفق ضيق ونطاق محدود من التفكير، وسيطرة الآخرين عليه في مراكز الدولة كالبرامكة وما شاكلهم من الذين ليسوا هم بأحسن حظا من الخليفة في العلم والثقافة والزهد والتقوى!؟

[ 33 ]

أليس من حقنا أن نقتدي بأئمة أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا ونهتدي بهداهم ونسير على خطاهم ونحذو حذوهم ولا نعزب عنهم قيد شعره. ألم يقل مالك بن أنس في حق الإمام الصادق عليه السلام: " جعفر بن محمد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال: إما مصل وإما صائم وإما يقرأ القرآن " (1) " وما رأت عين ولا سمعت أذن ولا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر بن محمد الصادق علما وعبادة وورعا ". أو لم يقل أبو حنيفة كما نقلها الآلوسي في تحفته: " لولا السنتان لهلك النعمان " (2) إشارة للسنتين اللتين حضر فيهما بحث الإمام الصادق عليه السلام. ولسنا في صدد ذكر مناقب الأئمة وفضائلهم في هذه العجالة، ومن يروم الاطلاع فعليه بمراجعة المصادر المتوفرة في الباب. * * * منهجية التحقيق: بعد أن شمرنا عن ساعد الجد بتحقيق هذا الكتاب، اعترضتنا صعاب جمة، فمن شحة في المصادر، وصعوبة الحصول على البعض من الأقوال وتراجم الاعلام، وعدم توفر الظروف الملائمة في بعض الأحيان حتى اضطررنا تصوير بعض النسح المطبوعة النادرة الحصول وجعلها في متناول أيدينا لتسهيل مهمة التحقيق. علما بأن الشيخ الطوسي قد اعتمد عند تصنيفه لهذا السفر العظيم على كثير

(1) تهذيب التهذيب 2: 104.
(2) التحفة الاثني عشرية للآلوسي: 8.

[ 34 ]

من أمهات المصادر والكتب المتداولة آنذاك، ولكن الحملات الصليبية الحاقدة التي اجتاحت الأمة الاسلامية على حين غفلة من أمرها، وشتت شملها، وقطعت أوصالها، وبددتها طرائق قددا، واستولت على خزائن الآثار - التي أتعب العلماء أنفسهم الزاكية في إروائها وإمدادها بكل ما عندهم ونقلتها إلى متاحفها ومراكز الآثار عندها، لنفقد بذلك آثار أعلامنا وتراثهم وبما جادت به أقلامهم الوضاءة وأفكارهم الثاقبة الخالدة، وإرشاداتهم القيمة السديدة. وقد بذلنا كل ما في وسعنا في الحصول على أهم الكتب الاسلامية المعروفة التي يعتمد عليها أصحاب الفرق الاسلامية في دروسهم وعليه يدور رحى أبحاثهم، سواءا كانت قبل زمان الشيخ الطوسي - اعتمد عليها الشيخ أو لم يعتمد - أو بعده مستهدفين ارجاع الأقوال التي نقلها الشيخ إلى أحد الكتب المعتبرة عند أصحاب الفرق الاسلامية، ولا نبرئ أنفسنا من الخطأ والنسيان، فلربما وقعنا في بعض الهفوات التي قلما يسلم أحد منها، آملين العفو وسائلين المولى جل وعلا أن يجنبنا الزلات والوقوع في الهلكات. وبعد البحث الشاق والجهد المضني تمكنا من الحصول على أكثر من مأتي مصدر معتبر هي المحور الأساسي في تحقيقنا، وهي من خيرة الكتب الفقهية والرجالية والتاريخية المعول والمعتمد عليها عند أصحاب الفرق الاسلامية. هذا وإن الحصول على بعض الأقوال أو تراجم بعض الأعلام قد أخرنا يوما أو يومين ولربما أسبوعا، ولا نكون مبالغين إن قلنا إن النزر اليسير منها قد أخرنا الشهر تقريبا. كما واصطدمنا بأقوال متناقضة من الفقيه الواحد، فهذا الكتاب ينقل رأيا مخالفا لما هو الموجود في الثاني، وهناك ثالث يخالفهما بالتفصيل أو الاجمال وهلم جرا، أشرنا في الهامش إلى مقصود المصنف دون غيره من الأقوال.

[ 35 ]

ومع كل ذلك فإننا مصممون في السير قدما لإتمام القصد، مستمدين من الله العون، والله من وراء القصد. هذا ولما كان الهدف المتوخى هو استخراج نص صحيح للكتاب دون الالتزام بالأمور الشكلية التي سار عليها البعض في التحقيق، فاعتمدنا على عدة نسخ مخطوطة منها. 1 - النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة المدرسة الفيضية بقم تحت رقم [ 395 ] في 385 ورقة، 17 * 30 سم، مجدولة الصحائف بماء الذهب، كتبت عناوين المسائل والأدلة بالحمرة، في كل صفحة 25 سطرا كتبها عبد الرزاق ابن ملا مير الجيلاني، وقد وقع الفراغ من تحرير كتاب الحج في يوم الأربعاء من شهر ربيع الثاني سنة (1056 ه‍).
2 - النسخة المحفوظة أيضا في خزانة مكتبة المدرسة الفيضية تحت رقم [ 73 ] في 301 ورقة، 21 * 31 سم، في كل صفحة 28 سطرا. وقع الفراغ من تحريرها في سلخ جمادي الثاني من سنة (125 ه‍) - كذا في الأصل، ولعله 1250 هجرية - وجاء على ظهر الصفحة الأولى ما نصه: " من الكتب التي استنسخته لنفسي الجانية وأنا العبد محمد الرضوي ".
3 - النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة مجلس الشورى الاسلامي بطهران، تحت رقم [ 8137 ] في 267 ورقة، مجهولة الناسخ، جاء في آخر كتاب الصدقات ما لفظه: " وقع الفراغ من مشقة مشقه يوم الاثنين ثالث ربيع الثاني سنة ألف ومأتين وثلاث وعشرين من الهجرة النبوية على مشرفها ألف ألف تحية ".
4 - النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة آية الله العظمى السيد النجفي المرعشي دام ظله بقم المقدسة. تحت رقم [ 450 / 14 ] في 408 ورقة، 5 / 16 * 5 / 25 سم، في كل صفحة 25 سطرا. مجهولة الناسخ والتاريخ من خطوط القرن الثالث عشر الهجري.

[ 36 ]

ولعلنا سوف نوفق في المستقبل القريب الاطلاع على نسخ خطية معتبرة في خزانات المكتبات الشخصية والعامة المتناثرة هنا وهناك، وسنشير إليها في الأجزاء التالية إن شاء الله تعالى. ولا يفوتنا هنا إلا أن نتقدم بالشكر الجزيل والثناء الوافر لسماحة آية الله الحاج الشيخ مجتبى المحمدي العراقي على وضعه كافة الإمكانات الموجودة لديه تحت اختيارنا، وبذله قصارى الجهد في إخراج هذا الكتاب بهذه الحلة المنقحة المحققة. زاد الله من أمثاله ووفقه لمرضاته. قم المقدسة في غرة ذي الحجة الحرام 1403 هجرية. المحققون محمد مهدي نجف، جواد الشهرستاني على الخراساني الكاظمي

[ 37 ]

الصفحة الأولى من النسخة الخطية المحفوظة في خزانة مكتبة المدرسة الفيضية العامرة بقم برقم [ 395 ].

[ 38 ]

الصفحة الأخيرة من الجزء الأول من النسخة الخطية المحفوظة في خزانة مكتبة المدرسة الفيضية العامرة بقم برقم [ 395 ].

[ 39 ]

الصفحة الأولى من النسخة الخطية المحفوظة في خزانة مكتبة المدرسة الفيضية العامرة بقم برقم [ 73 ].

[ 40 ]

الصفحة الأولى من النسخة الخطية المحفوظة في خزانة مكتبة مجلس الشورى الاسلامي العامرة بطهران برقم [ 8137 ].

[ 41 ]

الصفحة الأخيرة من النسخة الخطية المحفوظة في خزانة مكتبة مجلس الشورى الاسلامي العامرة بطهران برقم [ 8137 ].

[ 42 ]

الصفحة الأولى من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي العامرة بقم برقم [ 450 / 14 ].

[ 43 ]

الصفحة الأخيرة من النسخة المحفوظة في خزانة مكتبة آية الله العظمى السيد المرعشي النجفي العامرة بقم برقم [ 450 / 14 ].

[ 45 ]

مقدمة المؤلف بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حق حمده، والصلاة على خيرته من خلقه، محمد والطاهرين من عترته. أئمة الهدى، الأبرار، وسلم تسليما. سألتم أيدكم الله، إملاء مسائل الخلاف بيننا وبين من خالفنا من جميع الفقهاء من تقدم منهم ومن تأخر. وذكر مذهب كل مخالف على التعيين، و بيان الصحيح منه وما ينبغي أن يعتقد. وأن أقرن كل مسألة بدليل نحتج به على من خالفنا، موجب للعلم من ظاهر قرآن، أو سنة مقطوع بها، أو إجماع، أو دليل خطاب، أو استصحاب حال - على ما يذهب إليه كثير من أصحابنا - أو دلالة أصل، أو فحوى خطاب. وأن أذكر خبرا عن النبي (صلى الله عليه وآله)، الذي يلزم المخالف العمل به، والانقياد له. وأن أشفع ذلك بخبر من طريق الخاصة المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام). وإن كانت المسألة مسألة إجماع من الفرقة المحقة، ذكرت ذلك. وإن كان فيها خلاف بينهم أومأت إليه. وأن أتعمد في ذلك الايجاز والاختصار، لأن ذلك يطول، وربما مل الناظر فيه. وقد ذكرنا طرفا كثيرا من ذلك في كتابنا المعروف بتهذيب الأحكام، و

[ 46 ]

كتاب الاستبصار، وإن كان هذان الكتابان مقصورين على ما نختص بروايته، وأنا مجيبكم إلى ما سألتم بعون الله وقوته، حسب ما سألتم. معتمدا فيه الايجاز حسب ما اقترحتم، ومن الله تعالى أستمد المعونة والتوفيق، بمنه ولطفه، إنه ولي ذلك، والقادر عليه.

[ 47 ]

كتاب الطهارة

[ 49 ]

كتاب الطهارة مسألة 1: في معنى الطهور عندنا: إن الطهور هو المطهر المزيل للحدث والنجاسة. وبه قال الشافعي (1) (2). وقال أبو حنيفة (3)، والأصم (4): الطهور والطاهر بمعنى

(1) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب، أبو عبد الله، إمام المذهب، روى عن مسلم بن خالد الزنجي، ومالك بن أنس، وإبراهيم بن سعد وغيرهم. مات سنة (204 ه‍). تهذيب التهذيب 9: 25 - 31، وطبقات الشافعية: 2 وشذرات الذهب 2: 9 ومرآة الجنان 2: 13، وتذكرة الحفاظ 1: 329 والفهرست لابن النديم: 263.
(2) أحكام القرآن لابن العربي 3: 1404، ومغني المحتاج 1: 17 وتفسير القرطبي 13: 39، والمجموع 1: 84.
(3) أبو حنيفة، النعمان بن ثابت بن زوطي بن ماه، وقيل: ابن كاوس الكوفي التميمي مولى بني تيم الله بن ثعلبة، وقيل: بني قفل، من أبناء فارس، وقيل: كابل من مدينة نسا، إمام المذهب الحنفي رأى أنسا، وروى عن عطاء، وعاصم، والسبيعي وغيرهم، وروى عنه زفر بن الهذيل، وأبو يوسف القاضي، والشيباني، له الكلمة المشهورة: " لولا السنتان لهلك النعمان " مشيرا إلى سنتي تتلمذه على الإمام الصادق عليه السلام، له الفقه الأكبر والعالم والمتعلم، ورسالته إلى البستي، ولد سنة 80، وقيل: غير ذلك، ومات سنة 150. انظر: الفهرست لابن النديم: 255، الجواهر المضية 1: 27، مرآة الجنان 1: 309، شذرات الذهب 1: 227، تحفة الآلوسي: 8، المعارف: 216، وتهذيب التهذيب 10: 449. 451.
(4) أبو بكر، عقبة بن عبد الله الأصم، الرفاعي، العبدي، البصري النيسابوري. روى عن أبيه، وعطاء بن أبي رباح، وحميد بن هلال، وسالم بن عبد الله وغيرهم. وعنه معقل بن مالك الباهلي، وأبو =

[ 50 ]

واحد (1). دليلنا: هو أن هذه اللفظة وضعت للمبالغة، والمبالغة لا تكون إلا فيما يتكرر فيه الشئ الذي اشتق الاسم منه. ألا ترى إنهم يقولون: فلان ضارب إذا ضرب ضربة واحدة، ولا يقال: ضروب إلا بعد أن يتكرر منه الضرب. وإذا كان كونه طاهرا مما لا يتكرر، ولا يتزايد، فينبغي أن يكون كونه طهورا لما يتزايد. والذي يتصور التزايد فيه، أن يكون مع كونه طاهرا مطهرا مزيلا للحدث والنجاسة، وهو الذي نريده. وأيضا وجدنا العرب تقول: ماء طهور، وتراب طهور. ولا تقول: ثوب طهور، ولا خل طهور. لأن التطهير غير موجود في شئ من ذلك. فثبت أن الطهور هو المطهر على ما قلناه (2). مسألة 2: في ماء البحر. يجوز الوضوء بماء البحر مع وجود غيره من المياه، ومع عدمه. وبه قال جميع الفقهاء (3).

= قبيصة، وشاذ بن فياض، وابن المبارك وغيرهم. مات سنة (200 ه‍). تهذيب التهذيب 7: 244، والفهرست لابن النديم: 214.
(1) أحكام القرآن العربي 3: 1404، والمجموع للنووي 1: 84 وفيه قال: وحكوا عن الحسن البصري وسفيان وأبي داود وبعض أصحاب أبي حنيفة وبعض أهل اللغة. وأنظر أيضا نيل الأوطار 1: 19، وتفسير القرطبي 13: 39.
(2) قال ابن العربي في أحكام القرآن 3: 1404: وأجمعت الأمة لغة وشريعة على أن وصف (طهور) مختص بالماء، ولا يتعدى إلى سائر المائعات، وهي طاهرة، فكان اقتصارهم بذلك على الماء أدل دليل على أن الطهور هو المطهر. وانظر أيضا لسان العرب 6: 175، والنهاية لابن الأثير 3: 147، والمصباح المنير 2: 518 (مادة طهر).
(3) الأم 1: 3، والمحلى 1: 210، وأحكام القرآن لابن العربي 3: 1413، وتفسير القرطبي 13: 53.

[ 51 ]

وروي عن عبد الله بن عمر (1)، وعبد الله بن عمرو بن العاص (2) إنهما قالا: التيمم أحب إلينا منه (3). وقال سعيد بن المسيب (4): يجوز التوضؤ به مع عدم الماء، ولا يجوز مع وجوده (5). دليلنا: قوله تعالى: " وأنزلنا من السماء ماء طهورا " (6)، وماء البحر

(1) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي، العدوى، أبو عبد الرحمن المكي. روى عن النبي (ص)، وعن أبيه، وعمه زيد وغيرهم. وعنه عبد الرحمن بن عوف، وسعيد بن المسيب، وعون بن عبد الله وغيرهم. مات سنة (73 ه‍). وقيل: (74 ه‍). تهذيب التهذيب 5: 328، والإصابة 2: 338، وشذرات الذهب 1: 81، ومرآة الجنان 1: 154.
(2) عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الرحمن وقيل: أبو نصير. روى عن النبي (ص)، وعن أبي بكر وعمر، وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم. وعنه أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وعبد الله بن الحارث بن نوفل وغيرهم. مات سنة (65 ه‍). تهذيب التهذيب 5: 337، والإصابة 2: 343 ومرآة الجنان 1: 141 وشذرات الذهب 1: 73.
(3) لم نعثر على هذا القول، إلا أن الترمذي ذكر في سننه 1: 100 (باب 52) ما هذا لفظه: وقد كره بعض أصحاب النبي (ص) الوضوء بماء البحر منهم: ابن عمر، وعبد الله بن عمرو. وروى عبد الرزاق بن همام في كتابه المصنف 1: 93 عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: ماءان لا ينقيان من الجنابة: ماء البحر، وماء الحمام، وجاء في هامش الصفحة ما لفظه، وأخرجه ابن أبي شيبة...، وقد روى قبله من طريق قنادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمر، وقال: ماء البحر لا يجزي من وضوء ولا جنابة. وأنظر أيضا تحفة الأحوذي 1: 231. والمحلى 1: 221، والمجموع 1: 91، ونيل الأوطار 1: 20. وتفسير القرطبي 13: 53.
(4) سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي القرشي أبو محمد. روى عن أبي بكر مرسلا، وعن عمر، وعثمان، وعلى، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم. وعنه ابنه محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، والزهري، وقتادة وغيرهم. مات حدود سنة (100 ه‍). طبقات الفقهاء: 24، وتهذيب التهذيب 4: 84، وشذرات الذهب 1: 102، ومرآة الجنان 1: 185.
(5) نقل في تحفة الأحوذي 1: 231 عن كتاب البدر المنير: في الحديث عن جواز الطهارة بماء البحر، وبه قال جميع العلماء، إلا ابن عبد البر، وابن عمر، وسعيد بن المسيب. وقال النووي في المجموع 1: 91: (وحكاه أصحابنا أيضا عن سعيد بن المسيب).
(6) الفرقان: 48.

[ 52 ]

يتناوله اسم الماء. وقال تعالى أيضا: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (1)، فشرط في وجوب التيمم عدم الماء، ومن وجد ماء البحر فهو واجد للماء الذي يتناوله الطاهر. وعلى المسألة إجماع الفرقة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن التوضؤ بماء البحر فقال: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتة " (2). وروى عبد الله بن سنان (3) وأبو بكر الحضرمي (4) قالا: سألنا أبا عبد الله عليه السلام عن ماء البحر، أطهور هو؟ قال: نعم (5). مسألة 3: في مسح الوجه بالثلج أو البرد. من مسح وجهه ويديه بالثلج ولا يتندى وجهه لم يجزه. فإن مسح وجهه بالثلج وتندى به وجهه مثل الدهن فقد أجزأه.

(1) النساء: 43، والمائدة: 6.
(2) انظر سنن الترمذي 1: 100، وموطأ مالك 1: 22، وسنن البيهقي 1: 3. وسنن الدارمي 1: 185، وسنن ابن ماجه 1: 136، وسنن النسائي 1: 50، والمستدرك 1: 141. والمصنف 1: 94، وسنن أبي داود 1: 21، وسنن الدار قطني 1: 34، ومسند أحمد 2: 237، 361، و 3: 373 و 5: 365.
(3) عبد الله بن سنان بن ظريف. قال النجاشي في رجاله: 158، كان خازنا للمنصور والمهدي والهادي والرشيد. كوفي ثقة ثقة من أصحابنا، جليل لا يطعن عليه في شئ. وانظر رجال الشيخ الطوسي: 265، 354.
(4) أبو بكر، عبد الله بن محمد الكوفي الحضرمي. سمع أبا الطفيل، تابعي. روى عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام. وروى الكشي له مناظرة جيدة جرت له مع زيد. وحكى ابن داود في رجاله (باب الكنى) توثيقه عن الكشي ولم نجده ولعله أخذه من أصل الكشي لا من اختيار الشيخ. كما وثق أيضا بوقوعه في إسناد كامل الزيارات وبرواية ابن أبي عمير وصفوان وبعض أصحاب الإجماع عنه، وبوجود طريق للصدوق إليه، وبكثرة رواياته والله العالم. رجال الكشي 416، ورجال الشيخ الطوسي 224، ومستدرك الوسائل 3: 618، ومعجم رجال الحديث 10: 310 - 313.
(5) التهذيب 1: 216 حديث 622 و 623، والكافي 3: 1 حديث 4 و 5.

[ 53 ]

وقال الشافعي: لا يجزيه ولم يفصل (1). وقال الأوزاعي (2) يجزيه ولم يفصل (3). دليلنا: على إنه لا يجزيه إذا مسح ولم يتند، هو إن الله تعالى قال: " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق " (4). فأمر بغسل الوجه واليدين ومن مسح عليهما فلم يغسلهما. ولا يلزمنا مثل ذلك في جواز ذلك إذا تندى وجهه. لأنه إذا تندى وجهه فقد غسل، وإن كان غسلا خفيفا. على إنا لو خلينا والظاهر، لما أجزنا ذلك، لكن خصصناه بدلالة إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في جواز ذلك. وروى حريز (5)، عن محمد بن مسلم (6) قال سألت أبا عبد الله

(1) قال النووي في المجموع 1: 81: وقيل لا يصح لأنه لا يسمى غسلا حكاه جماعة منهم أقصى القضاة أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري صاحب الحاوي، وأبو الفرج محمد بن عبد الواحد بن محمد الدارمي صاحب الاستذكار وهما من كبار أئمتنا العراقيين وعزاه الدارمي إلى أبي سعيد الاصطخري.
(2) أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو. واسمه يحمد الشامي الأوزاعي، الفقيه. نزل بيروت في أواخر عمره فمات بها. روى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، وشداد بن عمار، وعطا بن أبي رباح وقتادة وغيرهم. وعنه مالك والثوري وابن المبارك وغيرهم. مات سنة (157 ه‍)، وقيل: (158 ه‍). تهذيب التهذيب 6: 238، ومرآة الجنان 1: 333، وشذرات الذهب 1: 241.
(3) تفسير الفخر الرازي 11: 157، والمجموع للنووي 1: 81.
(4) المائدة: 6.
(5) حريز بن عبد الله السجستاني، أبو محمد الأزدي، من أهل الكوفة، أكثر السفر والتجارة إلى سجستان فعرف بها. وكانت تجارته في السمن والزيت. قيل: روى عن أبي عبد الله عليه السلام. وقال يونس: لم يسمع من أبي عبد الله (ع) إلا حديثين وكان ممن شهر السيف في قتال الخوارج بسجستان في حياة أبي عبد الله عليه السلام قاله النجاشي، ووثقه الشيخ في الفهرست: 62 رجال النجاشي: 111، ورجال الطوسي: 181.
(6) محمد بن مسلم بن رباح، أبو جعفر الأوقص الطحان، مولى ثقيف الأعور. وجه أصحابنا بالكوفة، فقيه ورع، صحب أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام، وروى عنهما وكان أوثق الناس، مات =

[ 54 ]

عليه السلام عن الرجل يجنب في السفر، لا يجد إلا الثلج؟ قال: يغتسل بالثلج أو ماء البحر (1). وروى معاوية بن شريح (2) قال: سأل رجل أبا عبد الله عليه السلام وأنا عنده فقال: يصيبنا الدمق (3) والثلج، ونريد أن نتوضأ، ولا نجد إلا ماءا جامدا فكيف أتوضأ؟ أدلك به جلدي؟ قال نعم (4). مسألة 4: الماء المسخن بالنار يجوز التوضؤ به. وبه قال جميع الفقهاء (5) إلا مجاهدا (6) فإنه كرهه (7). وأما المسخن بالشمس إذا أريد به ذلك، فهو مكروه إجماعا (8). دليلنا: على بطلان قول مجاهد: ما قلناه في مسألة ماء البحر من الظواهر

= سنه (150 ه‍). قاله النجاشي في رجاله: 247، ورجال الشيخ الطوسي: 135، 300. (1) التهذيب 1: 191 حديث 550، والاستبصار 1: 157 حديث 542 وفيهما قال: (يغسل بالثلج أو ماء النهر).
(2) معاوية بن ميسرة بن شريح القاضي بن الحارث الكندي القاضي. روى عن أبي عبد الله (ع). قاله النجاشي. وقد وثقه المحدث النوري وغيره برواية ابن أبي عمير وصفوان وعثمان بن عيسى عنه. رجال النجاشي: 321، والمستدرك 3: 678.
(3) الدمق: بالتحريك، الثلج مع الريح. لسان العرب 11: 393 (مادة دمق).
(4) التهذيب 1: 191 حديث 552، والاستبصار 1: 157 حديث 543.
(5) المحلى 1: 221، والمجموع 1: 90 - 91، والأم 1: 3، وحاشية سليمان الجمل على شرح المنهج 1: 35. والتفسير الكبير 11: 168.
(6) مجاهد بن جبر المكي، أبو الحجاج المخزومي، مولى السائب بن أبي السائب، روى عن علي (ع)، وسعد بن أبي وقاص، والعبادلة الأربعة. ورافع بن خديج وغيرهم. وروى عنه عطاء وعكرمة، وابن عون، وعمرو بن دينار، وغيرهم. مات سنة (100 ه‍). وقيل (103 ه‍). وقيل غير ذلك. طبقات الفقهاء: 45، وتهذيب التهذيب 10: 42 وشذرات الذهب 1: 125، ومرآة الجنان 1: 214.
(7) المحلى 1: 221، والمجموع 1: 91. والتفسير الكبير 11: 168.
(8) المحلى 1: 221، والمجموع 1: 87 - 88، والأم 1: 3، وتفسير القرطبي 13: 55، والتفسير الكبير 11: 169.

[ 55 ]

وعليه أيضا إجماع الفرقة. وروي عنهم عليهم السلام إنهم قالوا: " الماء كله طاهر ما لم يعلم أن فيه نجاسة " ولم يفصلوا (1). مسألة 5: لا يجوز الوضوء بالمايعات غير الماء. وهو مذهب جميع الفقهاء (2). وقال الأصم: يجوز ذلك (3). وذهب قوم من أصحاب الحديث، وأصحابنا إلى أن الوضوء بماء الورد جائز (4). دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا " (5)، فأوجب عند فقد الماء المطلق التيمم. ومن توضأ بالمائع لم يكن تطهر بالماء، فوجب أن لا يجزيه. وروى حريز، عن أبي بصير (6)، عن أبي عبد الله عليه السلام: عن الرجل يكون معه اللبن، أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا إنما هو الماء والصعيد (7). مسألة 6: لا يجوز الوضوء بشئ من الأنبذة المسكرة، سواء كان نيا أو مطبوخا على حال، وبه قال الشافعي (8).

(1) التهذيب 1: 214 (باب المياه وأحكامها وما يجوز التطهر به وما لا يجوز)، ومن لا يحضره الفقيه 1: 9.
(2) التفسير الكبير 11: 169.
(3) التفسير الكبير 11: 169. والمجموع 1: 93.
(4) قال الشيخ الصدوق (قدس سره) في الهداية: 13: (لا بأس أن يتوضأ بماء الورد للصلاة ويغتسل به في الجنابة).
(5) النساء: 43.
(6) قال النجاشي في رجاله: 344: يحيى بن القاسم، أبو بصير الأسدي. وقيل: أبو محمد. ثقة، وجيه، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. وقيل: يحيى بن أبي القاسم، واسم أبي القاسم إسحاق. وروى عن أبي الحسن موسى عليه السلام مات أبو بصير سنة (150 ه‍) (7) التهذيب 1: 188 حديث 540، والاستبصار 1: 155 حديث 534. و 1: 14 حديث 26.
(8) تحفة الأحوذي 1: 294، وأحكام القرآن للجصاص 2: 387.

[ 56 ]

وقال أبو حنيفة: يجوز التوضؤ بنبيذ التمر، إذا كان مطبوخا عند عدم الماء (1) وهو قول أبي يوسف (2). وقال محمد (3) يتوضأ به ويتيمم (4)، وقال الأوزاعي: يجوز التوضؤ بسائر الأنبذة (5). دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا " (6)، فنقلنا عند عدم الماء إلى التيمم من غير واسطة. فيجب أن لا يجوز الوضوء بالأنبذة، لأنه خلاف الظاهر، وعليه إجماع الفرقة. وروى سماعة بن مهران (7)، عن الكلبي النسابة (8) إنه سأل أبا عبد الله

(1) المبسوط للسرخسي 1: 88، وشرح معاني الآثار 1: 96، والمجموع 1: 93، وبدائع الصنائع 1: 17، وبداية المجتهد 1: 32، وتحفة الأحوذي 1: 293، وتفسير القرطبي 13: 51.
(2) أبو يوسف، يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حميد الأنصاري، الكوفي. القاضي، كان تلميذ أبي حنيفة ومن أتباعه. مات سنة (182 ه‍). طبقات الفقهاء 113، والكنى والألقاب 1: 180، وشذرات الذهب 1: 299، ومرآة الجنان 1: 382.
(3) أبو عبد الله، محمد بن الحسن بن فرقد الدمشقي، مولى لبني شيبان، ولد بواسط، ونشأ بالكوفة، فطلب الحديث، وسمع مسعر بن كدام ومالك بن مسعود والأوزاعي والثوري، وجالس أبا حنيفة وأخذ عنه فغلب عليه الرأي له الجامع الكبير والصغير. مات بالري سنة (189 ه‍). الفهرست لابن النديم: 257، وطبقات الفقهاء: 114، وشذرات الذهب 1: 321، ومرآة الجنان 1: 422.
(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 387، والمبسوط للسرخسي 1: 88، وشرح معاني الآثار 1: 96، وبدائع الصنائع 1: 16، وتحفة الأحوذي 1: 293، والمجموع 1: 93.
(5) المبسوط 1: 89، وبدائع الصنائع 1: 17، والمجموع 1: 93.
(6) النساء: 43.
(7) سماعة بن مهران - بكسر الميم - بن عبد الرحمن الحضرمي، مولى عبد بن وائل بن حجر الحضرمي يكنى أبا ناشرة، وقيل: أبا محمد. كان يتجر في القز، ويخرج به إلى حران، ونزل من الكوفة كندة. روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، ومات بالمدينة ثقة ثقة، وله بالكوفة مسجد. قاله النجاشي في رجاله: 146، وانظر رجال الطوسي 214، 351.
(8) الكلبي النسابة: مشترك بين هشام بن محمد بن السائب بن بشر بن زيد... بن كلب بن مرة الناسب، العالم بالأيام، المشهور بالفضل والعلم، كان يختص بمذهبنا وكان أبو عبد الله (ع) يقربه، =

[ 57 ]

عليه السلام عن النبيذ؟ فقال: حلال. فقال: إنا ننبذه فنطرح فيه العكر (1)، وما سوى ذلك، فقال: شه شه (2)، تلك الخمرة المنتنة. قلت: جعلت فداك فأي نبيذ تعني؟ قال: إن أهل المدينة شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله تغير الماء، وفساد طباعهم، فأمرهم أن ينبذوا فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له، فيعمد إلى كف من تمر، فيقذف به في الشن فمنه شربه، ومنه طهوره (3). مسألة 7: إذا خالط الماء ما غير لونه، أو طعمه، أو رائحته من الطهارات فإنه يجوز التوضؤ به، ما لم يسلبه إطلاق اسم الماء، فإن سلبه لم يجز التوضؤ به. وإن كان نجاسة فلا يجوز التوضؤ به على حال. وقال الشافعي: إذا خالط الماء ما غير أحد أوصافه لم يجز التوضؤ به، إذا كان مختلطا به نحو الدقيق، والزعفران، واللبن، وغير ذلك. وإن جاوره ما غير أحد أوصافه، فلا بأس به، نحو القليل من الكافور، والمسك، والعنبر، وغير ذلك (4). وقال أبو حنيفة: يجوز التوضؤ به ما لم يخرجه عن طبعه، وجريانه، أو يطبخ به (5).

= المتوفى سنة (206 ه‍). وقيل: (204 ه‍). وبين أبيه محمد بن السائب الذي عده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام. المتوفى سنة (146 ه‍). والمناسب من حيث الطبقة، أن يكون الراوي هو الأب وليس الابن. والله العالم. رجال النجاشي: 339، وتاريخ بغداد 14: 46، ورجال الطوسي: 136، 289، واللباب في تهذيب الأنساب 3: 104. (1) قال ابن منظور: وعكر الشراب، والماء، والدهن آخره وخاثره، وعكر الماء والنبيذ عكرا إذا كدر. لسان العرب 6: 287 (مادة عكر).
(2) كلمة زجر ونفر مثل صه، إلا أنه بالضم. وقال الزبيدي في التاج: حكاية كلام شبه الانتهار.
(3) التهذيب 1: 220 حديث 629، والاستبصار 1: 16 حديث 29، والكافي 6: 416 حديث 3.
(4) الأم 1: 7، وأحكام القرآن للجصاص 3: 338 - 339، والمجموع 1: 105 ومغني المحتاج 1: 18 - 19، وشرح فتح القدير 1: 49.
(5) أحكام القرآن للجصاص 3: 338، وبدائع الصنائع 1: 15، وشرح فتح القدير 1: 49.

[ 58 ]

دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا " (1) فأوجب علينا التيمم عند فقد الماء، ومن وجد الماء متغيرا فهو واجد للماء. وأيضا روى محمد بن أحمد بن يحيى (2) عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي (3) [ عن أبي داود المنشد ] (4) (5) عن جعفر بن محمد (6) عن يونس (7) عن حماد بن عيسى (8) قال: أبو عبد الله عليه السلام: الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر (9).

(1) النساء: 43.
(2) أبو جعفر، محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران بن عبد الله بن سعد بن مالك الأشعري القمي كان ثقة في الحديث، عده الشيخ فيمن لم يرو عنهم عليهم السلام وقال في الفهرست: رحمه الله جليل القدر، كثير الرواية. رجال الطوسي: 493، والفهرست: 144، ورجال النجاشي: 31.
(3) الحسن بن الحسين اللؤلؤي، كوفي، ثقة، كثير الرواية. قاله النجاشي في رجاله: 31.
(4) كذا في التهذيب 1: 215. حديث 620، والكافي 3: 1 حديث 2 و 3.
(5) سليمان بن سفيان المسترق، أبو داود المنشد. كان راوية ومنشدا لشعر السيد الحميري رضوان الله عليه، مولى بني أعين من كندة، له كتاب، ويعد من خواص أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وثقه جمع. مات سنة (230 ه‍). الفهرست للشيخ الطوسي 184، ومناقب ابن شهر آشوب 4: 281.
(6) جعفر بن محمد: مشترك بين عدة من الرجال، ولم يحدده في هذه الرواية أحد من الأعلام، حسبما هو المتوفر من المصادر بين أيدينا.
(7) يونس: مشترك أيضا بين عدة من الرجال، ولا يمكن تحديده من بينهم بصورة الجزم.
(8) حماد بن عيسى، أبو محمد الجهني. أصله كوفي. قال النجاشي: كان ثقة في حديثه، صدوقا. وعده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام ووثقه في الفهرست. مات سنة (209 ه‍). وقيل سنة (207 ه‍). وله نيف وتسعون سنة. رجال النجاشي: 109، ورجال الطوسي: 174 و 346، والفهرست: 61.
(9) التهذيب 1: 215 حديث 619 و 620، وفي حديث 621 بسنده عن سعد بن عبد الله عن محمد بن الحسين عن أبي داود المنشد. وفي الكافي 3: 1 حديث 2 و 3. ورواه أيضا بنفس المصدر حديث 4 بسنده عن شيخه الجليل محمد بن يحيى العطار عن محمد بن الحسين عن أبي داود المنشد. أما الشيخ الصدوق فقد رواه في الفقيه 1: 6 حديث 1، مرسلا عن الصادق عليه السلام قال: (كل ماء طاهر إلا ما علمت أنه قذر).

[ 59 ]

مسألة 8: لا يجوز إزالة النجاسات عند أكثر أصحابنا بالمايعات. وهو مذهب الشافعي (1). وقال المرتضى (2): يجوز ذلك (3) وقال أبو حنيفة: كل مايع مزيل للعين يجوز إزالة النجاسة به (4). دليلنا: إنا قد علمنا بحصول النجاسة في الثوب أو البدن، وحظر الصلاة فيه. فلا يجوز أن نستبيح بعد ذلك الصلاة إلا بدليل. وليس في الشرع ما يدل عليه. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال لأسماء (5) في دم الحيض يصيب الثوب: " حتيه ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء " (6) فأمر بغسل الدم بالماء، فدل على أنه لا يجوز بغيره، لأنه لو جاز لبينه.

(1) المجموع 1: 92 و 95، والمبسوط للسرخسي 1: 96، وشرح فتح القدير 1: 133.
(2) علي بن الحسين بن موسى بن محمد بن موسى بن إبراهيم بن موسى بن جعفر عليه السلام، أبو القاسم، المرتضى. حاز من العلوم ما لم يدانيه فيه أحد في زمانه، وسمع من الحديث فأكثر. وكان متكلما شاعرا أديبا، عظيم المنزلة في العلم والدين والدنيا. مات رضي الله عنه لخمس بقين من شهر ربيع الأول، سنة ست وثلاثين وأربعمائة. قاله النجاشي في رجاله: 206، والفهرست للطوسي: 98، وتاريخ بغداد 11: 402، ووفيات الأعيان 1: 433، ومرآة الجنان 3: 55.
(3) الناصريات (كتاب الطهارة) مسألة 4.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 96، وتفسير القرطبي 13: 51، ومراقي الفلاح: 27، وشرح فتح القدير 1: 133، والدراري المضية 1: 34، وقال النووي في المجموع 1: 95: وحكى أصحابنا عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وأبي بكر الأصم، إنه يجوز رفع الحدث وإزالة النجس بكل مائع طاهر.
(5) أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، زوجة الزبير بن العوام. روت عن النبي (ص) وروى عنها ابناها عبد الله وعروة وأحفادها وغيرهم. ماتت بمكة سنة (73 ه‍). الاستيعاب بهامش الإصابة 4: 228، وأسد الغابة 5: 392، والدر المنثور: 33 والإصابة 4: 224.
(6) نصب الراية 1: 206، وشرح فتح القدير 1: 133، وفي سنن ابن ماجه 1: 206 (أقرصيه واغسليه وصلي فيه). ولا يخفى أن لهذه الرواية ألفاظا مختلفة في كتب الحديث ولأجل مطابقة المتن اقتصرنا على بعض المصادر.

[ 60 ]

مسألة 9: جلد الميتة نجس، لا يطهر بالدباغ، سواء كان الميت مما يقع عليه الذكاة أو لا يقع، يؤكل لحمه أو لا يؤكل لحمه، وبه قال عمر (1) وابن عمر، وعائشة (2) وأحمد بن حنبل (3) (4) وقال الشافعي: كل حيوان طاهر في حال حياته، فجلده إذا مات يطهر بالدباغ وهو ما عدا الكلب والخنزير، وما تولد بينهما (5) وقال أبو حنيفة: يطهر الجميع إلا جلد الخنزير (6) وقال داود (7):

(1) عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح، روى عن النبي صلى الله عليه وآله، وعن أبي بكر، وأبي بن كعب. وروى عنه أولاده، وعثمان، وسعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عوف، وغيرهم. قتل سنة (23 ه‍). أسد الغابة 4: 52 تهذيب التهذيب 7: 438، ومرآة الجنان 1: 78، وشذرات الذهب 1: 33، والإصابة 2: 511.
(2) عائشة بنت أبي بكر، روت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كثيرا، وعن أبيها وعمر، وحمزة بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص وغيرهم. ماتت في رمضان سنة (58 ه‍). قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب 12: 433. وانظر الإصابة 4: 348، وأسد الغابة 5: 501.
(3) أبو عبد الله، أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني المروزي ثم البغدادي، خرجت به أمه من مرو وهي حامل فولدته ببغداد وبها طلب العلم. فروى عن بشر بن المفضل، وإسماعيل بن عليه، وسفيان بن عيينة، وجرير، وغيرهم. وروى عنه البخاري، ومسلم وأبو داود، والباقون مع البخاري أيضا بواسطة وغيرهم. مات سنة (241 ه‍). تهذيب التهذيب 1: 72، طبقات الفقهاء: 75، وتذكرة الحفاظ 2: 17 وتاريخ بغداد 4: 412 وحلية الأولياء 9: 161.
(4) التفسير الكبير 5: 16، وفي المجموع 1: 217 قال النووي ما لفظه: لا يطهر بالدباغ شئ من جلود الميتة، لما روى عن عمر بن الخطاب وابنه وعائشة وهو أشهر الروايتين عن أحمد ورواية عن مالك. ونحوه في نيل الأوطار 1: 74، والحاوي للفتاوى 1: 14.
(5) الأم 1: 9، وأحكام القرآن للجصاص 1: 115، والمجموع 1: 217 والتفسير الكبير 5: 16، وبداية المجتهد 1: 76، ونيل الأوطار 1: 74. وبدائع الصنائع 1: 85، والحاوي للفتاوى 1: 15.
(6) أحكام القرآن للجصاص 1: 115، والتفسير الكبير 5: 16، والمجموع 1: 217 وبداية المجتهد 1: 76، ومراقي الفلاح: 28 ونيل الأوطار 1: 76، وبدائع الصنائع 1: 85، والحاوي للفتاوى 1: 15.
(7) أبو سليمان، داود بن علي بن داود بن خلف الأصفهاني. هو أول من استعمل قول الظاهر، وأخذ بالكتاب والسنة، وألغى ما سوى ذلك من الرأي والقياس. مات سنة (270 ه‍). الفهرست لابن =

[ 61 ]

يطهر الجميع (1) وقال الأوزاعي: يطهر جلد ما يؤكل لحمه دون ما لا يؤكل لحمه (2) وهو مذهب أبي ثور (3) وقال مالك (4): يطهر الظاهر منه دون الباطن (5) وقال الزهري (6) يجوز الانتفاع بجلد الميتة،

= النديم: 271، وتاريخ بغداد 8: 396، وطبقات الفقهاء: 76 وتذكرة الحفاظ 2: 136، ومرآة الجنان 2: 422. (1) التفسير الكبير 5: 16، وقال النووي في المجموع 1: 217 ما لفظه: قاله داود وأهل الظاهر، وحكاه الماوردي عن أبي يوسف. وبداية المجتهد 1: 76، والحاوي 1: 15، ونيل الأوطار 1: 76.
(2) قال النووي في المجموع 1: 217: وهو مذهب الأوزاعي، وابن المبارك، وأبي ثور وإسحاق بن راهويه. وانظر التفسير الكبير 5: 16، ونيل الأوطار 1: 75، والحاوي 1: 14.
(3) إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، البغدادي. ويقال كنيته: أبو عبد الله، وأبو ثور لقب. قال أحمد ابن حنبل هو عندي كسفيان الثوري، وكان أبو ثور على مذهب أبي حنيفة، فلما قدم الشافعي بغداد تبعه وأقر كتبه، وانتشر علمه، ومع ذلك قال الرافعي في كتاب الغصب من العزيز: أبو ثور، وكان معدودا في طبقات أصحاب الشافعي، فله مذهب مستقل، ولا يعد تقريره وجها (هذا لفظه) مات سنة (240 ه‍). قاله ابن هداية الحسيني في طبقات الشافعية: 5، وانظر طبقات الفقهاء: 75، وتهذيب التهذيب 1: 118، وتاريخ بغداد 6: 65، ومرآة الجنان 2: 129.
(4) أبو عبد الله مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الأصبحي، الحميري، المدني. إمام دار الهجرة، روى عن عامر بن عبد الله بن الزبير بين العوام ونعيم بن عبد الله، وزيد بن أسلم وغيرهم. وروى عنه الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري ويزيد بن عبد الله بن الهاد وغيرهم. مات سنة (179 ه‍). قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب 10: 5، وطبقات الفقهاء: 42، وحلية الأولياء 6: 316، والديباج المذهب: 11، وتذكرة الحفاظ 1: 193.
(5) التفسير الكبير 5: 16، وحاشية الدسوقي 1: 54 وأشار النووي في المجموع 1: 217 إلى مذهب مالك وقال: يطهر الجميع والكلب والخنزير إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه فيستعمل في اليابس دون الرطب ويصلى عليه لا فيه. وانظر نيل الأوطار 1: 76، والحاوي 1: 15.
(6) أبو بكر، محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث الزهري. أحد الأئمة الأعلام، وعالم الحجاز والشام. روى عن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن جعفر، وربيعة ابن عباد، والمسور بن مخرمة، وغيرهم. وروى عنه عطاء بن أبي رباح وأبو الزبير المكي، وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار، وصالح بن كيسان وغيرهم، مات سنة (123 ه‍). وقيل: (124 ه‍). =

[ 62 ]

قبل الدباغ وبعده (1) دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة والدم " (2) والجلد من جملة الميتة. وأيضا فإنه قبل الدباغ معلوم نجاسته بالاجماع، فمن ادعى زوالها احتاج إلى دليل. وروى الحسين بن سعيد (3) عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن محمد بن مسلم قال: سألته عن جلد الميت أيلبس في الصلاة إذا دبغ؟ فقال: لا، ولو دبغ سبعين مرة (4). مسألة 10: لا يجوز بيع جلود الميتة، لا قبل الدباغ، ولا بعده. وقال الشافعي: لا يجوز بيعها قبل الدباغ، ويجوز بعده (5) وكان قديما يقول: لا يجوز بيعها بعد الدباغ أيضا (6) وقال أبو حنيفة: يجوز بيعها قبل الدباغ وبعده.

= تهذيب التهذيب 9: 445 ومرآة الجنان 1: 260، وشذرات الذهب 1: 162، وتذكرة الحفاظ 1: 102. (1) الحاوي 1: 15، وروى عبد الرزاق بن همام في المصنف 1: 62 ما لفظه: وكان الزهري ينكر الدباغ ويقول: يستمتع به على كل حال، وذكر النووي في المجموع 1: 217 ما حكوه عن الزهري وقال: ينتفع بجلود الميتة بلا دباغ ويجوز استعمالها في الرطب واليابس. والتفسير الكبير 5: 16، ونيل الأوطار 1: 76.
(2) المائدة: 3.
(3) الحسين بن سعيد بن حماد بن مهران الأهوازي، مولى علي بن الحسين عليه السلام كان ثقة، عينا جليل القدر أصله كوفي: انتقل مع أخيه الحسن إلى الأهواز ثم إلى قم وتوفي فيها، وعده الشيخ الطوسي تارة في أصحاب الإمام الرضا وأخرى في أصحاب الإمام الجواد وثالثة في أصحاب الإمام الهادي عليهم السلام. رجال النجاشي: 46، ورجال الطوسي: 372 و 399 و 412، والفهرست لابن النديم 277.
(4) التهذيب 2: 203 حديث 794، ومن لا يحضره الفقيه 1: 160 حديث 750 وفيه: روى محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام أنه سأله عن جلد الميتة يلبس... الخ.
(5) أحكام القرآن للجصاص 1: 115، والمجموع 1: 228.
(6) المجموع 1: 228.

[ 63 ]

دليلنا: الآية، لأن قوله تعالى: " حرمت عليكم الميتة " (1) يقتضي حظر جميع أنواع التصرف. وروى الحسن بن محبوب (2)، عن عاصم بن حميد (3) عن علي بن المغيرة (4) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: جعلت فداك، الميتة ينتفع بشئ منها؟ قال: لا (5). مسألة 11: جلود ما لا يؤكل لحمه إذا ذكي، منها ما يجوز استعماله في غير الصلاة، ومنها ما لا يجوز استعماله بحال. فما يجوز استعماله مثل السمور (6) والسنجاب (7) والفنك (8) وجلود

(1) المائدة: 3.
(2) الحسن بن محبوب السراد، ويقال: الزراد. يكنى أبا علي، مولى بجيلة، كوفي ثقة، روى عن أبي الحسن موسى والرضا عليه السلام، وروى عن ستين رجلا من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، وكان جليل القدر، يعد من الأركان الأربعة في عصره، وعده الكشي من الفقهاء الذين أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عنهم توفي سنة 224. رجال الكشي: 556، والفهرست للشيخ الطوسي: 46، ورجال الطوسي: 347، 372، ومعجم رجال الحديث 5: 90.
(3) عاصم بن حميد الحناط الحنفي، أبو الفضل. مولى، كوفي، ثقة، عين، صدوق روى عن أبي عبد الله عليه السلام. قاله النجاشي في رجاله: 232، ورجال الطوسي: 261.
(4) علي بن المغيرة الزبيدي الأزرق. والظاهر اتحاده مع علي بن أبي المغيرة الكوفي والذي ذكره النجاشي في ترجمة ابنه الحسن. روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، انظر رجال النجاشي: 40، وجامع الرواة 1: 552 و 603.
(5) التهذيب 2: 204 حديث 799، والكافي 3: 398 حديث 6. وروى عبد الرزاق بن همام في المصنف 1: 64 ما لفظه: عن ابن جريج قال: قلت لعطاء: أيبيع الرجل جلود الضان الميتة لم تدبغ؟ قال: ما أحب أن تأكل ثمنها وإن تدبغ. وفي رواية أخرى قال: وكان الحسن يقول: ينتفع بها ولا تباع.
(6) السمور: بالفتح، دابة معروفة يتخذ من جلدها فراء مثمنة، تكون ببلاد الترك تشبه النمر: (مجمع البحرين، مادة سمر).
(7) السنجاب: حيوان على حد اليربوع، أكبر من الفأرة، شعره في غاية النعومة، يتخذ من جلده الفراء، يلبسه المتنعمون (مجمع البحرين، مادة سنجب).
(8) الفنك: دويبة برية، غير مأكولة اللحم، يؤخذ منها الفرو. ويقال: إن فروها أطيب من جميع أنواع =

[ 64 ]

السبع (1) كلها لا بأس أن يجلس عليها، ولا يصلي فيها، وقد وردت رخصة في لبس جلود السمور والسنجاب والفنك في حال الصلاة (2). فأما ما عدا ذلك من الكلب والأرنب والذئب والخنزير والثعلب، فلا يجوز استعماله على حال. وما يجوز استعماله بعد الذكاة، لا يجوز إلا بعد الدباغ. وقال الشافعي: كل حيوان لا يؤكل لحمه لا تؤثر الذكاة في طهارته، وينجس جلده وسائر أجزائه. وإنما يطهر ما يطهر منها بالدباغ (3) وقال أبو حنيفة: يطهر بالذكاة (4). دليلنا: إن جواز التصرف في هذه الأشياء، يحتاج إلى دلالة شرعية، وليس في الشرع ما يدل على إباحة التصرف في هذه الأشياء، وإنما أجزناه بدلالة إجماع الفرقة على ذلك. وروى علي بن أبي حمزة (5) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن لباس الفراء، والصلاة فيها؟ فقال: لا تصل فيها، إلا فيما كان منه ذكيا، قال: قلت أو ليس الذكي ما ذكي بالحديد؟ فقال: بلى، إذا كان مما يؤكل لحمه. فقلت: وما لا يؤكل لحمه من الغنم؟ قال: لا بأس بالسنجاب، فإنه دابة لا تأكل

= الفراء، يجلب كثيرا من بلاد الصقالبة، وهو أبرد من السمور وأعدل، وأحر من السنجاب، صالح لجميع الأمزجة المعتدلة، ويقال: إنه نوع من جراء الثعلب الرومي (مجمع البحرين، مادة فنك). (1) أي: السباع من الطير والدواب.
(2) التهذيب 2: 210 - 211 حديث 825 - 826، والاستبصار 1: 384 حديث 1459 - 1460، والكافي 3: 397 حديث 3، ومن لا يحضره الفقيه 1: 170 حديث 804.
(3) الأم 1: 9، وبداية المجتهد 1: 76، وبدائع الصنائع 1: 86.
(4) مراقي الفلاح: 28، وبدائع الصنائع 1: 86، والهداية 1: 21.
(5) علي بن أبي حمزة، واسم أبي حمزة سالم البطايني، أبو الحسن، مولى الأنصار كوفي، وكان قائد أبي بصير يحيى بن القاسم. وله أخ يسمى جعفر بن أبي حمزة. روى عن أبي الحسن موسى عليه السلام وعن أبي عبد الله عليه السلام ثم وقف. وهو أحد عمد الواقفة، قاله النجاشي: 188.

[ 65 ]

اللحم، وليس هو مما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله، إذ نهى عن كل ذي ناب ومخلب (1). وروى الحسين بن سعيد، عن الحسن (2)، عن زرعة (3)، عن سماعة قال: سألته عن لحوم السباع وجلودها قال: أما لحوم السباع من الطير والدواب فإنا نكرهه. وأما الجلود فاركبوا عليها ولا تلبسوا منها شيئا تصلون فيه (4). وأيضا بعد دباغها لا خلاف في جواز استعمالها ولا دليل قبل الدباغ. مسألة 12: جلد الكلب لا يطهر بالدباغ. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: يطهر (6) وبه قال داود (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فالخبر الذي قدمناه، من أن ما لا يؤكل لحمه لا يقع عليه الطهارة بالذكاة.

(1) التهذيب 2: 203 حديث 797، والكافي 3: 397 حديث 3.
(2) الحسن بن سعيد بن حماد بن مهران الأهوازي، من موالي علي بن الحسين عليهما السلام، ومن أصحاب الإمامين الرضا والجواد عليهما السلام شارك أخاه الحسين في كتبه الثلاثين في جميع رجاله، وزاد بروايته عن زرعة الحضرمي، وفضالة بن أيوب. وكان الحسين يروي عن أخيه عنهما وهو الذي أوصل علي بن مهزيار، وإسحاق بن إبراهيم الحضيني إلى الرضا عليه السلام، حتى جرت الخدمة على أيديهما، الفهرست لابن النديم: 277، ورجال الطوسي: 371، 399 والفهرست: 53، وجامع الرواة 1: 202.
(3) زرعة بن محمد، أبو محمد الحضرمي، ثقة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، وكان صحب سماعة وأكثر عنه. قاله النجاشي في رجاله: 133 وانظر الفهرست للطوسي: 75.
(4) التهذيب 2: 205 حديث 802، ومن لا يحضره الفقيه 1: 169 حديث 801.
(5) الأم 1: 9، وأحكام القرآن للجصاص 1: 115، والمحلى 1: 122، والمجموع 1: 216، ونيل الأوطار 1: 74. (6) أحكام القرآن للجصاص 1: 115، ومراقي الفلاح: 28، والمحلى 1: 122. والمجموع 1: 221، وبداية المجتهد 1: 76.
(7) المحلى 1: 118، وبداية المجتهد 1: 76، وفي المجموع 1: 217: قاله داود وأهل الظاهر وحكاه الماوردي عن أبي يوسف. ونيل الأوطار 1: 76.

[ 66 ]

وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه نهى عن كل ذي ناب (1)، وذلك عام على كل حال. مسألة 13: لا بأس باستعمال أصواف الميت، وشعره، ووبره إذا جز، وعظمه. وبه قال أبو حنيفة (2). وقال الشافعي: شعر الميت وصوفه وعظمه نجس (3). وبه قال عطاء (4) (5) وقال الأوزاعي: الشعور كلها نجسة، لكنها تطهر بالغسل (6) وبه قال الحسن البصري (7) والليث بن سعد (8) (9)

(1) التهذيب 2: 203 حديث 797، والكافي 3: 397 حديث 3، وسنن البيهقي 1: 25.
(2) أحكام القرآن للجصاص 1: 121، والمحلى 1: 122، وحاشية الدسوقي 1: 55، ومراقي الفلاح: 28، وبداية المجتهد 1: 75، وشرح فتح القدير 1: 66.
(3) المجموع 1: 230، وشرح فتح القدير 1: 66، وبداية المجتهد 1: 75، وحاشية الدسوقي 1: 55.
(4) عطاء بن أبي رباح، أسلم القرشي، مولاهم أبو محمد المكي. روى عن ابن عباس وابن عمرو ومعاوية، وأسامة وغيرهم. وروى عنه ابنه يعقوب، وأبو إسحاق السبيعي ومجاهد وغيرهم. مات سنة (114 ه‍). طبقات الفقهاء: 44. وتهذيب التهذيب 7: 199.
(5) المجموع 1: 236، وحكى البيهقي في سننه 1: 26 عن عطاء إنه كره الانتفاع بعظام الفيلة وأنيابها.
(6) أحكام القرآن للجصاص 1: 121، والمجموع 1: 236.
(7) أبو سعيد، الحسن بن أبي الحسن يسار البصري، مولى الأنصار. وأمه خيرة مولاة أم سلمه. روى عن أبي بن كعب، وسعد بن عبادة، وعمر بن الخطاب، ولم يدركهم، وعن ثوبان وعمار بن ياسر وغيرهم. وروى عنه حميد الطويل وقتادة وعطاء بن السائب وغيرهم. مات سنة (110 ه‍). طبقات الفقهاء: 68 وتهذيب التهذيب 2: 263، ومرآة الجنان 1: 229، وشذرات الذهب 1: 136.
(8) الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث فارسي، أصبهاني، شيخ الديار المصرية، الإمام المصري. روى عن نافع وابن أبي مليكة ويحيى بن سعيد الأنصاري والزهري وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك وابن وهب وشعيب وغيرهم. مات سنة (175 ه‍). تهذيب التهذيب 8: 459، شذرات الذهب 1: 285، ومرآة الجنان 1: 369.
(9) قال الجصاص في أحكام القرآن 1: 121 ما نصه: وقال الليث لا ينتفع بعصب الميتة ولا بعقبها. ولا أرى بأسا بالقرن والظلف أن ينتفع به، ولا بأس بعظام الميتة ولا الشعر ولا الصوف وانظر =

[ 67 ]

وقال مالك: الشعر والريش والصوف لا روح فيه، ولا ينجس بالموت كما قلناه. والعظم والقرن والسن يتنجس (1). وقال أحمد: صوف الميتة وشعرها طاهر (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين " (3) فامتن علينا بما جعل لنا من المنافع بهذه الأشياء، ولم يفصل بين ما يكون من حي، وما يكون من ميت. وروى حماد، عن حريز، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام لزرارة (4) ومحمد ابن مسلم: اللبن، واللباء والبيضة والشعر والصوف والقرن والناب والحافر، وكل شئ يفصل من الشاة والدابة فهو ذكي، وإن أخذته منه بعد أن يموت فاغسله وصل فيه (5). مسألة 14: لا بأس بالتمشط بالعاج واستعمال المداهن منه. وبه قال

= المجموع 1: 236. (1) المجموع 1: 236، وبداية المجتهد 1: 75، وحكى ابن حزم في المحلى 1: 122 قول مالك: لا خير في عظام الميتة وهي ميتة. وانظر حاشية الدسوقي 1: 55.
(2) المجموع 1: 236، والإقناع 1: 14.
(3) النحل: 80.
(4) قال ابن النديم: زرارة لقب، واسمه عبد ربه بن أعين بن سنسن، أبو علي، أكبر رجال الشيعة فقها وحديثا ومعرفة بالكلام والتشيع. وذكر الشيخ المامقاني (ره) سنبس وقيل: (سنسن). وضبطه في ترجمة أحمد بن إبراهيم السنسني بسينين مهملتين مضمومتين نسبة إلى سنسن وزان هدهد الشاعر المعروف. وقال النجاشي: شيخ أصحابنا في زمانه ومتقدمهم، وكان قارئا فقيها متكلما شاعرا أديبا، قد اجتمعت فيه خلال الفضل والدين، صادقا فيما يرويه، من أصحاب الإمام الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام. مات سنة (150 ه‍). الفهرست لابن النديم 276، رجال النجاشي: 132، ورجال الطوسي 123، 201، 350 تنقيح المقال 1: 438.
(5) الكافي 6: 258 حديث 4، والتهذيب 8: 75 حديث 321، والاستبصار 4: 88 حديث 338.

[ 68 ]

أبو حنيفة (1) وقال الشافعي لا يجوز (2). دليلنا: إن الأصل الإباحة في جميع الأشياء فمن ادعى التحريم فعليه الدلالة، وعليه إجماع الفرقة. وروى ابن أبي عمير (3) عن الحسين بن الحسن بن عاصم (4) عن أبيه (5) إنه قال: دخلت على أبي إبراهيم عليه السلام وفي يده مشط عاج يتمشط به، فقلت له: جعلت فداك إن عندنا بالعراق من يزعم إنه لا يحل التمشط بالعاج، قال: ولم؟ فقد كان لأبي منها مشط أو مشطان. ثم قال: تمشطوا بالعاج، فإن العاج يذهب بالوباء (6) وروى الحسن بن محبوب، عن إبراهيم بن مهزم (7) عن القاسم بن

(1) أحكام القرآن للجصاص 1: 121، ومراقي الفلاح: 28 وشرح فتح القدير 1: 67.
(2) السنن الكبرى 1: 26، والأم 1: 9.
(3) محمد بن زياد بن عيسى، أبو أحمد الأزدي. كان أوثق الناس عند الخاصة والعامة، وأنسكهم نسكا، وأورعهم، وأعبدهم، وأدرك أبا الحسن موسى، والإمامين بعده عليهم السلام، وكان من أصحاب الإجماع، جليل القدر، عظيم الشأن، وأصحابنا يسكنون إلى مراسيله، لأنه لا يرسل إلا عن ثقة. الكنى والألقاب 1: 199، والنجاشي: 250، والفهرست: 142، وتنقيح المقال 2: 61.
(4) لم نقف على ترجمة له في المصادر المتوفرة لدينا، إلا أن أحمد بن المبارك روى عنه أيضا في (باب الكحل من كتاب الكافي) 6: 494 حديث 9.
(5) قال الشيخ المامقاني في التنقيح: الحسن بن عاصم. لم أقف فيه إلا على رواية الحسين ابنه، عن أبي إبراهيم عليه السلام في باب التمشط. وعن أبي عبد الله (ع) في باب الكحل من الكافي. إشارة إلى الرواية المذكورة أعلاه. تنقيح المقال 1: 286.
(6) الكافي 6: 488 حديث 3. وروى البيهقي في سنة 1: 26 عن أنس قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتمشط بمشط من عاج.
(7) إبراهيم بن مهزم الأسدي. من بني نصر. أيضا يعرف بابن أبي بردة، ثقة ثقة، عده الشيخ من أصحاب الإمامين أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، وعمر عمرا طويلا. رجال النجاشي: 17. الخلاصة: 6، ورجال الطوسي: 154، 342.

[ 69 ]

الوليد (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن عظام الفيل، مداهنها وأمشاطها، فقال: لا بأس بها (2). مسألة 15: يكره استعمال أواني الذهب والفضة، وكذلك المفضض منها. وقال الشافعي: لا يجوز استعمال أواني الذهب والفضة (3)، وبه قال أبو حنيفة في الشرب والأكل والتطيب على كل حال (4). وقال الشافعي: يكره المفضض (5) وقال أبو حنيفة لا يكره (6)، وهو مذهب داود. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا روى الحلبي (7)، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: لا تأكل في آنية من فضة. ولا في آنية مفضضة (8). وروى ابن محبوب، عن العلاء بن رزين (9)، عن محمد بن مسلم، عن

(1) القاسم بن الوليد القرشي العماري. روى عن أبي عبد الله عليه السلام. رجال النجاشي: 240.
(2) الكافي 6: 489 حديث 11.
(3) الأم 1: 10، والسنن الكبرى 1: 27، ومغني المحتاج 1: 29، والمجموع 1: 261، ونيل الأوطار 1: 81.
(4) بدائع الصنائع 5: 132، والمجموع 1: 261.
(5) مغني المحتاج 1: 29.
(6) المجموع 1: 261 وبدائع الصنائع 5: 133.
(7) أبو علي، عبيد الله بن علي بن أبي شعبة الحلبي. مولى بني تيم الله بن ثعلبة، كوفي، كان يتجر هو وأبوه وإخوته إلى حلب، فغلبت عليهم النسبة إلى حلب، وآل أبي شعبة، بيت مذكور في أصحابنا، روى جدهم أبو شعبة عن الحسن والحسين عليهم السلام، وكانوا جميعهم ثقات، مرجوعا إلى ما يقولون، وكان عبيد الله كبيرهم، وجههم وصنف الكتاب المنسوب إليهم، وعرضه على الصادق عليه السلام وصححه واستحسنه، وقال عند قرائته: ليس لهؤلاء في الفقه مثله. رجال النجاشي: 171، والفهرست للطوسي: 106، جامع الرواة 1: 529.
(8) الكافي 6: 267 حديث 3، والتهذيب 9: 10 حديث 386.
(9) العلاء بن رزين القلا، ثقفي، مولى. كان يقلي السويق، روى عن أبي عبد الله عليه السلام، وصحب محمد بن مسلم، وتفقه عليه، وكان ثقة، وجها. رجال النجاشي: 229.

[ 70 ]

أبي جعفر عليه السلام أنه نهى عن آنية الذهب والفضة (1). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه نهى عن استعمال أواني الذهب والفضة (2). مسألة 16: لا يجوز استعمال أواني المشركين من أهل الذمة، وغيرهم. وقال الشافعي: لا بأس باستعمالها ما لم يعلم فيها نجاسة (3) وبه قال أبو حنيفة ومالك (4) وقال أحمد بن حنبل، وإسحاق (5): لا يجوز استعمالها (6). دليلنا: قوله تعالى: " إنما المشركون نجس " (7)، فحكم عليهم بالنجاسة فيجب أن يكون كلما باشروه نجسا. وعليه إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط تقتضي تنجيسها. وروى محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن آنية أهل الذمة والمجوس فقال: لا تأكلوا في آنيتهم، ولا من طعامهم الذي يطبخونه، ولا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر (8). مسألة 17: السواك مسنون، غير واجب، وبه قال جميع الفقهاء (9).

(1) التهذيب 6: 90 حديث 385، والكافي 6: 267 حديث 4.
(2) صحيح مسلم 3: 163، ومن لا يحضره الفقيه 4: 4 (باب مناهي النبي صلى الله عليه وآله).
(3) المجموع 1: 264، ومغني المحتاج 1: 31.
(4) تفسير القرطبي 6: 78.
(5) أبو يعقوب، إسحاق بن راهويه إبراهيم بن مخلد الحنظلي، التميمي، المروزي عالم خراسان في عصره. من سكان مرو، وهو أحد كبار الحفاظ، أخذ عنه الإمام أحمد بن حنبل، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي وغيرهم. مات سنة (238 ه‍). تاريخ بغداد 6: 345، والفهرست لابن النديم: 286، وطبقات الفقهاء: 78، وتهذيب التهذيب 1: 216.
(6) المجموع: 1: 264.
(7) التوبة: 28.
(8) الكافي 6: 264 حديث 5. (9) الأم 1: 23 ومقدمات ابن رشد 1: 56 والتفسير الكبير 11: 157 وبدائع الصنائع 1: 19، ومغني المحتاج =

[ 71 ]

وقال داود: إنه واجب (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة (2). فلو كان واجبا لأمرهم به، شق أو لم يشق. وروى حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يكثر السواك، وليس بواجب. فلا يضرك تركه في فرط (3) الأيام (4). مسألة 18: عندنا أن كل طهارة عن حدث، سواء كانت صغرى، أو كبرى بالماء كانت، أو بالتراب، فإن النية واجبة فيها. وبه قال الشافعي، ومالك، والليث بن سعد، وابن حنبل (5). وقال الأوزاعي: الطهارة لا تحتاج إلى نية (6)، وقال أبو حنيفة: الطهارة

= 1: 55 وشرح فتح القدير 1: 15، ومراقي الفلاح: 11، وحاشية الدسوقي 1: 102، والدراري المضية 1: 58، ونيل الأوطار 1: 126، والمجموع 1: 271. (1) التفسير الكبير 11: 157، والمحلى 2: 8 والمجموع 1: 271، ونيل الأوطار 1: 126 وتحفة الأحوذي 1: 108.
(2) الكافي 3: 22 حديث 1، وسنن الترمذي 1: 34، وسنن ابن ماجه 1: 105 حديث 287.
(3) الفرط: الحين. يقال لقيته في الفرط بعد الفرط. أي الحين بعد الحين. الفرط: أن تأتيه في الأيام، ولا تكون أقل من ثلاثة، ولا أكثر من خمس عشرة ليلة. لسان العرب 7: 370 (مادة فرط).
(4) من لا يحضره الفقيه 1: 33 حديث 117: المحاسن 2: 563 حديث 960.
(5) التفسير الكبير 11: 153، أحكام القرآن للجصاص 2: 334 والمبسوط للسرخسي 1: 72، ومغني المحتاج 1: 47، وشرح فتح القدير 1: 21، وبداية المجتهد 1: 8، وبدائع الصنائع 1: 19، ومقدمات ابن رشد 1: 40، وحاشية الدسوقي 1: 93.
(6) أحكام القرآن لابن العربي 2: 557، وأحكام القرآن للجصاص 2: 334 وبداية المجتهد 1: 65.

[ 72 ]

بالماء لا تفتقر إلى نية، والتيمم يفتقر إلى النية (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " (2) الآية. فكأن تقدير الآية. فاغسلوا وجوهكم وأيديكم للصلاة، ولا يكون الانسان غاسلا لهذه الابعاض للصلاة إلا بالنية. وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال: " الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرء ما نوى " (3). فبين أن ما لا يكون بنية، لا يكون للانسان، فوجبت النية. وأيضا فإذا نوى فلا خلاف أن طهارته صحيحة، وإذا لم ينو فليس على صحتها دليل. مسألة 19: التسمية على الطهارة مستحبة، غير واجبة. وبه قال جميع الفقهاء (4). وقال إسحاق: واجبة (5) وحكي ذلك عن أهل الظاهر (6). وقال إسحاق: إن تركها عمدا لم تجزه الطهارة، وإن تركها ناسيا أو متأولا أجزأته (7).

(1) التفسير الكبير 11: 153، والمبسوط للسرخسي 1: 72، وأحكام القرآن للجصاص 2: 334، ومراقي الفلاح: 12، وبدائع الصنائع 1: 19، وشرح فتح القدير 1: 21، والمحلى 1: 73، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 557 وبداية المجتهد 1: 8. (2) المائدة 6.
(3) صحيح البخاري 1: 4 حديث 1، سنن ابن ماجه 2: 1413 حديث 4227.
(4) التفسير الكبير 11: 157 وتفسير ابن كثير 2: 23، وشرح فتح القدير 1: 12، ومسائل الإمام أحمد بن حنبل: 6، ومقدمات ابن رشد 1: 56، ومراقي الفلاح: 11، ومغني المحتاج 1: 57، وبدائع الصنائع 1: 20، والأم 1: 31 وحاشية الدسوقي 1: 103.
(5) التفسير الكبير 11: 157 وفيه: وقال أحمد وإسحاق: واجبة. وتحفة الأحوذي 1: 117.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 55، وتحفة الأحوذي 1: 117.
(7) سنن الترمذي 1: 38، وتحفة الأحوذي 1: 117، والتفسير الكبير 11: 157.

[ 73 ]

دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى شرع، وليس في الشرع ما يدل على وجوب التسمية. وروى علي بن الحكم (1)، عن داود العجلي (2)، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من توضأ فذكر اسم الله تعالى، طهر جميع جسده. ومن لم يسم لم يطهر من جسده إلا ما أصابه الماء (3). مسألة 20: يستحب غسل اليدين قبل إدخالهما الاناء، من النوم مرة، ومن البول مرة، ومن الغائط مرتين، ومن الجنابة ثلاثا. وقال الشافعي: يستحب غسلهما ثلاثا، ولم يفرق (4). وبه قال جميع الفقهاء (5) وقال داود، والحسن البصري: يجب ذلك (6). وقال أحمد: يجب ذلك من نوم الليل دون نوم النهار (7). دليلنا: براءة الذمة، وإجماع الفرقة، وأيضا فإن الله تعالى لما أوجب الوضوء في الآية، ذكر الأعضاء الأربعة، ولم يذكر غسل اليدين قبل إدخالهما الاناء، ولو كان واجبا لذكره.

(1) علي بن الحكم بن الزبير النخعي، أبو الحسن الضرير، مولى النخع، كوفي. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام ووثقه في الفهرست. رجال الطوسي: 382، وفهرست الشيخ الطوسي: 87، ورجال النجاشي: 210.
(2) داود العجلي مولى أبي المغرا. لم نعثر على ترجمته في المصادر المتوفرة لدينا، سوى أنه روى عن أبي عبد الله عليه السلام، وروى عنه علي بن الحكم في الكافي 3: 344 حديث 22، وروى عن أبي بصير في التهذيب 1: 358 حديث 1076. وفي الاستبصار 1: 68 حديث 205. وروى أيضا عمن أخبره عن أبي عبد الله عليه السلام في الكافي 3: 90 حديث 7.
(3) التهذيب 1: 358 حديث 1076، والاستبصار 1: 68 حديث 205.
(4) الأم 1: 24، ومغني المحتاج 1: 57، وتحفة الأحوذي 1: 111، وبداية المجتهد 1: 8.
(5) تفسير ابن كثير 2: 23، وفتح القدير 1: 13، وبداية المجتهد 1: 8.
(6) بداية المجتهد 1: 8، وتحفة الأحوذي 1: 112.
(7) مسائل الإمام أحمد بن حنبل: 4، وسنن الترمذي 1: 37، وتحفة الأحوذي 1: 112.

[ 74 ]

وروى ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان (1)، عن عبيد الله الحلبي قال: سألته عن الوضوء، كم يفرغ الرجل على يده اليمنى قبل أن يدخلها في الاناء؟ قال: واحدة من حدث البول، واثنتين من الغائط، وثلاثا من الجنابة (2). مسألة 21: المضمضة والاستنشاق مسنونان في الطهارة الصغرى والكبرى معا، وبه قال الشافعي (3). وقال الثوري (4) وأبو حنيفة: هما واجبان في الغسل من الجنابة، ومسنونان في الوضوء (5). وقال ابن أبي ليلى (6) (7) وإسحاق: هما واجبان في الطهارتين

(1) حماد بن عثمان بن عمرو بن خالد الفزاري، مولاهم، كوفي، كان يسكن عرزم فنسب إليها، وأخوه، ثقتان رويا عن أبي عبد الله عليه السلام، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق والكاظم وأبي الحسن الرضا عليهم السلام. مات سنة (190 ه‍). رجال النجاشي: 110، ورجال الطوسي 173 و 346 و 371.
(2) التهذيب 1: 36 حديث 96، والكافي، 1: 12 حديث 5، والاستبصار 1: 50 حديث 141.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 62، وسنن الترمذي 1: 41، والمحلى 2: 50، والتفسير الكبير 11: 157 وتفسير ابن كثير 2: 23، وبداية المجتهد 1: 9، وشرح فتح القدير 1: 38، والدراري المضية 1: 48.
(4) أبو عبد الله، سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، الكوفي، روى عن أبيه، وأبي إسحاق الشيباني، وأبي إسحاق السبيعي، وعبد الملك بن عمير وغيرهم. وروى عنه جمع كثير، منهم: جعفر بن برقان، وخصيف بن عبد الرحمن، وابن إسحاق. مات سنة (161 ه‍). طبقات الفقهاء: 65 وتهذيب التهذيب 4: 111.
(5) التفسير الكبير 11: 157، والمبسوط 1: 62، وسنن الترمذي 1: 41، وشرح فتح القدير 1: 38 و 16، المحلى 2: 50، بداية المجتهد 1: 9، وتحفة الأحوذي 1: 120، والدراري المضية 1: 48، وتفسير ابن كثير 2: 23.
(6) بداية المجتهد 1: 9، وتحفة الأحوذي 1: 120، والدراري المضية 1: 48.
(7) أبو عبد الرحمن، محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، قاضي الكوفة، تفقه على الشعبي، والحكم بن عيينة. وأخذ عنه الفقه سفيان بن سعيد الثوري، والحسن بن صالح بن حي. مات (148 ه‍). طبقات الفقهاء: 64، والتاريخ الكبير 1: 162. وتهذيب التهذيب 9: 301.

[ 75 ]

معا (1). وقال أحمد: الاستنشاق واجب فيهما والمضمضة لا تجب (2). دليلنا: براءة الذمة، وإيجابهما يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة. وأيضا لما ذكر الله تعالى الأعضاء الواجب غسلها في الآية لم يذكرهما. وروى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المضمضة والاستنشاق مما سن رسول صلى الله عليه وآله (3). مسألة 22: إيصال الماء إلى ما يستره شعر اللحية، وتخليلها غير واجب. فيجزي في الوضوء إمرار الماء على الشعر. وقال الشافعي: يستحب تخليل الشعر (4) وقال إسحاق، وأبو ثور، والمزني (5): التخليل واجب (6). وحكي عن أبي حنيفة قولان: الأول، إنه يلزمه إمرار الماء على اللحية، والثاني: إنه يلزمه إمرار الماء على ربعها (7).

(1) سنن الترمذي 1: 41، تحفة الأحوذي 1: 120، الدراري المضية 1: 48، والتفسير الكبير 11: 157.
(2) تفسير القرطبي 6: 84، ومسائل الإمام أحمد بن حنبل: 07 وتحفة الأحوذي 1: 120، والدراري المضية 1: 48، والمحلى 2: 50.
(3) الاستبصار 1: 67 حديث 202، والتهذيب 1: 79 حديث 203.
(4) سنن الترمذي 1: 46، وبداية المجتهد 1: 10، وعمدة القاري 3: 222.
(5) المزني: بضم الميم وفتح الزاي، أبو إبراهيم، إسماعيل بن يحيى بن عمرو بن إسحاق المصري الشافعي، الفقيه. هو أول من صنف في مذهب الشافعي. مات بمصر سنة (264 ه‍). وقال ابن النديم: المزني هو أبو إبراهيم، إسماعيل بن إبراهيم المزني، من مزينة، قبيلة من قبائل اليمن، أخذ عن الشافعي. طبقات الشافعية: 5، والفهرست لابن النديم: 266، والكنى والألقاب 3: 182.
(6) تفسير القرطبي 6: 84 وقال الترمذي في سننه 1: 46: قال إسحاق: إن تركه ناسيا أو متأولا أجزأه، وإن تركه عامدا أعاده. وانظر تحفة الأحوذي 1: 129 و 132. وذكر العيني قول المزني في عمدة القاري 3: 222.
(7) قال السرخسي في المبسوط 1: 80 حكاه المعلى عن أبي يوسف. ونحوه في أحكام القرآن للجصاص 2: 339، ومراقي الفلاح: 10، وشرح فتح القدير 1: 18، وبدائع الصنائع 1: 3.

[ 76 ]

دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وإيجاب التخليل يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة. وروى زرارة بن أعين، أنه قال لأبي جعفر عليه السلام، هل يجب غسل ما أحاط به الشعر؟ فقال: كل ما أحاط به الشعر فليس على العباد أن يطلبوه، ولا يبحثوا عنه ولكن يجري عليه الماء (1). مسألة 23: حد الوجه الذي يجب غسله في الوضوء، من قصاص شعر الرأس إلى محادر شعر الذقن طولا، وما دارت عليه الابهام والوسطى عرضا. وقال جميع الفقهاء: إن حده من منابت الشعر من رأسه، إلى مجمع اللحية والذقن طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا (2). إلا مالكا فإنه قال: البياض الذي بين العذار (3) والأذن لا يلزمه غسله (4). وقال الزهري: ما أقبل من الأذنين من الوجه، يغسل مع الوجه (5). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك. وأيضا فلا خلاف في إن ما اعتبرناه من الوجه، وما زاد عليه يحتاج إلى دليل. وروى حماد، عن حريز، عن زرارة قال: قلت لأحدهما عليه السلام، أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي له أن يوضأ، والذي قال الله تعالى وأمر بغسله، الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه ولا ينقص منه، إن زاد عليه لم يؤجر، وإن نقص منه أثم. قال: ما دارت عليه السبابة والوسطى والابهام، من

(1) التهذيب 1: 364 حديث 1106، ومن لا يحضره الفقيه 1: 28 ذيل حديث 88.
(2) التفسير الكبير 11: 157، والأم 1: 25، والمبسوط للسرخسي 1: 6، والمجموع 1: 371.
(3) عذار اللحية جانباها، يتصل أعلاها بالصدغ، وأسفله بالعارض. مجمع البحرين: 297 (مادة عذر).
(4) مقدمات ابن رشد 1: 50، وبداية المجتهد 1: 10، وحاشية الدسوقي 1: 85 ونيل الأوطار 1: 188.
(5) أحكام القرآن لابن العربي 2: 573، وتحفة الأحوذي 1: 147، وبداية المجتهد 1: 14، ونيل الأوطار 1: 188. وروى عبد الرزاق بن همام في المصنف 1: 14 عن الشعبي قال: ما استقبل الوجه من الأذنين فهو من الوجه يغسله، وظاهرهما من الرأس، ونحوه في التفسير الكبير 11: 159.

[ 77 ]

قصاص شعر الرأس إلى الذقن، وما جرت عليه الإصبعان من الوجه مستديرا، فهو من الوجه، وما سوى ذلك فليس من الوجه. قلت: الصدغ (1) ليس من الوجه؟ قال: لا (2). مسألة 24: ما استرسل من شعر اللحية طولا وعرضا، لا يجب إفاضة الماء عليه وهو أحد قولي الشافعي (3)، واختيار المزني (4) وبه قال أبو حنيفة (5). والقول الآخر: إنه يجب (6). ولا خلاف أنه لا يجب غسل هذا الشعر. دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة المحقة، وأيضا فإن الله تعالى أوجب غسل الوجه، وما استرسل من الشعر لا يسمى وجها. مسألة 25: لا يجب إيصال الماء إلى أصل شئ من شعر الوجه مثل شعر الحاجبين والأهداب والعذار والشارب والعنفقة (7). وبه قال أبو حنيفة (8).

(1) قال ابن الأثير، الصدغ، هو ما بين العين إلى شحمة الأذن. النهاية 3: 17. وقال الجوهري: الصدغ بالضم: ما بين العين والأذن ويسمى أيضا الشعر المتدلي عليه صدغا. وفيه: ربما قيل صدغ بالسين لما حكاه عن قطرب. انظر الصحاح في اللغة (فصل الصاد من باب الغين).
(2) الكافي 3: 27 حديث 1، والتهذيب 1: 54 حديث 154، ومن لا يحضره الفقيه 1: 28 حديث 88 باختلاف يسير في اللفظ.
(3) الأم 1: 25، وبداية المجتهد 1: 10، ومغني المحتاج 1: 52، والأم (مختصر المزني): 2، والتفسير الكبير 11: 158.
(4) الأم (مختصر المزني): 2، والتفسير الكبير 11: 158.
(5) التفسير الكبير 11: 158، والمبسوط للسرخسي 1: 6، وأحكام القرآن للجصاص 2: 339، ومراقي الفلاح: 10، وبداية المجتهد 1: 10، وشرح فتح القدير 1: 9، وبدائع الصنائع 1: 4.
(6) الأم 1: 25، وبدائع الصنائع 1: 4، والتفسير الكبير 11: 158، الأم (مختصر المزني): 2.
(7) قال ابن منظور: العنفقة، ما بين الشفة السفلى والذقن منه، لخفة شعرها. وقيل ما بين الذقن وطرف الشفة السفلى، كان عليها شعرا أو لم يكن. وقيل: ما نبت على الشفة السفلى من الشعر. لسان العرب 12: 150 (مادة عنفق).
(8) شرح فتح القدير 1: 10، وبدائع الصنائع 1: 3.

[ 78 ]

وقال الشافعي: ذلك واجب (1). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء، وعليه إجماع الفرقة، وخبر زرارة، وقد قدمناه (2). مسألة 26: غسل المرفقين واجب مع اليدين، وبه قال جميع الفقهاء (3) إلا زفر (4) فإنه قال: لا يجب ذلك (5). دليلنا: قوله تعالى: " وأيديكم إلى المرافق " (6) فإن " إلى " قد تكون بمعنى " مع " وتكون بمعنى الغاية. وقد ثبت عن الأئمة عليهم السلام إن المراد بها في الآية " مع " فعلمنا بذلك وجوب غسلهما، وأيضا الاحتياط يقتضي ذلك. لأن من غسل المرفقين مع اليدين، لا خلاف أن وضوءه صحيح. وإذا لم يغسلهما، ليس على صحته دليل. وروى جابر، إن النبي صلى الله عليه وآله توضأ فغسل يديه، وذلك من مرفقيه (7)، وعليه إجماع الفرقة.

(1) الأم: 1: 25، ومغني المحتاج 1: 51، وبدائع الصنائع 1: 3.
(2) تقدم في المسألة (22).
(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 341، ومقدمات ابن رشد 1: 51، ومراقي الفلاح: 9، وعمدة القاري 2: 233: وأحكام القرآن لابن العربي 2: 565، وشرح فتح القدير 1: 10، وبدائع الصنائع 1: 4، وبداية المجتهد 1: 10، ومغني المحتاج 1: 52، وحاشية الدسوقي 1: 87، والتفسير الكبير 11: 159، والمبسوط للسرخسي 1: 6.
(4) أبو الهذيل، زفر بن الهذيل بن قيس بن مسلم بن مكمل بن ذهل بن ذويب العنبري. أحد الفقهاء والزهاد، وأول من قدم البصرة برأي أبي حنيفة، مات سنة (158 ه‍) الفهرست لابن النديم: 256، والجرح والتعديل 3: 608، ولسان الميزان 2: 476.
(5) شرح فتح القدير 1: 10 وأحكام القرآن للجصاص 2: 341، وعمدة القاري 2: 233. وبدائع الصنائع 1: 4، والتفسير الكبير 11: 159 وفيه: وقال مالك وزفر: لا يجب غسلهما.
(6) المائدة: 6.
(7) لم نعثر على هذه الرواية، إلا أن الدار قطني في سننه 1: 83، روى عن جابر بن عبد الله قال: كان =

[ 79 ]

وروى عمر بن أذينة (1)، عن بكير (2) وزرارة ابني أعين أنهما سألا أبا جعفر عليه السلام عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فوصف لهما، إلى أن انتهى إلى غسل اليدين، فقالا: ثم غمس كفه اليسرى في الاناء، فاغترف بها من الماء، فغسل به اليمنى من المرفق إلى أطراف الأصابع لا يرد الشعر، وكذلك فعل باليسرى (3). مسألة 27: مسح الرأس دفعة واحدة، وتكراره بدعة. وقال أبو حنيفة: ترك التكرار أولى (4) وقال الشافعي: المسنون ثلاث مرات (5) وبه قال الأوزاعي: والثوري. وقال: ابن سيرين (6): يمسح

= رسول الله (ص) إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه. وقال السرخسي في المبسوط 1: 7: إنه (ص) توضأ وأدار الماء على مرافقه. (1) عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن أذينة بن سلمة. قال النجاشي في رجاله: 218: شيخ أصحابنا البصريين ووجههم، روى عن أبي عبد الله عليه السلام بمكاتبة. وقيل: اسمه محمد بن عمر بن أذينة فغلب عليه اسم أبيه. وقيل: أحمد بن عمر بن أذينة أيضا. وثقه الشيخ في الفهرست. انظر تفصيل ذلك في تنقيح المقال 2: 340، والفهرست: 113.
(2) بكير بن أعين بن سنسن، أخو زرارة، كوفي. يكنى أبا الجهم من موالي بني شيبان. لما بلغ الصادق (ع) موت بكير بن أعين قال: (أما والله لقد أنزله الله عز وجل بين رسول الله (ص) وبين أمير المؤمنين (ع). عده الشيخ من أصحاب الإمام الباقر والصادق عليهما السلام. رجال الطوسي: 109 و 157، وجامع الرواة 1: 129.
(3) مما يظهر من رواية الشيخ (قدس سره) في التهذيب والاستبصار، ورواية الكليني (قدس سره) في الكافي، إن ما ذكر أعلاه ليس نصا لرواية، بل إن المصنف نور الله ضريحه ذكرها بتصرف. وللإطلاع على نص الرواية، انظر التهذيب 1: 56 حديث 158، والاستبصار 1: 57 حديث 168، والكافي 3: 25 حديث 5.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 7، ومراقي الفلاح: 12، وبدائع الصنائع 1: 22، ونيل الأوطار 1: 198.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 7، وبدائع الصنائع 1: 22، وبداية المجتهد 1: 12، وتفسير القرطبي 6: 89 ومغني المحتاج 1: 58، والأم 1: 26، ونيل الأوطار 1: 197.
(6) محمد بن سيرين الأنصاري، مولاهم، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، إمام وقته. روى عن مولاه =

[ 80 ]

دفعتين (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم و أرجلكم " (2) فأوجب المسح بالظاهر. وقد ثبت أن الأمر لا يقتضي التكرار، فمن أوجب التكرار احتاج إلى دليل، وكذلك من قال إنه مسنون احتاج إلى دليل. وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام في مسح القدمين، ومسح الرأس قال: مسح الرأس واحدة (3). مسألة 28: لا يجوز أن يستأنف لمسح الرأس والرجلين ماءا جديدا عند أكثر أصحابنا. وقد رويت رواية شاذة أنه: يستأنف ماءا جديدا (4)، وهي محمولة على التقية. فإن جميع الفقهاء يوجبون استئناف الماء (5)، إلا مالكا. فإنه أجاز المسح ببقية الماء، لإجازته استعمال الماء المستعمل. وإن كان الأفضل عنده استئناف الماء (6).

= أنس بن مالك، وزيد بن ثابت، وجندب بن عبد الله البجلي وغيرهم. وروى عنه الشعبي، وثابت، وخالد الحذاء، وداود بن أبي هند. مات سنة (110 ه‍). تهذيب التهذيب 9: 214. (1) تفسير القرطبي 6: 89.
(2) المائدة: 6.
(3) في التهذيب 1: 82، حديث 215، والاستبصار 1: 61 حديث 181 مع زيادة نصها: من مقدم الرأس ومؤخره، ومسح القدمين ظاهرهما وباطنهما. وروى الترمذي في سننه 1: 50 (باب ما جاء إن مسح الرأس مرة) قال: حدثنا محمد بن منصور المكي قال: سمعت سفيان بن عيينة يقول: سألت جعفر ابن محمد عليهما السلام عن مسح الرأس، أيجزي مرة؟ فقال: أي والله.
(4) الاستبصار 1: 58 حديث 173 و 174: والتهذيب 1: 58 حديث 163 و 164.
(5) تحفة الأحوذي 1: 142، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 571، وسنن الترمذي 1: 51.
(6) موطأ مالك 1: 41، وحاشية الدسوقي 1: 88.

[ 81 ]

دليلنا: قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم وأرجلكم " (1)، ولم يذكر استئناف الماء، وهذا قد مسح. فإن قيل: ولم يذكر المسح ببقية الندى، قلنا: نحن نحمل الآية على العموم، ونخصها بدليل إجماع الفرقة. وقد تكلمنا على الروايات المختلفة في ذلك، في الكتابين المقدم ذكرهما (2). وروى بكير وزرارة، عن أبي جعفر عليه السلام وأبي عبد الله عليه السلام أنهما حين وصفا وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، ذكرا في آخره أنه لم يستأنف لمسح الرأس والرجلين ماءا جديدا، وذلك نص (3). وروى أبو عبيدة الحذاء (4) قال: وضأت أبا جعفر عليه السلام بجمع (5) وقد بال فناولته ماءا فاستنجى، ثم صببت عليه كفا، فغسل به وجهه، وكفا فغسل به ذراعه الأيمن، وكفا فغسل به ذراعه الأيسر، ثم مسح بفضلة الندى رأسه ورجليه (6). مسألة 29: المسح ببعض الرأس هو الواجب، والأفضل ما يكون مقداره

(1) المائدة: 6.
(2) أي التهذيب 1: 58 و 59، والاستبصار 1: 58 و 59.
(3) تقدم في المسألة (26).
(4) زياد بن عيسى، أبو عبيدة الحذاء، كوفي، مولى، ثقة. روى عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع) مات في حياة أبي عبد الله (ع). وقال سعد بن عبد الله الأشعري: ومن أصحاب أبي جعفر، أبو عبيدة، وهو زياد بن رجاء كوفي، ثقة، صحيح، واسم أبي الرجاء منذر. وقيل: زياد بن أحرم ولم يصح. رجال النجاشي: 129.
(5) جمع: بالفتح والسكون، المشعر الحرام، وهو أقرب الموقفين إلى مكة المشرفة، مجمع البحرين: 389. وفي المصباح المنير 1: 150: ويقال: المزدلفة، جمع.
(6) الاستبصار 1: 58 حديث 172 نحوه. وفيه أيضا: 69 حديث 209، والتهذيب 1: 58 حديث 162 بلفظ آخر نصه: قال: وضأت أبا جعفر عليه السلام بجمع وقد بال فناولته ماءا فاستنجى، ثم أخذ كفا فغسل به وجهه وكفا غسل به ذراعه الأيمن وكفا غسل به ذراعه الأيسر، ثم مسح بفضلة الندى رأسه ورجليه.

[ 82 ]

ثلاث أصابع مضمومة، ويجزي مقدار إصبع واحد. وقال مالك: يجب مسح الرأس كله (1)، فإن ترك بعضه ناسيا لم يؤثر، وإن تركه عامدا فإن كان الثلث فما دونه لم يؤثر، وإن كان أكثر من الثلث بطل وضوءه. وقال الشافعي: ما يقع عليه اسم المسح يجزي (2) وبه قال الأوزاعي، والثوري. قال أبو حنيفة في إحدى الروايتين: إنه يجب أن يمسح قدر ثلث الرأس بثلاث أصابع. وفي الثانية: إنه يمسح ربع الرأس بثلاث أصابع (3) وقال زفر يمسح ربع الرأس بإصبع واحد (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم " (5)، قد ثبت إن الباء تقتضي التبعيض، لأنه لا بد من أن يكون لدخولها في الكلام المفيد المستقل بنفسه فائدة، وليست فائدتها إلا التبعيض. وأيضا روى زرارة وبكير ابنا أعين عن أبي جعفر عليه السلام إنه قال في المسح: تمسح على النعلين ولا تدخل يدك تحت الشراك، وإذا مسحت بشئ من رأسك، أو بشئ من قدميك، ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد

(1) المدونة الكبرى 1: 16، وأحكام القرآن للجصاص 2: 341، والمبسوط للسرخسي 1: 63، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 566، وشرح فتح القدير 1: 11، وبداية المجتهد 1: 11، وعمدة القاري 2: 234، وبدائع الصنائع 1: 4، وحاشية الدسوقي 1: 88. والتفسير الكبير 11: 160.
(2) الأم 1: 26، وأحكام القرآن للجصاص 2: 341 والمبسوط للسرخسي 1: 63، ومغني المحتاج 1: 53، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 566، وبداية المجتهد 1: 11، وبدائع الصنائع 1: 4، وعمدة القاري 2: 234 وفتح المعين: 6. والتفسير الكبير 11: 160.
(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 344، والمبسوط للسرخسي 1: 63، وعمدة القاري 2: 234 وشرح فتح القدير 1: 11، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 566، وبدائع الصنائع 1: 4، وفتح المعين: 6. وبداية المجتهد 1: 11.
(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 344، وبدائع الصنائع 1: 4.
(5) المائدة: 6.

[ 83 ]

أجزأك (1). مسألة 30: مسح جميع الرأس غير مستحب. وقال جميع الفقهاء: إن مسح جميعه مستحب (2). دليلنا: إن استحبابه يحتاج إلى دليل شرعي، وليس في الشرع ما يدل عليه وأيضا أجمعت الفرقة على إن ذلك بدعة، فوجب نفيه. مسألة 31: استقبال شعر الرأس واليدين في المسح والغسل لا يجوز. وقال جميع الفقهاء: إن ذلك جائز (3). دليلنا: إجماع الفرقة. وأيضا ما ذكرناه لا خلاف إن فرض الوضوء يسقط به، وما قالوه ليس على سقوط الفرض به دليل. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله إنه حين علم الأعرابي الوضوء قال له: " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " (4). فلا يخلو أن يكون استقبل الشعر، أو لم يستقبله. فإن كان استقبل فيجب فيمن لا يستقبل أن لا يجزيه. وقد أجمعنا على خلافه. وإن كان ما استقبل الشعر، فقد ثبت أن من خالفه لا يجزيه، ولا يقبل الله تعالى صلاته. مسألة 32: موضع مسح الرأس، مقدمه. وقال جميع الفقهاء: إنه مخير، أي مكان شاء مسح مقدار الواجب (5). دليلنا: طريقة الاحتياط، فإن من مسح الموضع الذي قلناه فصلاته ماضية بلا خلاف. وإن مسح موضعا آخر ففيه خلاف. وعليه إجماع الفرقة. وخبر

(1) التهذيب 1: 90 حديث 237، والاستبصار 1: 61 حديث 182.
(2) مغني المحتاج 1: 59، ومراقي الفلاح 1: 12، وبدائع الصنائع 1: 22، ونيل الأوطار 1: 192.
(3) مسائل الإمام أحمد بن حنبل: 6، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 572 وتحفة الأحوذي 1: 134، ونيل الأوطار 1: 192.
(4) من لا يحضره الفقيه 1: 25 حديث 76، والمبسوط للسرخسي 1: 9 عن ابن عمر.
(5) أحكام القرآن للجصاص 2: 341، الأم 1: 26، وفتح الباري 1: 292.

[ 84 ]

الأعرابي أيضا يدل عليه على الترتيب الذي قلناه. وقد رويت روايات من جهة الخاصة موافقة للعامة. بينا الوجه فيها في الكتابين المذكورين (1). مسألة 33: من كان على رأسه جمة (2) فأدخل يده تحتها، ومسح على رأسه أجزءه. وقال الشافعي: لا يجزيه (3). دليلنا: قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم " (4)، وهذا مسح رأسه. والأخبار المروية في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله إنه مسح رأسه. تدل على ذلك (5). مسألة 34: إذا غسل رأسه لا يجزيه عن المسح. وعن الشافعي روايتان: إحداهما مثل ما قلناه (6). والأخرى: إنه يجزيه. وهو مذهب باقي الفقهاء (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم " (8)، ومن

(1) التهذيب 1: 62 حديث 169 - 170، والاستبصار 1: 60 - 61 حديث 179 و 180، والكافي 3: 72 حديث 11.
(2) قال ابن الأثير في النهاية 1: 300: الجمة: هو الاجتماع والكثرة، والغفير من الغفر، وهو التغطية والستر، فجعلت الكلمتان في موضع الشمول والاحاطة. وقال أيضا: الجمة من شعر الراس، ما سقط على المنكبين. وورد في مجمع البحرين: 530: الجمة من الانسان، مجتمع شعر ناصيته.
(3) الأم 1: 26.
(4) المائدة: 6.
(5) من لا يحضره الفقيه 1: 24 حديث 74، والكافي 1: 25 حديث 4 و 5، والتهذيب 1: 190 و 191.
(6) فتح العزيز 1: 355، ومغني المحتاج 1: 53. (7) فتح العزيز 1: 355، ومغني المحتاج 1: 53، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 571، وحاشية الدسوقي 1: 89، وحاشية الجمل على شرح المنهج 1: 114، وتفسير القرطبي 6: 90.
(8) المائدة: 6.

[ 85 ]

غسل فلم يمسح. لأن المسح غير الغسل. وخبر الأعرابي يدل على ذلك أيضا على ما بيناه لأن النبي صلى الله عليه وآله مسح بلا خلاف. مسألة 35: إيصال الماء إلى داخل العين في غسل الوجه ليس بمستحب. وقال أصحاب الشافعي: إنه مستحب وحكي عن ابن عمر مثل ذلك (1). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، والوجوب والندب يحتاجان إلى دليل. وأيضا قوله تعالى: " فاغسلوا وجوهكم " (2) ولم يقل وأعينكم. وخبر الأعرابي يدل على ذلك أيضا، لأنه لم يرو أنه غسل داخل العين، ولو كان غسلهما لما جاز تركهما. وأيضا إجماع الفرقة يدل على ذلك. مسألة 36: المسح على العمامة لا يجوز. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، ومالك (3). وقال الثوري، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: ذلك جائز (4). دليلنا: قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم " (5)، فأوجب المسح على الرأس. ومن مسح على العمامة لم يمسح رأسه. وأيضا إجماع الفرقة يدل على ذلك.

(1) المبسوط للسرخسي 1: 6، وأحكام القرآن للجصاص 2: 366، وبدائع الصنائع 1: 4، وتفسير القرطبي 6: 84 وحكى الفخر الرازي في تفسيره 11: 157 عن ابن عباس قوله بوجوب إيصال الماء داخل العين.
(2) المائدة: 6.
(3) الأم 1: 26، ومقدمات ابن رشد 1: 52 وشرح فتح القدير 1: 11، وبداية المجتهد 1: 13، وبدائع الصنائع 1: 5، وأحكام القرآن للجصاص 2: 351.
(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 351، ومقدمات ابن رشد 1: 52، ومسائل الإمام أحمد بن حنبل: 8، وبداية المجتهد 1: 13، والدراري المضية 1: 52.
(5) المائدة: 6.

[ 86 ]

وروى يونس (1)، عن حماد (2)، عن الحسين (3)، قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام، عن رجل توضأ وهو معتم، وثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد؟ فقال: ليدخل إصبعه (4). مسألة 37: لا يجوز مسح الأذنين، ولا غسلهما في الوضوء. وقال الشافعي: يستحب أن يمسحا بماء جديد (5). وقال أبو حنيفة: إنهما من الرأس، يمسحان معه (6). وذهب الزهري: إلى أنهما من الوجه يغسلان معه (7).

(1) أبو محمد، يونس بن عبد الرحمن، مولى علي بن يقطين بن موسى، مولى بني أسد. كان وجها في أصحابنا، متقدما عظيم المنزلة. ولد في أيام هشام بن عبد الملك، ورأى جعفر بن محمد عليه السلام بين الصفا والمروة، ولم يرو عنه. وروى عن أبي الحسن موسى والرضا عليهما السلام. وكان الرضا عليه السلام يشير إليه في العلم والفتيا، وكان ممن بذل له على الوقف مال جزيل، وامتنع من أخذه، وثبت على الحق. قاله النجاشي عده الشيخ في أصحاب الإمام الكاظم والرضا عليهما السلام وقال: ضعفه القميون وهو ثقة. وقال العلامة: مات سنة ثمان ومأتين. رجال النجاشي: 348، والخلاصة: 184. ورجال الطوسي 364، 394.
(2) هو حماد بن عيسى، تقدمت ترجمته في مسألة 7.
(3) الحسين بن المختار، أبو عبد الله القلانسي. كوفي، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليه السلام، له كتاب يرويه عنه حماد بن عيسى وغيره. عده الشيخ في أصحاب الكاظم عليه السلام وقال: واقفي. وعده الشيخ المفيد في الارشاد من الثقات وأهل الورع الذين رووا النص على الإمام الرضا عليه السلام رجال الشيخ الطوسي: 346، وإرشاد الشيخ المفيد: 304. ورجال النجاشي: 43.
(4) التهذيب 1: 90 حديث 239. والكافي 3: 30 حديث 3، والاستبصار 1: 61 حديث 183.
(5) الأم 1: 26، وأحكام القرآن للجصاص 2: 353، وبداية المجتهد 1: 13، وتفسير القرطبي 6: 90، وتحفة الأحوذي 1: 147.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 65، وأحكام القرآن للجصاص 2: 353، وشرح معاني الآثار 1: 34، وبداية المجتهد 1: 13، وشرح فتح القدير 1: 12، وتحفة الأحوذي 1: 148، وتفسير القرطبي 6: 90.
(7) أحكام القرآن لابن العربي 2: 573، وتحفة الأحوذي 1: 147، وأشار أيضا إلى ذلك ابن رشد في بداية المجتهد 1: 14 بقوله: وشذ قوم فذهبوا إلى أنهما يغسلان مع الوجه.

[ 87 ]

وذهب مالك وأحمد إلى أنهما من الرأس لكنهما يمسحان بماء جديد (1). وذهب الشعبي (2) والحسن البصري، وإسحاق: إلى أن ما أقبل منهما يغسل، وما أدبر يمسح مع الرأس (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين " (4)، فأوجب غسل الوجه، ومسح الرأس، ولم يذكر الأذنين. وأيضا خبر الأعرابي يدل عليه. وروى ابن بكير (5)، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام، إن أناسا يقولون: إن بطن الأذنين من الوجه، وظهرهما من الرأس. فقال: ليس عليهما غسل ولا مسح (6). مسألة 38: الفرض في غسل الأعضاء مرة واحدة، واثنتان سنة، والثالثة بدعة. وفي أصحابنا من قال: إن الثانية بدعة (7) وليس بمعول عليه. ومنهم من

(1) المدونة الكبرى 1: 16، ومسائل الإمام أحمد بن حنبل: 8، وأحكام القرآن للجصاص 2: 353، وتحفة الأحوذي 1: 148. وتفسير القرطبي 6: 90، وبداية المجتهد 1: 13.
(2) أبو عمر، عامر بن شراحيل الشعبي الحميري، كوفي من شعب همدان، وإليها ينسب. روى عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام وزيد بن ثابت، وسعيد بن زيد وغيرهم. وروى عنه أبو إسحاق السبيعي، والأعمش، وسعيد بن عمر وغيرهم. مات سنة (104 ه‍). وقيل (107 ه‍). طبقات الفقهاء: 61، وتهذيب التهذيب 5: 65.
(3) سنن الترمذي 1: 55، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 574، وتحفة الأحوذي 1: 147.
(4) المائدة: 6.
(5) أبو علي، عبد الله بن بكير بن أعين بن سنسن الشيباني ثقة، مولاهم، روى عن الصادق عليه السلام، وروى عنه الحسن بن علي بن فضال، والقاسم بن عروة، وجعفر بن بشير وغيرهم. رجال النجاشي: 164، والفهرست 106، وتنقيح المقال 2: 171.
(6) الاستبصار 1: 63 حديث 187، والكافي 3: 29 حديث 10. وفي التهذيب 1: 55 حديث 156 من دون كلمة (بطن).
(7) لم نعثر على هذا القول في مظان المصادر المتوفرة لدينا. وقد صرح بنسبته للشيخ الصدوق (قدس سره) =

[ 88 ]

.............................................................................

(1) ابن إدريس في السرائر: وقال: والمرتان سنة وفضيلة بإجماع المسلمين، ولا يلتفت إلى خلاف من خالف من أصحابنا بأنه لا يجوز المرة الثانية، لأنه إذا تعين المخالف وعرف اسمه ونسبه فلا يعتد بخلافه. والشيخ أبو جعفر محمد بن بابويه يخالف في ذلك. (انتهى). وقد استند على قول ابن إدريس (قدس سره) أكثر الفقهاء الذين تلوه، ونسبوا المخالفة إلى الشيخ الصدوق قدس سره أيضا. فنقول: لم يستظهر من كتب الشيخ الصدوق (قدس سره) كما ستطلع عليه القول بذلك. ولعل ابن إدريس (قدس سره) استند إلى كتاب آخر غير ما هو موجود بين أيدينا من كتب الشيخ الصدوق (قدس سره). أما ما قاله الصدوق في الهداية: 17 ما لفظه: إن من توضأ مرتين لم يؤجر، ومن توضأ ثلاثا فقد أبدع (إنتهى). وأما ما قاله في الفقيه 1: 25 ما لفظه: وأما الأخبار التي رويت في أن الوضوء مرتين مرتين، فأحدها بإسناد منقطع برواية أبي جعفر الأحول، ذكر عمن رواه عن أبي عبد الله عليه السلام قال: فرض الله الوضوء واحدة ووضع رسول الله صلى الله عليه وآله للناس اثنتين اثنتين. وهذا على وجه الانكار، لا على وجه الإخبار. كأنه عليه السلام يقول: حد الله حدا فتجاوزه رسول الله صلى الله عليه وآله وتعداه. وقال تعالى: " ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ". وفي حديث آخر بإسناد منقطع رواه عمرو بن أبي المقدام قال: حدثني من سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: إني لأعجب ممن يرغب أن يتوضأ اثنتين اثنتين وقد توضأ رسول الله صلى الله عليه وآله اثنتين اثنتين، فإن النبي صلى الله عليه وآله كان يجدد الوضوء لكل فريضة. فمعنى هذا الحديث هو إني لأعجب ممن يرغب عن تجديد الوضوء، وقد جدده النبي صلى الله عليه وآله. والخبر الذي روي: إن من زاد على مرتين لم يؤجر يؤكد ما ذكرته. ومعناه إن تجديده بعد التجديد لا أجر له. وكذلك ما روي إن مرتين أفضل معناه التجديد. وكذلك ما روي في مرتين أنه إسباغ. (إنتهى). ويستفاد مما تقدم من كلام الشيخ الصدوق قدس سره: إن الثانية لم يؤجر عليها هو غسل الأعضاء في الوضوء الواحد مرتين. وعدم الأجر على الفعل لا يدل على عدم الجواز، وكونه بدعة. ولعل ابن إدريس وصاحب الحدائق وغيرهما من الفقهاء العظام قدس الله أرواحهم استظهروا من عدم الأجر كونه بدعة.

[ 89 ]

قال: الثالثة تكلف (1)، ولم يصرح بأنها بدعة (2). والصحيح الأول. وقال الشافعي: الفرض واحد، واثنتان أفضل، والسنة ثلاثة (3). وبه قال أبو حنيفة، وأحمد (4). وقال مالك: مرة أفضل من المرتين. وحكي عن بعضهم إن الثلاث مرات واجب. دليلنا: قوله تعالى: " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم " (5)، ومن غسل دفعة واحدة وجهه ويديه، فقد أدى الفرض. فمن ادعى أكثر منه فرضا أو سنة فعليه الدليل. وأيضا روى ابن محبوب، عن ابن رباط (6) عن يونس بن عمار (7) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الوضوء للصلاة؟ فقال: مرة مرة (8). مسألة 39: الفرض في الطهارة الصغرى المسح على الرجلين.

(1) في نسخة كما نقل عنها الشيخ البحراني في الحدائق الناضرة 2: 319 (ومنهم من قال: إن الثانية تكلف ولم يقل بأنها بدعة. والصحيح الأول).
(2) وهو قول الشيخ المفيد قدس سره في المقنعة: 5.
(3) فتح الباري 1: 260، وبداية المجتهد 1: 12.
(4) سنن الترمذي 1: 64 والمبسوط للسرخسي 1: 9 وشرح فتح القدير 1: 20، ومسائل الإمام أحمد: 6.
(5) المائدة: 6.
(6) علي بن الحسن بن رباط البجلي، أبو الحسن. كوفي، ثقة، معول عليه. قاله النجاشي. وعده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الرضا عليه السلام. وقد يطلق ابن رباط أيضا على الحسن والحسين ويونس بني رباط. رجال النجاشي 189، ورجال الطوسي: 384، وجامع الرواة 2: 433.
(7) يونس بن عمار بن الفيض الصيرفي التغلبي، أبو الحسن الكوفي. روى عن أبي عبد الله عليه السلام وروى عنه يونس بن عبد الرحمن، وعثمان بن عيسى وابن محبوب وغيرهم، وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام. رجال الطوسي 337، وجامع الرواة 2: 360، تنقيح المقال 3: 343.
(8) الكافي 3: 26 حديث 6، الاستبصار 1: 69 حديث 211، والتهذيب 1: 80 حديث 206، وصحيح البخاري 1: 39.

[ 90 ]

وقال جميع الفقهاء: الفرض هو الغسل (1). وقال الحسن بن أبي الحسن البصري، ومحمد بن جرير (2) وأبو علي الجبائي (3) بالتخيير (4). وروي عن جماعة من الصحابة والتابعين كابن عباس (5) وعكرمة (6) وأنس (7) وأبي

(1) المبسوط للسرخسي 1: 8، وأحكام القرآن للجصاص 2: 345، ومسائل أحمد بن حنبل: 8: والأم: 1: 27، وفتح الباري 1: 266، وفتح المعين: 6، ومقدمات ابن رشد 1: 52، ومراقي الفلاح: 9، وعمدة القاري 2: 236 و 238، وبدائع الصنائع 1: 5، ومغني المحتاج 1: 53، وتفسير الطبري 6: 83، وبداية المجتهد 1: 14، والتفسير الكبير 11: 161.
(2) محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الطبري، أبو جعفر، المفسر الكبير، صاحب (جامع البيان). أصله من طبرستان مات سنة 310 ه‍. قال ابن حجر في لسان الميزان: ثقة صادق، فيه تشيع يسير، وموالاة لا تضر، وإنما نبز بالتشيع لأنه صحح حديث غدير خم. وحكى الذهبي في التذكرة عن الفرغاني: (إنه لما بلغه إن ابن أبي داود تكلم في حديث غدير خم، عمل كتاب الفضائل، وتكلم على تصحيح الحديث قلت: رأيت مجلدا من طرق الحديث لابن جرير، فاندهشت له ولكثرة تلك الطرق). انظر لسان الميزان 5: 100، وطبقات المفسرين: 30، وتذكرة الحفاظ 2: 251، والبداية والنهاية 11: 145.
(3) أبو علي، محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن أبي السكن الجبائي، رأس المعتزلة، ومن انتهت إليه رئاستهم، روى عن أبي يعقوب الشحام وغيره، مات سنة (303 ه‍). لسان الميزان 5: 271.
(4) التفسير الكبير 11: 161، وتفسير الطبري 6: 83، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 575، والمبسوط للسرخسي 1: 8، وبدائع الصنائع 1: 5، وعمدة القاري 2: 238، وبداية المجتهد 1: 14.
(5) أبو العباس، عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد المناف. توفي رسول الله صلى الله عليه وآله وله ثلاثة عشر سنة. أخذ عنه الفقه جماعة منهم: عطاء بن أبي رباح، وطاووس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعكرمة. مات سنة (68 ه‍). طبقات الفقهاء: 18.
(6) عكرمة مولى ابن عباس، وأصله من البربر، وكان ممن ينتقل من بلد إلى بلد. مات سنة (107 ه‍). وقيل غير ذلك. طبقات الفقهاء: 46.
(7) أبو حمزة، أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم - بفتح الضادين المعجمتين - بن زيد بن حرام الأنصاري، الخزرجي. خادم رسول الله صلى الله عليه وآله مات سنة (93 ه‍). وقيل غير ذلك. تهذيب الأسماء 1: 127، وصفوة الصفوة 1: 298.

[ 91 ]

العالية (1) والشعبي القول بالمسح (2). دليلنا: قوله تعالى: " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم " (3)، فأوجب بظاهر اللفظ غسل الوجه، ثم عطف اليدين عليه، فأوجب ذلك غسلهما، ثم استأنف حكما آخر، فقال: " وامسحوا برؤسكم " (4) فأوجب المسح على الرأس، ثم عطف الرجلين عليه، فيجب أن يكون حكمهما حكمه في وجوب المسح بمقتضى العطف، كما إن الفرض في غسل اليدين، بمجرد العطف. وقد استوفينا الكلام على هذا الدليل في كتاب تهذيب الأحكام (5). وأيضا روي عن أمير المؤمنين عليه السلام، وابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وآله، إنه توضأ ومسح على قدميه ونعليه (6). وروي أيضا عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله، فمسح على رجليه (7). وفي رواية أخرى قال: إن في كتاب الله المسح، ويأبى الناس إلا الغسل (8). وروي عنه أنه قال: غسلتان

(1) أبو العالية، رفيع بن مهران الرياحي البصري، مولى امرأة من بني رياح من تميم، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بسنتين، مات سنة (106 ه‍). وقيل: (93 ه‍). طبقات الفقهاء: 70.
(2) التفسير الكبير 11: 161 وتفسير الطبري 6: 82. وأحكام القرآن للجصاص 2: 345، والدر المنثور 2: 262، والمبسوط للسرخسي 1: 8، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 575، وبداية المجتهد 1: 14، وفتح الباري 1: 266، وعمدة القاري 2: 238، ومقدمات ابن رشد 1: 53. (3 و 4) المائدة: 6.
(5) تهذيب الأحكام 1: 60 - 63.
(6) تهذيب الأحكام 1: 63 حديث 172.
(7) تهذيب الأحكام 1: 63 حديث 173.
(8) تهذيب الأحكام 1: 63 حديث 174، الدر المنثور 2: 262، وفيه: عن ابن عباس قال: " أبى الناس إلا الغسل. ولا أجد في كتاب الله إلا المسح " ونحوه في سنن ابن ماجه 1: 156 حديث 458.

[ 92 ]

ومسحتان (1). وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: ما نزل الفرقان إلا بالمسح (2) وعليه إجماع الفرقة. وروى محمد بن الحسين (3)، عن الحكم بن مسكين (4) عن محمد بن مروان (5) قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: إنه يأتي على الرجل ستون وسبعون سنة ما قبل الله منه صلاة، قلت: وكيف ذلك؟ قال: لأنه يغسل ما أمر الله بمسحه (6). مسألة 40: مسح الرجلين من رؤوس الأصابع إلى الكعبين. والكعبان: هما الناتئان في وسط القدم. وقال من جوز المسح من مخالفينا: إنه يجب استيعاب الرجل بالمسح (7). وقالوا كلهم: إن الكعبين: هما عظما الساقين (8) إلا ما حكي عن محمد بن

(1) تفسير الطبري 6: 82، والدر المنثور 2: 262، والتهذيب 1: 63 حديث 176، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 575، وعمدة القاري 2: 238.
(2) التهذيب 1: 63 حديث 175، ولفظ الحديث (ما نزل القرآن إلا بالمسح).
(3) أبو جعفر، محمد بن الحسين بن أبي الخطاب الزيات الهمداني، وثقه الشيخ في رجاله وعده من أصحاب الإمام الجواد والهادي والعسكري عليهم السلام. وقال النجاشي بعد عنوانه: واسم أبي الخطاب زيد. جليل من أصحابنا عظيم القدر كثير الرواية، ثقة، عين، حسن التصانيف، مسكون إلى روايته. توفي سنة (262 ه‍). رجال النجاشي: 257، ورجال الطوسي: 407، 423، 435، وتنقيح المقال 3: 106.
(4) قال النجاشي في رجاله: 105: حكم بن مسكين، مولى ثقيف المكفوف، أبو محمد، كوفي. روى عن أبي عبد الله عليه السلام، ذكره أبو العباس.
(5) محمد بن مروان الكلبي. عده الشيخ في رجاله ص 135، من أصحاب الباقر عليه السلام. وعده أيضا من أصحاب الصادق عليه السلام ص 305.
(6) التهذيب 1: 65 حديث 184، والاستبصار 1: 64 حديث 191. والكافي 3: 31 حديث 9.
(7) أحكام القرآن للجصاص 2: 345.
(8) المبسوط للسرخسي 1: 9، وأحكام القرآن للجصاص 2: 347، والأم 1: 27، ومراقي الفلاح: 9، =

[ 93 ]

الحسن، فإنه قال: هما الناتئان في وسط القدم، مع قوله بالغسل (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فقد دللنا على أن المسح ببعض الرأس والرجلان معطوفتان عليه، فوجب أن يكون حكمهما حكمه، بحكم العطف. وروى زرارة وبكير ابنا أعين، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال في المسح: تمسح على النعلين، ولا تدخل يدك تحت الشراك وإذا مسحت بشئ من رأسك أو بشئ من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك (2). فأما الذي يدل على أن الكعبين ما قلناه، هو أنه إذا ثبت وجوب مسح الرجلين من غير تخيير، فكل من قال بذلك قال: إن الكعبين ما قلناه، ومن خالف في ذلك قال: بوجوب الغسل أو التخيير، وقد دللنا على أنه لا يجوز غير المسح. فالتفرقة بين المسألتين خروج عن الإجماع. وروى زرارة وبكير ابنا أعين، أنهما سألا أبا جعفر عليه السلام، عن وضوء رسول الله صلى الله عليه وآله؟ فوصف لهما، ثم قالا له: أصلحك الله، فأين الكعبان؟ قال: هاهنا، يعني المفصل دون عظم الساق، فقالا: هذا ما هو؟ قال: هذا عظم الساق (3). مسألة 41: عندنا إن الموالاة واجبة، وهي أن يتابع بين أعضاء الطهارة،

= وأحكام القرآن لابن العربي 2: 577، وبدائع الصنائع 1: 7، ومغني المحتاج 1: 54، وشرح فتح القدير 1: 10، والدراري المضية 1: 55 والتفسير الكبير 11: 162. (1) المبسوط للسرخسي 1: 9، وأحكام القرآن للجصاص 2: 347، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 577. وبدائع الصنائع 1: 7، وشرح فتح القدير 1: 10، والتفسير الكبير 11: 162.
(2) التهذيب 1: 90، حديث 237، والاستبصار 1: 61 حديث 182، وفي تفسير العياشي 1: 298 حديث 51، والكافي 3: 25 حديث 5 الحديث بطوله فراجع.
(3) روى الشيخ الكليني (قدس سره) في الكافي 3: 25 حديث 5، والعياشي في تفسيره 1: 298 حديث 51، الحديث بصورة مفصلة فراجع.

[ 94 ]

ولا يفرق بينها إلا لعذر بانقطاع الماء، ثم يعتبر إذا وصل إليه الماء، فإن حفت أعضاء طهارته أعاد الوضوء، وإن بقي في يده نداوة بنى على ما قطع عليه. وللشافعي قولان: أحدهما، أنه إذا فرق إلى أن يجف أعاد (1)، وبه قال عمر، وربيعة (2) والليث. والثاني: لا تبطل طهارته (3). وبه قال الثوري، وأبو حنيفة (4). وقال مالك وابن أبي ليلى، والليث: إن فرق لعذر لم تبطل طهارته، وإن فرق لغير عذر بطلت. ولم يعتبروا جفاف ما وضاه (5). دليلنا: إنه لا خلاف أنه إن والى صحت طهارته، وإذا لم يوال فيه، ففيه خلاف. وأيضا فقد ثبت أنه مأمور باتباع الوضوء في كل عضو إذا فعل واحد منها، والأمر يقتضي الفور، وترك الموالاة ينافيه، وعليه إجماع الفرقة. وروى معاوية بن عمار (6) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام، ربما

(1) المبسوط للسرخسي 1: 56، وبدائع الصنائع 1: 22، ومغني المحتاج 1: 61.
(2) أبو عثمان، ربيعة بن أبي عبد الرحمن فروخ. وهو مولى تيم بن مرة، ويعرف بربيعة الرأي. أدرك من الصحابة أنس بن مالك، والسايب بن يزيد، وعامة التابعين، وعنه أخذ مالك: مات سنة (136 ه‍). طبقات الفقهاء 37، والتاريخ الكبير 33: 286.
(3) التفسير الكبير 11: 155، والمبسوط للسرخسي 1: 56، وأحكام القرآن للجصاص 2: 355، وبداية المجتهد 1: 17، ومغني المحتاج 1: 61.
(4) التفسير الكبير 11: 155، والمبسوط للسرخسي 1: 56، ومراقي الفلاح: 12، وبداية المجتهد 1: 17، وبدائع الصنائع 1: 22، وأحكام القرآن للجصاص 2: 355 وكنز الدقائق: 3.
(5) التفسير الكبير 11: 155، وأحكام القرآن للجصاص 2: 356، ومقدمات ابن رشد 1: 54، وبداية المجتهد 1: 17، وبدائع الصنائع 1: 22، وحاشية الدسوقي 1: 93.
(6) معاوية بن عمار بن أبي معاوية جناب بن عبد الله الدهني، مولاهم، كوفي، ودهن من بجيلة كان وجها في أصحابنا، ومقدما كبير الشأن، عظيم المحل، ثقة. وكان أبوه عمار ثقة في العامة وجها، روى معاوية عن أبي عبد الله وأبي الحسن موسى عليهما السلام. مات سنة (175 ه‍). قاله النجاشي في =

[ 95 ]

توضأت فنفذ الماء، فدعوت الجارية فأبطأت علي بالماء، ويجف وضوئي؟ قال: أعد (1). مسألة 42: الترتيب واجب في الوضوء، في الأعضاء كلها. ويجب تقديم اليمين على اليسار. وقال الشافعي بمثل ذلك (2) إلا في تقديم اليمين على اليسار (3). وبه قال أمير المؤمنين عليه السلام، وابن عباس، وبه قال قتادة (4) وأبو عبيد القاسم بن سلام (5) وأحمد، وإسحاق (6). وقال أبو حنيفة: الترتيب غير واجب (7) وبه قال مالك (8) وهو المروي

= رجاله: 322. (1) التهذيب 1: 88، 98 حديث 231، 256. والكافي 3: 35 حديث 8، والاستبصار 1: 72 حديث 221.
(2) التفسير الكبير 11: 153، والأم 1: 30، المبسوط للسرخسي 1: 55، أحكام القرآن للجصاص 2: 360، وفتح المعين: 6، وبداية المجتهد 1: 16، وشرح فتح القدير 1: 23، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 55، وبدائع الصنائع 1: 22، ومغني المحتاج 1: 54.
(3) الأم 1: 30.
(4) أبو الخطاب، قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي البصري. كان أعمى. مات سنة (117 ه‍). طبقات الفقهاء: 72 وتهذيب التهذيب 8: 351.
(5) أبو عبيد، القاسم بن سلام - بتشديد اللام - البغدادي، الفقيه النحوي القاضي أخذ عن الكسائي، والفراء، وإسماعيل بن عياش وغيرهم. ولي القضاء بطرسوس، مات سنة (244 ه‍). طبقات الفقهاء 76، وبغية الوعاة: 376.
(6) مسائل الإمام أحمد بن حنبل: 11، وبداية المجتهد 1: 16. وتفسير القرطبي 6: 98.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 55، ومراقي الفلاح: 12، وبداية المجتهد 1: 16، وتفسير القرطبي 6: 98، وشرح فتح القدير 1: 23، وبدائع الصنائع 1: 22، والتفسير الكبير 11: 153، وأحكام القرآن للجصاص 2: 360.
(8) أحكام القرآن للجصاص 2: 360، ومقدمات ابن رشد 1: 54، وبداية المجتهد 1: 16، وحاشية الدسوقي 1: 99، والتفسير الكبير 11: 153، وتفسير القرطبي 6: 99.

[ 96 ]

عن ابن مسعود (1) والأوزاعي (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق، وامسحوا برؤسكم و أرجلكم إلى الكعبين " (3). فبدأ في إيجاب الطهارة بغسل الوجه، ثم عطف باقي الأعضاء على بعضها ب‍ (الواو). وقال كثير من النحويين، نحو الفراء (4) وأبي عبيد، أنها توجب الترتيب (5). وأيضا قوله: " فاغسلوا وجوهكم " فوجب البداية بالوجه، لمكان الفاء التي توجب الترتيب بلا خلاف. وإذا وجبت البداية بالوجه، وجب في باقي الأعضاء، لأن أحدا لم يفصل. وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك، لأنه لا خلاف أن من رتب، فإن وضؤه صحيح، واختلفوا إذا لم يرتب. وخبر الأعرابي يدل عليه أيضا، على ما بيناه. وقوله صلى الله عليه وآله: " ابدؤا بما بدأ الله به " (6) يدل عليه أيضا.


(1) أبو عبد الرحمن، عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب بن شخص بن هذيل الهذلي. حليف بني زهرة شهد بدرا والمشاهد بعدها، وصحب النبي صلى الله عليه وآله وحدث عنه، وعن عمر، وسعد بن معاذ، وروى عنه ابناه عبد الرحمن وأبو عبيدة، وأبو رافع، وجابر، وأنس وغيرهم. مات سنة (32 ه‍). وقيل سنة (33 ه‍). الإصابة 2 ; 360.
(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 360، وتفسير القرطبي 6: 98 - 99.
(3) المائدة: 6.
(4) أبو زكريا، يحيى بن زياد بن عبد الله بن مروان الديلمي، المعروف ب‍ (الفراء). قيل له: الفراء، لأنه كان يفري الكلام، إمام العربية. روى عن قيس بن الربيع، ومندل بن علي، والكسائي. وعنه سلمة بن عاصم، ومحمد بن الجهم السمري. مات سنة (207 ه‍). بغية الوعاة: 411.
(5) مغني اللبيب 2: 354. (6) التهذيب 1: 96 حديث 250. سنن الدار قطني 2: 254 حديث 81 و 82، والدر المنثور 1: 160 والمبسوط للسرخسي 4: 50.

[ 97 ]

وروى زرارة قال: قال أبو جعفر عليه السلام: تابع بين الوضوء كما قال الله عز وجل، ابدأ بالوجه، ثم باليدين، ثم امسح الرأس والرجلين، لا تقدمن شيئا بين يدي شئ تخالف ما أمرت به، فإن غسلت الذراع قبل الوجه، فابدأ بالوجه، ثم أعد على الذراع، وإن مسحت بالرجل قبل الرأس، فامسح على الرأس قبل الرجل، ثم أعد على الرجل، ابدأ بما بدأ الله عز وجل (1). مسألة 43: لا يجوز المسح على الخفين، لا في الحضر ولا في السفر. وخالف جميع الفقهاء في ذلك (2) على اختلاف بينهم في مقدار المسح في السفر والحضر. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم و أرجلكم " (3) فمن مسح على خفه لم يوقع الفرض في الرجل، ودليل الاحتياط يقتضيه. وروى أبو بكر الحضرمي قال: سألته عن المسح على الخفين، قال: لا تمسح على خف (4). مسألة 44: لا بأس بالتمندل من نداوة الوضوء، وتركه أفضل. وبه قال أكثر الفقهاء (5).

(1) الكافي 3: 34 حديث 5، والتهذيب 1: 97 حديث 251، والاستبصار 1: 73 حديث 223، ومن لا يحضره الفقيه 1: 28 حديث 89.
(2) التفسير الكبير 11: 163 والمبسوط للسرخسي 1: 97، والأم 1: 32 - 36، وأحكام القرآن للجصاص 2: 348، وشرح معاني الآثار 1: 79، ومسائل الإمام أحمد: 9، ومراقي الفلاح: 21، وبداية المجتهد 1: 17 وفتح الباري 1: 305، وعمدة القاري 3: 102، وبدائع الصنائع 1: 7، وشرح فتح القدير 1: 99، ومغني المحتاج 1: 63، وموطأ مالك 1: 36، وتفسير القرطبي 6: 100.
(3) المائدة: 6.
(4) التهذيب 1: 361 حديث 1087، ولفظ الحديث: قال سألته عن المسح على الخفين والعمامة فقال: سبق الكتاب الخفين. وقال: لا تمسح على خف.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 73، ومغني المحتاج 1: 61. وتحفة الأحوذي 1: 177.

[ 98 ]

وقال مالك والثوري: لا بأس به في الغسل دون الوضوء (1). وحكي ذلك عن ابن عباس (2). وروي عن ابن عمر، إن ذلك مكروه في الوضوء والغسل معا. وبه قال ابن أبي ليلى (3). دليلنا: على جوازه: أن الأصل الإباحة، والحظر يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة. وروى حريز، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن المسح بالمنديل قبل أن يجف؟ قال: لا بأس به (4). مسألة 45: إذا تطهر بالماء قبل أن يستنجي، ثم استنجى كان ذلك جائزا. وكذلك القول في التيمم. وقال أصحاب الشافعي على مذهب الشافعي في التيمم: إنه لا يجوز، وأجازوا ذلك في الوضوء (5) وحكى الربيع (6) عن الشافعي مثل ما قلناه (7)، وغلطه أصحابه. دليلنا: إن الواجب عليه الاستنجاء، والطهارة بالماء أو التيمم، وقد فعلهما.

(1) جاء في تحفة الأحوذي 1: 177 ما لفظة: وكان مالك، والثوري، وأحمد، وإسحق وأصحاب الرأي لا يرون به بأسا ولم يفصل وفي المدونة الكبرى 1: 17 ما لفظه (وقال مالك: لا بأس بالمسح بالمنديل بعد الوضوء).
(2) المصنف لعبد الرزاق 1: 182 حديث 709.
(3) المصنف لعبد الرازق 1: 182 حديث 710 وتحفة الأحوذي 1: 177.
(4) التهذيب 1: 364 حديث 1101.
(5) مغني المحتاج 1: 43، والأم 1: 23.
(6) أبو محمد، الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي، المؤذن بجامع مصر، خادم الشافعي، روى الأم وغيرها من الجديد. مات سنة (270 ه‍). طبقات الشافعية ص: 6.
(7) الأم 1: 23.

[ 99 ]

فمن قال لا يجزيه فعليه الدلالة. وكل ظاهر يتضمن الأمر بالوضوء والاستنجاء يدل على ذلك، لأنه امتثل الأمر ولم يفصل. مسألة 46: لا يجوز للجنب، والحائض، والمحدث أن يمسوا المكتوب من القرآن، ولا بأس بأن يمسوا أطراف أوراق المصحف، والتنزه عنه أفضل. وقال الشافعي: لا يجوز لهم ذلك (1). وقال أبو حنيفة: لا يجوز ذلك للجنب والحائض (2)، فأما المحدث فلا باس عليه. وقال الحكم (3) وحماد (4) وداود: إن ذلك غير جائز ولم يفصلوا (5). دليلنا: إن الأصل الإباحة، والمنع يحتاج إلى دليل. فأما ما يدل على أن نفس الكتابة لا يجوز مسها قوله تعالى: " لا يمسه إلا المطهرون " (6) وإنما أراد به القرآن دون الأوراق. وروى سالم (7) عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا يمس

(1) التفسير الكبير 29: 193، ومغني المحتاج 1: 36 و 72، وروح المعاني 27: 134 وتفسير القرطبي 17: 226.
(2) قال ابن العربي في أحكام القرآن 4: 1727: واختلفت الرواية عن أبي حنيفة، فروي عنه أنه يمسه المحدث، وروي عنه أن يمس ظاهره وحواشيه معا وما لا مكتوب فيه. وزاد القرطبي في تفسيره 17: 226: وأما الكتاب فلا يمسه إلا طاهر. وانظر مراقي الفلاح: 24 وعمدة القاري 3: 63، وشرح فتح القدير 1: 117، وبدائع الصنائع 1: 33 والهداية للمرغيناني 1: 31.
(3) الحكم بن عيينة، مولى كندة. تفقه بإبراهيم النخعي مات سنة (115 ه‍). طبقات الفقهاء: 62.
(4) أبو إسماعيل، حماد بن أبي سليمان مسلم الأشعري، مولى إبراهيم بن أبي موسى الأشعري. تفقه بإبراهيم النخعي، وروى عن سعيد بن المسيب، وعكرمة، والشعبي وغيرهم مات سنة (119 ه‍). وقيل: (120 ه‍). طبقات الفقهاء: 3: 6، وتهذيب التهذيب 3: 16.
(5) قال القرطبي في تفسيره 11: 227: وروي عن الحكم، وحماد، وداود بن علي أنه لا بأس بحمله، ومسه للمسلم والكافر طاهرا ومحدثا، إلا أن داود قال: لا يجوز للمشرك حمله.
(6) الواقعة: 79.
(7) سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، أبو عمر، روى عن أبيه، وأبي هريرة، وأبي رافع، وأبي أيوب =

[ 100 ]

القرآن إلا طاهر " (1). وفيه إجماع الفرقة. وروى حماد، عن حريز، عمن أخبره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان إسماعيل بن أبي عبد الله عليه السلام (2) عنده فقال: يا بني اقرأ المصحف، فقال: إني لست على وضوء، فقال: لا تمس الكتابة، ومس الورق واقرأه (3) مسألة 47: يجوز للجنب والحائض أن يقرءا القرآن. وفي أصحابنا من قيد ذلك بسبع آيات من جميع القرآن (4)، إلا سور العزائم الأربع، التي هي: سورة سجدة لقمان (5)، حم السجدة، والنجم، واقرأ باسم ربك، فإنه لا يقرأ منها شئ. وقال الشافعي: لا يجوز لهما ذلك، لا قليلا ولا كثيرا إلا بعد الغسل، أو التيمم (6) وقال أبو حنيفة: يقرءآن دون الآية (7). وقال أحمد بن حنبل مثل قول الشافعي (8) وقال داود: يقرأ الجنب كيف شاء (9) وقال مالك يجوز

= وغيرهم. وروى عنه ابنه أبو بكر، والزهري، وصالح بن كيسان وغيرهم مات سنة (106 ه‍). طبقات الفقهاء: 32، وتهذيب التهذيب 3: 436. (1) سنن البيهقي 1: 88 و 309.
(2) إسماعيل بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام الهاشمي، المدني، وكان أكبر إخوته، وكان أبوه الصادق عليه السلام شديد الحب له، والبر به. توفي في حياة أبيه في العريض، فحمل إلى المدينة على رقاب الرجال. جامع الرواة 1: 95، وتنقيح المقال 1: 131.
(3) التهذيب 1: 126 حديث 342، والاستبصار 1: 113، حديث 376 باختلاف يسير باللفظ.
(4) وهو قول الشيخ المفيد في المقنعة: 6.
(5) كذا وقع في كلام كثير من الفقهاء القدماء. والمراد به سورة السجدة التي تلي سورة لقمان. وإلا فلا ريب أن سورة لقمان ليست من العزائم، ولتوضيح سور العزائم نشير إلى أرقامها: 32، 41، 53، 96.
(6) سنن الترمذي 1: 275، ومغني المحتاج 1: 72، ونيل الأوطار 1: 284.
(7) شرح معاني الآثار 1: 90، ومراقي الفلاح: 24، والمحلى 1: 78، وشرح فتح القدير 1: 116، والهداية للمرغيناني 1: 31، نيل الأوطار 1: 284.
(8) سنن الترمذي 1: 275.
(9) تحفة الأحوذي 1: 411، والمحلى 1: 77.

[ 101 ]

للحائض أن تقرأ على الإطلاق، والجنب يقرأ الآية والآيتين على سبيل التعوذ (1). دليلنا: قوله تعالى: " فاقرؤا ما تيسر من القرآن " (2)، وقوله: " فاقرؤا ما تيسر منه " (3). وأيضا إن الأصل الإباحة، والمنع يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة. وروى عبيد الله بن علي الحلبي، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سألته أتقرأ النفساء، والحائض ; والجنب، والرجل يتغوط، القرآن؟ فقال: يقرءون ما شاءوا (4). وقد بينا الكلام فيما اختلف من الأخبار في مقادير ما يقرءونه في الكتابين (5). مسألة 48: لا يجوز استقبال القبلة ولا استدبارها ببول ولا غائط، ولا عند الاضطرار، لا في الصحاري، ولا في البنيان. وبه قال أبو أيوب الأنصاري (6)، وإليه ذهب أبو ثور، وأحمد بن حنبل (7).

(1) المحلى 1: 78، وشرح فتح القدير 1: 116، وتحفة الأحوذي 1: 410، وفي بداية المجتهد 1: 47: وقد فرقوا بينهما، فأجازوا للحائض القراءة القليلة استحسانا لطول مقامها حائضا، وهو مذهب مالك. والهداية للمرغيناني 1: 31.
(2) (3) المزمل: 20.
(4) التهذيب 1: 128 حديث 348، والاستبصار 1: 114 حديث 381.
(5) الاستبصار 1: 114 (باب الجنب والحائض يقرءآن القرآن) والتهذيب 1: 128.
(6) أبو أيوب، خالد بن زيد الأنصاري، الخزرجي، من بني مالك بن النجار. مات عام غزا يزيد القسطنطنية في خلافة معاوية وصلى عليه يزيد بن معاوية سنة (52 ه‍). التاريخ الكبير 3: 136، وصفوة الصفوة 1: 186.
(7) موطأ مالك 1: 193، وشرح فتح القدير 1: 297، وبداية المجتهد 1: 84، وسنن الترمذي 1: 14، وعمدة القاري 2: 277، ومجمع الزوائد 1: 205، ونيل الأوطار 1: 94، والأم 1: 23، والمدونة الكبرى 1: 7، وتحفة الأحوذي 1: 56 وفيه لأحمد بن حنبل ثلاث روايات: احداها كما حكاها =

[ 102 ]

وبه قال النخعي (1) وأبو حنيفة وأصحابه (2) إلا أبا يوسف، فإنه فرق بين الاستقبال والاستدبار (3). وقال الشافعي: لا يجوز ذلك في الصحاري دون البنيان (4). وبه قال العباس بن عبد المطلب (5)، وعبد الله بن عمر، ومالك (6). وقال ربيعة وداود: يجوز فيها جميعا (7) وبه قال عروة بن الزبير (8) (9) دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وروي عن النبي صلى الله

= المصنف، والثانية كما ذهب إليه الشافعي، والثالثة كما ذهب إليه أبو يوسف، وهي المروية عنه في سنن الترمذي. (1) أبو عمران، إبراهيم بن يزيد بن الأسود بن عمر بن ربيعة النخعي، الكوفي، كان مفتي أهل الكوفة، روى عن عبد الرحمن بن يزيد، ومسروق، وعلقمة. مات سنة (95) وقيل: (96) طبقات الفقهاء: 62، وتهذيب التهذيب 1: 177.
(2) شرح فتح القدير 1: 297، وعمدة القاري 2: 277، وتحفة الأحوذي 1: 56، ونيل الأوطار 1: 94.
(3) عمدة القاري 2: 279، ونيل الأوطار 1: 94.
(4) الأم 1: 23، وشرح فتح القدير 1: 298، وعمدة القاري 2: 278 و 281، ونيل الأوطار 1: 94، وتحفة الأحوذي 1: 56.
(5) العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي، أبو الفضل. عم النبي (ص) أسر في من أسر من المشركين في معركة بدر، ثم فودي. قال ابن عبد البر: كان رئيسا في الجاهلية، وأسلم قبل فتح خيبر، وكان جوادا مطعما، مات سنة (32 ه‍)، قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب 5: 122.
(6) سنن الترمذي 1: 16، ومقدمات ابن رشد 1: 64، والمدونة الكبرى 1: 7، وبداية المجتهد 1: 85، وشرح فتح القدير 1: 297، وعمدة القاري 2: 278 و 281، وتحفة الأحوذي 1: 56، ونيل الأوطار 1: 94.
(7) مقدمات ابن رشد 1: 64، وعمدة القاري 2: 278. وتحفة الأحوذي 1: 56، ونيل الأوطار 1: 94.
(8) أبو عبد الله، عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد المدني. روى عن أبيه، وأخيه عبد الله، وأمه أسماء بنت أبي بكر، وخالته عائشة وغيرهم. وروى عنه صالح بن كيسان، والزهري، وعطاء بن رباح وغيرهم. قال الواقدي: مات سنة (74) وقيل: (99 ه‍). وقيل غير ذلك. طبقات الفقهاء: 26، تهذيب التهذيب 7: 180، والتاريخ الكبير 7: 31.
(9) عمدة القاري 2: 278، ونيل الأوطار 1: 94، وتحفة الأحوذي 1: 56.

[ 103 ]

عليه وآله أنه قال: " إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا أتى أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها، ببول ولا غائط " (1). وروى محمد بن عبد الله بن زرارة (2) عن عيسى بن عبد الله الهاشمي (3) عن أبيه (4) عن جده (5) عن علي بن أبي طالب صلوات الله وسلامه عليه قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله: " إذا دخلت المخرج، فلا تستقبل القبلة ولا تستدبرها، ولكن شرقوا أو غربوا " (6). مسألة 49: الاستنجاء واجب من الغائط ومن البول، إما بالماء أو بالحجارة، والجمع بينهما أفضل. ويجوز الاقتصار على واحد منهما، إلا في البول، فإنه لا يزال إلا بالماء. فمتى صلى ولم يستنج، لم تجزه الصلاة. وقال الشافعي: الاستنجاء منهما واجب (7). وجوزه بالماء والأحجار،

(1) سنن البيهقي 1: 91، باختلاف يسير باللفظ، والأم 1: 22.
(2) محمد بن عبد الله بن زرارة بن أعين. رجل فاضل، دين، أصدق لهجة من أحمد بن الحسن بن فضال. والعلامة قد وثق رواية هو في طريقها. رجال النجاشي: 28، وتنقيح المقال 3: 143.
(3) عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام. ذكره الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام. وذكر الشيخ المفيد في أماليه، مدح الإمام الصادق عليه السلام إياه. رجال الطوسي: 257 وأمالي الشيخ المفيد: 83، ورجال الكشي: 332 رقم 607، ورجال النجاشي: 226.
(4) عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام. عده الشيخ الطوسي تارة من أصحاب الإمام علي بن الحسين عليهما السلام. وأخرى من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام. رجال الطوسي: 97، و 229. (5) محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام. عده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام علي بن الحسين عليهما السلام. وعده أيضا من أصحاب الإمام الصادق (ع). رجال الشيخ الطوسي 101 و 279.
(6) تهذيب الأحكام 1: 25 حديث 64، والاستبصار 1: 47 حديث 130 باختلاف يسير باللفظ.
(7) الأم 1: 22، وأحكام القرآن للجصاص 2: 358. وبدائع الصنائع 1: 18، وشرح فتح القدير 1: 148، وعمدة القاري 2: 300، والتفسير الكبير 11: 168.

[ 104 ]

وأوجب إعادة الصلاة على من لم يستنج، وبه قال مالك (1). وقال أبو حنيفة: هو مستحب، غير واجب (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. فإن من استنجى وصلى برءت ذمته بيقين، وإذا صلى بغير استنجاء ففيه خلاف. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط فلا يستقبل القبلة بغائط ولا بول، وليستنج بثلاثة أحجار " (3). وروى زرارة قال: توضأت يوما ولم أغسل ذكري، ثم صليت. فسألت أبا عبد الله عليه السلام عن ذلك؟ فقال: اغسل ذكرك وأعد صلاتك (4). وروى بريد بن معاوية (5) عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: يجزي من الغائط الاستنجاء (6) بالأحجار ولا يجزي من البول إلا الماء (7). مسألة 50: حد الاستنجاء أن ينقي الموضع من النجاسة، سواء كان بالأحجار أو بالماء. فإن نقى بدون الثلاثة، استعمل الثلاثة سنة، فإن لم ينق

(1) حاشية الدسوقي 1: 105، وحكى العيني في العمدة 2: 300، عن مالك روايتان احداها سنة، والأخرى فرض.
(2) شرح فتح القدير 1: 148، وبدائع الصنائع 1: 18، والتفسير الكبير 11: 168، وعمدة القاري 2: 300، وأحكام القرآن للجصاص 2: 358.
(3) سنن البيهقي 1: 91، والأم 1: 22.
(4) التهذيب 1: 51 حديث 149، والاستبصار 1: 56، حديث 164.
(5) أبو القاسم، بريد بن معاوية العجلي، عربي، روى عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام. كان وجها من وجوه الشيعة، فقيه، له محل عند الأئمة. عده الشيخ الطوسي في رجاله تارة في أصحاب الإمام الباقر، وأخرى في أصحاب الإمام الصادق عليهما السلام. رجال النجاشي: 87، ورجال الطوسي: 109، و 158.
(6) في التهذيب والاستبصار: المسح.
(7) التهذيب 1: 50 حديث 147، والاستبصار 1: 57 حديث 166.

[ 105 ]

بالثلاثة استعمل ما زاد عليه حتى ينقي. وبه قال الشافعي (1). وقال مالك وداود: الاستنجاء يتعلق بالانقاء، ولم يعتبر العدد (2). وقال أبو حنيفة: هو مسنون، والسنة تتعلق بالانقاء دون العدد (3). دليلنا: على وجوب الانقاء: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وروى علي بن إبراهيم (4)، عن أبيه (5)، عن عبد الله بن المغيرة (6) عن أبي الحسن عليه السلام قال: قلت له: للاستنجاء حد؟ قال: لا، ينقي ما ثمة (7). قلت: فإنه ينقي ما ثمة، ويبقي الريح؟ قال: الريح لا ينظر إليها (8). وأما اعتبار العدد، قوله صلى الله عليه وآله: " وليستنج بثلاثة أحجار " (9) وظاهره الوجوب إلا أن يقوم دليل.

(1) الأم 1: 22، ومختصر المزني: 3، والمحلى 1: 98، ومغني المحتاج 1: 43، وشرح فتح القدير 1: 148، وبدائع الصنائع، 1: 19، والدراري المضية 1: 40.
(2) المحلى 1: 97، وعمدة القاري 2: 305، ونيل الأوطار 1: 117.
(3) شرح معاني الآثار 1: 123، والمحلى 1: 97، وعمدة القاري 2: 305، وبدائع الصنائع 1: 19، والدراري المضية 1: 40، ونيل الأوطار 1: 117، وشرح فتح القدير 1: 148.
(4) علي بن إبراهيم بن هاشم القمي، أبو الحسن. ثقة في الحديث، ثبت، معتمد صحيح المذهب، سمع وأكثر وصنف كتبا، صاحب التفسير المعتمد المعروف ب‍ (تفسير علي بن إبراهيم). رجال النجاشي: 197، وتنقيح المقال 2: 260.
(5) إبراهيم بن هاشم القمي، أبو إسحاق. أصله كوفي، انتقل إلى قم. وأصحابنا يقولون: إنه أول من نشر حديث الكوفيين بقم. قيل: تتلمذ على يونس بن عبد الرحمن عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الرضا عليه السلام. رجال النجاشي: 13، ورجال الطوسي: 369.
(6) أبو محمد، عبد الله بن المغيرة البجلي. مولى جندب بن عبد الله بن سفيان العلقمي، كوفي، ثقة ثقة لا يعدل به أحد من جلالته، ودينه، وورعه، وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه. رجال النجاشي: 159، وتنقيح المقال 2: 218.
(7) يعني: ما هناك من محل النجاسة، مجمع البحرين: 529 (مادة ثمم).
(8) الكافي 3: 17 حديث 9، والتهذيب 1: 28 حديث 75.
(9) السنن الكبرى للبيهقي 1: 91..

[ 106 ]

وروى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان (1) (2) مسألة 51: يجوز الاستنجاء بالأحجار وغير الأحجار إذا كان منقيا غير مطعوم، مثل الخشب، والخرق، والمدر وغير ذلك. وبه قال الشافعي (3). وقال داود: لا يجوز بغير الأحجار (4). دليلنا: إجماع الفرقة. وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " إذا ذهب أحدكم لحاجته فليتمسح بثلاثة أحجار، أو بثلاثة أعواد، أو بثلاث حثيات من تراب " (5). وروى حريز عن زرارة قال: كان يستنجي من البول ثلاث مرات، ومن الغائط بالمدر والخرق (6). مسألة 52: لا يجوز الاستنجاء بالروث، والعظام، وبه قال الشافعي (7). وقال أبو حنيفة ومالك: يجوز ذلك (8). دليلنا: طريقة الاحتياط، فإن من استنجى بغيرهما وقع موقعه، وإذا استعملها فيه خلاف.

(1) العجان: ككتاب، ما بين الخصية وحلقة الدبر. مجمع البحرين: 590 (مادة عجن).
(2) التهذيب 1: 49 حديث 129.
(3) الأم 1: 22، ومغني المحتاج 1: 43.
(4) المجموع للنووي 1: 113، ونيل الأوطار 1: 115، والمحلى 1: 99.
(5) سنن الدار قطني 1: 57 حديث 12، وقريب منه رقم 11: و 12 مكرر.
(6) التهذيب 1: 209، 454 حديث 606، 1054.
(7) الأم 1: 22، المحلى 1: 98، وعمدة القاري 2: 301، ونيل الأوطار 1: 116، وبدائع الصنائع 1: 18.
(8) شرح معاني الآثار 1: 124، وفي عمدة القاري 2: 201 لمالك روايتين، ونيل الأوطار 1: 116، وشرح فتح القدير 1: 150، وفي بدائع الصنائع 1: 18، قال: فإن فعل ذلك يعتد به عندنا، فيكون مقيما سنة ومرتكبا كراهة.

[ 107 ]

وروى سلمان (1) قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وآله أن نستنجي بثلاثة أحجار، ليس فيها رجيع ولا عظم (2). وروى المفضل بن صالح (3) عن ليث المرادي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن استنجاء الرجل بالعظم، أو البعر، أو العود؟ قال: أما العظام والروث فطعام الجن، وذلك مما اشترطوا على رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال: لا يصلح بشئ من ذلك (5). مسألة 53: النوم الغالب على السمع والبصر، والمزيل للعقل، ينقض الوضوء سواء كان قائما أو قاعدا، أو مستندا أو مضطجعا، وعلى كل حال. وبه قال المزني، فإنه قال: النوم حدث في نفسه، ينتقض الوضوء به على كل حال (6). وقال الشافعي: إذا نام مضطجعا، أو مستلقيا، أو مستندا

(1) سلمان الفارسي. حاله عظيم جدا، أحد الأركان الأربعة، وهو أشهر من أن يخفى، وكفى في حقه قول النبي الكريم صلى الله عليه وآله: " سلمان المحمدي " وقوله: " سلمان منا أهل البيت ". وهو من حواري رسول الله صلى الله عليه وآله، وقد عده الشيخ الطوسي في رجاله تارة في أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وأخرى في أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام. رجال الطوسي: 20 و 43، جامع الرواة 1: 371.
(2) سنن ابن ماجة 1: 115 حديث 316 (ذيل الحديث).
(3) أبو جميلة، المفضل بن صالح الأسدي النخاس، مولى بني أسد مات في حياة الإمام الرضا عليه السلام، وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام. رجال الشيخ: 315، وتنقيح المقال 3: 237.
(4) أبو بصير ليث بن البختري الأصغر المرادي، وقيل: أبا محمد، وأبو يحيى. عده الشيخ في أصحاب الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام، رجال النجاشي: 245، ورجال الطوسي: 134 و 278 و 385. وجامع الرواة 2: 34.
(5) التهذيب 1: 354، حديث 1053.
(6) الأم (مختصر المزني): 4، وعمدة القاري 3: 109، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 557، وفتح الباري 1: 314 ونيل الأوطار 1: 239، وتفسير القرطبي 6: 221.

[ 108 ]

انتقض الوضوء (1). وروي عن أبي موسى الأشعري (2) وأبي مخلد (3) وحميد الأعرج (4) وعمرو بن دينار (5) أنهم قالوا: لا ينتقض الوضوء بالنوم بحال، إلا أن يتيقن خروج حدث (6). وقال مالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق: إنه إن كثر نقض الوضوء، وإن قل لم ينقض (7).

(1) الأم 1: 12 و 14، وبداية المجتهد 1: 35، والمحلى 1: 225، ونيل الأوطار 1: 240، وبدائع الصنائع 1: 31، وفي عمدة القاري 3: 110 وتحفة الأحوذي 1: 256 للشافعي أربعة أقوال فراجع.
(2) أبو موسى، عبد الله بن قيس بن سليم بن حصار بن حرب الأشعري. روى عن النبي صلى الله عليه وآله، وعلي عليه السلام، وابن عباس، وعمار وغيرهم. مات سنة (42) وقيل: (44 ه‍). وقيل: غير ذلك. الاستيعاب بهامش الإصابة 2: 363، والإصابة 2: 351.
(3) كذا في الأصل: ونحوه في طبقات الشافعية: 67. وقال أبو مخلد البصري، بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة ويعرف تارة ب‍ (صاحب النفائس). وصوابه أبو مجلز، بكسر الميم وإسكان الجيم وفتح اللام وآخره زاي. واسمه لاحق بن حميد السدوسي، البصري. روى عن ابن عباس، وعنه يزيد بن حبان. قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب 12: 222، و 227.
(4) حميد بن قيس المروزي، أبو صفوان. مولى بني أسد بن عبد العزى، الأعرج، المكي. روى عن يحيى ابن يعمر، والزهري، ومجاهد وغيرهم، وروى عنه مالك، وأبو حنيفة، ومعمر، وجعفر الضبعي. التاريخ الكبير 2: 352، وتهذيب التهذيب 3: 37. وفي عمدة القاري 2: 109، نسب العيني القول المذكور إلى جماعة منهم: حميد بن عبد الرحمن والأعرج، ولعل المصنف أيضا نسبه إليهما، وقد سقطت الواو من بينهما أثناء النسخ والله العالم.
(5) أبو محمد، عمرو بن دينار الأثرم، الجمحي، المكي. كان مفتي أهل مكة في زمانه. مات سنة (126) وقيل: (125 ه‍). التاريخ الكبير 6: 328، وطبقات الفقهاء 46.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 78، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 557، وفتح الباري 1: 315، وعمدة القاري 3: 109، ونيل الأوطار 1: 239، وتفسير القرطبي 6: 221.
(7) المدونة الكبرى 1: 9، والمبسوط للسرخسي 1: 78، ومسائل الإمام أحمد بن حنبل: 13، ومقدمات ابن رشد 1: 44، والمحلى 1: 225، وقال الترمذي في السنن 1: 114 (وقال بعضهم إذا نام حتى غلب على عقله، وجب عليه الوضوء. وبه يقول إسحق) وقال العيني في العمدة 3: 109 (ذهب =

[ 109 ]

وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا وضوء من النوم إلا على من نام مضطجعا أو متوركا، فأما من نام قائما، أو راكعا، أو ساجدا، أو قاعدا، سواء كان في الصلاة أو غيرها، فلا وضوء عليه (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا " (2)، قال أهل التفسير: المراد به إذا قمتم من النوم (3) فإن الآية خرجت على سبب معروف، فكأنه قال: إذا قمتم من النوم إلى الصلاة، وهذا عام في كل نوم. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " العين وكاء (4) السه (5) فمن نام فليتوضأ (6) وروي: " إذا نامت العينان استطلق الوكاء " (7).

= إسحاق إلى القول بأن النوم ينقض الوضوء بكل حال، قليله وكثيره. وأما الأوزاعي، ومالك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، بأن كثير النوم ينقض بكل حال، وقليله لا ينقض بكل حال) ونحوه في نيل الأوطار 1: 239. (1) المحلى 1: 224، أحكام القرآن لابن العربي 2: 558. وبداية المجتهد 1: 35، وبدائع الصنائع 1: 31، ومراقي الفلاح 14، وعمدة القاري 3: 109، ونيل الأوطار 1: 240.
(2) المائدة: 6.
(3) تفسير الطبري 6: 72، وتفسير العياشي 1، 297، والدر المنثور 2: 262، وأحكام القرآن للجصاص 2: 330، وأحكام القرآن لابن العربي 2: 557.
(4) الوكاء بالكسر والمد، خيط يشد به السرة، والكيس، والقربة ونحوها. مجمع البحرين 97، (مادة وكأ).
(5) قال ابن منظور: السه، بحذف عين الفعل، ويروى وكاء الست، بحذف لام الفعل لسان العرب 17: 388 (مادة سته). وفي مجمع البحرين: 603، ويراد به حلقة الدبر، وهذه من الاستعارات العجيبة كأنه شبه السه بالوعاء، والعين بالوكاء. فإذا أطلق الوكاء، لم ينضبط الوعاء.
(6) سنن ابن ماجة 1: 161، وسنن أبي داود 1: 52 حديث 203.
(7) مسند أحمد بن حنبل 4: 97، ولفظ الحديث: " إن العينين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء " وسنن الدارمي 1: 184.

[ 110 ]

وروى ابن أبي عمير، عن إسحاق بن عبد الله الأشعري (1) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا ينقض الوضوء إلا حدث، والنوم حدث (2). مسألة 54: ملامسة النساء، ومباشرتهن لا تنقض الوضوء، سواء كانت مباشرة ذات محرم، أو غيرهن من النساء. سواء كانت المباشرة باليد، أو بغيرها من الأعضاء. بشهوة كانت، أو بغير شهوة. وبه قال عبد الله بن عباس، والحسن البصري، ومحمد بن الحسن، وإحدى الروايتين عن الثوري (3). وقال الشافعي: مباشرة النساء من غير حائل إذا كن غير ذوات محارم تنقض الوضوء بشهوة كانت، أو بغير شهوة، باليد كانت، أو بالرجل، أو بغيرهما من الجسد، عامدا كان أو ناسيا (4). وبه قال عبد الله بن عمر، وابن مسعود، والزهري وربيعة (5). وقال الأوزاعي: إن مسها بيده انتقض وضوؤه، وإن كان بغير شهوة لم

(1) إسحاق بن عبد الله بن سعد بن مالك الأشعري القمي. ثقة، روى عن الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام رجال الطوسي: 107 و 149، وتنقيح المقال 1: 114.
(2) التهذيب 1: 6 حديث 5، والاستبصار 1: 79 حديث 246. (3) أحكام القرآن للجصاص 2: 369، وبدائع الصنائع 1: 30، والمبسوط للسرخسي 1: 67، وفي نيل الأوطار 1: 244: وذهب على، وابن عباس، وعطاء وطاووس، والعترة جميعا، وأبو حنيفة، وأبو يوسف إلى أنه لا ينقض.
(4) الأم 1: 15، والمبسوط 1: 67، والمحلى 1: 248، وأحكام القرآن للجصاص 2: 369: والتفسير الكبير 11: 168، وبداية المجتهد 1: 36، وبدائع الصنائع 1: 30، وتفسير القرطبي 6: 225. ونيل الأوطار 1: 244.
(5) أحكام القرآن للجصاص 2: 369، والمبسوط 1: 67، والأم 1: 15، وتفسير القرطبي 6: 224، ونيل الأوطار 1: 244.

[ 111 ]

ينتقض وضوؤه، وإن مسها بالرجل لم ينتقض (1). وقال مالك: إن مسها بشهوة انتقض، وإن كان بغير شهوة لم ينتقض وضوؤه (2). وبه قال الليث بن سعد، وأحمد، وإسحاق (3) وفي إحدى الروايتين عن الثوري، حتى قال مالك: إن مسها بشهوة من وراء حائل انتقض وضوؤه، إذا كان الحائل رقيقا (4). وقال ربيعة والليث ينتقض، سواء كان الحائل صفيقا أو رقيقا (5). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: إن مسها فانتشر عليه، انتقض وضوؤه، وإن لم ينتشر لم ينتقض (6). دليلنا: إن الطهارة قد ثبتت، ونقضها بما ذكرناه يحتاج إلى دليل. وقوله تعالى: " أو لامستم النساء " (7) كناية عن الجماع لا غير، بدليل إجماع الفرقة عليه. وروى أبو مريم (8) قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام، ما تقول في الرجل

(1) قال القرطبي في تفسيره [ 6: 224 ]: قال الأوزاعي: إذا كان اللمس باليد نقض الطهر، وإن كان بغير اليد لم ينقضه.
(2) مقدمات ابن رشد 1: 67، والمحلى 1: 248، وبداية المجتهد 1: 36، وبدائع الصنائع 1: 30. وأحكام القرآن للجصاص 2: 360، والمبسوط 1: 67. وتفسير القرطبي 6: 224.
(3) المحلى 1: 248، وتفسير القرطبي 6: 224.
(4) تفسير القرطبي 6: 226، وحاشية الدسوقي 1: 120. وقال ابن رشد في مقدماته [ 1: 69 ]: وأما إن كان مسه على حائل رقيق فاختلف فيه قول مالك، روى عنه ابن وهب أنه لا وضوء عليه، وهو الأشهر. وروى علي بن زياد عن مالك، إن عليه الوضوء.
(5) أحكام القرآن للجصاص 2: 369، وتفسير القرطبي 6: 226.
(6) المبسوط 1: 68، ونيل الأوطار 1: 244: والمحلى 1: 248.
(7) النساء: 43. والمائدة: 6.
(8) أبو مريم، عبد الغفار بن القاسم بن قيس بن فهد الأنصاري. عده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب السجاد والباقر والصادق عليهم السلام، روى عنه ابن محبوب ومحمد بن القاسم، وأبان رجال الشيخ الطوسي: 99، 129، 237، ورجال النجاشي: 185.

[ 112 ]

يتوضأ ثم يدعو جاريته، فتأخذ بيده حتى ينتهي إلى المسجد؟ فإن من عندنا يزعمون أنها الملامسة. فقال: لا والله ما بذلك بأس، وربما فعلته وما يعني بهذا: " أو لامستم النساء " إلا المواقعة في الفرج (1). مسألة 55: مس الفرج لا ينقض الوضوء: أي الفرجين كان، سواء كان رجلا أو امرأة، أو أحدهما مس فرج صاحبه، بظاهر الكف، أو بباطنه. وبه قال علي عليه الصلاة والسلام، وعبد الله بن مسعود، وعمار (2) والحسن البصري، وربيعة، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه (3). وقال الشافعي: الرجل إذا مس ذكره بباطن كفه، والمرأة إذا مست فرجها بباطن كفها انتقض وضوؤهما (4). وهو المروي عن عمر، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص (5) وأبي هريرة (6) وعائشة، وسعيد بن المسيب، وسليمان

(1) التهذيب 1: 22 حديث 55، والاستبصار 1: 87 حديث 278، وتفسير العياشي 1: 243 حديث 139.
(2) أبو اليقظان، عمار بن ياسر. من السابقين الأولين إلى الاسلام صحب النبي صلى الله عليه وآله، وأمير المؤمنين عليه السلام، وكان من شرطة الخميس. حاله أشهر من أن تذكر. ومناقبه كثيرة، وكفاه فخرا خطاب النبي صلى الله عليه وآله له: " صبرا يا آل ياسر إن موعدكم الجنة ". وهو رابع الأركان، ومن الأصفياء. تهذيب التهذيب 7: 408، وتنقيح المقال 2: 320.
(3) شرح معاني الآثار 1: 78 - 79، وبداية المجتهد 1: 37، وبدائع الصنائع 1: 30، ومجمع الزوائد 1: 244، ونيل الأوطار 1: 248 - 249.
(4) الأم 1: 19، والمحلى 1: 237، والسنن الكبرى 1: 134، وبداية المجتهد 1: 37، ونيل الأوطار 1: 251، وبدائع الصنائع 1: 30، ومغني المحتاج 1: 35.
(5) أبو إسحق، سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب. ويقال: وهيب بن عبد مناف الزهري روى عن خولة بنت حكيم، وعنه أولاده وابن عباس وغيرهم. مات سنة (51) وقيل: 55 أو 56 وقيل: غير ذلك. التاريخ الكبير 4: 43، وتهذيب التهذيب 3: 483.
(6) أبو هريرة: قال ابن حجر في تهذيب التهذيب 12: 262: أنه قد اختلف في اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرا. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب بهامش الإصابة [ 4: 200 ]: وصفه البعض بأنه لا يحاط به، ولا يضبط اسمه واسم أبيه في جاهلية ولا إسلام، وهو ممن صحب النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه. مات سنة (58 ه‍). وقيل غير ذلك.

[ 113 ]

ابن يسار (1) ومالك، والأوزاعي، والليث، وأحمد، وإسحاق (2). إلا أن مالكا والأوزاعي قالا: ينتقض الوضوء به، وإن مس بظاهر الكف (3). وقال الشافعي: إذا مس دبره انتقض وضوؤه أيضا (4) وقال مالك: لا ينتقض (5) وقال الشافعي: إذا مس ذكر الصغير أو الكبير انتقض وضوؤه (6) وقال مالك وأحمد: إذ مس ذكر الصغير لا ينتقض. ولم يقل أحمد في مس الأنثيين أنه ينقض الوضوء إلا عروة فإنه قال: ينتقض وضوؤه (7). وقال الشافعي: إذا مس فرج بهيمة لا ينتقض وضوؤه (8). وحكى عنه ابن عبد الحكم (9)

(1) سليمان بن يسار الهلالي، أبو أيوب، ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله المدني مولى ميمونة، وقيل: كان مكاتبا لأم سلمة. روى عنهن، وغيرهن، مات سنة (107 ه‍). وقيل غير ذلك. التاريخ الكبير 4: 41، وتهذيب التهذيب 4: 228.
(2) سنن الترمذي 1: 129. والمدونة الكبرى 1: 8، والمحلى 1: 237، وموطأ مالك 1: 42، ونيل الأوطار 1: 248 - 249. ومجمع الزوائد 1: 245، وحكى ابن رشد القرطبي في مقدماته 1: 69 عن مالك ثلاثة أقوال فراجع.
(3) في المدونة الكبرى 1: 8 (إن مسه بظاهر الكف أو الذراع فلا ينتقض وضوؤه). ونحوه في مقدمات ابن رشد 1: 69. وقال في المحلى 1: 237: إلا أن الأوزاعي والشافعي لم يريا الوضوء ينقض ذلك إلا بمسه بباطن الكف فقط، لا بظاهرها. وقال مالك: مس الفرج من الرجل - فرج نفسه الذكر فقط - بباطن الكف لا بظاهرها ولا بالذراع يوجب الوضوء.
(4) الأم 1: 19، والمحلى 1: 237، ومقدمات ابن رشد 1: 70، وجاء في مغني المحتاج 1: 36، قال الشافعي في الجديد ينتقض الوضوء بمس حلقة الدبر، وفي القديم إنه لا ينتقض لأنه لا يلتذ بمسها.
(5) المدونة الكبرى 1: 8، ومقدمات ابن رشد 1: 70 والمحلى 1: 237.
(6) الأم 1: 19، ومغني المحتاج 1: 36.
(7) السنن الكبرى 1: 137.
(8) الأم 1: 19.
(9) أبو عبد الله، محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري. سمع من ابن وهب، وأشهب، وأصحاب مالك. صحب الشافعي وتفقه عليه. قال البيهقي: انتقل قبيل وفاته بشهرين إلى مذهب مالك، لأنه كان يطلب أن يستخلفه الشافعي بعده، واستخلف البويطي. مات سنة (268 ه‍). =

[ 114 ]

إنه ينتقض وضوؤه (1)، ولم يصحح أصحابه ذلك. دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء، من إجماع الفرقة، وثبوت حكم الطهارة، وأن نقضهما يحتاج إلى دليل. وروى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: ليس في القبلة ولا المباشرة، ولا مس الفرج وضوء (2). وروى قيس بن طلق (3) عن أبيه (4) قال: قدمنا على نبي الله، فجاء رجل كأنه بدوي فقال: يا رسول الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ؟ فقال: وهل هو إلا مضغة منه، أو قال: بضعة منه (5). وقال أبو داود: وفي بعض الألفاظ: في مس الرجل ذكره " في الصلاة " (6) وهذا نص. مسألة 56: مس فرج البهيمة لا ينقض الوضوء. وبه قال الشافعي (7) إلا في رواية ابن عبد الحكم (8). وقال الليث بن سعد: ينقض الوضوء.

= طبقات الفقهاء 81، وطبقات الشافعية: 7. (1) قال الخطيب الشربيني في مغني المحتاج [ 1: 36 ]: وحكاه جمع جديد أنه ينقض لأنه كفرج الآدمي في وجوب الغسل في الايلاج فيه، فكذا في المس.
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 38 حديث 145، والتهذيب 1: 21 حديث 54، والاستبصار 1: 87 حديث 277، والكافي 3: 37 حديث 12 (مع تقديم وتأخير بالألفاظ).
(3) قيس بن طلق بن علي بن المنذر الحنفي، اليمامي، روى عن أبيه وروى عنه ابنه هوذة وغيره تابعي مشهور. تهذيب التهذيب 8: 398.
(4) طلق بن علي بن المنذر، أبو علي الحنفي، اليمامي، وفد على النبي صلى الله عليه وآله وروى عنه، وقيل اسمه طلق بن ثمامة. التاريخ الكبير 4: 358، الإصابة 2: 224.
(5) سنن أبي داود 1: 46 حديث 182، وسنن الترمذي 1: 131 حديث 85.
(6) سنن أبي داود 1: 46 حديث 183.
(7) الأم 1: 19، ومغني المحتاج 1: 36.
(8) تقدم في المسألة (55).

[ 115 ]

دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء. مسألة 57: الدود الخارج من أحد السبيلين - إذا كان خاليا من نجاسة - والحصى، والدم إلا دم الحيض، والاستحاضة، والنفاس، لا ينقض الوضوء. وهو مذهب مالك وربيعة (1). وقال الشافعي وأبو حنيفة: إن جميع ذلك ينقض الوضوء (2). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء. وروى زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا يوجب الوضوء إلا من غائط، أو بول، أو ضرطة، أو فسوة تجد ريحها (3). وروى زكريا بن آدم (4) قال: سألت الرضا عليه السلام عن الناسور (5) أينقض الوضوء؟ فقال: إنما ينقض الوضوء ثلاث البول، والغائط، والريح (6). مسألة 58: البول والغائط إذا خرجا من غير السبيلين من موضع في البدن، ينقض الوضوء، إذا كان مما دون المعدة، وإن كان فوقها لا ينقض الوضوء. وبه قال الشافعي: إلا أن له فيما فوق المعدة قولين (7).

(1) المدونة الكبرى 1: 10، وبداية المجتهد 1: 33، وشرح الكرماني 3: 14، وعمدة القاري 3: 47.
(2) الأم 1: 17، ومغني المحتاج 1: 33، وشرح فتح القدير 1: 35، ومراقي الفلاح: 14، وبدائع الصنائع 1: 27، وعمدة القاري 3: 47، والهداية للمرغيناني 1: 15، وبداية المجتهد 1: 33.
(3) التهذيب 1: 10، حديث 16.
(4) زكريا بن آدم بن عبد الله بن سعد الأشعري القمي. ثقة، جليل القدر، له وجه عند الإمام الرضا عليه السلام. عده الشيخ في أصحاب الصادق والرضا والجواد عليهم السلام. رجال الطوسي: 200 و 377 و 401، وتنقيح المقال 1: 447. وجامع الرواة 1: 330.
(5) الناسور: عرق في باطنه فساد، فكلما بدأ أعلاه رجع غبرا فاسدا. ويحدث تارة في المآقي، وأخرى حوالي المقعدة، وثالثة في اللثة. تاج العروس 3: 564 (مادة نسر).
(6) الكافي 3: 36، حديث 2: والتهذيب 1: 10 حديث 18، والاستبصار 1: 86 حديث 272. ولفظ الحديث: " قال: سألت الرضا عليه السلام عن الناسور؟ فقال: إنما ينقض الوضوء ثلاث... الخ ".
(7) مغني المحتاج 1: 33.

[ 116 ]

دليلنا: قوله تعالى: " أو جاء أحد منكم من الغائط " (1). والغائط عبارة عن الحدث المخصوص، ولم يفرق. وروى زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: لا يوجب الوضوء إلا من غائط، أو بول، أو ضرطة، أو فسوة تجد ريحها (2) وهذا عام. فإن قيل: هذا يوجب أن ينقض ما يخرج من فوق المعدة. قلنا: ما يخرج من فوق المعدة لا يكون غائطا أصلا، فلا يتناوله الاسم. مسألة 59: إذا أدخل ذكره في دبر امرأة، أو رجل، أو (في) فرج بهيمة، أو فرج ميتة، فلأصحابنا في الدبر روايتان: إحداهما، إن عليه الغسل (3) وبه قال جميع الفقهاء (4). والأخرى، لا غسل عليه، ولا على المفعول به (5). ولا يوافقهم على هذه الرواية أحد (6).

(1) المائدة: 6، والنساء 43.
(2) التهذيب 1: 10 حديث 16.
(3) الاستبصار 1: 112 حديث 373 و 3: 243 حديث 868، والتهذيب 7: 414 و 461 حديث 1658 و 1847.
(4) وهو المحكي عن السيد المرتضى قدس سره مع دعواه الإجماع على وجوبه، والمحكي عن ابن الجنيد أيضا، حكاه العلامة في المختلف: 36، واختاره ابن حمزة في الوسيلة، والمصنف في المبسوط 4: 243 و 1: 270. كما اختار أيضا وجوب الغسل لمن أدخل ذكره في فرج الميتة كما في المبسوط 1: 28 و 270.
(5) من لا يحضره الفقيه 1: 47 حديث 185، والكافي 3: 47، والتهذيب 1: 124 حديث 335 و 1: 125 حديث 336. والاستبصار 1: 112 حديث 370 و 371.
(6) وهو اختيار الشيخ الصدوق قدس سره في الفقيه 1: 47 لظاهر الخبر المروي عن الحلبي، والشيخ الكليني في الكافي 3: 47 ولظاهر الخبر المروي عن البرقي وظاهر سلار في المراسم، وهو اختيار الشيخ المصنف في النهاية: 19. كما اختار أيضا عدم الغسل لمن أدخل ذكره في فرج البهيمة لعدم وجود دليل عليه كما في المبسوط 1: 28 (باب ذكر غسل الجنابة وأحكامها) واختار الغسل ظاهرا كما في المبسوط أيضا 1: 270 (باب في ذكر ما يمسك عنه الصائم).

[ 117 ]

فأما فرج الميتة فلا نص لهم فيه أصلا. وقال جميع أصحاب الشافعي: إن عليه الغسل (1) وقال أصحاب أبي حنيفة: لا يجب عليه الغسل (2) ولا إذا أدخل في فرج البهيمة. والذي يقتضيه مذهبنا أن لا يجب الغسل في فرج البهيمة، فأما فرج الميتة، فالظاهر يقتضي أن عليه الغسل، لما روي عنهم من أن حرمة الميت كحرمة الحي (3). ولأن الظواهر المتضمنة لوجوب الغسل على من أولج في الفرج تدل على ذلك لعمومها (4)، وطريقة الاحتياط تقتضيه. ونصرة الرواية الأخرى أن الأصل براءة الذمة، وعدم الوجوب، وشغلها بوجوب الغسل يحتاج إلى دليل، وروي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: اسكتوا عما سكت الله عنه (5). وأما اختلاف الأحاديث من طريق أصحابنا، فقد بينا الوجه في الكتابين المقدم ذكرهما (6).

(1) مغني المحتاج 1: 69، ونقل العيني في العمدة 3: 252 عن المغني لابن قدامة: تغييب الحشفة في الفرج هو الموجب للغسل سواء كان الفرج قبلا أو دبرا من كل حيوان آدمي أو بهيم حيا أو ميتا طائعا أو مكرها نائما أو مستيقظا.
(2) مراقي الفلاح: 16، وشرح فتح القدير 1: 41، والهداية للمرغيناني 1: 17، وعمدة القاري 3: 253.
(3) التهذيب 10: 62 حديث 229، والاستبصار 4: 225 حديث 842.
(4) الكافي 3: 46 (باب ما يوجب الغسل على الرجل والمرأة)، ومن لا يحضره الفقيه 1: 46 (باب صفة غسل الجنابة) والتهذيب 1: 118 (باب حكم الجنابة وصفة الطهارة منها) والاستبصار 1: 108 (باب إن التقاء الختانين يوجب الغسل).
(5) لقد تضمن قول مولانا أمير المؤمنين عليه أفضل الصلاة والسلام في نهج البلاغة 3: 160، هذا المعنى بعد قوله عليه السلام: إن الله افترض عليكم الفرائض... الخ. ونحوه في أمالي الشيخ المفيد: 94 مجلس 20.
(6) انظر الاستبصار 1: 112 وما تقدم في المسألة من آراء، والتهذيب 1: 118.

[ 118 ]

مسألة 60: المذي (1) والودي (2) " والوذي " (3) لا ينقضان الوضوء، ولا يغسل منهما الثوب. وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وأوجبوا منهما الوضوء، وغسل الثوب (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وصحة الوضوء، ونواقضه تحتاج إلى دليل. وروى زيد الشحام (5)، وزرارة، ومحمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: إن سال من ذكرك شئ من مذي أو ودي، فلا تغسله،

(1) المذي: بسكون الذال، مخفف الياء، البلل اللزج الذي يخرج من الذكر عند ملاعبة النساء. النهاية 4: 312 (مادة مذي).
(2) الودي: بسكون الدال، وبكسرها، وتشديد الياء البلل اللزج الذي يخرج من الذكر بعد البول. وقيل: التشديد أصح وأفصح من السكون. النهاية 5: 169 (مادة ودا).
(3) الوذي: بالذال المعجمة الساكنة، والياء المخففة، وعن الأموي بتشديد الياء، ما يخرج عقيب إنزال المني. مجمع البحرين: 92 (مادة وذا). في بعض النسخ، الخطية منها والمطبوعة زيادة (الوذي) وفي البعض الآخر أبدلت بكلمة (الودي). أما عبارة المؤلف قدس سره تدل على التثنية، ويؤيد ذلك ما ورد في الروايات المذكورة آنفا. وقد توهم البعض في أن كلمة (الوذي) لم ترد قبل الشهيد الثاني قدس سره فإنه قد عرفها. إلا أن المتتبع يرى ما رواه الشيخ في التهذيب 1: 20 حديث 48 ما لفظه: محمد بن الحسن الصفار... عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يخرج من الإحليل المني والمذي والودي والوذي. فأما المني فهو الذي تسترخي له العظام ويفتر به الجسد، وفيه الغسل. وأما المذي فيخرج من الشهوة ولا شئ فيه. وأما الودي فهو الذي يخرج بعد البول. وأما الوذي فهو الذي يخرج من الأدواء ولا شئ فيه.
(4) المدونة الكبرى 1: 12، والأم 1: 39، والمبسوط 1: 67، وشرح معاني الآثار 1: 45 - 48، وموطأ مالك 1: 41، والمحلى 1: 232، ومجمع الزوائد 1: 284، وعمدة القاري 3: 217، وفتح الباري 1: 380، وسنن الترمذي 1: 197 ونيل الأوطار 1: 274.
(5) أبو أسامة، زيد بن يونس الأزدي، مولاهم الشحام، الكوفي. قيل: توفي سنة (100 ه‍). عده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الباقر والصادق عليهما السلام وعنونه ب‍ " زيد بن محمد ". وذكره النجاشي بعنوان زيد بن يونس بن موسى. الفهرست للطوسي: 71، ورجال الطوسي: 122، 195، ورجال النجاشي: 132.

[ 119 ]

ولا تقطع له الصلاة، ولا تنقض له الوضوء، إنما ذلك بمنزلة النخامة (1) وكل شئ خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل (2) (3) وروي عن أبي عبد الله عليه السلام: إن سال من ذكرك شئ من وذي أو ودي وأنت في الصلاة فلا تغسله، ولا تقطع الصلاة، ولا تنقض له الوضوء، وإن بلغ عقبيك، فإنما ذلك بمنزلة النخامة، وكل شئ خرج منك بعد الوضوء فإنه من الحبائل، أو من البواسير (4) وليس بشئ، فلا تغسله من ثوبك، إلا أن تقذره (5). وقد بينا ما اختلف من الأخبار في هذا المعنى في كتابنا المقدم ذكره (6). مسألة 61: ما يخرج من غير السبيلين، مثل القئ، والرعاف، والفصد، وما أشبهها لا ينقض الوضوء. وبه قال الشافعي (7) وهو المروي عن ابن عباس، وابن عمر، وعبد الله بن أبي أوفى (8) وغيرهم من الصحابة (9) وسعيد بن المسيب، والقاسم بن

(1) النخامة: البزقة التي تخرج من أقصى الحلق، ومن مخرج الخاء المعجمة. النهاية 5: 34 (مادة نخم).
(2) الحبائل: عروق ظهر الانسان. مجمع البحرين (مادة حبل): 486.
(3) الاستبصار 1: 94 حديث 305، والتهذيب 1: 21 حديث 52.
(4) البواسير: علة تحدث في المقعدة، وفي داخل الأنف أيضا. قاله الجوهري في الصحاح (مادة بسر).
(5) رواها زرارة كما في الكافي 3: 39، حديث 1، وعلل الشرائع 1: 279 باب (231) حديث 1.
(6) انظر الاستبصار 1: 91 (باب حكم المذي والوذي).
(7) الأم 1: 18، والمبسوط للسرخسي 1: 75، وسنن الترمذي 1: 145.
(8) عبد الله بن أبي أوفى علقمة بن خالد بن الحارث بن هوازن الأسلمي. أبو معاوية وقيل: أبو إبراهيم، وقيل غير ذلك. روى عنه أبو إسحاق الشيباني، والحكم بن عيينة. مات سنة (80 ه‍). الاستيعاب بهامش الإصابة 2: 255، والإصابة 2: 271.
(9) روى البيهقي في سننه 1: 145 بسنده عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: من أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار في مشيخة جلة =

[ 120 ]

محمد (1) ومالك (2). وقال أبو حنيفة: ينتقض الوضوء بالدم إذا خرج فظهر، وبالقئ إذا كان ملاء الفم وقال: البلغم والبصاق لا ينقضان الوضوء (3). وقال أبو يوسف، وزفر: إن البلغم إن كان نجسا نقض الوضوء، قليلا كان أو كثيرا، وإن كان طاهرا لا ينقض الوضوء، إلا إذا كان ملاء الفم (4). دليلنا: ما قدمناه من ثبوت حكم الطهارة، وأن نقضها يحتاج إلى دليل. وأيضا عليه إجماع الفرقة لا يختلفون في ذلك. وروى ابن أبي عمير، عن ابن أذينة (5) عن زيد الشحام قال: سألت

= سواهم يقولون فيمن رعف: غسل عنه الدم ولم يتوضأ. (1) القاسم بن محمد بن أبي بكر بن أبي قحافة القرشي، التيمي، أبو محمد، ويقال: أبو عبد الرحمن. روى عن أبيه، وعن العبادلة، وغيرهم. عده الشيخ الطوسي في أصحاب الإمامين السجاد والباقر عليهما السلام وقال ابن سعد: كان ثقة، فقيها، إماما، كثير الحديث، ورعا، وقال ابن خلكان: كان من سادات التابعين وأفضل أهل الزمان، وأحد الفقهاء السبعة في المدينة. مات سنة (101 ه‍) وقيل: (106 ه‍). وقيل غير ذلك. التاريخ الكبير 7: 157، رجال الطوسي: 100 و 133، والطبقات الكبرى 5: 187، ووفيات الأعيان 4: 59.
(2) موطأ مالك 1: 39، ومقدمات ابن رشد 1: 70، والمدونة الكبرى 1: 18، وبداية المجتهد 1: 33، وسنن الترمذي 1: 145.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 75، ومراقي الفلاح: 14، ومقدمات ابن رشد 1: 70، والمحلى 1: 256، وبداية المجتهد 1: 33، ونسب الراية 1: 38.
(4) المبسوط 1: 75، والمحلى 1: 257، وبداية المجتهد 1: 33.
(5) عمر بن محمد بن عبد الرحمن بن أذينة... بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان شيخ من أصحابنا البصريين ووجههم. روى عن الإمام الصادق مكاتبة. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام. وقد ورد تارة تحت عنوان ابن أذينة. وأخرى بعنوان: عمر بن أذينة، وثالثة عمر بن محمد بن عبد الرحمن. فتارة ينسب إلى أبيه وأخرى إلى جد أبيه لأن أذينة له شرفا وقدرا بين الأصحاب. رجال النجاشي 218، ورجال الطوسي: 253 و 353، وتنقيح المقال 2: 340.

[ 121 ]

أبا عبد الله عليه السلام عن القئ هل ينقض الوضوء؟ قال: لا (1). وروى سماعة، عن أبي بصير قال: سمعته يقول: إذا قاء الرجل وهو على طهر فليتمضمض، وإذا رعف وهو على وضوء فليغسل أنفه، فإن ذلك يجزيه، ولا يعيد وضوءه (2). مسألة 62: القهقهة لا تنقض الوضوء، سواء كانت في الصلاة أو في غيرها، وبه قال جابر بن عبد الله (3) (4)، وأبو موسى الأشعري، وعطاء، والزهري (5)، والشافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق (6). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كانت في الصلاة نقضت الوضوء. وبه قال الشعبي، والنخعي، والثوري (7).

(1) التهذيب 1: 13 حديث 25، والكافي 3: 36 حديث 9، والاستبصار 1: 83 حديث 259.
(2) التهذيب 1: 15 حديث 31، والاستبصار 1: 85 حديث 270.
(3) جابر بن عبد الله بن عمرو بن حزام الأنصاري، المدني، الخزرجي. صاحب رسول الله صلى الله عليه وآله. شهد بدرا وثماني عشرة غزوة معه صلى الله عليه وآله ومن السابقين الذين رجعوا إلى أمير المؤمنين عليه السلام وحاله أشهر من أن يذكر. عده الشيخ في رجاله من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والحسن والحسين وعلي بن الحسين والباقر عليهم أفضل الصلاة والسلام. رجال الطوسي: 12 و 37 و 66 و 72 و 85 و 111، وتنقيح المقال 1: 199.
(4) صحيح البخاري 1: 53 سنن الدار قطني 1: 172 الأحاديث 48 - 62، والمستدرك للحاكم 1: 145.
(5) سنن الدار قطني 1: 166 حديث 21.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 77، وبدائع الصنائع 1: 32، ومسائل الإمام أحمد: 13، وشرح فتح القدير 1: 34 و 35، ونصب الراية 1: 53.
(7) المبسوط 1: 77، ومراقي الفلاح: 15، وبدائع الصنائع 1: 32، وبداية المجتهد 1: 39، وشرح فتح القدير 1: 34، ونصب الراية 1: 48، والنتف 1: 28، وسنن الدار قطني 1: 166، 172، وروى البيهقي في سننه 1: 145 بسنده عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال: من أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم منهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبو بكر بن عبد الرحمن وخارجة بن زيد بن ثابت وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وسليمان بن يسار في مشيخة جلة =

[ 122 ]

دليلنا: ما قدمناه من إجماع القرقة، وثبوت حكم الطهارة. وأن لا دليل على أن ذلك ينقض الوضوء. وروى أديم بن الحر (1)، إنه سمع أبا عبد الله عليه السلام يقول: ليس ينقض الوضوء إلا ما خرج من طرفيك الأسفلين.
(2) مسألة 63: أكل ما مسته النار، لا ينقض الوضوء. وهو مذهب جميع الفقهاء، والصحابة بأجمعهم (3) إلا أبا موسى الأشعري، وزيد بن ثابت (4) وأنس بن مالك، وأبا طلحة (5)، وابن عمر، وأبا هريرة، وعائشة فإنهم قالوا: إنه ينقض الوضوء (6).

= سواهم يقولون فيمن ضحك في الصلاة: أعادها ولم يعد وضوءه. وروينا نحو قولهم في الضحك عن الشعبي وعطاء والزهري (إنتهى). (1) أديم بن الحر الجعفي، مولاهم، الحذاء، كوفي ثقة، صاحب أبي عبد الله عليه السلام، ذكره الشيخ الطوسي باسم (آدم) وهو يروي عنه نيفا وأربعين حديثا. رجال النجاشي: 83، ورجال الطوسي: 143، وجامع الرواة 1: 77.
(2) التهذيب 1: 16 حديث 36.
(3) سنن الترمذي 1: 119، والمبسوط 1: 79، ومسائل الإمام أحمد: 15، وبداية المجتهد 1: 39، وعمدة القاري 3: 104، ومجمع الزوائد 1: 251.
(4) زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان الأنصاري الخزرجي، أبو سعيد، وقيل: أبو ثابت، وقيل: أبو عبد الرحمن. روى عنه جماعة منهم أبو هريرة، وابن عمر، وأنس، وسهل بن سعد، وغيرهم. مات سنة 45 وقيل: (55 ه‍). وقيل غير ذلك. طبقات الفقهاء: 15، والتاريخ الكبير 3: 380، والإصابة 1: 543، والاستيعاب 1: 532.
(5) أبو طلحة، زيد بن سهل بن الأسود بن حرام بن عمرو الأنصاري المدني. روى عن النبي صلى الله عليه وآله. وعنه ابنه عبد الله، وربيبه أنس بن مالك، والجهني، وابن عباس، وغيرهم. مات سنة (51 ه‍). وقيل غير ذلك. تهذيب التهذيب 3: 414.
(6) شرح معاني الآثار 1: 69، والمحلى 1: 243، ومجمع الزوائد 1: 249، وعمدة القاري 3: 104، وسنن الترمذي 1: 16 و 19. وقال السرخسي في المبسوط 1: 79 وأهل الظاهر يوجبون الوضوء مما مسته النار.

[ 123 ]

دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى من الاعتبار (1)، والخبر، والاجماع، فلا وجه لا عادته. مسألة 64: أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء. وبه قال جميع الفقهاء (2). وقال أحمد: إنه ينقض الوضوء (3). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى (4)، فلا وجه لا عادته. مسألة 65: من تيقن الطهارة وشك في الحدث لم يجب عليه الطهارة، وطرح الشك. وبه قال أبو حنيفة والشافعي (5). وقال مالك: يبني على الشك. ويلزمه الطهارة (6). وقال الحسن (7) إن كان في الصلاة بنى على اليقين، وهو الطهارة، وإن كان خارج الصلاة، بنى على الشك، وأعاد الوضوء احتياطا (8). دليلنا: ما قدمناه من أن الطهارة معلومة، فلا يجب العدول عنها إلا بأمر معلوم والشك لا يقابل العلم، ولا يساويه، فوجب طرحه، وعليه إجماع الفرقة. وروى عبد الله بن بكير، عن أبيه قال: قال لي أبو عبد الله عليه السلام: إذا

(1) ويراد به الاستصحاب، أي إن الطهارة ثابتة ونقضها يحتاج إلى دليل.
(2) شرح معاني الآثار 1: 70، وعمدة القاري 3: 104. والدراري المضية 1: 61، والمبسوط 1: 80، وسنن الترمذي 1: 125، ونيل الأوطار 1: 252.
(3) الاقناع 1: 39، مسائل الإمام أحمد: 15، وسنن الترمذي 1: 125، وبداية المجتهد 1: 39، والمحلى 1: 241، وعمدة القاري 3: 104، والدراري المضية 1: 61، ونيل الأوطار 1: 252.
(4) تقدم في المسألتين (61 و 62).
(5) عمدة القاري 2: 253، والمبسوط للسرخسي 1: 86، وفتح الباري 1: 238.
(6) المدونة الكبرى 1: 14، عمدة القاري 2: 253، فتح الباري 1: 238. وحاشية الدسوقي 1: 122.
(7) هو الحسن البصري، تقدمت ترجمته.
(8) عمدة القاري 2: 253، وفتح الباري 1: 238.

[ 124 ]

استيقنت أنك قد توضأت، فإياك أن تحدث وضوءا أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت (1). وعن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: لا ينقض اليقين أبدا بالشك، ولكن ينقضه يقين آخر (2). مسألة 66: إذا التقى الختانان وجب الغسل، سواء أنزل أو لم ينزل. وبه قال جميع الفقهاء (3)، إلا داود (4) وقوما ممن تقدم مثل أبي سعيد الخدري (5)، وأبي بن كعب (6)، وزيد بن ثابت، وغيرهم (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم، وطريقة الاحتياط تقتضيه أيضا. وروى أبو هريرة إن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا قعد بين شعبها الأربع والتصق ختانه بختانها فقد وجب الغسل، أنزل أو لم ينزل (8).

(1) الكافي 3: 33 حديث 1 باختلاف يسير باللفظ. التهذيب 1: 102 حديث 268. (2) التهذيب 1: 8 ذيل حديث 11.
(3) شرح معاني الآثار 1: 55، والأم 1: 37، والمدونة الكبرى 1: 29، والمحلى 2: 4، وموطأ مالك 1: 46، وبداية المجتهد 1: 45، ومراقي الفلاح 16، وشرح فتح القدير 1: 43، وبدائع الصنائع 1: 36، ومغني المحتاج 1: 69، وعمدة القاري 3: 247، والدراري المضية 1: 69. وتحفة الأحوذي 1: 364.
(4) المحلى 2: 4، وبداية المجتهد 1: 45، وعمدة القاري 3: 247، وتحفة الأحوذي 1: 364.
(5) أبو سعيد، سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الخدري. روى عن النبي صلى الله عليه وآله. وعن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي عليه السلام وغيرهم. مات سنه (63 ه‍). وقيل (74) وقيل غير ذلك. الإصابة 2: 32، وصفوة الصفوة 1: 299.
(6) أبو المنذر، أبي بن كعب بن قيس بن عبيد الأنصاري. وقيل أبو الطفيل. روى عن النبي صلى الله عليه وآله. وروى عنه عمر، وأبو أيوب، وأنس وغيرهم. مات سنة (19 ه‍). وقيل (22) وقيل: غير ذلك. التاريخ الكبير 2: 39. وطبقات الفقهاء: 13.
(7) المحلى 2: 4، وعمدة القاري 3: 247.
(8) روى البخاري في صحيحه 1: 77، ومسلم في صحيحه 1: 271 الحديث بلفظ آخر نصه: " قال إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل ". وروى البيهقي في سننه 1: 163 بلفظ قريب من المتن نصه: " إذا قعد بين شعبها الأربع ثم أجهد نفسه فقد وجب الغسل أنزل أو لم ينزل " وفي =

[ 125 ]

وروى أحمد بن محمد بن عيسى (1)، عن محمد بن إسماعيل (2) قال: سألت الرضا عليه السلام عن الرجل يجامع قريبا من الفرج فلا ينزلان، متى يجب الغسل؟ فقال: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل، قلت التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم (3). مسألة 67: إذا أنزل بعد الغسل وجب عليه الغسل، سواء كان بعد البول أو قبله فإن رأى بللا دون الانزال، وكان قد بال لم يجب عليه الغسل، وإن لم يكن بال، كان عليه إعادة الغسل. وقال الشافعي: إذا أنزل بعد الغسل، وجب عليه الغسل، سواء كان قبل البول أو بعده (4). وقال مالك لا غسل عليه سواء كان قبل البول أو بعده (5). وقال الأوزاعي: إن كان قبل البول، فلا غسل عليه، وإن كان بعد البول فعليه الغسل (6) وقال أبو حنيفة: إن كان قبل البول فعليه الغسل وإن كان بعده فلا غسل عليه (7).

= حديث آخر " إذا التقى الختان وجب الغسل أنزل أو لم ينزل ". (1) أحمد بن محمد بن عيسى بن عبد الله بن سعد بن مالك بن الأحوص بن السائب بن مالك بن عامر الأشعري من بني ذخران بن عوف بن الجماهر بن الأشعث، أبو جعفر، شيخ القميين ووجههم وفقيههم من غير مدافع، وكان الرئيس الذي يلقى السلطان. عده الشيخ من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي عليهم السلام. رجال النجاشي: 64 ورجال الطوسي: 366 و 397 و 409، وتنقيح المقال 1: 90.
(2) محمد بن إسماعيل بن بزيع، أبو جعفر، مولى المنصور أبي جعفر، وولد بزيع بيت منهم حمزة بن بزيع كان من صالحي هذه الطائفة وثقاتهم قاله النجاشي، وعده الشيخ الطوسي من أصحاب الكاظم والرضا والجواد. رجال النجاشي، 254، رجال الطوسي: 360، 386، 405.
(3) الكافي 3: 46 حديث 2، والتهذيب 1: 118 حديث 311، والاستبصار 1: 108 حديث 359.
(4) الأم 1: 37، والمحلى 2: 7، المجموع 2: 139.
(5) المحلى 2: 7، والمجموع 2: 139.
(6) لم نعثر على قول الأوزاعي في المصادر المتوفرة لدينا إلا أن ابن حزم في المحلى 2: 7 نسبه إلى أبي حنيفة.
(7) المبسوط للسرخسي 1: 67، والمجموع 2: 139.

[ 126 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط. وقوله صلى الله عليه وآله: " الماء من الماء " (1) وذلك عام في كل من أنزل. وروى عنبسة بن مصعب (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان علي عليه الصلاة والسلام لا يرى في شئ الغسل، إلا في الماء الأكبر (3). فأما التفصيل الذي بيناه في حكم البلل، فيدل عليه إجماع الفرقة. وروى معاوية بن ميسرة (4) قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول في رجل رأى بعد الغسل شيئا، قال: إن كان بال بعد جماعه قبل الغسل فليتوضأ، وإن لم يبل حتى اغتسل، ثم وجد البلل فليعد الغسل (5). مسألة 68، من أمنى من غير أن يلتذ به، وجب عليه الغسل. وبه قال الشافعي وأصحابه (6). وقال أبو حنيفة: لا يجب عليه الغسل، إلا أن يلتذ بخروجه (7). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى سواء، وقوله صلى الله عليه وآله: " الماء

(1) سنن ابن ماجة 1: 199، حديث 607، وصحيح مسلم 1: 269، حديث 343.
(2) عنبسة بن مصعب العجلي الكوفي، عده الشيخ في رجاله من أصحاب الباقر والصادق والكاظم عليهم السلام. رجال الشيخ الطوسي: 130 و 261 و 356. وتنقيح المقال 2: 353.
(3) التهذيب 1: 119 - 120 حديث 315 و 316. والاستبصار 1: 109 - 110 حديث 361 و 362 و 364. والكافي 3: 48 حديث 1.
(4) معاوية بن ميسرة بن شريح بن الحارث الكندي، القاضي. عده الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام. روى عنه ابن أبي الكرام، وفضالة، وعبد الله بن المغيرة وغيرهم. رجال النجاشي: 321، ورجال الطوسي: 310، وجامع الرواة 2: 242.
(5) التهذيب 1: 144 حديث 408، والاستبصار 1: 119 حديث 403، والكافي 3: 49 حديث 4 (قريب منه).
(6) الأم 1: 37، المبسوط 1: 67، بداية المجتهد 1: 46، وشرح فتح القدير 1: 41، وبدائع الصنائع 1: 37، مغني المحتاج 1: 70.
(7) المبسوط 1: 67، مراقي الفلاح: 16 وشرح فتح القدير 1: 41، وبدائع الصنائع 1: 37.

[ 127 ]

من الماء " (1) وقوله عليه السلام: الغسل من الماء الأكبر (2) يدل على ذلك. مسألة 69: الكافر إذا أسلم لم يجب عليه الغسل، بل يستحب ذلك. وبه قال الشافعي (3) وقال مالك وأحمد: عليه الغسل (4). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة، وإيجاب الغسل على من أسلم يحتاج إلى شرع. وأيضا فقد علمنا إن جماعة أسلموا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، ولم ينقل أنه صلى الله عليه وآله أمرهم بالغسل. وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: آمره بذلك، لأنه مستحب. مسألة 70: الكافر إذا تطهر أو اغتسل من جنابة، ثم أسلم لم يعتد بهما. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: إنه يعتد بهما (6). دليلنا: ما بيناه من أن هاتين الطهارتين تحتاجان إلى نية القربة (7)، والكافر لا يصح منه نية القربة في حال كفره، لأنه غير عارف بالله تعالى، فوجب أن لا يجزيه. مسألة 71: إمرار اليد على البدن في الغسل من الجنابة غير لازم.

(1) سنن ابن ماجة 1: 199 حديث 607، صحيح مسلم 1: 269 حديث 343.
(2) التهذيب 1: 119 - 120 حديث 315 و 316، والكافي 3: 48 حديث 1، والاستبصار 1: 109 - 110 حديث 361 و 362 و 364.
(3) الأم 1: 38، والدراري المضية 1: 71، ونيل الأوطار 1: 281.
(4) حاشية الدسوقي 1: 130، والدراري المضية 1: 71، ونيل الأوطار 1: 281.
(5) ذكر النووي في المجموع 2: 152 لهذه المسألة وجهين وقال: الثاني تجب إعادته وهو الأصح لأنه عبادة محضة فلم تصح من الكافر في حق الله تعالى كالصوم والصلاة (إنتهى). وانظر أيضا الفقه على المذاهب الأربعة 1: 119.
(6) مراقي الفلاح: 18، وبدائع الصنائع 1: 35، ونيل الأوطار 1: 282.
(7) تقدم في المسألة 18.

[ 128 ]

وبه قال الشافعي (1) وأبو حنيفة (2) وغيرهما (3) وقال مالك: يلزمه ذلك (4). دليلنا: قوله تعالى: " حتى تغتسلوا " (5) وقوله: " وإن كنتم جنبا فاطهروا " (6) وهذا قد اغتسل، وتسمى بذلك. وأيضا الأصل براءة الذمة، وشغلها يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة. وروى زرارة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل الجنابة؟ فقال: لو أن رجلا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك وإن لم يدلك جسده (7). مسألة 72: يجوز للرجل والمرأة أن يتوضأ كل واحد منهما بفضل وضوء صاحبه. وبه قال الشافعي (8). وقال أحمد بن حنبل: لا يجوز للرجل أن يتوضأ بفضل وضوء المرأة (9). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (1) ولم يفرق.

(1) الأم 1: 40، والمحلى 2: 30.
(2) المبسوط 1 ; 45، والمحلى 2: 30، ومراقي الفلاح: 17.
(3) قال ابن حزم في المحلى 2: 30: وهو قول سفيان الثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وداود وأبي حنيفة والشافعي.
(4) المدونة الكبرى 1: 27، والمحلى 2: 30، والمبسوط للسرخسي 1: 45، وبداية المجتهد 1: 42، وحاشية الدسوقي 1: 90.
(5) النساء: 43.
(6) المائدة: 6.
(7) التهذيب 1: 148 ذيل حديث 422.
(8) الأم 1: 29، والمحلى 1: 215، وعمدة القاري 3: 196، والمنهل العذب 1: 275.
(9) حكاه العيني في العمدة 3: 196 وقال: ذهب الإمام أحمد إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها. ونحوه في نيل الأوطار 1: 32، وحكاه أيضا عن إسحاق. وذكر في المنهل العذب 1: 275 لأحمد أقوال متعددة منها نحو ما ذكره العيني.
(10) النساء: 43، والمائدة: 6.

[ 129 ]

وروى ابن مسكان (1)، عن رجل، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له أيتوضأ الرجل بفضل وضوء المرأة؟ قال: نعم إن كانت تعرف الوضوء، وتغسل يدها قبل أن تدخلهما الاناء (2). مسألة 73: الفرض في الغسل، إيصال الماء إلى جميع البدن، وفي الوضوء إلى أعضاء الطهارة، وليس له قدر لا يجوز أقل منه، إلا أن المستحب أن يكون الغسل بتسعة أرطال، والوضوء بمد. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجزي في الغسل أقل من تسعة أرطال، ولا في الوضوء أقل من مد (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " فاغسلوا وجوهكم وأيديكم " (5) وقد يكون غاسلا وإن استعمل أقل من الصاع والمد. وأيضا تقدير ذلك يحتاج إلى دليل، والأصل براءة الذمة. وروى إسحاق بن عمار، عن جعفر، عن أبيه، أن عليا عليه السلام كان

(1) قال النجاشي: عبد الله بن مسكان، أبو محمد، مولى عنزة، ثقة عين. روى عن أبي الحسن موسى عليه السلام وقيل إنه روى عن أبي عبد الله، وعده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الصادق، وهو ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم. رجال النجاشي: 158، ورجال الكشي: 375 رقم 705، ورجال الطوسي: 264.
(2) لم نعثر على رواية ابن مسكان هذه. ولعله رواه من كتابه. وقد روى الشيخ الكليني في الكافي 3: 11 حديث 4، بسنده عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام أيتوضأ الرجل من فضل المرأة؟ قال: إذا كانت تعرف الوضوء، ولا يتوضأ من سؤر الحائض.
(3) أي أنه لم يحدد له قدر معين. قال في الأم [ 1: 40 ]: وروي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأبي ذر " فإذا وجدت الماء فامسسه جلدك " ولم يحك أنه وصف له قدرا من الماء إلا إمساس الجلد. وحكي في المنهل العذب 1: 306 قول الشافعي: واستحب أن لا ينقص في الغسل عن صاع ولا في الوضوء عن مد.
(4) قال السرخسي في المبسوط 1: 45: وأدنى ما يكفي في غسل الجنابة من الماء صاع وفي الوضوء مد.
(5) المائدة: 6.

[ 130 ]

يقول: الغسل من الجنابة والوضوء، يجزي منه ما أجزأ من الدهن الذي يبل الجسد (1). فأما الاستحباب فقد روى حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يتوضأ بمد، ويغتسل بصاع. والمد رطل ونصف، والصاع ستة أرطال (2). يعني رطل المدينة.

(1) التهذيب 1: 138 حديث 385. والاستبصار 1: 122 حديث 414.
(2) الاستبصار 1: 121 حديث 409، والتهذيب 1: 136 حديث 378، وذكر الشيخ في ذيل الحديث: يعني أرطال المدينة، فيكون تسعة أرطال بالعراقي حسب ما ذكره في الكتاب. فائدة: إعلم أن الأخبار اختلفت في تحديد الصاع والمد والرطل. فروي عنهم عليهم السلام في ذلك عدة روايات نشير إلى بعضها. روى الشيخ الصدوق قدس سره في معاني الأخبار 1: 249 (باب معنى الصاع والمد والفرق بين صاع الماء ومده وبين صاع الطعام ومده) بسنده إلى المروزي قال قال أبو الحسن عليه السلام: الغسل صاع من الماء والوضوء مد من ماء. وصاع النبي صلى الله عليه وآله خمسة أمداد والمد وزن مائتي وثمانين درهما، والدرهم وزن ستة دوانيق، والدانق ست حبات، والحبة وزن حبتي شعير من أوساط الحب لا من صغاره ولا من كباره. وروي بسنده أيضا عن جعفر بن إبراهيم بن محمد الهمداني - قال: وكان معنا حاجا - قال: كتب إلى أبي الحسن عليه السلام على يد أبي: جعلت فداك، إن أصحابنا اختلفوا في الصاع، بعضهم يقول: الفطرة بصاع المدينة، وبعضهم يقول بصاع العراق. فكتب إلي: الصاع ستة أرطال بالمدني، وتسعة أرطال بالعراقي. قال: وأخبرني فقال: إنه بالوزن يكون ألفا ومائة وسبعين وزنا. وروي بسنده أيضا عن أبي القاسم الكوفي، أنه جاء بمد، وذكر أن ابن أبي عمير أعطاه ذلك المد وقال: أعطانيه فلان - رجل من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام - وقال هذا مد النبي صلى الله عليه وآله، فعيرناه فوجدناه أربعة أمداد، وهو قفيز وربع بقفيزنا هذا. وقال ابن الأثير في النهاية 3: 60 مادة (صوع): قد تكرر ذكر الصاع في الحديث، وهو مكيال يسع أربعة أمداد، والمد مختلف فيه فقيل: هو رطل وثلث بالعراقي، وبه يقول الشافعي وفقهاء الحجاز، وقيل: هو رطلان وبه أخذ أبو حنيفة وفقهاء العراق. فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا، أو ثمانية أرطال (إنتهى). =

[ 131 ]

مسألة 74: من وجب عليه الوضوء وغسل الجنابة، أجزأه عنهما الغسل. وبه قال جميع الفقهاء (1) إلا الشافعي فإن له ثلاثة أقوال: أحدها: مثل ما قلناه، وعليه يعتمد أصحابه (2). والثاني: أنه يجب عليه أن يتطهر ثم يغسل، أو يتطهر بعد أن يغتسل (3). والثالث: إنه يجب عليه أن يتطهر أولا، فيسقط عنه فرض غسل الأعضاء الأربعة في الغسل، ويأتي بما بقي، وقد أجزأه (4). دليلنا: قوله تعالى: " وإن كنتم جنبا فاطهروا " (5) يعني اغتسلوا، ولم يفرق. وأيضا إجماع الفرقة.

= والمشهور إن الصاع أربعة أمداد، والمد رطلان وربع بالعراقي، فالصاع تسعة أرطال به، والمد رطل ونصف بالمدني فالصاع ستة أرطال به. ويمكن الجمع بين الروايات الشيخ الصدوق، بحمل خبر المروزي على صاع الغسل، وخبر الهمداني على صاع الفطرة. حيث ذكر الأول في من لا يحضره الفقيه في باب الغسل 1: 23 حديث 69، والثاني في باب الفطرة 2: 115، حديث 493. وقد صرح بذلك أيضا في معاني الأخبار ووضعهما تحت عنوان: الفرق بين صاع الماء ومده، وصاع الطعام ومده. والاعتبار والنظر يقتضي الاختلاف، إذ من المعلوم أن الرطل والمد والصاع كل منها كانت في الأصل مكاييل معينة. والأجسام المختلفة يختلف قدرها بالنسبة إلى كيل معين. فلا يمكن أن يكون الصاع من الماء موافقا للصاع من التمر أو الحنطة أو غيرهما من حيث الوزن. لكون الماء أثقل من التمر والحبوب مع تساوي الحجم. والله أعلم بالصواب. (1) سنن الترمذي 1: 180، والأم 1: 42، ومغني المحتاج 1: 76، وعمدة القاري 3: 191 وفتح الباري 1: 360، وتحفة الأحوذي 1: 361.
(2) الأم 1: 42، وعمدة القاري 3: 191، ومغني المحتاج 1: 76.
(3) مغني المحتاج 1: 76، وعمدة القاري 3: 191.
(4) فتح الباري 1: 360 وفيه: يقدم غسل أعضاء وضوئه على ترتيب الوضوء لكن بنية غسل الجنابة، وإلى هذا جنح الداودي شارح المختصر من الشافعية.
(5) المائدة: 6.

[ 132 ]

وروى محمد بن مسلم قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام إن أهل الكوفة يروون عن علي عليه السلام إنه كان يأتي (1) بالوضوء قبل الغسل من الجنابة. قال: كذبوا على علي عليه السلام، ما وجدوا ذلك في كتاب علي عليه السلام، قال الله تعالى: وإن كنتم جنبا فاطهروا (2). مسألة 75: الترتيب واجب في غسل الجنابة، يبدأ بغسل رأسه، ثم ميامن جسده، ثم مياسره. وخالف جميع الفقهاء في ذلك (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، لأنه إذا رتب طهر بالاجماع، وإذا لم يرتب فيه خلاف. وروى حماد، عن حريز، عن زرارة، قال: قلت له: كيف يغتسل الجنب؟ فقال: إن لم يكن أصاب كفه شئ (4) غمسها في الماء، ثم بدأ بفرجه فأنقاه بثلاث غرف (5) ثم صب على رأسه ثلاث أكف، ثم صب على منكبه الأيمن مرتين، وعلى منكبه الأيسر مرتين، فما جرى عليه الماء فقد أجزأه (6). مسألة 76: التيمم إذا كان بدلا من الوضوء يكفي فيه ضربة واحدة لوجهه وكفيه. وبه قال الأوزاعي، وسعيد بن المسيب، ومالك، وأحمد، وإسحاق (7).

(1) في التهذيب والاستبصار (يأمر).
(2) التهذيب 1: 142 حديث 400، والاستبصار 1: 125 حديث 426.
(3) قال الرازي في تفسيره [ 11: 166 ]: قال الأكثرون لا ترتيب في الغسل، وقال إسحق: تجب البداءة بأعلى البدن، وأنظر مغني المحتاج 1: 73، وفتح المعين 1: 4. والمجموع 2: 234.
(4) في التهذيب (مني).
(5) في التهذيب من دون (ثلاث غرف).
(6) الكافي 3: 43 حديث 3، والتهذيب 1: 133 حديث 368.
(7) المجموع 2: 211، المحلى 2: 156، والمبسوط للسرخسي 1: 107، ونيل الأوطار 1: 332، والدراري المضية 1: 84، وعمدة القاري 4: 22، وفتح الباري 1: 445، وحاشية الدسوقي 1: 155، ومقدمات =

[ 133 ]

وإذا كان بدلا من الغسل فضربتان: ضربة للوجه، وضربة للكفين. وقال الشافعي: التيمم ضربتان على كل حال، ضربة للوجه يستغرق جميعه، وضربة لليدين إلى المرفقين (1). وقد ذهب إليه قوم من أصحابنا (2). وبه قال عمر، وجابر، والحسن البصري، والشعبي، ومالك، وليث بن سعد، والثوري وأبو حنيفة وأصحابه (3). ورووا ذلك عن علي عليه الصلاة والسلام أنه قال: يضرب ضربتين، ضربة لوجهه، وضربة لكفيه (4). وحكي ذلك عن الشافعي في القديم (5) وكذلك حكي عن مالك (6). فالفرق بين الطهارتين منفرد به. وفي أصحابنا من قال بضربة واحدة في الموضعين جميعا. اختاره المرتضى (7) وقال ابن سيرين: يضرب ثلاث ضربات: ضربة لوجهه، وضربة

= ابن رشد 1: 80. (1) الأم 1: 49، والمحلى 2: 152، والمبسوط للسرخسي 1: 107، وأحكام القرآن للجصاص 2: 387، ومقدمات ابن رشد 1: 79، والمجموع 2: 210، وبداية المجتهد 1: 68، ومغني المحتاج 1: 99.
(2) قال الشيخ الصدوق في أماليه: 384 (المجلس الثالث والتسعون) فإذا أراد الرجل أن يتمم ضرب بيديه على الأرض مرة واحدة، ثم ينفضهما فيمسح بهما وجهه ثم يضرب بيده اليسرى الأرض فيمسح بها يده اليمنى من المرفق إلى أطراف الأصابع. ثم يضرب بيمينه الأرض ويمسح بها يساره من المرفق إلى أطراف الأصابع، وقد روي أن يمسح الرجل جبينه وحاجبيه ويمسح على ظهر كفيه وعليه مضى مشايخنا رضي الله عنهم.
(3) المحلى 2: 148 - 152، وشرح معاني الآثار 1: 114، وموطأ مالك 1: 56، ونصب الراية 1: 150، والمبسوط للسرخسي 1: 106، ونيل الأوطار 1: 333، وبداية المجتهد 1: 68، والمدونة الكبرى 1: 42، ومقدمات ابن رشد 1: 79، وأحكام القرآن للجصاص 2: 387، والمجموع 2: 210 - 211.
(4) المحلى 2: 156، والأم 1: 50، والمجموع 2: 211.
(5) عمدة القاري 4: 22، وفتح الباري 1: 445، والمجموع 2: 211.
(6) بداية المجتهد 1: 66، وأحكام القرآن للجصاص 2: 387، والمجموع 2: 210.
(7) المسائل الناصريات، المسألة 46. وجمل العلم والعمل: 55، وفيه: وقد روي أن تيممه إن كان عن جنابة أو ما أشبهها ثنى ما ذكرناه من الضربة ومسح الوجه واليدين.

[ 134 ]

للكفين، وضربة للذراعين (1). وذهب الزهري إلى أنه يمسح يديه إلى المنكبين (2). دليلنا: قوله تعالى: " فامسحوا بوجوهكم وأيديكم " (3) ومن مسح دفعة واحدة، فقد مسح. فيجب أن يجزيه، والزيادة تحتاج إلى دليل، ولا يلزمنا مثل ذلك في الغسل، لأنا إنما أثبتناه بدليل. وروى حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام، قال: قلت كيف التيمم؟ قال: هو ضرب واحد للوضوء. وللغسل من الجنابة تضرب بيدك مرتين، ثم تنفضهما نفضة للوجه، ومرة لليدين، ومتى أصبت الماء فعليك الغسل إن كنت جنبا، والوضوء إن لم تكن جنبا (4). مسألة 77: يجب أن يكون التيمم بالتراب أو ما كان من جنسه من الأحجار ولا يلزم أن يكون ذا غبار. ولا يجوز التيمم بالزرنيخ، وغير ذلك من المعادن. وبه قال الشافعي، إلا أنه اعتبر التراب أو الحجر إذا كان ذا غبار (5). وقال أبو حنيفة: كل ما كان من جنس الأرض أو متصلا بها مثل الثلج، والصخر يجوز التيمم به (6) وبه قال مالك إلا أنه اعتبر أن يكون من جنس

(1) المبسوط 1: 107، ونيل الأوطار 1: 332، والدراري المضية 1: 85، والمجموع 2: 211.
(2) المحلى 2: 153، وشرح معاني الآثار 1: 110، ونصب الراية 1: 155، والمبسوط 1: 107، ونيل الأوطار 1: 334، وبداية المجتهد 1: 66، والدراري المضية 1: 84، وأحكام القرآن للجصاص 2: 387، والمجموع 2: 211.
(3) المائدة: 6.
(4) الاستبصار 1: 172 حديث 59، والتهذيب 1: 210 حديث 611، باختلاف يسير. (5) المحلى 2: 160، والأم 1: 50، ومقدمات ابن رشد 1: 78، وأحكام القرآن للجصاص 2: 389، ومغني المحتاج 1: 96، وبداية المجتهد 1: 68، والمجموع 2: 213، والتفسير القرطبي 5: 236، وحاشية الجمل 1: 213.
(6) المحلى 2: 160، والمبسوط للسرخسي 1: 109، وأحكام القرآن للجصاص 2: 389، والمجموع 2: 213 =

[ 135 ]

الأرض وما يتصل بها (1). وقال الثوري والأوزاعي: يجوز التيمم بالأرض، وبكل ما عليها، سواء كان متصلا بها أو غير متصل كالثلج والملح وغير ذلك (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (3) والصعيد هو التراب الذي لا يخالط غيره من السبخ والرمل (4). ذكر ذلك ابن دريد (5) وحكاه عن أبي عبيدة (6) وغيره من أهل اللغة (7) فمن تيمم بغير ما قلناه لم يكن ممتثلا للآية. وروى حريز، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام عن الرجل يكون

= وعمدة القاري 4: 10، وبداية المجتهد 1: 68، ونيل الأوطار 1: 328، وحاشية الجمل 1: 195، وتفسير القرطبي 5: 236. (1) مقدمات ابن رشد 1: 78، والمحلى 2: 160، وأحكام القرآن للجصاص 2: 389، والمجموع 2: 213، وبداية المجتهد 1: 68، وعمدة القاري 4: 10 ونيل الأوطار 1: 328، وحاشية الدسوقي 1: 155، وحاشية الجمل 1: 195، وتفسير القرطبي 5: 236.
(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 289، والمجموع 2: 213، وعمدة القاري 4: 10، ونيل الأوطار 1: 328، وتفسير القرطبي 5: 238.
(3) المائدة: 6.
(4) تاج العروس 2: 398، ومجمع البحرين 204 (مادة صعد).
(5) محمد بن الحسن بن دريد بن عتاهية الأزدي القحطاني البصري، أبو بكر. عالم، فاضل، أديب حفوظ، شاعر، نحوي، لغوي، كان إمام أهل اللغة. روى عنه خلق كثير منهم السيرافي، والمرزباني، والأصفهاني. قيل في حقه: إنه ما ازدحم العلم والشعر في صدر أحد ازدحامهما في صدر ابن دريد. مات سنة (321 ه‍). الفهرست لابن النديم: 67، وبغية الوعاة: 30.
(6) أبو عبيدة، معمر بن المثنى اللغوي البصري. مولى بني تيم، تيم قريش النحوي أخذ عنه أبو عبيد وأبو حاتم والمازني وغيرهم. مات سنة (211 ه‍). وقد قارب المأتين. وقيل: غير ذلك. بغية الوعاة: 395 - ووفيات الأعيان 5: 235، والمعارف: 236.
(7) حكاه العيني في العمدة وقال: وفي الجمهرة وهو التراب الذي لا يخالطه رمل ولا سبخ هذا قول أبي عبيدة. وحكى أيضا أقوال أهل اللغة. عمدة القاري 4: 3..

[ 136 ]

معه اللبن، أيتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا، إنما هو الماء والصعيد (1). مسألة 78: لا يجوز التيمم بتراب قد خالط نورة، أو زرنيخا، أو كحلا، أو مائعا غير الماء. غلب عليه أو لم يغلب عليه. وقال الشافعي وأصحابه: إذا غلب عليه لا يجوز التيمم به (2)، وإذا لم يغلب عليه فيه قولان، قال المروزي (3): يجوز التيمم به إذا لم يغلب عليه (4). وقال الباقون من أصحابه: لا يجوز (5). دليلنا: قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (6) والصعيد قد بينا: أنه التراب أو الأرض، وهذا ليس بتراب محض، ولا أرض والخبر الذي قدمناه (7) أيضا يؤيده. مسألة 79: التراب المستعمل في التيمم، يجوز التيمم به دفعة أخرى. وصورته أن يجمع ما ينتشر في التيمم من التراب، ويتيمم به. وإن كان الأفضل نفض اليدين قبل التيمم حتى لا يبقى فيهما شئ من التراب. وقال أكثر أصحاب الشافعي: أنه لا يجوز (8). وحكي عن بعض أصحابه: إنه يجوز (9).

(1) الاستبصار 1: 14 و 155 حديث 26 و 534، والتهذيب 1: 188 حديث 540.
(2) الأم 1: 50، والمجموع 2: 217، ومغني المحتاج 1: 96، وحاشية الجمل 1: 215.
(3) إبراهيم بن أحمد، أبو إسحاق المروزي. صاحب أبي العباس، أخذ العلم علي بن سريج مات سنة (340 ه‍). طبقات الفقهاء 92، وطبقات الشافعية: 19.
(4) المجموع 2: 217.
(5) المجموع 2: 217.
(6) المائدة: 6.
(7) تقدم في المسألة السابقة.
(8) الأم 1: 50، ومغني المحتاج 1: 96 و 100.
(9) مغني المحتاج 1: 96 و 100.

[ 137 ]

دليلنا: قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (1) وهذا صعيد. والخبر الذي قدمناه أيضا يدل على ذلك (2). مسألة 80: يكره التيمم بالرمل، إلا أنه يجزي ذلك. وللشافعي فيه قولان، وقال بعض أصحابه: فيه قول واحد، لكن على اختلاف حالين: إذا كان الرمل فيه تراب يعلق باليد يجوز التيمم به، وإذا لم يكن فيه تراب لم يجز (3). دليلنا: قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا " (4) والصعيد هو الأرض على ما بيناه والرمل يسمى أرضا، ولأجل ذلك يقال: أرض رمل، كما يقال: أرض صخر، وأرض حصى، فينبغي أن يجوز التيمم به. مسألة 81: إذا ترك شيئا من المقدار الذي يجب مسحه في التيمم لم يجزه. وقال الشافعي: إذا أبقى شيئا من موضع التيمم قليلا كان أو كثيرا لم يجزه (5) كما قلناه. فإن كان تركه ناسيا، وذكر قبل أن يتطاول الزمان مسح عليه، وإن تطاول الزمان فيه قولان، أحدهما: يستأنف. والثاني: يبني. وقال أبو حنيفة: إن كان ما تركه دون الدرهم لم يجب عليه شئ، وإن كان أكثر منه لم يجزه (6). دليلنا: ما قدمناه من كيفية التيمم، وأنه يجب عليه أن يمسح على ظهر كفيه

(1) المائدة: 6.
(2) تقدم في المسألة 77.
(3) الأم 1: 50، ومغني المحتاج 1: 96، وحاشية الجمل على شرح المنهج 1: 213.
(4) المائدة: 6.
(5) الأم 1: 49، والمجموع 2: 239، وبداية المجتهد 1: 68.
(6) أحكام القرآن للجصاص 2: 391 والتفسير الكبير 11: 172، والمجموع 2: 239، وبداية المجتهد 1: 68.

[ 138 ]

ووجهه إلى طرف أنفه، فإذا ترك شيئا منه فقد خالف الظاهر (1). مسألة 82: الترتيب واجب في التيمم: يبدأ بمسح وجهه، ثم يمسح كفيه يقدم اليمين على الشمال. وبه قال الشافعي (2)، إلا في تقديم اليمين على الشمال، وقال أبو حنيفة: لا يجب فيه الترتيب (3). دليلنا: ما قلناه في وجوب الترتيب في الوضوء سواء (4) وطريقة الاحتياط تقتضيه. مسألة 83: الموالاة واجبة في جميع التيمم. وخالف جميع الفقهاء في ذلك (5). دليلنا: أنه لا يجوز التيمم إلا عند تضيق الوقت، فلو لم يوال لخرج الوقت وفاتت الصلاة. مسألة 84: من قطعت يداه من الذارعين سقط عنه فرض التيمم فيهما. وقال الشافعي: يتيمم فيما بقي إلى المرفقين (6). دليلنا: أنا قد بينا أن الفرض يتعلق بمسح ظاهر الكفين، فإذا لم يكونا فإيجاب غيرهما يحتاج إلى دليل. مسألة 85: من تيمم لصلاة، جاز له أن يؤدي النوافل والفرائض به، ولا فرق بين أن ينوي بالتيمم الدخول في النافلة أو الفريضة.

(1) أي إنه خالف ظاهر المأمور به فلا يكون مجزيا.
(2) الأم 1: 49، والمجموع 2: 234، والمحلى 2: 161، ومغني المحتاج 1: 94 وفيه فصل بين التيمم بدل الغسل فلم يعتبر فيه الترتيب، وبين بدل الوضوء فاعتبر فيه، لاعتبار الترتيب في الوضوء.
(3) عمدة القاري 4: 37، والمبسوط للسرخسي 1: 121، والمحلى 2: 161.
(4) انظر مسألة 42.
(5) المبسوط للسرخسي 1: 121، ومغني المحتاج 1: 100، والمجموع 2: 233.
(6) الأم 1: 49.

[ 139 ]

وقال الشافعي: إذا تيمم للنافلة لم يجز أن يصلي فريضة به (1)، ووافقنا أبو حنيفة فيما قلناه (2). دليلنا: قوله تعالى: " إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " (3) وقد بينا أن المراد بقوله: " فاغسلوا " كأنه قال: للصلاة، ثم قال في آخر الآية: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " فكان تقديره: فتيمموا للصلاة، وذلك عام في جميع الصلوات، وتخصيصه يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة. وروى حريز، عن زرارة، قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: يصلي الرجل بتيمم واحد صلاة الليل والنهار كلها؟ فقال: نعم (4). مسألة 86: من وجب عليه الغسل من الجنابة ولم يجد ماءا جاز له أن يتيمم ويصلي وهو مذهب جميع الصحابة والفقهاء (5). وروي عن عمر، وابن مسعود أنهما قالا: لا يجوز ذلك (6). دليلنا: قوله تعالى: " أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا " (7) وقد بينا أن الملامسة المراد بها الجماع. وأيضا عليه إجماع الفرقة.

(1) الأم 1: 47، والمبسوط للسرخسي 1: 117. ومغني المحتاج 1: 98.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 117.
(3) المائدة: 6.
(4) التهذيب 1: 200 صدر الحديث 580، الاستبصار 1: 164 صدر الحديث 570، والكافي 3: 63 صدر الحديث 4.
(5) التفسير الكبير 11: 173، والموطأ 1: 56، والمبسوط للسرخسي 1: 111، ومقدمات ابن رشد 1: 80، وسنن الترمذي 1: 216، وبداية المجتهد 1: 61 وعمدة القاري 4: 31، والهداية للمرغيناني 1: 25، والدراري المضية 1: 81.
(6) التفسير الكبير 11: 173، والمبسوط للسرخسي 1: 111، ومقدمات ابن رشد 1: 80، وسنن الترمذي 1: 216، وبداية المجتهد 1: 61.
(7) المائدة: 6.

[ 140 ]

وروى حريز، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب فتيمم بالصعيد وصلى، ثم وجد الماء؟ فقال: لا يعيد، إن رب الماء رب الصعيد، فقد فعل أحد الطهورين (1). مسألة 87: إذا تيمم الرجل الجنب بنية أنه يتيمم عن الطهارة الصغرى، وكان قد نسي الجنابة، قال الشافعي: يجوز له الدخول به في الصلاة (2). وهذه المسألة لا نص لأصحابنا فيها على التعيين، والذي يقتضيه المذهب: أنه لا يجوز له أن يدخل به في الصلاة، لأن التيمم يحتاج إلى نية أنه بدل من الوضوء، أو بدل من الجنابة، وإذا لم ينو ذلك لم يصح التيمم، وينبغي أن يعيد التيمم. وأيضا: فإن كيفية التيمم تختلف على ما قدمناه من الضربة والضربتين. وأيضا: طريقة الاحتياط تقتضي إعادة التيمم، لأنه يصير داخلا في صلاته بيقين. وإن قلنا أنه متى نوى بتيممه استباحة الصلاة من حدث، جاز له الدخول في الصلاة، كان قويا، والأحوط الأول. مسألة 88: إذا وجد المتيمم الإماء قبل الدخول في الصلاة، انتقض تيممه، ووجبت عليه الطهارة. هو مذهب جميع الفقهاء (3) وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن (4): لا

(1) التهذيب 1: 197 حديث 571، والاستبصار 1: 161 حديث 557.
(2) الأم (مختصر المزني): 6.
(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 384، والمبسوط للسرخسي 1: 110، ونيل الأوطار 1: 336.
(4) أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني. قيل: اسمه كنيته، وقيل: عبد الله، روى عن أبيه وأسامة بن زيد وغيرهم. وروى عنه عمر، وعروة، والشعبي وغيرهم. مات سنة (94 ه‍). طبقات الفقهاء: 31، والمنهل العذب 1: 23.

[ 141 ]

يبطل (1). دليلنا: إن الله تعالى أوجب التيمم للدخول في الصلاة بشرط فقد الماء، فلا يجوز الدخول فيها به مع وجود الماء. وأيضا عليه إجماع الفرقة. وروى ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، وابن بكير، عن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل تيمم؟ قال: يجزيه ذلك إلى أن يجد الماء (2). مسألة 89: من وجد الماء بعد دخوله في الصلاة، لأصحابنا فيها روايتان: إحداهما - وهو الأظهر -: أنه إذا كبر تكبيرة الاحرام، مضى في صلاته (3). وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد وأبي ثور (4). الثانية: إنه يخرج ويتوضأ إذا لم يركع (5) وقال أبو حنيفة والثوري: تبطل صلاته، وعليه استعمال الماء أي وقت كان، إلا إذا دخل في صلاة العيدين، أو دخل في صلاة الجنازة، أو وجد سؤر الحمار (6). وقال الأوزاعي: يمضي في صلاته، وتكون نافلة، ثم يتطهر، ويعيدها وقال المزني: تبطل صلاته بكل حال (7). دليلنا: إن من دخل في صلاة بتيمم دخل فيها دخولا صحيحا بلا خلاف،

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 384. والمبسوط للسرخسي 1: 110، ونيل الأوطار 1: 336.
(2) التهذيب 1: 200 حديث 579.
(3) فقه الرضا: 5، والمقنعة: 8، والمبسوط للطوسي 1: 33، والمقنع: 8، والهداية: 19، والمراسم: 54، والغنية (في أحكام التيمم).
(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 384، والتفسير الكبير 11: 174، وتفسير القرطبي 5: 235.
(5) الكافي 3: 64 حديث 5، والاستبصار 1: 166 حديث 576، والتهذيب 1: 204 حديث 591 و 592 و 593، والنهاية: 48.
(6) أحكام القرآن للجصاص 2: 384 والتفسير الكبير 11: 174، وفيه: لو وجد الماء في أثناء الصلاة لا يلزمه الخروج منها. وبه قال مالك وأحمد خلافا لأبي حنيفة والثوري وهو اختيار المزني وابن شريح.
(7) الأم (مختصر المزني): 6، والتفسير الكبير 11: 174، وتفسير القرطبي 5: 235.

[ 142 ]

فلا يوجب عليه قطع الصلاة إلا بدليل، وليس في الشرع ما يدل على ذلك. أما الرواية الأخرى، فرواها عبد الله بن عاصم (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل لا يجد الماء فيتيمم ويقوم في الصلاة، فجاء الغلام فقال: هو ذا الماء فقال: إن كان لم يركع، فلينصرف وليتوضأ، وإن كان قد ركع فليمض في صلاته (2). مسألة 90: من صلى بتيمم ثم وجد الماء، لم يجب عليه إعادة الصلاة، وهو مذهب جميع الفقهاء (3) وقال الطاووس (4): عليه الإعادة (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإنه قد صلى بالتيمم بحكم الشرع، والاعادة تحتاج إلى دليل شرعي. وروى عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا لم يجد الرجل طهورا، وكان جنبا، فليمسح من الأرض وليصل، فإذا وجد الماء فليغتسل، وقد أجزأته صلاته التي صلى (6).

(1) عبد الله بن عاصم، روى عنه أبان الأحمر، وجعفر بن بشر، عده البرقي في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام. رجال البرقي: 23، ومعجم رجال الحديث 10: 237، وقاموس الرجال 5: 492.
(2) الاستبصار 1: 166 حديث 576، والكافي 3: 64 حديث 5، والتهذيب 1: 204 حديث 591 و 592 و 593. باختلاف يسير باللفظ.
(3) التفسير الكبير 11: 174 والمجموع 2: 306 ونيل الأوطار 1: 336.
(4) طاووس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن. من أبناء الفرس، الحميري الهمداني اليماني. روى عن ابن عباس وابن عمر، وجابر بن عبد الله وغيرهم. وروى عنه الزهري وعمرو بن دينار وسليمان الأحول وغيرهم. مات سنة (106 ه‍). المنهل العذب 1: 79، والتاريخ الكبير 4: 365.
(5) التفسير الكبير 11: 174، والمجموع 2: 306. وجاء في نيل الأوطار 1: 336 ما لفظه: وقال الهادي، والناصر، والمؤيد بالله، وأبو طالب، وطاووس، وعطاء، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، ومكحول، وابن سيرين، والزهري، وربيعة كما حكاه المنذري وغيره: إنها تجب الإعادة مع بقاء الوقت.
(6) التهذيب 1: 197 حديث 572، والاستبصار 1: 161 حديث 558، والكافي 3: 63 حديث 3 بسنده عن الحلبي.

[ 143 ]

مسألة 91: لا بأس أن يجمع بين صلاتين بتيمم واحد، فرضين كانا أو نفلين، أدائين أو فائتين، وعلى كل حال، في وقت واحد أو وقتين. وقال الشافعي: لا يجوز أن يجمع بين صلاتي فرض (1) ويجوز أن يجمع بين فريضة واحدة وما شاء من النوافل، وهو المحكي عن ابن عمر، وابن عباس (2) وبه قال مالك وأحمد (3). وقال أبو حنيفة، والثوري: يجوز ذلك على كل حال كما قلناه (4) وهو مذهب سعيد بن المسيب، والحسن البصري (5). وقال أبو ثور يصلي فريضتين في وقت واحد ولا يصلي فريضتين في وقتين (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (7) وقد بينا أن معناه: فتيمموا للصلاة، وذلك يفيد جنس الصلاة، فوجب حمله على العموم (8).

(1) التفسير الكبير 11: 174، وأحكام القرآن للجصاص 2: 382، والمبسوط 1: 113، وعمدة القاري 4: 24، وبدائع الصنائع 1: 55، وشرح فتح القدير 1: 95، والمحلى 2: 129.
(2) المدونة الكبرى 1: 48، ومجمع الزوائد 1: 264، وفتح الباري 1: 447. وعمدة القاري 4: 24، والسنن الكبرى 1: 221.
(3) موطأ مالك 1: 54، والمدونة الكبرى 1: 48، وعمدة القاري 4: 24، وأحكام القرآن للجصاص 2: 382، وتفسير القرطبي 5: 235، والمحلى 2: 129، وقال الرازي في التفسير الكبير [ 11: 174 ]: وقال أحمد يجمع بين الفوائت ولا يجمع بين صلاتي وقتين.
(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 382، والمبسوط 1: 113، وبدائع الصنائع 1: 55، وشرح فتح القدير 1: 95، وعمدة القاري 4: 24، وتفسير القرطبي 5: 235، والمحلى 2: 128. (5) عمدة القاري 4: 24، والمحلى 2: 128.
(6) قال ابن حزم في المحلى 2: 129: وقال أبو ثور: يتيمم لكل وقت صلاة فرض إلا أنه يصلي الفوائت من الفروض كلها بتيمم واحد. وحكى العيني في العمدة 4: 24 قول أبي ثور: أنه يتيمم لكل صلاة فرض.
(7) المائدة: 6.
(8) انظر مسألة رقم: 18 و 85.

[ 144 ]

وروى محمد بن سعيد (1) عن السكوني (2) عن جعفر بن محمد، عن أبيه عليهم السلام قال: لا بأس بأن يصلي صلاة الليل والنهار بتيمم واحد ما لم يحدث أو يصيب الماء (3). مسألة 92: التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يستباح به الدخول في الصلاة. وبه قال كافة الفقهاء (4) إلا داود وبعض أصحاب مالك فإنهم قالوا: يرفع الحدث (5). دليلنا: إنه لا خلاف أن الجنب إذا تيمم وصلى، ثم وجد الماء وجب عليه الغسل، فلو كان الحدث قد زال بالتيمم، لما وجب عليه الغسل، لأن رؤية الماء لا توجب الغسل. ألا ترى إنه كان محدثا وتيمم ثم وجد الماء لم يجب عليه الغسل وإنما وجب عليه الوضوء، فعلم بذلك أن الحدث باق. وروي أن عمرو بن العاص (6) أجنب في بعض الغزوات فخشي أن يغتسل لشدة البرد فتيمم وصلى، فلما قدم على النبي صلى الله عليه وآله ذكر له ذلك فقال: صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فذكر له العذر وقال: خشيت أن

(1) محمد بن سعيد بن غزوان بن محمد الأسدي. له كتاب، قاله النجاشي: 288.
(2) إسماعيل بن أبي زياد (مسلم) السكوني الشعيري. عده الشيخ في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام. رجال النجاشي: 20، ورجال الطوسي: 147.
(3) التهذيب 1: 201 حديث 585. وفيه أيضا حديث 582: عن محمد بن سعيد بن غزوان عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه عليهم السلام مثله، ونحوه في الاستبصار 1: 163 حديث 565، 567.
(4) مقدمات ابن رشد 1: 82، وتفسير القرطبي 5: 234، والمجموع 2: 221.
(5) حكاه النووي في المجموع 2: 221 وقال: وقال داود والكرخي الحنفي وبعض المالكية يرفعه. وانظر تفسير القرطبي 5: 234. وعمدة القاري 4: 24.
(6) عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم، أبو عبد الله، ويقال: أبو محمد السهمي. أسلم سنة ثمان قبل الفتح، وقيل: بين الحديبية وخيبر. وقد اختلفت الأقوال في سنة وفاته فقيل: سنة (42 ه‍). وقيل سنه (63 ه‍). وقيل غير ذلك وقد اتفق الشيخان البخاري ومسلم على ثلاثة أحاديث من أحاديثه فقط. تهذيب التهذيب 8: 56 والمنهل العذب 1: 86.

[ 145 ]

أهلك، فضحك ولم يقل شيئا (1). فسماه النبي صلى الله عليه وآله جنبا، ولو كان حدثه قد ارتفع به لما سماه جنبا. مسألة 93: يجوز للمتيمم أن يصلي بالمتوضئين على كراهية فيه. وبه قال جميع الفقهاء من غير كراهية فيه (2). وقال محمد بن الحسن: لا يجوز (3). دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (4) وقد بينا أن المراد به فتيمموا للدخول في الصلاة،، ولم يفصل بين أن يكون إماما أو منفردا، فوجب حملها على العموم. وروى ابن أبي عمير، عن محمد بن حمران (5) وجميل (6) عن أبي عبد الله

(1) الظاهر أن هذه الرواية نقلها المصنف قدس سره بالمعنى. وقد رواها مفصلة أحمد بن حنبل في مسنده 4: 203، والحاكم في المستدرك 1: 177، والبيهقي في سننه 1: 225 (باب التيمم في السفر إذا خاف الموت أو العلة في شدة البرد). (2) قال ابن حزم في المحلى [ 2: 143 ]: وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف وزفر وسفيان والشافعي وداود وأحمد وإسحاق وأبي ثور، وروي ذلك عن ابن عباس وعمار بن ياسر وجماعة من الصحابة. وانظر عمدة القاري 4: 24، وفتح الباري 1: 446، وبدائع الصنائع 1: 56، ويستفاد من موطأ مالك 1: 55، والمدونة الكبرى 1: 48 الجواز مع الكراهة.
(3) عمدة القاري 4، 24، وبدائع الصنائع 1: 56، والمحلى 2: 143.
(4) المائدة: 6.
(5) أبو جعفر، محمد بن حمران النهدي البزاز، ثقة، كوفي الأصل، عده الشيخ في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام وروى عنه، وله كتاب اشترك فيه هو وجميل بن دراج. رجال الشيخ 285، ورجال النجاشي: 278.
(6) جميل بن دراج، ودراج يكنى بأبي الصبيح بن عبد الله، أبو علي النخعي. قال ابن فضال أبو محمد شيخنا ووجه الطائفة، ثقة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، أخذ عن زرارة قاله النجاشي في رجاله. وعده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الصادق تارة وأخرى من أصحاب الكاظم عليهما السلام وروى عنهما. وقد أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه. رجال الطوسي: 163 و 346، والفهرست للطوسي: 44، ورجال النجاشي: 98.

[ 146 ]

عليه السلام أنهما سألاه عن إمام قوم أصابته جنابة في السفر، وليس معه من الماء ما يكفيه للغسل، أيتوضأ بعضهم ويصلي بهم؟ فقال: لا، ولكن يتيمم الجنب ويصلي بهم، فإن الله عز وجل جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا (1). مسألة 94: لا يجوز التيمم إلا في آخر الوقت عند الخوف من فوت الصلاة. وقال أبو حنيفة: يجوز التيمم قبل الدخول الوقت (2) وقال الشافعي: لا يجوز إلا بعد دخول الوقت، ولم يعينه (3). دليلنا: طريقة الاحتياط، لأنه لا خلاف في أنه إذا تيمم في آخر الوقت وصلى فإن صلاته صحيحة ماضية، واختلفوا إذا تيمم قبل ذلك، وليس في الشرع ما يدل على صحة ما قالوه. وأيضا روى محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: إذا لم تجد ماء وأردت التيمم، فأخر التيمم إلى آخر الوقت، فإن فاتك

(1) روى الشيخ الصدوق قدس سره في من لا يحضره الفقيه 1: 60 حديث 223 الحديث بلفظ آخر نصه: سأل محمد بن حمران النهدي وجميل بن دراج أبا عبد الله عليه السلام عن إمام قوم... الخ ". ورواه الشيخ قدس سره في التهذيب 3: 167 حديث 365، والاستبصار 1: 425 حديث 1638، عن محمد بن حمران وجميل بن دراج قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إمام قوم - إلى قوله - جعل التراب طهورا. ونحوه في الكافي 3: 66 حديث 3، عن محمد بن حمران وجميل قالا: قلنا لأبي عبد الله عليه السلام. وقد روى الحديث بلفظ آخر الشيخ قدس سره في التهذيب 1: 404 حديث 1264 نصه: عن ابن أبي عمير عن محمد بن حمران وجميل عن أبي عبد الله عليه السلام أنهما سألاه عن إمام قوم أصابته في سفر جنابة وليس معه من الماء ما يكفيه في الغسل، أيتوضأ ويصلي بهم؟ قال: لا، ولكن يتيمم ويصلي، فإن الله تعالى جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا.
(2) نيل الأوطار 1: 329، والمبسوط للسرخسي 1: 109، وبداية المجتهد 1: 65، وبدائع الصنائع 1: 54، والمجموع 2: 243، والتفسير الكبير 11: 173.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 109، وبداية المجتهد 1: 65، ومغني المحتاج 1: 105 وبدائع الصنائع 1: 54، ونيل الأوطار 1: 329، والمجموع 2: 243، والتفسير الكبير 11: 173.

[ 147 ]

الماء، لم تفتك الأرض (1). وروى زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: إذا لم يجد المسافر الماء، فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم وليصل في آخر الوقت، فإذا وجد الماء فلا قضاء عليه، وليتوضأ لما يستقبل (2). مسألة 95: طلب الماء واجب، ومن تيمم من غير طلب لم يصحح تيممه. وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة: الطلب ليس بواجب (4). دليلنا: طريقة الاحتياط، لأنه لا خلاف أن من طلب الماء فلم يجد ثم تيمم يكون تيممه صحيحا، ولا دليل على صحة تيممه مع فقد الطلب، وفيه الخلاف. وأيضا عليه إجماع الفرقة. والخبر الذي رواه زرارة في المسألة الأولى يتضمن الأمر بالطلب، لأنه قال: " فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خاف الفوت تيمم " (5)، وهذا صريح في وجوب الطلب لأنه أمر. وروى النوفلي (6)، عن السكوني، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي عليه السلام أنه قال: يطلب الماء في السفر، إن كانت الحزونة (7) فغلوة سهم،

(1) الكافي 3: 63 حديث 1، والتهذيب 1: 203 حديث 588، والاستبصار 1: 165 حديث 573.
(2) الكافي 3: 63 حديث 2، والتهذيب 1: 203 حديث 589، والاستبصار 1: 165 حديث 574.
(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 377، والمبسوط للسرخسي 1: 108، وبداية المجتهد 1: 65، وأحكام القرآن للشافعي 1: 48، والأم 1: 47، وبدائع الصنائع 1: 47، والمجموع 2: 248.
(4) أحكام القرآن للجصاص 2: 378، والمبسوط للسرخسي 1: 108 و 115، وبداية المجتهد 1: 65، وبدائع الصنائع 1: 47، وشرح فتح القدير 1: 98.
(5) تقدم في المسألة 94.
(6) الحسين بن يزيد بن محمد بن عبد الملك النوفلي، نوفل النخع، مولاهم، كوفي، أبو عبد الله، كان شاعرا أديبا وسكن الري، ومات بها. قاله النجاشي، وعده الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام الرضا عليه السلام. رجال النجاشي: 30، ورجال الطوسي: 373، وفهرست الطوسي: 59.
(7) الحزن، كفلس، ما غلظ من الأرض وهو خلاف السهل. مجمع البحرين (مادة حزن).

[ 148 ]

وإن كانت سهولة فغلوتين، لا يطلب أكثر من ذلك (1). وهذا صريح أيضا، وقد بينا الكلام على ما يخالف هاتين الروايتين في الكتابين المقدم ذكرهما (2). مسألة 96: كل سفر فقد فيه الماء، يجوز فيه التيمم، طويلا كان أو قصيرا. وبه قال جميع الفقهاء (3). وحكي عن بعضهم أنه قال: إنما يجوز في السفر الطويل الذي يقصر فيه الصلاة (4). دليلنا: قوله تعالى: " وإن كنتم مرضى أو على سفر " (5) إلى قوله: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (6)، ولم يفصل. وكذلك الأخبار الواردة في إيجاب التيمم لمن عدم الماء، وليس فيها تفصيل سفر دون سفر (7). مسألة 97: المقيم الصحيح الذي فقد الماء، بأن يكون في قرية لها بئر أو عين نضب ماؤها، وضاق وقت الصلاة، يجوز أن يتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه، وكذلك إذا حيل بينه وبين الماء. وبه قال مالك والأوزاعي (8). وبمثله قال الشافعي: إلا أنه قال: إذا وجد الماء توضأ وأعاد الصلاة (9)

(1) التهذيب 1: 202 حديث 586، والاستبصار 1: 165 حديث 571.
(2) انظر التهذيب 1: 184 و 202، والاستبصار 1: 165.
(3) الأم 1: 45، والتفسير الكبير 11: 167، والمحلى 2: 116، وأحكام القرآن للشافعي 1: 48، وعمدة القاري 4: 7، وتفسير القرطبي 5: 218.
(4) التفسير الكبير 11: 167، والمحلى 2: 116، وتفسير القرطبي 5: 218.
(5) (6) المائدة: 6.
(7) انظر التهذيب 1: 185 - 203 حديث 536 و 548 و 553 و 555 و 560 و 586 و 589. والاستبصار 1: 165 حديث 571 و 574، والكافي 3: 63 - 64 حديث 2 و 6.
(8) المدونة الكبرى 1: 44، وتفسير القرطبي 5: 218، وبداية المجتهد 1: 63، وعمدة القاري 4: 7، والمجموع 2: 305.
(9) المحلى 2: 118، وعمدة القاري 4: 7، والجموع 2: 305.

[ 149 ]

وبه قال محمد بن الحسن (1) وقال زفر: لا يتيمم ولا يصلي بل يصبر حتى يجد الماء (2). وعن أبي حنيفة روايتان: إحداهما مثل قول محمد (3) والأخرى مثل قول زفر (4). دليلنا: قوله تعالى: " أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا " (5) فإن قيل: قال في أول الآية: " وإن كنتم مرضى أو على سفر " فشرط في جواز التيمم السفر، أو المرض، أو الحدث. قلنا: ظاهر الآية يفيد أن كل واحد من هذه الشرائط، يبيح التيمم لأنه عطف بعضها على بعض ب‍ " أو " فاقتضى ذلك أنه يكون السفر بمجرده يبيح التيمم إذا لم يجد الماء، وكذلك المرض، وكذلك المجئ من الغائط. وليس يجب أن يجعل الاتيان من الغائط شرطا مع وجود السفر، كما لا يجب أن يجعل المرض شرطا مع وجود السفر، وعليه إجماع الفرقة. وروى عبد الله بن سنان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا لم يجد الرجل طهورا وكان جنبا، فليمسح من الأرض، وليصل. فإذا وجد ماءا فليغتسل، وقد أجزأته صلاته التي صلى (6) وهذا عام، فإنه لم يفصل. وروى عبد الله بن أبي يعفور، وعنبسة بن مصعب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا أتيت البئر وأنت جنب، فلم تجد دلوا، ولا شيئا تغرف

(1) عمدة القاري 4: 7.
(2) تفسير القرطبي 5: 218، والمحلى 2: 118، وعمدة القاري 4: 7.
(3) المحلى 2: 118، وعمدة القاري 4: 7، والمجموع 2: 305.
(4) بداية المجتهد 1: 63، والمجموع 2: 305.
(5) المائدة: 6.
(6) التهذيب 1: 193 حديث 556، والاستبصار 1: 159 حديث 549، ورواه الكليني في الكافي بسند آخر 3: 63 حديث 3.

[ 150 ]

به فتيمم بالصعيد، فإن رب الماء رب الصعيد، ولا تقع في البئر، ولا تفسد على القوم ماءهم (1) فأجاز له التيمم مع وجود الماء، إذا لم يقدر على أخذه، فكيف إذا عدمه أصلا. فأما وجوب الإعادة فيحتاج إلى دلالة شرعية، لأنها فرض ثان، وخبر عبد الله بن سنان صريح بأنه لا إعادة عليه. وروى يعقوب بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل تيمم وصلى، فأصاب بعد صلاته ماءا، أيتوضأ ويعيد الصلاة؟ أم تجوز صلاته؟ قال: إذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت، توضأ وأعاد، فإن مضى الوقت فلا إعادة عليه (2) وهذا أيضا عام، وإنما أوجب إعادة الصلاة، إذا لم يخرج الوقت لأنه يكون قد صلى قبل تضييق الوقت بتيمم وذلك لا يجوز. مسألة 98: من صلى بتيمم، جاز له أن يتنفل بعدها ما شاء من النوافل والفرائض على ما بيناه، ولا يجوز أن يتنفل قبلها. وللشافعي قولان: أحدهما يجوز، ذكر ذلك في الأم (3) والآخر لا يجوز، ذكر ذلك في البويطي (4) وقال مالك: لا يجوز (5). دليلنا: على أنه لا يجوز هو: أن التيمم قد بينا أنه لا يجوز إلا عند تضيق

(1) التهذيب 1: 185 حديث 535، والكافي 3: 65 حديث 9، والاستبصار 1: 127 حديث 435 باختلاف يسير باللفظ.
(2) الاستبصار 1: 159 حديث 551، والتهذيب 1: 193 حديث 559 مع زيادة (الصلاة) بعد كلمة وأعاد. (3) الأم 1: 47.
(4) البويطي: أبو يعقوب، يوسف بن يحيى، أكبر أصحاب الشافعي المصريين وخليفته في حلقته بعد وفاته مات سنة (231 ه‍) أما قوله: قال في البويطي، معناه قال الشافعي في الكتاب الذي رواه البويطي عن الشافعي، فسمى الكتاب باسم مصنفه مجازا. قاله النووي في المجموع 1: 106 - 107.
(5) فتح الباري 1: 447.

[ 151 ]

الوقت، وفي تلك الحال لا يجوز أن يتنفل، لأنه نافلة في وقت فريضة، ولا يمنع من جواز ذلك لشئ يرجع إلى التيمم، بل لشئ يرجع إلى تضيق الوقت، وخوف فوت الصلاة. مسألة 99: إذا تيمم، ثم طلع عليه ركب، لم يجب عليه أن يسألهم الماء، ولا يستدلهم عليه. وقال الشافعي: يجب عليه ذلك (1). دليلنا: أن هذه الحالة، حال وجوب الصلاة، وتضيق وقتها، والخوف من فوتها، وقد مضى وقت الطلب، فلا يجب عليه ذلك. مسألة 100: المجدور والمجروح ومن أشبههما ممن به مرض مخوف، يجوز له التيمم، مع وجود الماء. وهو قول جميع الفقهاء (2) إلا طاوسا، ومالكا، فإنهما قالا: يجب عليهما استعمال الماء (3). دليلنا: قوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (4) وإيجاب استعمال الماء على ما ذكرناه من أعظم الحرج، وعليه إجماع الطائفة. وروى ابن أبي عمير، عن محمد بن مسكين (5) وغيره، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قيل له إن فلانا أصابته جنابة، وهو مجدور فغسلوه، فمات.

(1) المجموع 2: 259.
(2) أحكام القرآن للشافعي 1: 48، وعمدة القاري 4: 33، وبدائع الصنائع 1: 48.
(3) عمدة القاري 4: 33، وقال في المدونة الكبرى: 45: يغسل ما صح من جسده ويمسح على مواضع الجراحة إن قدر على ذلك وإلا فعلى الخرق التي عصب بها.
(4) الحج: 78.
(5) لم يترجمه أصحاب الرجال في كتبهم، ولعله متحد مع محمد بن سكين كما استظهره الأردبيلي في جامع الرواة 2: 193، فلاحظ.

[ 152 ]

فقال قتلوه، ألا سألوا؟ ألا يمموه؟ إن شفاء العي (1) السؤال (2). وروى أحمد بن محمد بن أبي نصر (3)، عن داود بن سرحان (4) عن أبي عبد الله عليه السلام، في الرجل تصيبه الجنابة وبه جروح أو قروح، أو يخاف على نفسه من البرد؟ فقال: لا يغتسل، ويتيمم (5). مسألة 101: إذا خاف الزيادة في العلة وإن لم يخف التلف، جاز له أن يتيمم. وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وعامة الفقهاء (6). وللشافعي فيه قولان: أحدهما: يجوز، والأخر: لا يجوز (7). دليلنا: قوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (8) واستعمال

(1) العي: بكسر العين وتشديد الياء، التحير في الكلام، والمراد به هنا الجهل، ولما كان الجهل أحد أسباب العي عبر عنه به. مجمع البحرين: 65، (مادة عيا).
(2) من لا يحضره الفقيه 1: 59 حديث 218، والكافي 3: 68 حديث 5، والتهذيب 1: 184 حديث 529.
(3) قال النجاشي: أحمد بن محمد بن عمرو بن أبي زيد مولى السكون أبو جعفر المعروف بالبزنطي كوفي، لقي الرضا وأبا جعفر عليهما السلام، وكان عظيم المنزلة عندهما. وعده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الكاظم والرضا عليهما السلام موثقا له فيهما. مات سنة 221 ه‍. رجال النجاشي: 58، ورجال الشيخ الطوسي: 344، و 366. والخلاصة: 13.
(4) داود بن سرحان العطار، كوفي، ثقة، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام قاله النجاشي، وعده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام. رجال النجاشي: 121، ورجال الشيخ الطوسي: 190، والخلاصة 69.
(5) التهذيب 1: 185 حديث 531.
(6) التفسير الكبير 11: 166، والمبسوط للسرخسي 1: 112، وبدائع الصنائع 1: 48، وشرح فتح القدير 1: 85، وسبل السلام 1: 161.
(7) التفسير الكبير 11: 166، وسبل السلام 1: 161، والمبسوط للسرخسي 1: 112، وبدائع الصنائع 1: 48، وتفسير القرطبي 5: 216، وشرح فتح القدير 1: 86.
(8) الحج: 78.

[ 153 ]

الماء والحال ما قلناه فيه حرج. والخبر الذي قدمناه عن داود بن سرحان (1) وغيره صريح بجواز ذلك، لأنه عام، وعلى المسألة إجماع الفرقة. مسألة 102: إذا لم يخف التلف، ولا الزيادة في المرض، غير أنه يشينه (2) استعمال الماء، ويؤثر في خلقته، ويغير شيئا منه، ويشوه به، يجوز له التيمم. وللشافعي فيه قولان: (3). فأما إذا لم يشوه خلقته، ولا يزيد في علته ولا يخاف التلف، وإن أثر فيه أثرا قليلا، لا خلاف أنه لا يجوز له التيمم. دليلنا: ما قدمناه من الآية والأخبار، لأنها عامة في كل خوف (4). مسألة 103: المرض الذي لا يخاف منه التلف، ولا الزيادة فيه، مثل الصداع، ووجع الضرس وغير ذلك، لا يجوز معه التيمم. وبه قال جميع الفقهاء (5) إلا داود، وبعض أصحاب مالك، فإنهم قالوا: يجوز ذلك (6). دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (7). فشرط في إباحة التيمم، عدم الماء، وهذا واجد للماء، ولا يلزمنا مثل ذلك، لأنا خصصنا ذلك بالدليل. مسألة 104. إذا خاف من استعمال الماء لشدة البرد، وأمكنه أن يسخنه، وجب عليه ذلك بلا خلاف. وإن لم يمكنه، تيمم وصلى، ولا إعادة عليه.

(1) تقدم في المسألة رقم 100.
(2) الشين: ما يحدث في ظاهر الجلد من الخشونة، يحصل به تشويه الخلقة. مجمع البحرين: 588 (مادة شين).
(3) التفسير الكبير 11: 166، والمجموع 2: 285، وعمدة القاري 4: 33.
(4) انظر الدليل في المسألة 100.
(5) المجموع 2: 284، وعمدة القاري 4: 33.
(6) المجموع 2: 285، وعمدة القاري 4: 33.
(7) النساء: 43، والمائدة: 6.

[ 154 ]

وقال الشافعي: إن أمكنه استعمال جزء من الماء وجب عليه استعماله، وإن لم يمكنه تيمم وصلى. فإن كان مقيما وجبت عليه الإعادة بلا خلاف بينهم، وإن كان مسافرا فعلى قولين (1). دليلنا: قوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (2) وهذا فيه حرج. وأما الإعادة، فإنها فرض ثان يحتاج إلى دليل، وخبر داود بن سرحان صريح في ذلك، وقد قدمناه (3) وعليه إجماع الفرقة. مسألة 105: من كان في بعض جسده، أو بعض أعضاء طهارته ما لا ضرر عليه، والباقي عليه جراح أو علة يضربها وصول الماء إليها، جاز له التيمم، ولا يغسل الأعضاء الصحيحة أصلا، فإن غسلها ثم تيمم كان أحوط. وقال أبو حنيفة: إن كان الأكثر منها صحيحا غسل الجميع ولا يتيمم، وإن كان الأكثر سقيما تيمم ولا يغسل (4). والذي عليه عامة أصحاب الشافعي، إنه يغسل ما يقدر على غسله ويتيمم (5)، وقال بعض أصحابه مثل ما قلناه، إنه يقتصر على التيمم (6). دليلنا: على جواز التيمم على كل حال: عموم الآية، والأخبار التي قدمناها (7) ولا يخصص إلا بدليل، وإنما استحببنا الجمع بينهما ليؤدي الصلاة

(1) المجموع 2: 321، والدراري المضية 1: 83، ومغني المحتاج 1: 107.
(2) الحج: 78.
(3) انظر مسألة 100.
(4) التفسير الكبير 11: 167، والمبسوط للسرخسي 1: 122، وبدائع الصنائع 1: 51.
(5) التفسير الكبير 11: 166، والمجموع 2: 287 - 323، وبدائع الصنائع 1: 51.
(6) قال النووي في المجموع 2: 288: وقال أبو إسحاق المروزي وأبو علي بن أبي هريرة والقاضي أبو حامد المرودودي فيه قولان كمن وجد بعض ما يكفيه من الماء، أحدهما يجب غسل الصحيح والتيمم، والثاني يكفيه التيمم.
(7) انظر مسألة: 100.

[ 155 ]

بالاجماع عليه، وليس عليه في ذلك ضرر. مسألة 106: إذا حصل في بعض فرجه، أو مذاكيره نجاسة لا يقدر على غسلها لألم فيه، أو قرح، أو جراح، يغسل ما يمكنه ويصلي، وليس عليه الإعادة. وقال الشافعي: يغسل ما يمكنه ويصلي، ثم يعيد الصلاة (1). وقال ابن خيران (2) من أصحابه: لا يعيد، وهو قوله في القديم، واختيار المزني (3)، وبه قال أبو حنيفة. دليلنا: الآية التي تلوناها، والأخبار التي قدمناها (4)، من أن من صلى بتيمم لا إعادة عليه، وهي عامة في جميع ذلك. مسألة 107: إذا عدم الماء لطهارته، والتراب لتيممه، ومعه ثوب أو لبد سرج نفضه وتيمم منه. فإن لم يجد إلا الطين، وضع يديه عليه، ثم فركه، وتيمم وصلى، ولا إعادة عليه. وقال الشافعي مثل ذلك، إلا أنه قال: يعيد الصلاة (5). وبه قال أبو يوسف (6) وأحمد. وقال أبو حنيفة ومحمد: يحرم عليه الصلاة في هذه الحال (7).

(1) الأم 1: 44.
(2) أبو علي، الحسين بن صالح بن خيران البغدادي، الفقيه الشافعي. أحد أركان المذهب مات سنة (320 ه‍). وقيل غير ذلك. البداية والنهاية 11: 171، وطبقات الشافعية الكبرى للسبكي 2: 213.
(3) قال المزني في مختصره 7: أولى قوليه بالحق عندي أن يجزيه ولا يعيد، وكذلك كل ما عجز عنه المصلي، وفيما رخص له في تركه من طهر وغيره.
(4) انظر مسألة 100.
(5) الأم 1: 51.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 116.
(7) المنقول عن أبي حنيفة ومحمد في المصادر التي سنشير إليها جواز ذلك. ولعل الشيخ قدس سره اقتبس ذلك من مصادر أخرى. انظر أحكام القرآن للجصاص 2: 391، والمبسوط للسرخسي 1: 109، =

[ 156 ]

دليلنا: قوله تعالى: " أقم الصلاة لدلوك الشمس " (1) فأوجب إقامة الصلاة عند الدلوك، ولم يفصل. وأيضا روى الحسن بن محبوب، عن علي بن رئاب (2)، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كنت في حال لا تقدر إلا على الطين فتيمم به، فإن الله أولى بالعذر، إذا لم يكن معك ثوب جاف، أو لبد تقدر أن تنفضه وتتيمم به (3). وروى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إن أصابه الثلج فلينظر لبد سرجه، فيتيمم من غباره، أو من شئ معه، وإن كان في حال لا يجد إلا الطين فلا بأس أن يتيمم منه (4). وأما وجوب الإعادة فيحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 108: من أجنب نفسه مختارا، اغتسل على كل حال، وإن خاف التلف أو الزيادة في المرض (5)، وخالف جميع الفقهاء في ذلك.

= وبدائع الصنائع 1: 54 (1) الاسراء: 78.
(2) علي بن رئاب (رباب) أبو الحسن، مولى جرم، بطن من قضاعة، وقيل: مولى بني سعد بن بكر الطحان. كوفي ثقة، جليل القدر، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام. ذكره المسعودي وقال: علي بن رباب من علية علماء الرافضة. رجال النجاشي: 189، والفهرست: 87، ورجال الطوسي: 243، ومروج الذهب 3: 194.
(3) الكافي 3: 67 حديث 1، والاستبصار 1: 156 حديث 537، والتهذيب 1: 189 حديث 543.
(4) التهذيب 1: 189 حديث 545، والاستبصار 1: 158 حديث 545 من دون قوله: " وإن كان في... الخ ".
(5) لفقهائنا قدس الله أرواحهم الطاهرة في هذه المسألة ثلاثة أقوال: الأول: وجوب الغسل على متعمد الجنابة، وهو اختيار الشيخ المفيد كما في المقنعة: 8، والشيخ الصدوق في الهداية: 19، والشيخ الطوسي كما في المتن، وجمع من الفقهاء. الثاني: عدم وجوب الغسل، وحاله كحال غير المتعمد من لزوم التيمم وعدم الإعادة، وبه صرح =

[ 157 ]

دليلنا: إجماع الفرقة المحقة، وروى أبو بصير، وسليمان بن خالد (1) جميعا، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه سئل عن رجل كان في أرض باردة، فتخوف إن هو اغتسل أن يصيبه عنت (2) من الغسل كيف يصنع؟ قال: يغتسل وإن أصابه ما أصابه. قال: وذكر أنه كان وجعا شديد الوجع، فأصابته جنابة وهو في مكان بارد، وكانت ليلة شديدة الريح باردة، فدعوت الغلمة فقلت لهم: احملوني فاغسلوني، فقالوا: إنا نخاف عليك، فقلت لهم: ليس بد، فحملوني ووضعوني على خشبات، ثم صبوا علي الماء، فغسلوني (3). وروى محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل تصيبه الجنابة في أرض باردة، ولا يجد الماء، وعسى أن يكون الماء جامدا؟ قال: يغتسل على ما كان، حدثه رجل أنه فعل ذلك، فمرض شهرا من البرد، فقال: اغتسل على ما كان فإنه لا بد من الغسل (4).

= جمع كثير منهم: المحقق الحلي في الشرائع 1: 49، والمعتبر: 110، والعلامة الحلي في المختلف 1: 52، والمنتهى 1: 153، والمحقق الكركي في جامع المقاصد 1: 71، وصرح النراقي في المستند 1: 231 بجواز تعمد الجنابة مع تعذر استعمال الماء. الثالث: عدم وجوب الغسل ووجوب التيمم عليه، ولزوم الإعادة عند ارتفاع المانع وإليه ذهب الشيخ الطوسي في المبسوط 1: 30، وفي الاستبصار 1: 162 مقيدا ذلك بعدم التمكن. واختاره ابن إدريس أيضا كما في السرائر: 27، مقيدا ذلك بخوف التلف. (1) سليمان بن خالد بن دهقان بن نافلة، أبو الربيع الأقطع، مولى عفيف بن معدي كرب. كان قارئا، فقيها، وجها، ثقة، صاحب قرآن. روى عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام. وعده الشيخ المفيد في الارشاد من شيوخ أصحاب أبي عبد الله وخاصته وبطانته وثقاته، ومن الفقهاء الصالحين. توفي في حياة الإمام الصادق عليه السلام فتوجع لفقده ودعا لولده، وأوصى بهم أصحابه. رجال النجاشي: 138، رجال الطوسي: 207، إرشاد المفيد: 288. (2) العنت بالتحريك: الهلاك، وأصله المشقة والصعوبة، والضرر والفساد. مجمع البحرين: 153 (مادة عنت) (3) التهذيب 1: 198 حديث 575، والاستبصار 1: 162 حديث 563.
(4) الاستبصار 1: 163 حديث 564، والتهذيب 1: 198 حديث 576، وزاد فيهما بعد ذلك: (وذكر أبو =

[ 158 ]

مسألة 109: إذا كان في المصر محبوسا، أو في موضع نجس، أو مربوطا على خشبة، صلى يؤمي ايماءا على حسب ما يقدر عليه، فإن كان موضع سجوده نجسا سجد على كفه عندنا، وهو مذهب الكافة، إلا ما حكاه الطحاوي (1) عن أبي حنيفة، أنه قال: لا يصلي (2). وللشافعي إذا لم يقدر في موضع السجود إلا على نجاسة قولان: أحدهما يسجد عليها. والآخر لا يسجد ويؤمي إيماء (3) فأما الإعادة فللشافعي فيها قولان: أحدهما: يعيد والآخر: لا يعيد (4) وهو اختيار المزني (5). ثم القول في أيهما هو الفرض؟ فيه ثلاثة أقوال: (أحدها) الأول. (والثاني) الثاني. (والثالث) هما جميعا. وقول رابع: وهو أن يثيب الله تعالى على أيهما شاء ثواب الفرض، وهو قول أبي إسحاق المروزي، فأما على مذهبنا فلا إعادة عليه. دليلنا: قوله تعالى: " أقم الصلاة لدلوك الشمس " (6) وهذا عام في جميع الأحوال حسب ما يتمكن منها، والقضاء يحتاج إلى دليل. مسألة 110: الجبائر، والجراح، والدماميل، وغير ذلك إذا أمكن نزع ما

= عبد الله عليه السلام أنه اضطر إليه وهو مريض فأتوه به مسخنا فاغتسل به وقال لا بد من الغسل). (1) أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الطحاوي. صاحب كتاب شرح معاني الآثار وغيره، و (طحا) قرية من ضواحي القاهرة. مات سنة (321 ه‍). النجوم الزاهرة 3: 239، وتذكرة الحفاظ 3: 28.
(2) أحكام القرآن للجصاص 2: 380 وفيه: فقال أبو حنيفة ومحمد وزفر: لا يصلي حتى يقدر على الماء إذا كان في المصر. وهو قول الثوري والأوزاعي، وفي بدائع الصنائع 1: 50 ما لفظه: وأما المحبوس في مكان نجس لا يجد ماءا ولا ترابا نظيفا فإنه لا يصلي عند أبي حنيفة.
(3) الأم 1: 51، ومختصر المزني: 7، وبدائع الصنائع 1: 50.
(4) المصدر السابق.
(5) الأم (مختصر المزني): 7.
(6) الاسراء: 78.

[ 159 ]

عليها وغسل الموضع وجب ذلك، فإن لم يتمكن من ذلك بأن يخاف التلف أو الزيادة في العلة، مسح عليها وتمم وضوءه وصلى، ولا إعادة عليه. وبه قال أبو حنيفة (1) وأصحابه، والشافعي وأصحابه، إلا أنهم قالوا: لا إعادة عليه على قولين (2). دليلنا: قوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (3) وإيجاب نزع الجبائر فيه حرج، وأيضا عليه إجماع الفرقة. وروى عبد الرحمن بن الحجاج (4) قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الكسير تكون عليه الجبائر أو تكون به الجراحة، كيف يصنع بالوضوء، وعند غسل الجنابة، وغسل الجمعة؟ قال: يغسل ما وصل إليه الغسل مما ظهر مما ليس عليه الجبائر، ويدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله ولا ينزع الجبائر ولا يعبث بجراحته (5). وروى عبد الأعلى مولى آل سام (6) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام:

(1) بدائع الصنائع 1: 51.
(2) الأم (مختصر المزني): 7، ومغني المحتاج 1: 107.
(3) الحج: 78.
(4) عبد الرحمن بن الحجاج البجلي مولاهم، أبو عبد الله الكوفي، بياع السابري. يسكن بغداد، روى عن الإمامين أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام ولقي الإمام الرضا عليه السلام. وكان ثقة، ثبتا، وجها، وكان وكيلا لأبي عبد الله عليه السلام، ومات في عصر الإمام الرضا عليه السلام. عده الشيخ من أصحاب الإمامين الباقر والصادق، وكان أستاذ صفوان بن يحيى، وكانت له كتب يرويها جمع من الأصحاب. رجال النجاشي: 178، ورجال الطوسي 230 و 353. ورجال الكشي: 442 رقم 830.
(5) الكافي 3: 32 حديث 1، والتهذيب 1: 362 حديث 1094، والاستبصار 1: 77 حديث 238.
(6) عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وذكره العلامة في القسم الأول من الخلاصة. ونقل الكشي أن الإمام الصادق عليه السلام أذن له في الكلام لأنه يقع ويطير. رجال الطوسي: 238، رجال الكشي 319 رقم 578، والخلاصة: 127.

[ 160 ]

عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عز وجل، قال الله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (1) امسح عليه (2). فأما إعادة الصلاة فيحتاج إلى دليل، والأصل براءة الذمة. مسألة 111: يجوز المسح على الجبائر سواء وضعها على طهر أو غير طهر. وقال الشافعي: لا يجوز المسح عليها إلا إذا وضعها على طهر (3) وهل يلزمه الإعادة؟ على قولين (4): وهل يستبيح الصلوات الكثيرة؟ فيه قولان: وهل يمسح على جميع الجبائر؟ فيه قولان (5): والذي نقوله: أنه يجوز له أن يمسح على الجبائر، ولا يجب أن يكون على طهر، ويلزمه استيعابها، ويجوز له استباحة الصلوات الكثيرة بذلك. دليلنا: على ذلك: الآية التي قدمناها، والأخبار، وهي على عمومها (6). وإيجاب الإعادة يحتاج إلى دليل. مسألة 112: يجوز أن يتيمم لصلاة الجنازة مع وجود الماء، ويجوز أن يصلي عليها وإن لم يتطهر أصلا. وبه قال ابن جرير الطبري، والشعبي، وقال الأوزاعي، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: يجوز ذلك بالتيمم (7) ولا يجوز ذلك من غير تيمم ولا

(1) الحج: 78.
(2) التهذيب 1: 363 حديث 1097، والكافي 3: 33 حديث 4، والاستبصار 1: 77 حديث 240.
(3) المجموع 2: 326، ومغني المحتاج 1: 107، ونيل الأوطار 1: 323.
(4) الأم 1: 43، والمجموع 2: 324، ومغني المحتاج 1: 107.
(5) المجموع 2: 323.
(6) في المسألة المتقدمة برقم (110).
(7) المبسوط للسرخسي 1: 118، وبدائع الصنائع 1: 51، وعمدة القاري 4: 16 وشرح فتح القدير 1: 95، والهداية للمرغيناني 1: 27.

[ 161 ]

وضوء. وقال الشافعي: لا يجوز له أن يتيمم أصلا إذا كان واجدا للماء (1). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك. وروى يونس بن يعقوب (2) قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الجنازة أصلي عليها على غير وضوء؟ فقال: نعم، انما هو تكبير وتسبيح وتحميد وتهليل، كما تكبر وتسبح في بيتك على غير وضوء (3). وروى زرعة عن سماعة قال: سألته عن رجل مرت به جنازة وهو على غير طهر؟ قال يضرب بيده على حائط اللبن فيتيمم به (4). مسألة 113: إذا كان معه في السفر من الماء ما لا يكفيه لغسله من الجنابة، تيمم وصلى، وليس عليه إعادة، وكذلك القول في الوضوء. وقال الشافعي وأصحابه: أنه يستعمل ما وجده من الماء فيما يكفيه ويتيمم (5) وبه قال مالك (6) وعطاء،

(1) المبسوط للسرخسي 1: 118، وبدائع الصنائع 1: 51، وعمدة القاري 4: 16، والنتف في الفتاوى 1: 44.
(2) يونس بن يعقوب بن قيس، أبو علي الجلاب البجلي الدهني. قال النجاشي في رجاله: 348: اختص بالإمامين أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، وكان يتوكل للإمام أبي الحسن عليه السلام، ومات بالمدينة في أيام الإمام الرضا عليه السلام، فتولى أمره، وكان خصيصا عندهم موثقا. عده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الصادق والكاظم والرضا عليهم السلام موثقا إياه فيها. رجال الطوسي: 335، 363، 394.
(3) التهذيب 3: 203 حديث 475، والكافي 3: 178 حديث 1 وفيه: " أيصلى عليها؟ ". وفي من لا يحضره الفقيه 1: 107 حديث 495 باختلاف يسير باللفظ.
(4) التهذيب 3: 203 حديث 477، والكافي 3: 178 حديث 5 وفيه: " وهو على غير وضوء كيف يصنع؟ " (5) الأم 1: 49، وأحكام القرآن للجصاص 2: 374، ومختصر المزني: 7، والمبسوط للسرخسي 1: 113، والمجموع 2: 268، ومغني المحتاج 1: 89، وتفسير القرطبي 5: 230.
(6) كذا في جميع النسخ. أما ما في المصادر المتوفرة لدينا خلاف ذلك، وكذا ما نقله العلامة الحلي في تذكرة الفقهاء، مسألة (51) من السبب الثالث من أسباب التيمم، خلافا لما نقله المصنف في المتن، =

[ 162 ]

والحسن بن صالح بن حي (1). وقال في الاملاء (2) والقديم: يستحب له استعمال الماء، ولا يجب عليه. وهو قول الزهري، والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، واختيار المزني (3). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون فيه. وروى الحسين بن أبي العلاء (4) قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن

= ولعل الشيخ نقله من بعض المصادر التي لم تصل إلينا. ومن أراد التوسعة والاطلاع على قول مالك، يراجع المدونة الكبرى 1: 47، وأحكام القرآن للجصاص 2: 374، وتفسير القرطبي 5: 230. (1) أبو عبد الله، الحسن بن صالح بن حي بن مسلم بن حيان الهمداني، الكوفي. وقيل: الحسن بن صالح بن صالح بن حي الفقيه العابد. روى عن عمرو بن دينار، وسلمة ابن كهيل، وسماك بن حرب، وجماعة مات سنة (167 ه‍). وقيل: (168 ه‍). طبقات الفقهاء: 66، والتاريخ الكبير 2: 295، والمنهل العذب 2: 61.
(2) الاملاء: هو أحد مصنفات محمد بن إدريس الشافعي، إمام المذهب. وهو أحد مصنفاته التي يطلق عليها الفقهاء (الجديد) ومنها: الأم، والمختصرات، والرسالة، والجامع الكبير. أما ما يطلق عليها (القديم) فهي آراء الشافعي المذكورة في كتبه نحو: الأمالي، ومجمع الكافي، وعيون المسائل، والبحر المحيط (3) المبسوط للسرخسي 1: 113، ومغني المحتاج 1: 89، وتفسير القرطبي 5: 230، وقال النووي في المجموع [ 2: 268 ]: وقال في القديم والاملاء: يقتصر على التيمم لأن عدم بعض الأصل بمنزلة عدم الجميع في جواز الاقتصار على البدل. وقال الجصاص في أحكام القرآن [ 2: 374 ]: فقال أصحابنا جميعا يتيمم وليس عليه استعماله. وفيه أيضا: وقال مالك والأوزاعي لا يستعمل الجنب هذا الماء في الابتداء، ويتيمم.
(4) قال النجاشي في رجاله: [ 42 ] ما لفظه: الحسين بن أبي العلا الخفاف، أبو علي الأعور، مولى بني أسد، ذكر ذلك ابن عقدة، وعثمان بن حاتم بن متناب، وقال أحمد بن الحسين رحمه الله: هو مولى بني عامر، وأخواه على وعبد الحميد، روى الجميع عن الإمام أبي عبد الله عليه السلام، وكان الحسين أوجههم (إنتهى). عده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام تحت عنوان: الحسين بن أبي العلاء الخفاف، وتارة أخرى من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام بعنوان: الحسين بن أبي العلاء =

[ 163 ]

الرجل يجنب ومعه من الماء بقدر ما يكفيه لوضوءه للصلاة، أيتوضأ بالماء، أو يتيمم؟ قال: يتيمم، ألا ترى إنه جعل عليه نصف الطهور (1). مسألة 114: قد بينا أنه لا يجوز التيمم إلا في آخر الوقت، سواء كان طامعا في الماء أو آيسا، وعلى كل حال لا يجوز له تقديمه في أول الوقت. وقال الشافعي: إن كان آيسا من وجود الماء آخر الوقت فالأفضل تقديمه، وإن كان طامعا فالأفضل تأخيره، وإن تساوى حاله، فيه قولان: أحدهما إن تقديمه أفضل، والآخر إن تأخيره أفضل (2) وبه قال مالك، وأبو حنيفة، وعامة الفقهاء (3). دليلنا: ما قدمناه من أن التيمم لا يجوز إلا في آخر الوقت (4) فإذا ثبت ذلك بطلت المسألة في التفصيل في الأوقات لأن ذلك إنما يسوغ مع جواز التقديم. مسألة 115: يستحب التيمم من ربى الأرض وعواليها، ويكره من مهابطها، ولم يفرق أحد من الفقهاء بين الموضعين. دليلنا: إجماع الفرقة، وروى النوفلي، عن غياث بن إبراهيم (5) عن أبي

= العامري، أبو علي الزنجي الخفاف الكوفي، مولى بني عامر. رجال الطوسي: 115 و 169. (1) التهذيب 1: 404 حديث 1266. ورواه الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 57 حديث 213، عن الحلبي باختلاف يسير في اللفظ. أما ما رواه الكليني في الكافي 3: 65 حديث 2 ما لفظه: عن ابن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يجنب ومعه من الماء قدر ما يكفيه لشربه، أيتيمم أو يتوضأ؟ قال: التيمم أفضل. ألا ترى إنه إنما جعل عليه نصف الطهور.
(2) الأم 1: 46، والتفسير الكبير 11: 174.
(3) المحلى 2: 120، والتفسير الكبير 11: 174، والمدونة الكبرى 1: 42، ومقدمات ابن رشد 1: 85، والهداية للمرغيناني 1: 26، وشرح فتح القدير 1: 94.
(4) انظر المسألة 94.
(5) غياث بن إبراهيم التميمي الأسيدي. بصري سكن الكوفة، ثقة. روى عن الإمامين أبي عبد الله وأبي =

[ 164 ]

عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: لا وضوء من موطأ. قال النوفلي: يعني ما تطأ عليه برجلك (1). وروى غياث بن إبراهيم قال: نهى أمير المؤمنين عليه السلام، أن يتيمم الرجل بتراب من أثر الطريق (2). مسألة 116: من نسي الماء في رحله فتيمم، ثم وجد الماء في رحله، فإن كان قد فتش وطلب، ولم يظفر به، بأن خفي عليه مكانه، أو ظن أنه ليس معه ماء، مضت صلاته، وإن كان فرط وتيمم، ثم ذكر، وجب عليه إعادة الصلاة. وقال الشافعي: تجب عليه الإعادة (3). وحكى أبو ثور قال: سألت أبا عبد الله عن من نسي في رحله ماء فتيمم وصلى؟ قال: لا يعيدها (4). واختلف أصحابه فيها، منهم من قال: يجوز أن يكون أراد به مالكا أو أحمد ابن حنبل، فإنهما يكنيان أبا عبد الله، ولم تصح الرواية عن الشافعي (5). ومنهم من قال: إن أبا ثور لم يلق مالكا، ولم يرو إلا عن الشافعي، فلا يجوز أن يكون عني غير الشافعي. وجعل هذا قولا آخر، فاستقر على القولين:

= الحسن عليهما السلام. قاله النجاشي. والأسيدي بضم الهمزة وفتح السين المهملة وتشديد الياء المثناة من تحت وتخفيفها كما في سبائك الذهب نسبة إلى أسيد بن عمرو بن تميم. رجال النجاشي: 234، وسبائك الذهب: 27. (1) الكافي 3: 62 حديث 5، والتهذيب 1: 186 حديث 537.
(2) الكافي 3: 62 حديث 6، والتهذيب 1: 187 حديث 538.
(3) الأم 1: 46، وأحكام القرآن للجصاص 2: 376، والتفسير الكبير 11: 175، والمجموع 2: 264. (4) قال النووي في المجموع [ 2: 264 ]: هكذا حكاه الجمهور عن أبي ثور.
(5) قال النووي في المصدر السابق: فقال كثيرون لعله أراد بأبي عبد الله مالكا أو أحمد، وضعف المحققون هذا، بأن أبا ثور لم يلق مالكا، وليس معروفا بالرواية عن أحمد، وإنما هو صاحب الشافعي، وأحد رواة كتبه القديمة.

[ 165 ]

أحدها صلاته مجزية، وبه قال أبو حنيفة (1) والثاني لا تجزي وهو الأصح، وبه قال مالك، وأبو يوسف (2). دليلنا: على أنه إذا لم يفتش لزمته الإعادة، لأنه ترك الطلب، وقد بينا أنه واجب (3) فإذا كان واجبا لم يجز التيمم من دونه، وأما إذا طلب ولم يجد، فإنما قلنا لا يجب عليه الإعادة، لأنه فعل ما أمر به، فإن فرضه في هذا الوقت التيمم والصلاة، وقد فعلهما، ووجوب الإعادة يحتاج إلى دليل. مسألة 117: إذا وجد الماء بثمن لا يضربه، وكان معه الثمن، وجب عليه شراؤه كائنا ما كان الثمن، وبه قال مالك (4). وقال أبو حنيفة: إن وجده بزيادة من ثمنه قليلة لزمه شراؤه، وإن وجده بزيادة كثيرة، لم يلزمه شراؤه (5). وقال الشافعي: إن وجده بثمن مثله في موضعه وهو غير خائف، لزمه شراؤه، وإن لم يجد ثمنه، أو وجد الماء بثمن أكثر من مثله في موضعه، لم يلزمه (6)

(1) المبسوط للسرخسي 1: 121، والتفسير الكبير 11: 175، وأحكام القرآن للجصاص 2: 376، والنتف 1: 42، والهداية للمرغيناني 1: 27، وشرح فتح القدير 1: 97، وقال النووي في المجموع [ 2: 267 ]: وقال أبو حنيفة وأبو ثور وداود: لا إعادة، وهي رواية عن مالك.
(2) التفسير الكبير 11: 175، والهداية للمرغيناني 1: 27، والمجموع 2: 267، والنتف 1: 42، وشرح فتح القدير 1: 97، وفي المدونة الكبرى [ 1: 43 ] قال مالك: أرى أن يعيد ما كان في الوقت. فإن ذهب الوقت لم يعد. ونحوه حكاه الجصاص في أحكام القرآن 2: 376.
(3) تقدم بيانه في المسألة 95.
(4) جاء في المدونة الكبرى [ 1: 46 ] ما لفظه: قال مالك: إن كان قليل الدراهم رأيت أن يتيمم، وإن كان واسع المال رأيت أن يشتري ما لم يكثروا عليه في الثمن، فإن رفعوا عليه في الثمن فيتيمم ويصلي. وقريب منه ما ذكره ابن حزم في المحلى 2: 136.
(5) المجموع 2: 255، والمبسوط 1: 115، والمحلى 2: 136، وأحكام القرآن للجصاص 2: 376، والهداية للمرغيناني 1: 28، ومراقي الفلاح: 21، وبدائع الصنائع 1: 48 وشرح فتح القدير 1: 98.
(6) الأم (مختصر المزني): 8، والمحلى 2: 136. والمجموع 2: 253، وبدائع الصنائع 1: 48، وتفسير =

[ 166 ]

وقال أصحابه: ثمن مثله في موضعه. ومنهم من قال: ثمن مثله بمجرى العادة (1). دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء " (2) وهذا واجد، لأنه لا فرق بين أن يجده مباحا وبين أن يجده بثمن، فوجب حمل الآية على عمومها، وعلى إجماع الفرقة وروى صفوان بن يحيى قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل احتاج إلى الوضوء للصلاة، وهو لا يقدر على الماء، فوجد قدر ما يتوضأ به بمأة درهم، أو بألف درهم، وهو واجد لها، أيشتري ويتوضأ، أو يتيمم؟ قال: بل يشتري. قد أصابني مثل هذا فاشتريت وتوضأت، وما يشترى بذلك مال كثير (3). مسألة 118: إذا اجتمع جنب وحائض وميت، ومعهم من الماء ما يكفي أحدهم، وليس هو ملكا لواحد بعينه، كانوا مخيرين في أي يستعمله واحد منهم، وإن كان ملكا لأحدهم فهو أولى به. وقال الشافعي: الميت أحق به (4). دليلنا: هو أن هذه فروض اجتمعت، وليس بعضها أولى من بعض، ولا دليل على التخصيص، فوجب أن يكون على التخيير. وأيضا الروايات اختلفت

= القرطبي 5: 228. (1) حكاه النووي في المجموع 2: 254 - 255، عن أصحاب الشافعي بالمعنى لا باللفظ.
(2) النساء: 43، والمائدة: 6.
(3) التهذيب 1: 406 حديث 1276. وفي الكافي 3: 74 حديث 17 باختلاف يسير في اللفظ. ورواه الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 23 حديث 71 لفظه: (قال: سئل أبو الحسن الرضا عليه السلام عن رجل احتاج إلى الوضوء للصلاة، ولم يقدر على الماء، فوجد ماءا بقدر ما يتوضأ به بمأة درهم، أو بألف درهم، هل يجب عليه أن يشتريه ويتوضأ به، أو يتيمم؟ فقال: بل يشتري. قد أصابني مثل ذلك، فاشتريت وتوضأت، وما يسوءني بذلك مال كثير.
(4) المجموع 2: 273. وقال المزني في مختصره: 8، ما نصه: كان الميت أحبهم إلي أن يجودوا بالماء عليه.

[ 167 ]

في ذلك على وجه لا ترجيح فيها، فحملناها على التخيير. وروى الحسن التفليسي ويقال له: الأرمني (1) قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن القوم يكونون في السفر، فيموت منهم ميت، ومعهم جنب، ومعهم ماء قليل قدر ما يكفي أحدهما، أيهما يبدأ به؟ قال: يغتسل الجنب ويترك الميت (2). وروى محمد بن علي (3) عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: قلت له، الجنب والميت يتفقان في مكان لا يكون الماء إلا بقدر ما يكتفي به أحدهما، أيهما أولى أن يجعل الماء له؟ قال: يتيمم الجنب، ويغسل الميت بالماء (4). مسألة 119: إذا اجتمع جنب ومحدث، ومعهما من الماء ما يكفي أحدهما، كانا مخيرين أيضا. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها مثل ما قلناه (5). والثاني إن المحدث

(1) روى الشيخ (قدس سره) الحديث في التهذيب والاستبصار كما سنشير إليه عن الحسن بن النضر الأرمني قال: سألت أبا الحسن الرضا عليه السلام... الحديث. وروي بلفظ آخر الخبر الذي تقدمه برقم (330) عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن علي، عن أحمد بن محمد، عن الحسن التفليسي قال سألت أبا الحسن عليه السلام... الحديث. ولعل هذا الاختلاف في السند والمتن أوقع بين علماء الرجال قدس الله أرواحهم الطاهرة الاختلاف والاضطراب في ترجمة الحسن التفليسي هذا، وهل هو متحد مع الأرمني أم لا؟ انظر تنقيح المقال 1: 270 و 313.
(2) الاستبصار 1: 102 حديث 331، والتهذيب 1: 110 حديث 287، وفيهما زيادة على ما في المتن: (لأن هذا فريضة وهذا سنة).
(3) مشترك بين عدة من الرواة وقد وقع بهذا العنوان في إسناد كثير من الروايات تبلغ ثلاثمائة وأربعة عشر موردا. كما ذكر ذلك في معجم رجال الحديث 16: 324، وقد أشار الشيخ في الاستبصار أن الراوي عنه هو علي بن محمد القاساني.
(4) التهذيب 1: 110 حديث 288، والاستبصار 1: 102 حديث 332.
(5) المجموع 2: 276.

[ 168 ]

أول (1) والثالث أن الجنب أولى (2). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء (3). مسألة 120: إذا عدم الماء، ووجده بالثمن، وليس معه الثمن، فقال له إنسان: أنا أبيعك بالنسيئة، فإن كان له ما يقضي به ثمنه، لزمه شراؤه، وإن لم يكن له ما يقتضي ذلك، لم يلزمه وعليه التيمم. وقال الشافعي: يلزمه ولم يفصل (4). دليلنا: على أنه إذا كان متمكنا يلزمه: لقوله تعالى: " فلم تجدوا ماء " (5) ولا فرق بين أن يجده مباحا أو بثمن يقدر عليه ولا يجحف به. وأما إذا لم يقدر عليه فلا يلزمه، بدلالة قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (6) وهذا غير واجد للماء، فينبغي أن يكون فرضه التيمم. مسألة 121: إذا تطهر للصلاة أو تيمم، ثم ارتد، ثم رجع إلى الاسلام، لم تبطل طهارته ولا تيممه. وللشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: إنهما يبطلان (7). والثاني: لا يبطلان (8) والثالث: يبطل التيمم دون الطهارة (9). دليلنا: على أنهما لا يبطلان: إن نواقض الطهارة معروفة، وليس من جملتها

(1) (2) المصدر السابق.
(3) أي المسألة 118.
(4) قال النووي في المجموع [ 2: 255 ]: من وجد من يبيعه الماء بثمن مؤجل، فإن لم يكن له مال غائب، لم يلزمه شراؤه بلا خلاف، وإن كان فوجهان: الصحيح يلزمه شراؤه وهو المنصوص في البويطي، وبه قطع الجمهور.
(5) (6) النساء: 43.
(7) المجموع 2: 5، 301.
(8) (9) المصدر السابق.

[ 169 ]

الارتداد، ولأنه لو كان من جملتها، لكان عليه دليل، فمن ادعى أنه ينقضه، فعليه الدلالة ولا يجدها. مسألة 122: العاصي بسفره إذا عدم الماء، وجب عليه التيمم عند تضييق الوقت، ويصلي ولا إعادة عليه. وقال الشافعي: يجب عليه أن يتيمم، وهل يسقط الفرض عنه؟ فيه وجهان: أحدهما يسقط. والآخر لا يسقط (1). دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (2) ولم يفرق. ووجوب الإعادة عليه يحتاج إلى دليل. وقد قدمنا من الأخبار ما يدل على أن من صلى بتيمم ليس عليه الإعادة (3) وذلك على عمومه. مسألة 123: إذا جامع المسافر زوجته، وعدم الماء، فإن كان معه من الماء ما يغسل به فرجه وفرجها، فعلا ذلك وتيمما وصليا، ولا إعادة عليهما، لأن النجاسة قد زالت، والتيمم عند عدم الماء يسقط به الفرض، وهذا لا خلاف فيه. فإن لم يكن معهما ماء أصلا فهل يجب عليهما الإعادة، أم لا؟ فيه قولان للشافعي: أحدهما يجب (4)، والآخر لا يجب (5). والذي يقتضيه مذهبنا أنه لا إعادة عليهما.

(1) قال النووي في المجموع [ 2: 303 ]: وإن كان في سفر معصية ففيه وجهان: أحدهما: تجب الإعادة لأن سقوط الفرض بالتيمم رخصة تتعلق بالسفر، والسفر معصية، فلم تتعلق به رخصة. والثاني: لا تجب لأنا لما أوجبنا عليه ذلك صار عزيمة فلم يلزمه الإعادة. ونحوه في مغني المحتاج 1: 106.
(2) النساء: 43، والمائدة: 6.
(3) تقدم في المسألة 90 - 96.
(4) المجموع 2: 209.
(5) المصدر السابق.

[ 170 ]

دليلنا: قوله تعالى: " فلم تجدوا ماء فتيمموا " (1) فأوجب على الجنب التيمم ولم يفرق. وروى العيص بن القاسم (2)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن رجل يأتي الماء وهو جنب، وقد صلى بتيمم؟ قال: يغتسل ولا يعيد الصلاة (3). وروى حريز، عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل أجنب فتيمم بالصعيد وصلى، ثم وجد الماء؟ فقال: لا يعد، إن رب الماء رب الصعيد، فقد فعل أحد الطهورين (4). وروى عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا لم يجد الرجل طهورا، وكان جنبا، فليمسح من الأرض، وليصل، فإذا وجد الماء فليغتسل وقد أجزأته صلاته التي صلى (5). ولم يفرقوا في شئ من الأخبار، فوجب حملها على العموم. مسألة 124: الحائض إذا انقطع دمها، جاز للرجل وطئها قبل أن تغتسل أو تتيمم. وقال الشافعي: لا يجوز (6).

(1) النساء: 43، والمائدة: 6.
(2) أبو القاسم، العيص بن القاسم بن ثابت البجلي الكوفي. ابن أخت سليمان بن خالد الأقطع. عربي، ثقة، عين عده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام رجال النجاشي: 232، ورجال الشيخ الطوسي 264، والخلاصة: 131، ورجال الكشي: 361.
(3) التهذيب 1: 197 حديث 569، والاستبصار 1: 161 حديث 556، وليس فيهما كلمة (بتيمم).
(4) الاستبصار 1: 161 حديث 557، والتهذيب 1: 197 حديث 571.
(5) التهذيب 1: 197 حديث 572، والاستبصار 1: 161 حديث 558. ورواه الشيخ الكليني بطريق آخر في الكافي 3: 63 حديث 3.
(6) المجموع 2: 366، وبداية المجتهد 1: 55 والتفسير الكبير 6: 68، وأحكام القرآن للجصاص 1: 348، =

[ 171 ]

وسنتكلم عليها في باب الحيض (1) إن شاء الله تعالى. مسألة 125: الجنب إذا عدم الماء، تيمم لاستباحة الصلاة، فإذا تيمم جاز له أن يستبيح صلوات كثيرة، فرائض ونوافل. وعند الشافعي يستبيح فرضا واحدا وما شاء من النوافل (2) وقد مضت هذه المسألة (3). فإن أحدث بعد هذا التيمم ما يوجب الوضوء، ووجد من الماء ما لا يكفيه لطهارته، أعاد التيمم، ولا يستعمل ذلك الماء وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، وهو الذي يختاره ويقول به (4). والآخر: إنه يستعمل ذلك الماء في أعضاء طهارته ويتيمم للباقي (5) بناءا منه على المسألة التي مضت، في أنه متى وجد من الماء ما لا يكفي لطهارته استعمل ذلك الماء فيما يكفيه ويتيمم للباقي (6). وعندنا إن فرضه التيمم، وقد تكلمنا عليه (7). دليلنا: إن حدث الجنابة باق، فينبغي أن يتيمم بدلا من الجنابة، ولا حكم للحدث الموجب للوضوء على كل حال.

= والأم 1: 59، وشرح النووي على صحيح مسلم 2: 336، والفتاوى الكبرى 1: 78. (1) يأتي في المسألة رقم: 3.
(2) الأم 1: 47، وأحكام القرآن للجصاص 2: 382، والتفسير الكبير 11: 174، والمبسوط للسرخسي 1: 113، والمجموع 2: 293، والمدونة الكبرى 1: 48، والهداية للمرغيناني 1: 27، وشرح فتح القدير 1: 95، وعمدة القاري 4: 24، والمحلى 2: 129.
(3) انظر المسألة رقم: 91.
(4) الأم 1: 49، وتفسير القرطبي 5: 230، وقال النووي في المجموع 2: 268: وقال في القديم والاملاء يقتصر على التيمم، لأن عدم بعض الأصل بمنزلة عدم الجميع في جواز الاقتصار على البدل.
(5) الأم 1: 49، والمبسوط 1: 113، والمجموع 2: 268، وأحكام القرآن للجصاص 2: 374، وتفسير القرطبي 5: 230.
(6) (7) تقدم في المسألة رقم: 113.

[ 172 ]

مسألة 126: الماء المستعمل في الوضوء عندنا طاهر مطهر، وكذلك ما يستعمل في الأغسال الطاهرة بلا خلاف بين أصحابنا. والمستعمل في غسل الجنابة أكثر أصحابنا قالوا: لا يجوز استعماله في رفع الحدث (1). وقال المرتضى: يجوز ذلك، وهو طاهر مطهر (2). وقال الحسن البصري، والزهري، والنخعي. وفي إحدى الروايتين عن مالك، وداود: إن الماء المستعمل طاهر مطهر، ولم يفصلوا (3). وقال أبو يوسف: الماء المستعمل نجس (4) وكان يحكيه عن أبي حنيفة، وأصحابه يدفعون ذلك عنه. وقال الشافعي وأصحابه: إن الماء المستعمل طاهر غير مطهر، وبه قال الأوزاعي، وإحدى الروايتين عن مالك (5) وهو الظاهر عن أبي حنيفة، وبه قال محمد وأصحابه (6) وحكى أبو ثور عن الشافعي أنه سأله عن ذلك فتوقف فيه. وحكى عيسى بن أبان (7) عن الشافعي: إن الماء المستعمل طاهر ومطهر (8).

(1) منهم ابن حمزة في الوسيلة، كتاب الطهارة (فصل في بيان أحكام المياه)، والشيخ المفيد في المقنعة، 9، والشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 10، وابن البراج في جواهر الفقه: 2.
(2) جمل العلم والعمل: 51.
(3) التفسير الكبير 11: 170، وغرائب القرآن بهامش جامع البيان (تفسير الطبري) 6: 79، والمحلى 1: 184، وبداية المجتهد 1: 27، والمنهل العذب 1: 249.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 46، وبداية المجتهد 1: 27، والمنهل العذب 1: 250.
(5) التفسير الكبير 11: 170، وبداية المجتهد 1: 26، والمنهل العذب 1: 250، وغرائب القرآن 6، 79.
(6) المبسوط للسرخسي 1: 46، وبداية المجتهد 1: 26، وغرائب القرآن 6: 79، والمنهل العذب 1: 250.
(7) عيسى بن أبان بن صدقة، صحب محمد بن الحسن الشيباني، وتفقه عليه، وروى عنه. استخلفه يحيى بن أكثم على القضاء بعسكر المهدي، وتولى القضاء في البصرة حتى مات سنة 221 ه‍. تاريخ بغداد 11: 157، وطبقات الفقهاء: 115.
(8) قال الفخر الرازي في التفسير الكبير [ 11: 170 ]: وهو قول قديم للشافعي، والقول الجديد للشافعي، =

[ 173 ]

دليلنا: قوله تعالى: " وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به " (1) فبين أن الماء المطلق يطهر، وهذا ماء مطلق. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " خلق الله الماء طهورا " (2)، وقد بينا أن الطهور هو المطهر (3)، وعليه إجماع الفرقة. وروى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل، وقال: الماء الذي يغسل به الثوب، أو يغتسل به الرجل من الجنابة، لا يجوز أن يتوضأ منه وأشباهه، وأما الذي يتوضأ به الرجل فيغسل به وجهه ويده في شئ نظيف، فلا بأس أن يأخذه غيره ويتوضأ به (4). مسألة 127: إذا بلغ الماء المستعمل قلتين، لأصحاب الشافعي فيه قولان: أحدهما يجوز استعماله في الوضوء، والآخر: لا يجوز (5). وهذه المسألة تسقط عنا لأنا نجوز استعماله وإن لم يبلغ ذلك. وأما على ما فصلناه من الفرق بين غسل الجنابة والوضوء (6) فينبغي أن نقول: متى بلغ الماء المستعمل في غسل الجنابة كرا أنه لا يجوز استعماله، لأنه ثبت فيه المنع من استعماله قبل أن يبلغ كرا، فإذا بلغ كرا يحتاج إلى دليل في جواز استعماله. ويمكن أن يقال: إذا بلغ كرا جاز استعماله لظاهر الآيات (7) والأخبار

= إنه لم يبق طهورا ولكنه طاهر. وانظر أيضا غرائب القرآن 6: 79، والمنهل العذب 1: 449. (1) الأنفال: 11.
(2) رواه الفخر الرازي في التفسير الكبير 24: 95، وروي في السنن والصحاح بألفاظ قريبة منه فراجع. (3) تقدم بيانه في المسألة الأولى من هذا الكتاب.
(4) الاستبصار 1: 27 حديث 71، والتهذيب 1: 22 حديث 630 مع اختلاف يسير في اللفظ.
(5) مغني المحتاج 1: 21.
(6) تقدم في المسألة 126.
(7) قوله تعالى في سورة الأنفال: 11. " وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به " وقوله تعالى في سورة الفرقان: 48. " وأنزلنا من السماء ماءا طهورا "..

[ 174 ]

المتناولة لطهارة الماء (1) وما نقض عنه أخرجناه بدليل. ولقولهم عليهم السلام: إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا (2). مسألة 128: الماء المستعمل في غسل الثوب إذا كان طاهرا، أو غسل فيه رصاص، أو نحاس، يجوز استعماله. وبه قال الشافعي: (3) وكذلك ما يستعمل في طهارة نفل، كتجديد الوضوء، والمضمضة، والاستنشاق، وتكرار الطهارة، والاغسال المستحبة، وما أشبه ذلك. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: لا يجوز، وبه قال أبو حنيفة (4) والآخر: يجوز (5). دليلنا: على ذلك: الآية (6) والأخبار (7)، والمنع يحتاج إلى دليل. مسألة 129: الماء المستعمل في الطهارة، يجوز استعماله في غسل النجاسة.

(1) انظر الكافي 3: 1 باب طهور الماء، ومن لا يحضره الفقيه 1: 6 باب المياه وطهرها ونجاستها، والتهذيب 1: 214 باب المياه وأحكامه.
(2) لقد نسب الشيخ قدس سره هذه الرواية إلى الأئمة عليهم السلام، ونقلها السيد مرتضى قدس سره في الانتصار: 6 مسألة 1، عن كتب العامة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وقال المحقق في المعتبر: 22، في مسألة الماء المستعمل في الحدث الأكبر ما لفظه: وما يدعى من قول الأئمة عليهم السلام إذا بلغ الماء كرا لم يحمل خبثا، لم نعرفه، ولا نقلناه عنهم ونحن نطالب المدعي نقل هذا اللفظ بالإسناد إليهم.
(3) قال السرخسي في المبسوط 1: 47: قال الشافعي إذا لم يحصل إزالة حدث، أو نجاسة بالماء، لا يصير الماء مستعملا، كما لو غسل ثوبا طاهرا، والتقريب لأبي شجاع: 3، والمجموع 1: 149 و 157.
(4) المحلى 1: 188، وبداية المجتهد 1: 26، ومغني المحتاج 1: 20.
(5) مغني المحتاج 1: 20.
(6) وهو قوله تعالى في سورة الأنفال: 11 " وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به " وقوله تعالى في سورة الفرقان: 48 " وأنزلنا من السماء ماء طهورا ".
(7) المتقدمة في المسألة 126 هامش 2 و 3، والمسألة 127 هامش 2.

[ 175 ]

وذهب أكثر أصحاب الشافعي، وأبو العباس بن سريج (1) وأبو إسحاق، من أنه لا يجوز، وقال: ابن خيران، والانماطي (2) من أصحابه يجوز. دليلنا: ما قدمناه من عموم الآية والأخبار (3)، وإذا ثبت جواز الوضوء به بما قدمناه ثبت جواز استعماله في إزالة النجاسة، لأن أحدا لا يفرق بينهما. مسألة 130: إذا ولغ الكلب في الاناء، وجب إهراق ما فيه، وغسل الاناء ثلاث مرات، إحداهن بالتراب. وقال الشافعي: يجب غسل الاناء سبع مرات أولاهن بالتراب، وهو قول الأوزاعي (4). وقال أبو حنيفة: يجب غسل الاناء إلى أن يغلب على الظن طهارته، ولا يراعى فيه العدد (5) وقال مالك، وداود: يجب غسل الاناء تعبدا لا لأجل النجاسة، ولا يتقدر فيه بالعدد (6).

(1) أبو العباس، أحمد بن عمر بن سريج، لقب ب‍ " الباز الأشهب " قاضي شيراز، وكان من عظماء علماء الشافعية، مات سنة (306 ه‍) أخذ الفقه عن الأنماطي، والمزني، وغيره. طبقات الفقهاء: 89، والبداية والنهاية 11: 129، ووفيات الأعيان 1: 66. (2) أبو القاسم، عثمان بن سعيد بن بشار. وقيل: عبد الله بن أحمد بن بشار البغدادي، الأنماطي. منسوب إلى الأنماط، وهي نوع من البسط. أخذ العلم عن المزني والربيع وروى عنه أبو بكر الشافعي مات ببغداد سنة (288 ه‍). طبقات الشافعية الكبرى 2: 52، وطبقات الشافعية: 8.
(3) تقدم في المسألة: 126.
(4) الأم 1:، والمحلى 1: 112، والهداية للمرغيناني 1: 23، والمجموع 2: 580، وشرح فتح القدير 1: 75، ومغني المحتاج 1: 83، والمنهل العذب 1: 253، ونيل الأوطار 1: 42.
(5) حكى النووي في المجموع 2: 580 نحو ذلك. وقال ابن حزم في المحلى [ 1: 113 ]: وقال أبو حنيفة: ولا يغسل الإناء منه إلا مرة. ونحوه في عمدة القاري 3: 40، وفتح الباري 1: 277. وحكى المرغيناني في الهداية 1: 23، قول أبي حنيفة: يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا، ونحوه في شرح فتح القدير 1: 75، ونيل الأوطار 1: 42.
(6) عد ابن حزم في المحلى 1: 112 القائلين بغسل الإناء من ولوغ الكلب سبعا إحداهن بالتراب جماعة منهم داود. وفي ص: 113 ما لفظه: وتردد - مالك - في غسل الإناء سبع مرات، فمرة لم يره، ومرة رآه، =

[ 176 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وروى حريز، عن الفضل أبي العباس (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الهرة، والشاة، والبقر، والإبل، والحمار، والخيل، والبغال، والوحش، والسباع، فلم أترك شيئا إلا سألته عنه، فقال: لا بأس به. حتى انتهيت إلى الكلب، فقال: رجس نجس، لا تتوضأ بفضله، واصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب أول مرة، ثم بالماء مرتين (2). وروى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في الكلب يلغ في الإناء: " يغسل ثلاثا أو خمسا أو سبعا " (3) وهذا نص في أن السبع ليست واجبة، وإنما يجوز الاقتصار على الثلاث والخمس، وذلك يبطل مذهبه. مسألة 131: الكلب نجس العين، نجس اللعاب، نجس السؤر. وبه قال ابن عباس، وأبو هريرة، وعروة بن الزبير، وأبو حنيفة وأصحابه، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، غير أنهم كلهم ذهبوا إلى غسل الإناء سبع مرات

= وقال في قول آخر يهرق الماء ويغسل الإناء سبع مرات. ونحوه في المجموع 2: 580، وعمدة القاري 3: 40، والمبسوط للسرخسي 1: 48، وفتح المعين: 13، وفتح الباري 1: 276. وقال الخرشي المالكي في شرحه [ 1: 118 ]: ويستحب أن يغسل الإناء سبع مرات تعبدا على المشهور لطهارة الكلب. (1) الفضل بن عبد الملك، أبو العباس البقباق. مولى، كوفي، ثقة، عين: روى عن أبي عبد الله عليه السلام. قاله النجاشي في رجاله: 237. وللشيخ المفيد (قدس سره) في رسالته في الرد على أصحاب العدد، عند ذكره بعض رواة الحديث منهم الفضل، عبارة تدل عن عظم منزلته ووثاقته، ننقلها نصا كما نقلها الشيخ المامقاني في تنقيح المقال 1: 209: " والأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال والحرام والفتيا والأحكام، الذين لا يطعن عليهم، ولا طريق إلى ذم واحد منهم، وهم أصحاب الأصول المدونة... الخ ".
(2) التهذيب 1: 225 حديث 646، والاستبصار 1: 19 حديث 40، وفيهما من دون كلمة (مرتين).
(3) سنن البيهقي 1: 240 (باب غسل الإناء من ولوغ الكلب)، وسنن الدار قطني 1: 65 حديث 13. وروى عبد الرزاق بن همام في المصنف 1: 97 حديث 333 بسنده عن ابن جريح قال: قلت كم يغسل الإناء الذي يلغ فيه الكلب؟ قال: كل ذلك سمعت سبعا وخمسا وثلاث مرات.

[ 177 ]

من ولوغه (1) غير أبي حنيفة فإنه لم يعتبر العدد. وقال أيضا: إنما هو نجس الحكم لا نجس العين (2). وقال مالك: هو طاهر، وسؤره ولعابه طاهر، يجوز استعماله بالشرب وغيره، لكن يغسل منه الإناء تعبدا. وبه قال داود (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد صرح بذلك أبو عبد الله عليه السلام في رواية أبي العباس عنه، حين قال: رجس لا يتوضأ بفضله، واصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب أول مرة، ثم بالماء. وقد قدمناه في المسألة الأولى (4). مسألة 132: إذا ولغ كلبان أو كلاب في إناء واحد، كان حكمهما حكم الكلب الواحد، في أنه لا يجب أكثر من غسل الإناء ثلاث مرات. وهو مذهب الجميع (5) إلا أن بعض أصحاب الشافعي، حكى أنه قال: يغسل بعد كل كلب سبع مرات (6).

قال النووي في المجموع [ 2: 580 ] وبه قال أكثر العلماء. حكى ابن المنذر وجوب الغسل سبعا عن أبي هريرة، وابن عباس، وعروة بن الزبير، وطاووس، وعمرو بن دينار، ومالك، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور. وانظر أيضا الأم 1: 6، والمحلى 1: 112، وبدائع الصنائع 1: 64، والمنهل العذب 1: 257.
(2) المبسوط للسرخسي 1: 48، والمحلى 1: 113، والهداية للمرغيناني 1: 20 وشرح فتح القدير 1: 64.
(3) المدونة الكبرى 1: 5، والمبسوط للسرخسي 1: 48، والمحلى 1: 113، والمجموع 2: 580، وفتح المعين: 13، وشرح الخرشي 1: 118، وعمدة القاري 3: 39 وبدائع الصنائع 1: 64. وجاء في نيل الأوطار 1: 43: وقال عكرمة ومالك في رواية عنه: أنه طاهر.
(4) تقدم في المسألة 130.
(5) أي لا يجب تعدد الغسلات حسب تعدد الولوغ. انظر ذلك في المجموع 2: 584، ومغني المحتاج 1: 84، وشرح النووي في هامش إرشاد الساري 2: 311، وعمدة القاري 3: 40.
(6) قال النووي في المجموع [ 2: 584 ]: إذا تكرر الولوغ من كلب أو كلاب فثلاثة أوجه: الصحيح المنصوص أنه يكفي للجميع سبع، والثاني: يجب لكل ولغة سبع إحداهن بالتراب، والثالث: إنه إن كان تعدد الولوغ من كلب كفى سبع لجميع ولغاته، وإن تعدد الكلب وجب لكل كلب سبع، حكاه =

[ 178 ]

دليلنا: قوله تعالى: صلى الله عليه وآله: " إذا ولغ الكلب في اناء أحدكم فليهرقه، وليغسل الإناء " (1). ولم يفرق بين الواحد وما زاد عليه وذلك يتناول الجنس الذي يقع على القليل والكثير، وكذلك خبر زرارة، والفضل (2) مثل ذلك. مسألة 133: إذا ولغ الكلب في إناء، وجب غسله ثلاث مرات إحداهن بالتراب، وهي من جملة الثلاث. وقال الشافعي: سبع مرات، من جملتها الغسل بالتراب، وبه قال الأوزاعي (3) وقال الحسن وأحمد: يجب غسل الإناء سبعا بالماء وواحدا بالتراب، فيكون ثماني مرات (4). دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى سواء (5). مسألة 134: إذا ولغ الكلب في إناء، ثم وقع ذلك الإناء في الماء الذي لا ينجس بنجاسة غير مغيرة للأوصاف - أما الكر على مذهبنا، أو القلتين على مذهب الشافعي - فإنه لا ينجس الماء ولا يحصل بذلك غسلة من جملة الغسلات. وللشافعي فيه قولان (6).

= صاحب الحاوي. ونحوه في شرح النووي بهامش إرشاد الساري 2: 311، وعمدة القاري 3: 41. (1) سنن الدار قطني 1: 64 حديث 2، وصحيح مسلم 1: 234 حديث 89، وفيه (فليرقه).
(2) كذا في جميع النسخ، ولعله من سهو النساخ، وصوابه (خبر حريز عن الفضل) المتقدم في المسائل السابقة، لعدم وجود رواية عن زرارة في ولوغ الكلب حسبما استقصيناه.
(3) سنن الترمذي 1: 152، والأم 1: 6، والمحلى 1: 112، والهداية 1: 23، ومغني المحتاج 1: 83، وشرح فتح القدير 1: 75.
(4) جاء في مسائل الإمام أحمد بن حنبل: 4 ما لفظه: قال أحمد: سؤر الكلب أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بغسله سبع مرات إحداهن بالتراب. وهي رواية عن داود أيضا. وقال النووي في المجموع 2: 580: وعن أحمد رواية أنه يجب غسله ثماني مرات إحداهن بالتراب، وهي رواية عن داود أيضا.
(5) انظر المسألة المتقدمة رقم: 130.
(6) قال النووي في المجموع [ 2: 587 ]: قال أصحابنا: لو وقع الإناء الذي ولغ فيه، في ماء قليل نجسه ولم =

[ 179 ]

وإذا كان الماء أقل من قلتين، فإنه ينجس، ولا يجوز استعماله، ولا يعتد بذلك في غسل الإناء. دليلنا: ما قلناه من وجوب اعتبار العدد في غسل الإناء (1)، وبوقوعه في الماء لا يحصل العدد، فينبغي أن لا يكون مجزءا. وأيضا إذا تمم غسلاته بعد ذلك فلا خلاف في طهارة الإناء، وليس على طهارته دليل إذا لم يحصل العدد. مسألة 135: إذا أصاب الثوب نجاسة، فغسل بالماء، فانفصل الماء عن المحل وأصاب الثوب أو البدن، فإنه إن كانت من الغسلة الأولى، فإنه نجس، ويجب غسل الموضع الذي أصابه. وإن كانت من الغسلة الثانية لا يجب غسله إلا أن يكون متغيرا بالنجاسة، فيعلم بذلك أنه نجس. وقال أبو حنيفة، والانماطي (2) من أصحاب الشافعي: إنه ينجس، ولم يفصلا (3) وللشافعي فيه ثلاثة أقسام: أحدها: أن يكون الماء متغيرا، فيحكم بنجاسته. والثاني: أن لا يكون متغيرا، غير أنه لا يكون قد طهر المحل، فإنه مثل الأول. والثالث: أن لا يكون متغيرا، وقد طهر المحل، فيحكم بطهارة الماء والمحل (4). دليلنا: على القسم الأول: إنه ماء قليل معلوم حصول النجاسة فيه، فوجب أن يحكم بنجاسته. وقد روى العيص بن القاسم قال: سألته عن الرجل أصابه قطرة من طست فيه ماء وضوء، فقال: إن كان الوضوء من بول أو قذر، فليغسل ما

= يطهر الإناء، وإن وقع في ماء كثير لم ينجس الماء، وهل يطهر الإناء؟ فيه خمسة أوجه حكاها الأصحاب مفرقة وجمعها صاحب البيان وغيره، أحدها... إلى آخره. (1) قاله الشيخ في المسألة المتقدمة برقم 130.
(2) أبو القاسم، عثمان بن سعيد بن بشار تقدمت ترجمته في المسألة 129.
(3) (4) المجموع 1: 158.

[ 180 ]

أصابه. وإن كان وضوءه للصلاة، فلا يضره (1). والذي يدل على القسم الثاني، إن الماء على أصل الطهارة، ونجاسته يحتاج إلى دليل. وروى عمر بن أذينة. عن الأحول (2) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أخرج من الخلاء، فأستنجي بالماء، فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به، فقال لا بأس به (3). وروى الفضيل بن يسار (4)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال في الرجل الجنب يغتسل بالماء فينتضح الماء في إنائه: فقال: لا بأس " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (5) (6)

(1) الظاهر أن الشيخ (قدس سره) انفرد بروايته في الخلاف، واستشهد بهذا الخبر المحقق الحلي في المعتبر: 22: ورده الشهيد الأول في الذكرى: 9 بقوله: وهو مقطوع.
(2) محمد بن علي بن النعمان بن أبي طريفة البجلي، مولى، الأحول، أبو جعفر، كوفي صيرفي، يلقب مؤمن الطاق، وصاحب الطاق. كان دكانه في طاق المحامل بالكوفة. فيرجع إليه في النقد، فيرد ردا يخرج كما يقول. قاله النجاشي في رجاله: 249. عده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام، ووثقه في الثاني ونحوه في الفهرست، له مناظرات معروفة ومشهورة مع أبي حنيفة. رجال الشيخ الطوسي 302 و 359، والفهرست: 131.
(3) الكافي 3: 13 حديث 3، والتهذيب 1: 85 حديث 223، وفي من لا يحضره الفقيه 1: 41 حديث 162 بزيادة كلمة (وليس عليك شئ)، وفي علل الشرائع 1: 271 (باب 207) باختلاف يسير وزيادة في آخره لفظه: (فسكت، فقال أو تدري لم صار لا بأس به؟ قلت لا والله، جعلت فداك فقال: لأن الماء أكثر من القذر). (4) الفضيل بن يسار النهدي، أبو القاسم، عربي، بصري، صميم، ثقة، روى عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، ومات في أيامه، وقال ابن نوح: يكنى أبا مسور. قاله النجاشي في رجاله: 238، وذكره الكشي في عداد من أجمعت العصابة على تصديقه، والاقرار له بالفقه. رجال الكشي: 238.
(5) الحج: 78.
(6) الكافي 3: 13 حديث 7، والتهذيب 1: 86 حديث 224، ورواه أيضا بسند آخر حديث 225 مع اختلاف يسير في اللفظ.

[ 181 ]

وروى عبد الكريم بن عتبة الهاشمي (1) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به، أينجس ذلك ثوبه؟ فقال: لا (2). مسألة 136: إذا ولغ الكلب في الإناء، نجس الماء الذي فيه. فإن وقع ذلك الماء على بدن الانسان أو ثوبه، وجب عليه غسله، ولا يراعي فيه العدد. وقال الشافعي: كل موضع يصيبه ذلك الماء، وجب غسله سبع مرات مثل الإناء (3). دليلنا: وجوب غسله معلوم بالاتفاق لنجاسة الماء، واعتبار العدد يحتاج إلى دليل، وحمله على الولوغ قياس لا نقول به. مسألة 137: إذا أصاب من الماء الذي يغسل به الإناء من ولوغ الكلب ثوب الانسان أو جسده، لا يجب غسله سواء كان من الدفعة الأولى، أو الثانية، أو الثالثة. ولأصحاب الشافعي فيه قولان: أحدهما مثل قولنا (4)، والآخر: إنه نجس يجب غسله (5). ثم اختلفوا، منه من قال: يغسل من كل دفعة سبع مرات

(1) عبد الكريم بن عتبة الهاشمي، القرشي، اللهبي - نسبة إلى أبي لهب - عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام، ووثقه العلامة في الخلاصة، وابن داود في رجاله. رجال الطوسي: 234 و 354، والخلاصة: 127، ورجال ابن داود: 228.
(2) التهذيب 1: 86 حديث 228.
(3) المجموع 2: 587.
(4) المجموع 2: 585.
(5) ذكر النووي في المجموع [ 2: 585 ] لهذه المسألة تفصيلا نصه: فإذا انفصلت غسالة ولوغ الكلب متغيرة بالنجاسة فهي نجسة، وإن انفصلت غير متغيرة فثلاثة أوجه أو أقوال: أحدها: إنها طاهرة، والثاني: نجسة، والثالث وهو الأصح: إن كانت غير الأخيرة فنجسة وإن كانت الأخيرة، فطاهرة تبعا للمحل المنفصل عنه.

[ 182 ]

ومنهم من قال: يجب أن يغسل قدر ما يجب غسل الإناء حال الانفصال عنه، فإن أصابه من الدفعة الأولى غسل ستا، وإن أصابه من الثانية غسل خمسا، ومن الثالثة أربعا، وعلى هذا الحساب، فإن أصابه من السادسة وجب غسله دفعة واحدة، فإن أصابه من السابعة فلا خلاف بينهم أنه طاهر. فإن جمعت الغسلات بعضها إلى بعض فيه وجهان، أحدهما: إنه طاهر، والآخر: إنه نجس. دليلنا: إن الحكم بنجاسة ذلك يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه، وأيضا فلو حكمنا بنجاسته لما طهر الإناء، أبدا، لأنه كلما غسل فما يبقى من النداوة يكون نجسا، فإذا طرح فيه ماء آخر نجس أيضا، وذلك يؤدي إلى أن لا يطهر أبدا. مسألة 138: يغسل الإناء من سائر النجاسات، سوى الولوغ ثلاث مرات. وقال أبو حنيفة: الواجب ما يغلب على الظن معه حصول الطهارة (1) وقال أحمد: يغسل سبعا مثل الولوغ سواء (2). وقال الشافعي: يجب غسله مرة وجوبا وثلاثا استحبابا (3). دليلنا: طريقة الاحتياط، فإنه إذا غسله ثلاث مرات، فقد علمنا طهارته بإجماع الفرقة، وكذلك عند الشافعي، وما زاد عليه يحتاج إلى دليل. وروى عمار الساباطي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: سئل عن

(1) الهداية 1: 37، وشرح فتح القدير 1: 145.
(2) المجموع 2: 592، والإقناع 1: 58، وبداية المجتهد 1: 83، وحاشية الجمل على شرح المنهج 1: 167.
(3) الأم 1: 6، وقال المزني في مختصره [ 8 ]: ويغسل الإناء من النجاسة سوى ذلك ثلاثا أحب إلي، فإن غسله واحدة تأتي عليه، فقد طهر. والمجموع 2: 592، والتقريب لأبي شجاع: 12. وحاشية الجمل على شرح المنهج 1: 167، والمبسوط 1: 93.
(4) عمار بن موسى الساباطي، أبو اليقظان، وقيل: أبو الفضل. وثقه النجاشي، والشيخ في التهذيب =

[ 183 ]

الكوز، أو الإناء يكون قذرا، كيف يغسل؟ وكم مرة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرات، يصب فيه الماء، فيحرك فيه، ثم يفرغ منه ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ منه ذلك الماء، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه، ثم يفرغ منه وقد طهر (1) قال: وسألته عن الإبريق وغيره يكون فيه خمرا، أيصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: إذا غسل فلا بأس. وقال في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر، قال: تغسله ثلاث مرات. سئل أيجزيه أن يصب فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتى يدلكه بيده، ويغسله ثلاث مرات (2). وقال: إغسل الإناء الذي تصير فيه الجرذ ميتا سبع مرات (3). مسألة 139: إذا أصاب الثوب نجاسة، أو الإناء، فصب عليهما الماء، ولا يغسل ولا يعصر، فهل يطهر الإناء والثوب؟ لأصحابنا في ذلك روايتان: إحداهما أنه يطهر. والأخرى: أنه لا بد من غسله، وكذلك الإناء. ولأصحاب الشافعي فيه قولان، أحدهما: أنه يطهر. والآخر لا يطهر (4). فالذي قدمناه في خبر عمار الساباطي (5) يدل على وجوب الغسل والدلك وأيضا فقد روى ابن أبي يعفور (6) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن

= وعده الشيخ المفيد من أصحاب الإمامين أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام، ومن الأعلام الرؤساء المأخوذ منهم الحلال والحرام، والفتيا والأحكام، الذين لا يطعن عليهم، ولا طريق إلى ذم واحد منهم. حكى ذلك المامقاني في تنقيح المقال 2: 318، وعده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام. رجال النجاشي: 223، ورجال الشيخ الطوسي: 250 و 354. (1) التهذيب 1: 284 حديث 832.
(2) الكافي 6: 427، حديث 1، والتهذيب 1: 283 حديث 830 و 9: 115 حديث 501.
(3) التهذيب 1: 284 حديث 832.
(4) المجموع 2: 593.
(5) تقدم في المسألة 138.
(6) عبد الله بن أبي يعفور - واسمه واقد، وقيل: وقدان - العبدي، مولاهم كوفي، أبو محمد، ثقة ثقة، جليل =

[ 184 ]

البول يصيب الثوب؟ فقال: اغسله مرتين (1). وروى أبو إسحاق النحوي (2) قال: سألته عن البول يصيب الجسد؟ قال: صب عليه الماء مرتين (3). والوجه في الجمع بينهما، قد ذكرناه في الكتابين المقدم ذكرهما (4) وهو إن قلنا: يحمل خبر الاقتصار على الصب، على ما إذا كان بول الصبي الرضيع. أما إذا كان قد أكل الطعام، فلا بد من الغسل. وروى هذا التفصيل الحلبي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن بول الصبي؟ قال: تصب عليه الماء، فإن كان قد أكل، فاغسله غسلا، والغلام والجارية شرع سواء (5). مسألة 140: إذا أصاب الثوب نجاسة، فصب عليه الماء، وترك تحته إجانة حتى يجتمع فيها ذلك الماء، فإنه نجس.

= في أصحابنا، كريم على أبي عبد الله الصادق عليه السلام، وكان قارئا في مسجد الكوفة، وقد روى الكشي روايات تدل على عظمته وجلالة قدره، توفي في حياة الصادق عليه السلام، في سنة الطاعون. رجال النجاشي: 157، ورجال الكشي: 246، 249، وغيرهما، ورجال الشيخ الطوسي: 223. (1) التهذيب 1: 251 حديث 722.
(2) أبو إسحاق، ثعلبة بن ميمون النحوي. مولى بني أسد، ثم مولى بني سلام، كان وجها في أصحابنا، قارئا، فقيها، نحويا، لغويا، راوية، وثقة الكشي في رجاله وعده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام. رجال الكشي 412، ورجال النجاشي: 91، ورجال الطوسي: 161، 345.
(3) التهذيب 1: 249 حديث 716، وفي حديث 714 ورد الخبر ضمن رواية الحسين بن أبي العلاء. ورواه الشيخ الكليني في الكافي 3: 20 حديث 7 عن الحسين بن أبي العلاء كما في التهذيب، إلا أنه قال سألت أبا عبد الله عليه السلام... إلى آخره.
(4) التهذيب 1: 249 (باب تطهير الثياب وغيرها من النجاسات)، والاستبصار 1: 173 (باب بول الصبي).
(5) الاستبصار 1: 173 حديث 602، والتهذيب 1: 249 حديث 715.

[ 185 ]

وقال الشافعي: الثوب طاهر، والماء نجس. وقال ابن سريج: الماء طاهر، والثوب قد طهر (1). دليلنا: هو أنه ماء قليل، وقد حصل فيه أجزاء من النجاسة، فوجب أن ينجس لأن الماء إذا كان أقل من كر ينجس بما يحصل فيه من النجاسات بإجماع الفرقة. مسألة 141: إذا أصاب الثوب نجاسة، فغسل نصفه وبقي نصفه، فإن المغسول يكون طاهرا، ولا يتعدى نجاسة النصف الآخر إليه. وهو مذهب أكثر أصحاب الشافعي (2) وقال ابن القاص (3) لا يطهر النصف المغسول، لأنه مجاور لأجزاء نجسة، فتسري إليه النجاسة فينجس (4) وهذا باطل لأن ما يجاوره أجزاء جافة لا يتعدى نجاستها إليه ولو تعدى لكان يجب أن يكون إذا نجس جسم أن ينجس العالم كله، لأن الأجسام كلها متجاورة، وهذا تجاهل. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله (5) وعن أئمتنا عليهم السلام: أنه إذا وقع الفأر في سمن جامد أو زيت، القي ما حوله، واستعمل الباقي (6) فلو كانت

(1) المجموع 2: 593.
(2) المجموع 2: 601.
(3) أبو العباس، أحمد بن أحمد الطبري، المعروف ب‍ " ابن القاص " أخذ الفقه عن أبي العباس ابن سريج، وحدث عن أبي خليفة، ومحمد بن عبد الله الحضرمي وغيرهما، مات بطرسوس سنة (335 ه‍). طبقات الشافعية: 19، وطبقات الشافعية الكبرى 2: 104.
(4) قال أبو العباس ابن القاص: إذا كان ثوبه كله نجس، فغسل بعضه في جفنة، ثم عاد فغسل ما بقي، لم يطهر حتى يغسل الثوب كله دفعة واحدة. حكاه النووي في المجموع 2: 594.
(5) صحيح البخاري 1: 65 باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء، و 7: 126 باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب. وموطأ مالك 2: 971 باب الفأرة تقع في السمن، حديث 20. وسنن الدارمي 2: 109 باب الفأرة تقع في السمن فماتت.
(6) الكافي 6: 261 حديث 1 و 2 و 4. والتهذيب 9: 85، حديث 359 - 362.

[ 186 ]

النجاسة تسري لوجب أن ينجس الجميع، وهذا خلاف النص. مسألة 142: ما مس الكلب والخنزير بسائر أبدانهما ينجس ويجب غسله، ولا يراعى فيه العدد، وإنما يراعى العدد في الولوغ خاصة. وقال الشافعي: حكمه حكم الولوغ، يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب (1) وقال داود مثل قولنا (2) وهو قياس مذهب مالك (3). دليلنا: إن العدد يحتاج إلى دليل، وحمله على الولوغ قياس، ولا نقول به. وأيضا روى حريز، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل؟ قال: يغسل المكان الذي أصابه (4). وروى علي بن أبي حمزة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الكلب يصيب الثوب؟ قال: انضحه، وإن كان رطبا فاغسله (5) ولم يذكر العدد. مسألة 143: إذا ولغ الخنزير في الإناء، كان حكمه حكم الكلب. وهو مذهب جميع الفقهاء (6) وقال ابن القاص عن الشافعي: إن العدد

(1) الأم 1: 6، والمجموع 2: 580، وشرح النووي لصحيح مسلم 1: 310، والمنهاج للنووي: 23.
(2) المحلى 1: 109.
(3) مقدمات ابن رشد 1: 62، والخرشي 1: 119.
(4) الكافي 3: 60 حديث 2، والتهذيب 1: 23 حديث 61، و 1: 260 حديث 758، والاستبصار 1: 90 حديث 287.
(5) التهذيب 1: 260 حديث 757. ورواه الشيخ الكليني في الكافي بسند آخر ولفظ قريب منه نصه: " قال: إذا مس ثوبك الكلب، فإن كان يابسا فانضحه ".
(6) شرح معاني الآثار 1: 21، والأم 1: 6، ومختصر المزني: 8، والمحلى 1: 152، ومقدمات ابن رشد 1: 62، والتفسير الكبير 5: 21، ومغني المحتاج 1: 83، وشرح النووي بهامش الارشاد 1: 311، وفتح القريب: 12، والمنهل العذب 1: 253.

[ 187 ]

يختص بولوغ الكلب، وخطأه جميع أصحابه (1). دليلنا: أمران: أحدهما، أن الخنزير يسمى كلبا في اللغة (2) فينبغي أن تتناوله الأخبار الواردة في ولوغ الكلب. والثاني إنا قد بينا أن سائر النجاسات يغسل منها الإناء ثلاث مرات (3) والخنزير نجس بلا خلاف. مسألة 144: يجوز الوضوء بفضل السباع، وسائر البهائم، والوحش، والحشرات، وما يؤكل لحمه، وما لا يؤكل لحمه، إلا الكلب والخنزير. وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: الحيوان على أربعة أضرب: حيوان نجس، كالكلب، والخنزير، والسباع، لا يجوز استعمال شئ من أسئارها، ووجب إراقته، وغسل الإناء حتى يغلب على الظن طهارته. وحيوان طاهر، وسؤره طاهر، وهو ما يؤكل لحمه، إلا الدجاجة المطلقة فإنه يكره سؤرها. وحيوان يكره سؤره والتوضوء به، وهو مثل حشرات الأرض، وجوارح الطير، والهر من جملة ذلك. قال: والقياس أنها نجسة، لكن يجوز التوضؤ به استحسانا، لتعذر الاحتراز منه. الرابع: حيوان مشكوك فيه، كالبغال، والحمار، فهو مشكوك في طهارة سؤره (5).

(1) حكاه النووي في المجموع 2: 585، وشرح النووي لصحيح مسلم 1: 311.
(2) قال الجوهري في الصحاح (مادة كلب): الكلب كل سبع عقور، وغلب على هذا النابح.
(3) تقدم بيانه في المسألة 138.
(4) المحلى 1: 134، وشرح فتح القدير 1: 76، وبداية المجتهد 1: 27، ونيل الأوطار 1: 44، وبدائع الصنائع 1: 64.
(5) المحلى 1: 133، والمبسوط للسرخسي 1: 47 - 50، ومراقي الفلاح: 4، وكنز الدقائق: 5، والنتف في الفتاوى 1: 11، وبداية المجتهد 1: 27.

[ 188 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل في الماء الطهارة والحكم بنجاسته يحتاج إلى دليل. وروى الفضل بن عبد الملك قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن فضل الهر، والشاة، والبقر، والإبل، والحمار. والخيل، والبغال، والوحش، والسباع، فلم أترك شيئا إلا سألته عنه، فقال: لا بأس به، حتى انتهيت إلى الكلب فقال: رجس نجس، لا تتوضأ بفضله، واصبب ذلك الماء، واغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء (1). مسألة 145: ما لا نفس له سائلة، كالذباب، والخنفساء، والزنابير وغير ذلك، لا ينجس بالموت، ولا ينجس الماء، ولا المائع الذي يموت فيه. وبه قال أبو حنيفة ومالك (2) وقال الشافعي: ينجس بالموت (3) قولا واحدا. وهل ينجس الماء؟ فيه قولان: أحدهما، لا ينجس، وهو اختيار المزني (4) والثاني: ينجسه (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل طهارة الماء، والحكم بنجاسة هذه الأشياء يحتاج إلى دليل. وروى عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الخنفساء، والذباب، والجراد، والنملة وما أشبه ذلك يموت في البئر، والزيت والسمن وشبهه؟ قال: كل ما ليس له دم فلا بأس به (6).

(1) التهذيب 1: 225 حديث 646، والاستبصار 1: 19 حديث 40.
(2) المبسوط 1: 51، ومراقي الفلاح: 6، وتفسير القرطبي 13: 46، والخرشي 1: 81، وحاشية الدسوقي 1: 48، وبدائع الصنائع 1: 62.
(3) المبسوط 1: 51، والأم 1: 5، والهداية للمرغيناني 1: 19.
(4) الأم 1: 5، وفتح القريب المجيب: 12، ومغني المحتاج 1: 23.
(5) المبسوط 1: 51، والأم 1: 5، والأم (مختصر المزني): 8، ومغني المحتاج 1: 23.
(6) التهذيب 1: 230 حديث 665، والاستبصار 1: 26 حديث 66.

[ 189 ]

وروى حفص بن غياث (1) عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة (2). مسألة 146: إذا مات في الماء القليل ضفدع، أو غيره مما لا يؤكل لحمه، مما يعيش في الماء، لا ينجس الماء. وبه قال أبو حنيفة (3). وقال الشافعي: إذا قلنا إنه لا يؤكل لحمه، فإنه ينجسه (4). دليلنا: إن الماء على أصل الطهارة، والحكم بنجاسته يحتاج إلى دليل. وروي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: إذا مات فيما فيه حياته لا ينجسه (5). وهو يتناول هذا الموضوع أيضا. مسألة 147: إذا بلغ الماء كرا فصاعدا، لا ينجس بما يقع فيه من النجاسات إلا ما يغير لونه، أو طعمه، أو رائحته. ومتى نقص عن الكر ينجس بما يحصل فيه من النجاسة، تغير أو لم يتغير.

(1) حفص بن غياث بن طلق بن معاوية، أبو عمر النخعي، الكوفي، القاضي. عده الشيخ في أصحاب الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام تارة، وأخرى في من لم يرو عنهم عليهم السلام. وقال: كان عاميا، ولي القضاء ببغداد الشرقية ثم الكوفة، ومات سنة (194 ه‍). رجال الطوسي: 118، 175، 471: ورجال النجاشي: 103، وتهذيب التهذيب 2: 145.
(2) التهذيب 1: 231 حديث 669، والاستبصار 1: 26 حديث 67، ورواه الشيخ الكليني في الكافي 3: 5، حديث 4 بسند آخر.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 57، ومراقي الفلاح: 6، وبدائع الصنائع 1: 79، والهداية للمرغيناني 1: 19. (4) فتح المعين: 5، ومغني المحتاج 1: 23، والهداية للمرغيناني 1: 19.
(5) لعل الشيخ انفرد بروايتها في هذا الكتاب، لأننا لم نقف على نص لهذه الرواية في كتب الأخبار المتوفرة، لدينا. وقد وردت بلفظ قريب منه في كتاب الصيد في كتاب من لا يحضره الفقيه 2: 206 حديث 945، والتهذيب 9: 11 حديث 40، عند السؤال عن السمك يموت في الماء، فقال عليه السلام: لأنه مات في الذي فيه حياته. وهذه الرواية تدل على حرمة أكل السمك لا نجاسة الماء وقد نقل المحقق الحلي في المعتبر: 25 المسألة عن الخلاف من دون ذكر الرواية.

[ 190 ]

وحكي اعتبار الكر عن الحسن بن صالح بن حي (1) ولأصحابنا في مقدار الكر ثلاثة مذاهب: أحدها: إن مقداره، ألف ومائتا رطل بالعراقي، وهو مذهب شيخنا أبي عبد الله (2) (3). والثاني: إنه ألف ومائتا رطل بالمدني، وهو اختيار المرتضى (4). وقال الباقون: الاعتبار بالأشبار، ثلاثة أشبار ونصف طولا في عرض وفي عمق، وهو مذهب جميع القميين، وأصحاب الحديث (5).

(1) حكى الجصاص في أحكام القرآن 3: 340 عن مسروق والنخعي وابن سيرين القول: " إذا كان الماء كرا لم ينجسه شئ " وقال في ص: 341 ما لفظه: وكره الحسن بن صالح الوضوء بالماء بالفلاة إذا كان أقل من قدر الكر، وروى نحوه عن علقمة وابن سيرين، والكر عندهم ثلاثة آلاف رطل ومائتا رطل.
(2) أبو عبد الله، محمد بن محمد بن النعمان، المعروف ب‍ " ابن المعلم " والملقب ب‍ " المفيد ". اجتمعت فيه خلال الفضل، وانتهت إليه رئاسة الكل، اتفق الجميع على فضله وفقهه وعدالته وثقته وجلالته، قال الشيخ النجاشي في رجاله: 311 بعد ذكر نسبه إلى يعرب بن قحطان: شيخنا وأستاذنا رضي الله عنه، فضله أشهر من أن يوصف في الفقه والكلام والرواية والعلم. مات سنة (413 ه‍). رجال الشيخ الطوسي: 514، والفهرست 157.
(3) ذهب إليه في المقنعة: 8.
(4) اختاره في الانتصار: 5، وجمل العلم والعمل: 51.
(5) المحكي عن القميين في المصادر المتوفرة لدينا اعتبار الكر ثلاثة أشبار طولا في عرض في عمق، ولم يعتبروا النصف. وهو اختيار الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 6، والمقنع: 10، والهداية: 14، ورواه في أماليه: 383. وحكى عدم اعتبار النصف عن القميين أيضا ابن إدريس في السرائر: 7، والعلامة الحلي في المختلف: 3، والتذكرة 1: 3، والمجلسي الأولى في روضة المتقين 1: 39، والمجلسي الثاني في البحار 80: 19، والسيد الطباطبائي في المدارك: 8. نعم حكى العاملي في مفتاح الكرامة 1: 71 عن نسخة من الهداية اعتبار النصف، وعن نسخة أخرى والفقيه عدم الاعتبار، وحكى عن الخلاف نسبة اعتبار النصف إلى القميين أيضا. ولم نقف =

[ 191 ]

وقد تكلمت على هذه الروايات، في الكتابين المقدم ذكرهما (1). وقال الشافعي: إذا بلغ الماء قلتين فصاعدا، لا ينجس بما يقع فيه من النجاسة إلا ما يغير أحد أوصافه (2) وحدهما بخمسمائة رطل (3). واختلف أصحابه، فمنهم من قال: إن ذلك الحد لو نقص منه رطل أو رطلان نجس (4) ومنهم من قال ذلك على التقريب، ولا يؤثر نقص رطل أو رطلين فيه (5). ثم اختلفوا في هذا الماء إذا وقعت فيه نجاسة مايعة، هل يجوز استعمال جميعه أم لا؟ فقال الأكثر منهم: يجوز استعمال جميعه (6) وقال قوم منهم: إنه يجوز استعماله إلى أن يبقى منه مقدار النجاسة الواقعة فيه (7). واعتبار القلتين مذهب عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وأبي هريرة، وسعيد بن جبير (8) ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد القاسم بن سلام،

= على مصدر لهذا القول أو القائل به. (1) التهذيب 1: 38 - 43، والاستبصار 1: 6 - 12.
(2) المحلى 1: 153، ومغني المحتاج 1: 21، والتفسير الكبير 24: 94، وسنن الترمذي 1: 98، واختلاف الحديث للشافعي: 500، وأحكام القرآن للجصاص 3: 341، وبداية المجتهد 1: 23، وتفسير القرطبي 13: 42، والنتف في الفتاوى 1: 6، وسبل السلام 1: 20.
(3) المجموع 1: 119، ومغني المحتاج 1: 25، وبلوغ الأماني بهامش الفتح الرباني 1: 217، والمقدمة الحضرمية: 26.
(4) أحكام القرآن للجصاص 3: 341، والمجموع 1: 119.
(5) المجموع 1: 119، ومغني المحتاج 1: 25، والمقدمة الحضرمية 26.
(6) مغني المحتاج 1: 22.
(7) مغني المحتاج 1: 22.
(8) سعيد بن جبير بن هشام الأسدي، أبو محمد، وقيل: أبو عبد الله، مولى بني والبة، تابعي أصله الكوفة، نزل مكة، عده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام علي بن الحسين عليهما السلام، وكان يسمى جهبذ العلماء، وله محاورة طويلة مع الحجاج قبيل استشهاده سنة (95 ه‍). رجال الطوسي 90، والخلاصة: 79، وتاريخ الطبري 5: 260، وتهذيب التهذيب 4: 11، وتذكرة الحفاظ 1: 71.

[ 192 ]

وأبي ثور (1). وقال الحسن البصري، وإبراهيم النخعي، ومالك، وداود: إنه لا ينجس الماء سواء كان قليلا أو كثيرا، إلا إذا تغير أحد أوصافه (2) وقال أبو حنيفة: إن كان الماء يصل بعضه إلى بعض تنجس بحصول النجاسة فيه، وإن كان لا يصل بعضه إلى بعض لم ينجس (3). وفسر أبو يوسف، والطحاوي مذهبه فقالا: إن كان الماء في موضع مجتمع بحيث إذا حرك أحد جانبيه تحرك الجانب الآخر، فإنه ينجس، وإن كان لا يتحرك الجانب الآخر، فإذا وقعت فيه النجاسة، فإن الموضع الذي لا يبلغ التحريك إليه لا ينجس (4). وقال المتأخرون من أصحابه إن الاعتبار بحصول النجاسة في الماء، إما علما وإما ظنا، وإنما يعتبر تحرك الماء، ليغلب في الظن بلوغ النجاسة إليه، فإن غلب في الظن خلافه، حكم بطهارته (5). دليلنا: على اعتبار الكر: إجماع الطائفة فإنه لا خلاف بينهم في ذلك، وإن اختلفوا في مقداره. وروى حماد، عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ (6).

(1) مسائل الإمام أحمد: 4، وأحكام القرآن للجصاص 3: 340، وسنن الترمذي 1: 98، والمجموع 1: 112.
(2) تفسير القرطبي 13: 42، وبداية المجتهد 1: 23، وأحكام القرآن للجصاص 3: 340 والتفسير الكبير 24: 94، وسبل السلام 1: 19.
(3) بداية المجتهد 1: 13، وسبل السلام 1: 20.
(4) تفسير القرطبي 13: 42.
(5) أحكام القرآن للجصاص 3: 340، والتفسير الكبير 24: 94.
(6) التهذيب 1: 40 حديث 108، والاستبصار 1: 6 حديث 2، والكافي 3: 2 حديث 1.

[ 193 ]

وروى محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله عليه السلام، أنه سئل عن الماء تبول فيه الدواب، وتلغ فيه الكلاب، ويغتسل فيه الجنب؟ قال: إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ (1). مسألة 148: الماء الكثير، إما الكر على مذهبنا، أو ما يبلغ القلتين على مذهب الشافعي، إذا تغير أحد أوصافه بما يقع فيه من النجاسة، تنجس بلا خلاف والطريق إلى تطهيره، أن يرد عليه من الماء الطاهر كر فصاعدا، ويزول عند ذلك تغيره، فحينئذ يطهر ولا يطهر شئ سواه. وقال الشافعي: يزول حكم النجاسة بأربعة أشياء: أحدها: أن يرد عليه من الماء الطاهر ما يزول به عنه التغير، ولم يعتبر المقدار. والثاني أن يزول عنه تغيره من قبل نفسه فيطهر. والثالث: أن ينبع من الأرض ما يزول معه تغيره. والرابع: أن يستقى منه ما يزول معه تغيره (2). وفي أصحابه من ذكر وجها خامسا: وهو أن يحصل فيه من التراب ما يزول معه تغيره (3). دليلنا: إن الماء معلوم نجاسته، وليس لنا أن نحكم بطهارته إلا بدليل، وليس على الأشياء التي اعتبرها دليل على أنها تطهر الماء، ولا يلزمنا مثل ذلك إذا ورد عليه كر من الماء، لأن ذلك معلوم أنه يطهر به، ولأنه إذا بلغ كرا فلو وقع فيه عين النجاسة لم ينجس إلا أن يتغير أحد أوصاف الماء، والماء النجس

(1) الكافي 3: 2 حديث 2، والفقيه 1: 8 حديث 12، والتهذيب 1: 40 حديث 107، والاستبصار 1: 6 حديث 1.
(2) المجموع 1: 132، ومغني المحتاج 1: 22.
(3) المصدر السابق.

[ 194 ]

ليس بأكثر من عين النجاسة، وأما نبعه من الأرض فإن ذلك يعتبر في الآبار، ولها حكم يخصها نبينه فيما بعد. مسألة 149: إذا نقض الماء عن الكر على مذهبنا، أو القلتين على مذهب الشافعي، وحصلت فيه نجاسة، فإنه ينجس وإن لم يتغير أحد أوصافه. ولا يحكم بطهارته إلا إذا ورد عليه كر من الماء فصاعدا. وقال الشافعي: يطهر بشيئين: أحدهما أن يرد عليه من الماء الطاهر ما يتم به قلتين (1) أو ينبع فيه ما يتم به قلتين. دليلنا: ما قدمناه في المسألة الأولى سواء (2) مسألة 150: إذا كان الماء مقدار كر في موضعين، وحصل فيهما نجاسة، أو في أحدهما، لم يطهر إذا جمع بينهما. وقال الشافعي: يطهر (3). واختاره المرتضى (4). دليلنا: إنهما (ماءان) محكوم بنجاستهما على الانفراد، فمن ادعى أنه إذا جمع بينهما زال حكم النجاسة، فعليه الدليل، وليس عليه دليل، فوجب أن يبقى على الأصل. مسألة 151: إذا بال ظبي في ماء، لم ينجس بذلك، قليلا كان الماء أو كثيرا، تغير بذلك أو لم يتغير بذلك. وقال الشافعي ينجس إذا كان قليلا، وإن لم يتغير، وإن كان كثيرا إذا

(1) الأم (مختصر المزني): 9، ومغني المحتاج 1: 25.
(2) تقدم في المسألة: 148.
(3) الأم 1: 5، والمغني لابن قدامة 1: 35.
(4) قال العلامة قدس سره في المختلف: 3 ما لفظه: وقال السيد المرتضى رحمه الله أنه يطهر، وهو قول سلار وابن البراج وابن إدريس (إنتهى). أقول: ومال إليه الشيخ المصنف قدس سره في المبسوط 1: 7 حيث قال: وفي أصحابنا من قال: يزول ذلك للخبر، وهو قوي على ما قلناه.

[ 195 ]

تغير (1). دليلنا: إن التنجيس حكم شرعي يحتاج إلى دليل، لأن الأصل في الماء الطهارة، وأيضا فلا خلاف بين الطائفة أن بول ما يؤكل لحمه، وروثه طاهران، وعلى هذا يجب أن يحكم بطهارته. وروى عبد الرحمن بن أبي عبد الله (2)، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كل شئ يؤكل لحمه فلا بأس ببوله (3). مسألة 152: الماء الجاري إذا وقعت فيه نجاسة، لا ينجس بذلك إلا إذا تغير أحد أوصافه، سواء كان الماء فوق النجاسة أو تحتها أو مجاورا لها، وسواء كانت النجاسة مائعة أو جامدة. وقال الشافعي: الماء الذي قبل النجاسة طاهر، وما بعدها إن كانت النجاسة لم تصل إليه فهو طاهر، وأما ما يجاوره ويختلط به، فإن كان أكثر من قلتين فهو أيضا طاهر، وإن كان أقل منهما فإنه ينجس (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " الماء كله طاهر لا ينجسه شئ إلا ما غير لونه أو طعمه أو رائحته " (5). وذلك على عمومه، إلا ما أخرجه الدليل.

(1) الأم: 1: 11.
(2) عبد الرحمن بن أبي عبد الله ميمون البصري، مولى بني شيبان. وثقه النجاشي في رجاله عند ترجمة حفيده إسماعيل بن همام بقوله: ثقة هو وأبوه وجده. وعده الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وقال العلامة في الخلاصة: ختن الفضيل بن يسار، ثقة رجال النجاشي: 24، ورجال الطوسي: 230، والخلاصة: 113.
(3) التهذيب 1: 422، ذيل الحديث 1337، ونقله في ص: 266 حديث 780 باختلاف في اللفظ. ورواه في الاستبصار 1: 179 حديث 624 موافقا للثاني.
(4) الأم 1: 4، والمحلى 1: 151، ومغني المحتاج 1: 24.
(5) سنن ابن ماجة 1: 174 حديث 521.

[ 196 ]

وروى عنبسة بن مصعب، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يبول في الماء الجاري قال: لا بأس به إذا كان الماء جاريا (1). وروى حريز، عن ابن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: لا بأس بالبول في الماء الجاري (2). مسألة 153: إذا كان معه (إناءآن)، وقع في أحدهما نجاسة، واشتبها عليه، لم يستعملهما، وكذلك حكم ما زاد عليهما. ولا يجوز التحري بلا خلاف بين أصحابنا. أما الثوبان، فمن أصحابنا من قال: حكمهما حكم الإنائين، لا يصلي في واحد منهما (3). وقال بعضهم: يصلي في كل منهما على الانفراد، وهو الذي اخترناه (4) وهو مذهب المزني (5). وقال الماجشون (6): يتوضأ بكل واحد من المائين، ويصلي صلاة

(1) التهذيب 1: 43 حديث 120، والاستبصار 1: 13 حديث 22.
(2) التهذيب 1: 43 حديث 122، والاستبصار 1: 13 حديث 24.
(3) لم نقف على القائل من الأصحاب في المصادر المتوفرة.
(4) اختاره الشيخ قدس سره في النهاية: 55 والمبسوط 1: 39.
(5) المجموع 3: 146. ويستفاد مما حكاه ابن قدامة في المغني 1: 63 عن المزني وأبي ثور، القول بعدم جواز الصلاة في شئ منهما. وما نسبه الشيخ الطوسي في القول بالصلاة عريانا إلى المزني وأبي ثور كما حكاه العاملي عن الخلاف في مفتاح الكرامة 1: 182، إن للمزني قولين في هذه المسألة. كما يستفاد أيضا أن في بعض نسخ الخلاف، كنسخة صاحب المفتاح الكرامة، تقديم مذهب المزني إلى ما بعد كلمة " لا يصلي في واحد منهما " المتقدمة.
(6) أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون - بكسر الجيم وضم الشين - من أصحاب مالك، تفقه به وبأبيه، وابن أبي حازم وغيرهم. وحكى ابن حجر في تهذيب التهذيب 6: 408 أنه كان فقيها، فصيحا، دارت عليه الفتيا وعلى أبيه... وكان مولعا بسماع الغناء، وقال: قال أحمد ابن حنبل: قدم علينا ومعه من يغنيه، مات سنة (212 ه‍) وقيل: (214). طبقات الفقهاء: 125، =

[ 197 ]

منفردة (1) وقال محمد بن مسلمة (2): يتوضأ بأحدهما ويصلي ثم يتوضأ بالآخر، ويغسل ما أصابه من الأول من ثيابه وبدنه، ثم يصلي (3). وقال أبو حنيفة: يجوز التحري في الثياب على الإطلاق، وأما الأواني، فإن كان عدد الطاهر أكثر جاز التحري فيها. وإن كان عدد النجس أكثر من عدد الطاهر، أو تساويا لم يجز (4). وقال الشافعي: يجوز التحري في أواني الماء والطعام إذا كان بعضها نجسا وبعضها طاهرا، سواء كان عدد النجس أقل، أو أكثر، أو استويا (5). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون فيه، وأيضا فقد تيقنا النجاسة في واحد منهما، فلا بأس أن نقدم على ما هو نجس. وأيضا الصلاة في الذمة بيقين، ولا نعلم براءتها إذا استعلمنا هذا الماء. وروى عمار الساباطي (6) وسماعة بن مهران (7) عن أبي عبد الله

= والمجموع 1: 181، والعبر 1: 363، وترتيب المدارك 1: 360. (1) قال النووي في المجموع 1: 181: وقال عبد الملك بن الماجشون: يتوضأ بكل واحد ويصلي بعد الوضوئين ولا يعيد الصلاة.
(2) أبو هاشم، محمد بن مسلمة بن محمد بن هاشم بن إسماعيل المخزومي. روى عن مالك، وتفقه عنده، كان أحد فقهاء المدينة من أصحاب مالك وأفقههم. ترتيب المدارك 1: 358، والديباج المذهب 2: 156، والجرح والتعديل 4 / 1: 71.
(3) المجموع 1: 181.
(4) المصدر السابق.
(5) المصدر السابق.
(6) التهذيب 1: 248 حديث 712، ولفظ الحديث: (... عن عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام، في حديث طويل قال سئل عن رجل - إلى قوله: على ماء غيره - قال: يهرقهما ويتيمم).
(7) التهذيب 1: 249 حديث 713، وفي الكافي 3: 10 حديث 6، والاستبصار 1: 21 حديث 48 ما لفظه: (... عن سماعة قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن جرة وجد فيها خنفساء قد مات قال: ألقه وتوضأ منه، وإن كان عقربا فأهرق الماء، وتوضأ من ماء غيره، وعن رجل معه إناءآن فيهما =

[ 198 ]

عليه السلام قالا: سئل أبو عبد الله عليه السلام عن رجل معه إناءآن فيهما ماء، وقع في أحدها قذر، لا يدري أيهما هو، وليس يقدر على ماء غيره؟ قال: يهريق المائين ويتيمم. مسألة 154: إذا كان معه إناءآن أحدهما نجس، فقد قلنا إنه لا يستعملها في الوضوء، فإن خاف العطش، أمسك أيهما شاء. وقال الشافعي: يتحرى، فما أدى اجتهاده إليه أمسك للوضوء ويريق الآخر فإن خاف العطش أمسك للعطش النجس وتوضأ بالطاهر عنده (1). دليلنا: إنا بينا أنهما في حكم النجس في المنع من جواز استعمالهما. أو واحد منهما، وقد أبطلنا التحري. فأما الخوف من العطش فإنه يجوز له إمساك النجس بالاجماع. مسألة 155: إذا كان معه إناءآن، أحدهما ماء طاهر، والآخر بول واشتبها، فلا خلاف أنه لا يجوز التحري. وإنما يختلف أبو حنيفة والشافعي في تعليل ذلك (2). مسألة 156: إذا كان معه إناءآن فاشتبها، وكان معه إناء طاهر متيقن، وجب أن يستعمل الطاهر، ولا يجوز استعمال المشتبهين. وبه قال أبو إسحاق المروزي (3) وقال أبو العباس (4) وعامة أصحاب الشافعي: هو مخير بين أن يستعمل ذلك، وبين أن يتحرى في الانائين (5).

= ماء وقع في أحدهما قذر، لا يدري أيهما هو، وليس يقدر على ماء غيره، قال: يهرقهما ويتيمم). (1) الأم 1: 10، ومختصر المزني: 9، والمجموع 1: 186 و 2: 245.
(2) المجموع 1: 181 و 183 و 195، وفتح العزيز (بهامش المجموع) 1: 283، ومغني المحتاج 1: 27.
(3) المجموع 1: 192.
(4) هو أحمد بن عمر بن سريج. والذي تقدمت ترجمته في المسألة 129.
(5) المجموع 1: 192، وفيه: واتفقوا على أنه إذا جوزنا التحرى، استحب تركه، واستعمال الطاهر بيقين احتياطا. وانظر أيضا مغني المحتاج 1: 26.

[ 199 ]

دليلنا: ما قدمناه من بطلان التحري، والمنع من استعمال الانائين المشتبهين (1). فإن ثبت ذلك، فلا يجب غير استعمال الماء الطاهر. مسألة 157: إذا كان معه إناءآن أحدهما طاهر والآخر ماء مستعمل في الوضوء، يجوز استعمال أيهما شاء عندنا. وقال الشافعي وأصحابه: فيها قولان، أحدهما: أنه يتحرى فيهما كما يتحرى في النجس والطاهر (2). والقول الآخر: لا يتحرى، بل يتطهر بكل واحد منهما (3). دليلنا: إنا قد بينا أن الماء المستعمل طاهر ومطهر (4) وإذا ثبت ذلك، جرى مجرى المائين الذين لم يستعملا بلا خلاف. مسألة 158: إذا كان معه إناءآن، أحدهما طاهر ومطهر، والآخر ماء ورد منقطع الرائحة، أو ماء شيح (5)، فاشتبها عليه، توضأ بكل واحد منهما. وقال الشافعي وأصحابه: إنه يجوز له التحري (6). دليلنا: هو أنه إذا استعملهما قطع على أنه قد تطهر بالاجماع، وإذا تطهر بأحدهما ليس على صحة طهارته دليل. مسألة 159: إذا كان معه إناءآن، أحدهما نجس فاشتبها عليه، ثم انقلب أحدهما، فإنه لا يجوز استعمال الآخر.

(1) تقدم بطلانه في المسألة 153.
(2) المجموع 1: 195، ومغني المحتاج 1: 26، والمغني لابن قدامة 1: 19.
(3) المجموع 1: 195.
(4) تقدم بيانه في المسألة 126.
(5) الشيح، بالكسر: نبت سهلي يتخذ من بعضه المكانس، وهو من الامرار، له رائحة طيبة، وطعم مر. وهو مرعى للخيل والنعم، ومنابته القيعان والرباض. قاله الزبيدي في تاج العروس 2: 173.
(6) فتح العزيز (بهامش المجموع) 1: 281، ومغني المحتاج 1: 27.

[ 200 ]

ولأصحاب الشافعي فيه قولان: أحدهما يتحرى فيه (1) وهو قول أبي العباس والآخر: إنه لا يجوز، وهو قول الأكثر (2). دليلنا: ما قدمناه من إنه لو كان الأول بحاله لما جاز التحري (3) فكيف إذا انقلب أحدهما على أن التحري لا يكون إلا في شيئين، ولا يتصور ذلك في شئ واحد. مسألة 160: إذا كان معه إناءآن، فولغ الكلب في أحدهما واشتبها عليه وأخبره عدل بعين ما ولغ الكلب فيه، لا يقبل منه. وقال أصحاب الشافعي: يقبل منه ولا يتحرى (4). دليلنا: ما قدمناه من خبر عمار وسماعة (5)، وأنه أمره بإراقة الانائين والتيمم، ولم يقل إلا أن يشهد عدل. وأيضا قد علمنا أنه يجوز استعمالهما بإجماع الفرقة، وإيجاب القبول من العدل يحتاج إلى دليل. مسألة 161: إذا ورد على ماء، فأخبره رجل بأنه نجس، لا يقبل منه. سواء أخبره بما به نجس، أو لم يخبره. وقال الشافعي: إن أخبره بالإطلاق، ولم يذكر ما به نجس، لا يقبل منه، وإن أخبره بما به نجس، وكان ذلك ينجس الماء، وجب القبول منه (6). دليلنا: إنا قد علمنا أن الأصل في الماء الطهارة، والحكم بنجاسته يحتاج

(1) المجموع 1: 184.
(2) المصدر السابق.
(3) تقدم في المسألة 153.
(4) المجموع 1: 177، ومغني المحتاج 1: 28، واختلاف الحديث للشافعي: 1.
(5) تقدم في المسألة 153.
(6) المجموع 1: 175، ومغني المحتاج 1: 26.

[ 201 ]

إلى دليل، ولم يقم دليل على وجوب العمل بقول الواحد في ذلك. وأيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله، والأئمة عليهم السلام من أن الماء كله طاهر إلا أن يعلم أنه نجس (1) يؤكد ذلك. لأن بقول الواحد لا نعلم نجاسته، ووجوب القبول منه يحتاج إلى دليل. مسألة 162: إذا شهد شاهدان أنه قد ولغ الكلب في واحد من الإنائين، وشهد آخران أنه ولغ في الآخر، سقطت شهادتهما، وبقي الماء على أصل الطهارة. وقال الشافعي: يحكم بنجاستهما لجواز أن يكونا صادقين (2) اللهم إلا أن يشهد كل قوم منهم على وجه ينافي شهادة الآخر، فيكون القول فيه كالقول في تقابل البينتين، وفيه ثلاثة أقوال تذكر في باب البينات (3). دليلنا: إن الماء على أصل الطهارة، وليس على وجوب القبول من الفريقين، ولا من واحد منهما دليل، فوجب طرحهما، وبقي الماء على أصل الطهارة. مسألة 163: إذا كان مع غير البصير إناءآن، وقع في أحدهما نجاسة واشتبها، وجب عليه إراقتهما ويتيمم. ولأصحاب الشافعي فيه قولان: أحدهما مثل ما قلنا (4) والآخر يتحرى، أو يرجع إلى قول بصير يخبره بذلك (5). دليلنا: ما قلناه من أن البصير لا يجوز له التحري (6) ولا الرجوع إلى غيره،

(1) روى الشيخ الكليني في الكافي 3: 1 حديث 1 و 2، والشيخ الطوسي في التهذيب 1: 215 حديث 619 عن الصادق عليه السلام أنه قال: الماء كله طاهر حتى يعلم أنه قذر.
(2) المجموع 1: 178.
(3) قال النووي في المجموع 1: 178: وفي الاستعمال ثلاثة أقوال. أحدها: بالقرعة، والثاني: بالقسمة، والثالث: يوقف حتى يصطلح المتنازعان.
(4) المجموع 1: 175، ومغني المحتاج 1: 27.
(5) المجموع 1: 196، ومغني المحتاج 1: 27.
(6) تقدم بيانه في المسألة 153.

[ 202 ]

فحكم الأعمى حكمه سواء. مسألة 164: إذا حصلت النجاسة على الثوب، فإن تعين له الموضع، غسله بلا خلاف. وإن لم يتعين له غسل الثوب كله. وهو الظاهر من مذهب الشافعي وأصحابه (1). وحكي عن بعضهم أنه قال: إذا حصلت النجاسة في الكم الواحد، واشتبه بالكم الآخر حل له التحري (2). دليلنا: إن الثوب قد حكم بنجاسته، والمنع من الصلاة فيه، ولا يعلم طهارته إذا غسل أحد الكمين بالتحري، فوجب أن لا يعمل به. وأيضا طريقة الاحتياط تقتضي ذلك، لأنه إذا فعل ما قلناه، علم أن الصلاة صحيحة. وإذا فعل ما قالوه، لم يدل على صحتها دليل. وروى سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن بول الصبي يصيب الثوب؟ فقال: اغسله. قلت: فإن لم أجد مكانه؟ قال: اغسل الثوب كله (3). وروى ابن أبي يعفور، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن المني يصيب الثوب؟ قال: إن عرفت مكانه، فاغسله، وإن خفي عليك مكانه فاغسله كله (4). مسألة 165: إذا توضأ وصلى الظهر، ثم أحدث، ثم أعاد الوضوء، ثم صلى العصر، ثم ذكر أنه ترك عضوا من أعضاء الطهارة، ولا يدري من أي الطهارتين كان، فإنه يعيد الطهارة، ويصلي الصلاتين معا بلا خلاف.

(1) المجموع 3: 145.
(2) المصدر السابق.
(3) التهذيب 1: 251 حديث 723، والاستبصار 1: 174 حديث 604.
(4) الكافي 3: 53 حديث 1، والتهذيب 1: 251 حديث 725.

[ 203 ]

وفي وجوب إعادة الوضوء للشافعي فيه قولان: إذا قال بالموالاة، قال أعاد الوضوء. وإن لم يقل به، بنى عليه (1). مسألة 166: متى صلى الظهر بطهارة ولم يحدث، وجدد الوضوء ثم صلى العصر، ثم ذكر أنه ترك عضوا من أعضاء الطهارة، فإنه يعيد الصلاة الظهر عندنا فحسب، ولا يعيد صلاة العصر (2). وقال الشافعي: يعيد الظهر، وفي إعادة العصر له قولان: أحدهما، لا يعيد، مثل قولنا، إذا قال إن تجديد الوضوء يرفع حكم الحدث، والآخر: إنه يعيد، إذا لم يقل بذلك (3). دليلنا: إنا إنما أوجبنا عليه إعادة الظهر دون العصر، لأن ترك العضو لا يخلو من أن يكون من الطهارة الأولى أو من الثانية، فإن كان من الأولى، فقد صحت له الثانية، فصح بصحتها صلاة العصر. وإن كان تركه ذلك من الثانية، فقد صحت الأولى، فصح بصحتها الأولى. والعصر صحيحة على كل حال، وإنما الشك في الظهر. فأوجبنا عليه إعادة المشكوك فيه دون المتيقن أداءه. مسألة 167: إذا أكلت الهرة فأرة، ثم شربت من الإناء فلا بأس بالوضوء من سؤرها. واختلف أصحاب الشافعي في ذلك. فمنهم من قال بمذهبنا سواء (4). ومنهم من قال: إن شربت قبل أن تغيب عن العين، لا يجوز الوضوء به (5)

(1) المجموع 1: 452، ومغني المحتاج 1: 61.
(2) قاله أيضا في المبسوط 1: 24.
(3) المجموع 1: 200 - 201.
(4) المجموع 1: 170.
(5) المصدر السابق.

[ 204 ]

وإذا غابت ثم رجعت وشربت فيه قولان: أحدهما يجزي (1). والذي يدل على ما قلناه، إجماع الفرقة على أن سؤر الهر طاهر، ولم يفصلوا. وروي أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " الهر ليس بنجس، لأنه من الطوافين عليكم أو الطوافات " (2) وذلك على عمومه. مسألة 168: عندنا إن المسح على الخفين لا يجوز مع الاختيار، لا في السفر، ولا في الحضر. وهو مذهب الخوارج (3) (4) وإليه ذهب مالك في رواية ابن أبي ذويب (5) عنه، فإنه قال: أبطل مالك المسح عن الخفين في آخر أيامه (6). وعن مالك روايات أربعة:

(1) التفسير الكبير 24: 95، والمجموع 1: 170.
(2) أخرجه أبو داود 1: 19، والدارمي في سننه 1: 187، والنسائي في سننه 1: 178، وابن ماجة 1: 131، وأحمد بن حنبل في مسنده 5: 303، والموطأ 1: 22، لفظه: (إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم أو الطوافات).
(3) الخوارج: هم الذين خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام في وقعة صفين - سنة (36 ه‍) بعد رفع المصاحف والتحكيم - الشهيرة. ومن رؤوسائهم المشهورين: الأشعث بن قيس، ومسعود بن فدكي التميمي، وزيد الطائي وغيرهم لعنهم الله، ويطلق عليهم أيضا المارقة من الدين، وينقسمون إلى فرق متعددة، أهمها الأزارقة، والنجدات والأباضية، ولهم بدع كثيرة في الدين. الملل والنحل 1: 114، والفصل 4: 188، ودائرة معارف القرن العشرين 3: 691، ودائرة المعارف الاسلامية 8: 469.
(4) كفاية الأخيار 1: 29، والمجموع 1: 476، وتفسير القرطبي 6: 100، وعمدة القاري 3: 97، وفتح الباري 1: 306.
(5) إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذويب الأسدي. روى عن ابن عمر، وعطاء بن يسار. وروى عنه سعيد بن خالد القارظي وغيره. التاريخ الكبير 1: 362، وتهذيب التهذيب 1: 312.
(6) المجموع 1: 476، وبداية المجتهد 1: 17، وتفسير القرطبي 6: 100، وعمدة القاري 3: 97، وفتح الباري 1: 305.

[ 205 ]

أحدها: أنه يمسح أبدا من غير توقيت (1) وهو قول الشافعي في القديم (2). والثاني: أنه يمسح في الحضر دون السفر (3). والثالث: أنه يمسح في السفر دون الحضر وهو الأظهر عنده (4). والرابع: أنه يمسح المقيم يوما وليلة، والمسافر ثلاثة أيام (5) وبه قال الشافعي في الجديد وعليه أصحابه (6) وبه قال أبو حنيفة، وباقي الفقهاء (7). دليلنا: قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم وأرجلكم " (8) فأوجب إيقاع الفرض على ما يسمى رجلا، والخف لا يسمى بذلك. كما إن العمامة لا تسمى رأسا. وأيضا طريقة الاحتياط تقتضي ذلك، لأن من مسح على خفيه وصلى لا تبرأ ذمته بيقين، ولا دليل على ذلك، فإذا نزعهما ومسح على رجليه، برءت ذمته بيقين، وعليه إجماع الفرقة، لا يختلفون فيه. وما روي عن النبي صلى الله عليه وآله، والصحابة، والتابعين في ذلك

(1) المدونة الكبرى 1: 41، وأحكام القرآن للجصاص 2: 348، والمجموع 1: 476، والمغني لابن قدامة 1: 286، وبداية المجتهد 1: 20، وكفاية الأخيار 1: 31، والنتف 1: 18، وعمدة القاري 3: 97.
(2) المجموع 1: 481، وكفاية الأخيار 1: 31.
(3) المجموع 1: 476، وعمدة القاري 3: 97.
(4) المدونة الكبرى 1: 41، وأحكام القرآن للجصاص 2: 348، والمجموع 1: 476، وبداية المجتهد 1: 17، وتفسير القرطبي 6: 100، وعمدة القاري 3: 97، وفتح الباري 1: 305.
(5) كفاية الأخيار 1: 31، وتفسير القرطبي 6: 101، وعمدة القاري 3: 97.
(6) المجموع 1: 482، والأم 1: 34، وأحكام القرآن للجصاص 2: 348، وتفسير القرطبي 6: 101، ومغني المحتاج 1: 64.
(7) الهداية 1: 28، وأحكام القرآن للجصاص 2: 348، ومسائل الإمام أحمد بن حنبل: 10، والنتف 1: 18، والمجموع 1: 476، والمغني لابن قدامة 1: 281، وتفسير القرطبي 6: 101، وشرح فتح القدير 1: 102. (8) المائدة: 6.

[ 206 ]

أكثر من أن يحصى (1). وروى محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام قال: سئل عن المسح على الخفين، وعلى العمامة؟ فقال: لا تمسح عليهما (2). وروى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وفيهم علي عليه السلام، وقال: ما تقولون في المسح على الخفين؟ فقام المغيرة بن شعبة (3) فقال: رأيت رسول الله يمسح على الخفين. فقال علي عليه السلام: قبل المائدة أو بعدها؟ فقال: لا أدري. فقال علي عليه السلام: سبق الكتاب الخفين، إنما أنزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة (4). وروى أبو الورد (5) قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام إن أبا ظبيان (6)

(1) انظر ذلك على سبيل المثال لا الحصر: التهذيب 1: 63، حديث 172 و 174 و 175 و 176، وصحيح البخاري 1: 60، وصحيح مسلم 1: 232، وسنن الدارمي 1: 181، وسنن أبي داود 1: 37، وسنن ابن ماجة 1: 156، وسنن النسائي 1: 81، وشرح معاني الآثار 1: 79، والمصنف لابن همام 1: 191.
(2) التهذيب 1: 361 حديث 1090.
(3) المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود بن متعب الثقفي. أبو عيسى، وقبل أبو محمد. أسلم قبل عمرة الحديبية وشهدها، روى عن النبي صلى الله عليه وآله، وروى عنه أولاده. توفي في الكوفة سنة (49 ه‍) وهو أميرها من قبل معاوية بن أبي سفيان. التاريخ الكبير 7: 316، والإصابة 3: 432، وتهذيب التهذيب 10: 263.
(4) التهذيب 1: 361، حديث 1091، وروى ابن حجر في مجمع الزوائد 1: 256 عن ابن عباس أنه قال: ذكر المسح على الخفين عند عمر، وعنده سعد وعبد الله بن عمر، فقال عمر: سعد أفقه منك، فقال عبد الله بن عباس: يا سعد، إنا لا ننكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مسح، ولكن هل مسح منذ نزلت المائدة، فإنها أحكمت كل شئ، وكانت آخر سورة نزلت من القرآن ألا تراه؟ قال: فلم يتكلم أحد. رواه الطبراني في الأوسط. (إنتهى).
(5) لم نقف على ترجمة له، وقد عده الشيخ الطوسي في رجاله: 141 من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام. جامع الرواء 2: 420، وتنقيح المقال (باب الكنى) 3: 37.
(6) أبو الظبيان: مشترك بين عدة من الرواة، ولعله الحصين بن قبيصة الفزاري، أو الحصين بن جندب =

[ 207 ]

حدثني أنه رأى عليا عليه السلام، أراق الماء، ثم مسح على الخفين. فقال كذب أبو ظبيان، أما بلغك قول علي عليه السلام فيكم: سبق الكتاب الخفين؟ فقلت: فهل فيهما رخصة؟ فقال: لا، إلا من عدو تتقيه، أو ثلج تخاف على رجليك (1). مسألة 169: إذا ثبت بطلان المسح على الخفين مع الاختيار، فكل ما يتفرع على جوازه يسقط عنا، وإذا قلنا بجوازه عند الخوف والتقية، فما دام الخوف والتقية باقيين يجوز له المسح، ولا يتقدر ذلك بيوم وليلة ولا ثلاثة أيام، وسواء لبسهما على طهارة، أو غير طهارة وأما من أجاز مع الاختيار، فاختلفوا في مسائل أنا أذكرها، لئلا يشذ شئ من الخلاف في هذا الكتاب. منها: ما قاله الشافعي في الجديد: إنه يوقت للمقيم بيوم وليلة، وللمسافر بثلاثة أيام ولياليهن (2). ورووا ذلك عن علي عليه السلام، وابن عباس، وعبد الله بن مسعود، وعطاء، وشريح، والأوزاعي، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد وإسحاق (3). وقال في القديم: يمسح أبدا من غير توقيت (4). وروي ذلك عن عمر، وابن

= ابن الحارث الجنبي، فإنهما سمعا علي بن أبي طالب عليه السلام ورويا عنه. التاريخ الكبير 3: 5، و 9: 47، وتهذيب التهذيب 2: 379. (1) التهذيب 1: 362 حديث 1092، والاستبصار 1: 76 حديث 236.
(3) الأم 1: 34، والمجموع 1: 482، والمغني لابن قدامة 1: 286، ومغني المحتاج 1: 64: وكفاية الأخيار 1: 31 (3) المجموع 1: 484، وشرح معاني الآثار 1: 81، والنتف 1: 18، ومسائل أحمد بن حنبل: 10، والمغني لابن قدامة 1: 286، وشرح فتح القدير 1: 102، والمصنف 1: 203.
(4) المجموع 1: 482، وكفاية الأخيار 1: 31.

[ 208 ]

عمر، وعائشة، والليث بن سعد (1) وهو إحدى الروايات عن مالك (2). وكلهم راعوا أن يكون قد لبس الخف على طهارة (3) ألا أبا حنيفة وأصحابه، والثوري، فإنهم أجازوا المسح عليهما وإن لبسهما على غير طهارة، وإذا طرأ الحدث على طهارة كاملة، بأن يغسل الأعضاء الأربعة، ويخوض بخفيه الماء، أو يصب فيهما الماء، فيغسل رجليه. فإذا طرأ بعد ذلك حدث جاز أن يتوضأ، ويمسح على خفيه (4). مسألة 170: ذهب الشافعي وأصحابه إلى أن ابتداء المدة يعتبر من وقت الحدث، فإذا مضى الوقت فقد انقطع حكم المسح، ولا يجوز له بعد ذلك أن يمسح، سواء كان قد مسح أو لم يمسح (5). وهو مذهب مالك، والثوري، وأبي حنيفة وأصحابه (6). وقال الأوزاعي، وأحمد، وأبو ثور: ابتداء المدة محسوب من وقت المسح بعد الحدث (7). وهذا التفصيل يسقط عنا على ما قررنا (8) وإن أجزنا المسح عند الضرورة، لأن المراعى حصول الضرورة، فمتى زالت زال، ومتى بقيت جاز

(1) المجموع 1: 484، والمغني لابن قدامة 1: 286.
(2) المجموع 1: 481، والنتف 1: 18، والمغني لابن قدامة 1: 286، وكفاية الأخيار 1: 31، وعمدة القاري 3: 97.
(3) الأم 1: 33، وتفسير القرطبي 6: 101. وشرح فتح القدير 1: 102، ومغني المحتاج 1: 65، وعمدة القاري 3: 97، وكفاية الأخيار 1: 31.
(4) عمدة القاري 3: 102.
(5) الأم 1: 35، والمجموع 1: 486، وكفاية الأخيار 1: 31.
(6) المجموع 1: 487، وشرح فتح القدير 1: 101، والبحر الرائق 1: 180.
(7) المجموع 1: 487، وشرح العناية على الهداية بهامش فتح القدير 1: 102. والانصاف 1: 177.
(8) تقدم تقريره في المسألتين المتقدمتين.

[ 209 ]

المسح على ما بيناه. مسألة 171: إذا انقضت مدة جواز المسح عندهم، فالذي يلزمه الشافعي قولان، أحدهما: استئناف الطهارة (1) والثاني: غسل الرجلين (2) وهو مذهب مالك وأبي حنيفة، والمزني، وكافة الفقهاء (3). وقال الحسن بن صالح بن حي، يصلي بالمسح إلى أن يحدث (4). وذهب داود إلى أنه إن نزع خفية جاز أن يصلي، وإن لم ينزعهما لم يجز (5). وهذه المسألة أيضا تسقط عنا، غير إنا إذا قلنا بالمسح عند الضرورة، فمتى زالت الضرورة، ينبغي أن نقول: يجب عليه أن يستأنف الوضوء، ولا يجوز له أن يبني لعدم الموالاة التي هي شرط عندنا في صحة الوضوء، ولا يجوز له أن يدخل في الصلاة إن لم يستأنف الوضوء، لأن هذا محدث، وأوجب الله تعالى عليه أن يتوضأ في الأعضاء الأربعة، وهذا لم يفعل ذلك إلا في الثلاثة، وقد بطل حكمها، لأن الموالاة قد بطلت. مسألة 172: إذا مسح في الحضر، ثم سافر، قال الشافعي: يمسح مسح مقيم (6) وبه قال أحمد، وإسحاق (7). وقال الثوري، وأبو حنيفة وأصحابه: يمسح مسح مسافر (8).

(1) المجموع 1: 526، ومغني المحتاج 1: 68.
(2) المجموع 1: 526، ومغني المحتاج 1: 68.
(3) المجموع 1: 526، والهداية: 29، وشرح فتح القدير 1: 105.
(4) المجموع 1: 526، والمغني لابن قدامة 1: 287.
(5) المغني لابن قدامة 1: 287.
(6) الأم 1: 35، والمجموع 1: 488، والمغني لابن قدامة 1: 291، ومغني المحتاج 1: 65، وكفاية الأخيار 1: 31.
(7) المغني لابن قدامة 1: 291.
(8) المجموع 1: 488، والمغني لابن قدامة 1: 291.

[ 210 ]

وهذا أيضا يسقط عنا على التقرير الذي قررناه في حال الضرورة والاختيار (1). مسألة 173: قال الشافعي، ومالك، وأحمد، وإسحاق: إذا غسل إحدى رجليه وأدخلها الخف، ثم غسل الرجل الأخرى وأدخلها الخف، لم يجز له المسح بعد ذلك، لأن من شرط جواز المسح أن يلبس الخفين معا على طهر كامل (2). وقال أبو حنيفة وأصحابه، والثوري: أنه يجوز ذلك، لأن الاعتبار عندهم أن يطرأ الحدث على طهارة كاملة، ولا يراعى أن يلبس الخفين على الطهارة، بل لو لبس الخفين أولا ثم غسل الأعضاء الثلاثة، ثم خاض الماء حتى يصل الماء إلى رجليه، جاز له بعد ذلك المسح (3). وهذا يسقط عنا على ما قررناه، لأن تجويزنا للمسح في حال الضرورة، فلا فرق بين أن يكون قد لبسهما على طهارة أو على غير طهارة، لأن الأخبار على عمومها في جواز ذلك عند الضرورة (4). مسألة 174: إذا تخرق شئ من مقدم الخف بمقدار ما يمسح عليه، لم يجز له المسح على الخف أصلا، لأن عند ذلك تزول الضرورة، سواء كان ذلك قليلا أو كثيرا لا يقدر بحد. وقال الشافعي: إن تخرق من مقدم الخف شئ بان منه بعض الرجل، لم يجز أن يمسح على خف غير ساتر لجميع القدم، هذا قوله في الجديد (5) وبه قال

(1) تقدم تقريره في المسائل 44 و 168 و 169.
(2) المغني لابن قدامة 1: 282، وبداية المجتهد 1: 21، ومغني المحتاج 655، وعمدة القاري 3: 97، وفتح الباري 1: 310، وكفاية الأخيار 1: 29.
(3) بداية المجتهد 1: 21، وعمدة القاري 3: 97، وفتح الباري 1: 310.
(4) تقدمت الإشارة إليه في المسألة 168.
(5) الأم 1: 33، والمجموع 1: 496، والمغني لابن قدامة 1: 296، وبداية المجتهد 1: 19، وشرح فتح القدير 1: 104، والنتف 1: 20، وكفاية الأخيار 1: 29.

[ 211 ]

أحمد بن حنبل (1). وقال في القديم: إن تفاحش وكثر، لم يجز له المسح، وإن كان قليلا جاز (2) وبه قال مالك بن أنس (3). وقال الأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور: إن كان الخف بحيث لا يقع عليه الاسم، لم يجز، وإن كان يقع عليه الاسم جاز (4). وقال أبو حنيفة وأصحابه: إن كان الخرق قدر ثلاث أصابع لم يجز المسح، وإن نقص عن ذلك جاز، واعتبر أن يكون ذلك في كل واحد من الخفين (5). دليلنا: قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم وأرجلكم " (6) فأوجب المسح على ما يسمى رجلا، والخف ليس برجل، وإنما أخرجنا أوقات الضرورة والتقية بدليل، وليس على غير ذلك دليل. مسألة 175: المتيمم إذا لبس الخف، ثم وجد الماء، فلا يجوز له أن يتطهر ويمسح على الخفين عند جميع الفقهاء (7) لأن التيمم لا يرفع الحدث، ومن شرط صحة المسح أن يلبس الخف على طهارة. وعندنا أنه لا يمسح في حال الاختيار، فأما حال الضرورة، فلا فرق بين أن يلبسهما على طهارة، أو على غير طهارة في جواز المسح عليهما، لأن عموم

(1) المجموع 1: 496، والمغني لابن قدامة 1: 296.
(2) المجموع 1: 496، وبداية المجتهد 1: 19، وكفاية الأخيار 1: 30.
(3) المدونة الكبرى 1: 40، وتفسير القرطبي 6: 101، والمغني لابن قدامة 1: 296، وشرح العناية على الهداية 1: 104.
(4) المجموع 1: 496، والمغني لابن قدامة 1: 296.
(5) الهداية 1: 28، والمجموع 1: 496، والمغني لابن قدامة 1: 296، وبداية المجتهد 1: 19، والنتف 1: 20، وشرح فتح القدير 1: 104، وتفسير القرطبي 6: 101.
(6) المائدة: 6.
(7) المجموع 1: 514 - 515، وشرح فتح القدير 1: 101.

[ 212 ]

الأخبار في ذلك يحمل على ظاهرها (1). مسألة 176: إذا تخرق ظاهر الخف وبقي بطانته، فإن كان صفيقا يمكن المشي عليه، قال الشافعي: يجوز المسح عليه (2) وإن لم يمكن المشي عليه متتابعا لم يجز وعندنا أنه لا يجوز المسح على الخف مع الاختيار، ومع الضرورة، لا فرق بين الظهارة والبطانة، وبين صفيقه ورقيقه. مسألة 177: قال الشافعي: كل خف اتخذ من شئ يمكن متابعة المشي عليه، جاز المسح عليه، سواء كان من جلد، أو لبد ثخين، أو خرق قد طبق بعضها على بعض، أو غير ذلك. وما لا يكون كذلك مما يتخذ من خشب، أو حديد، أو خرق صفيقة، وما أشبه ذلك، لا يجوز المسح عليه (3). وعندنا لا يجوز ذلك مع الاختيار، وعند الضرورة لا فرق بين جميع ذلك لعموم الأخبار (4). مسألة 178: إذا كان في الخف شرح، قال الشافعي: إن كان فوق الكعب لا يضره، وجاز المسح عليه. وإن كان دونه، فإن كان يبين منه الرجل: لا يجوز المسح، وإن كان لا يبين إذا مشى، جاز المسح (5). وعندنا إن الشرح إن كان يمكنه أن يدخل يده فيه أو اصبعا منها فيمسح على العضو، فلا يجوز أن يمسح عليهما، لأن الضرورة قد زالت. وإن لم يكن كذلك، جاز المسح عند الضرورة، ولا يجوز عند الاختيار، لعموم الأخبار (6).

(1) تقدمت الإشارة إليه في المسألة 173.
(2) الأم 1: 33، والمجموع 1: 497، وكفاية الأخيار 1: 30.
(3) الأم 1: 34، والمجموع 1: 495، ومغني المحتاج 1: 66، وكفاية الأخيار 1: 30.
(4) المتقدمة في المسألة 173.
(5) الأم 1: 36، والمجموع 1: 496، ومغني المحتاج 1: 67.
(6) الدالة على عدم جواز المسح عند الاختيار، وجوازه عند الاضطرار المتقدمة في المسألة 168.

[ 213 ]

مسألة 179: قال الشافعي: لا يجوز المسح على الجوربين، إلا إذا كانا منعلين (1) وقال أبو حنيفة: لا يجوز المسح عليهما على كل حال (2) وبه قال الشافعي في القديم (3). وقال بعض الناس: لا يجوز المسح على الجوربين إذا لم يكن لهما ساق. وذهب أحمد، وإسحاق: إلى أنه يجوز المسح على الجوارب كلها (4). وعندنا أنه لا يجوز المسح على الجوارب على جميع أنواعها، فإن خاف على نفسه جاز ذلك، وكان بمنزلة الخف. دليلنا: على المنع: قوله تعالى: " وامسحوا برؤسكم وأرجلكم " (5) والجورب ليس برجل، فأما حال الضرورة، فيدل عليه قوله تعالى: " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (6) وإيجاب المسح على العضو مع الخوف على النفس فيه حرج. مسألة 180: الجرموق (7) الذي يلبس فوق الخف فيه ثلاث مسائل: احداها: أن يكون التحتاني صحيحا، والفوقاني صحيحا. وللشافعي فيه قولان، أحدهما قاله في القديم، يجوز المسح عليه (8) وهو قول أهل العراق

(1) الأم 1: 34، والمجموع 1: 499، والمغني لابن قدامة 1: 295، وتفسير القرطبي 6: 102.
(2) المحلى 2: 86، وبداية المجتهد 1: 19، وحكى السرخسي في المبسوط 1: 102 إن أبا حنيفة مسح في مرضه على جوربيه، ثم قال لعواده: فعلت ما كنت أمنع الناس عنه، فاستدلوا به على رجوعه.
(3) تحفة الأحوذي 1: 335.
(4) المغني لابن قدامة 1: 295، والمنهل العذب 2: 135، و 139.
(5) المائدة: 6.
(6) الحج: 78.
(7) الجرموق: كعصفور، خف واسع قصير يلبس فوق الخف. مجمع البحرين (مادة جرمق).
(8) المجموع 1: 503، والمغني لابن قدامة 1: 284، ومغني المحتاج 1: 67.

[ 214 ]

بأجمعهم (1) واختاره المزني (2). وقال في الجديد وفي الأم: لا يجوز، وبه قال أصحابه (3)، وهو مذهب مالك (4). والمسألة الثانية: أن يكون الفوقاني صحيحا، والذي تحته مخرقا، يجوز المسح عليه عندهم بلا خلاف. والثالثة: أن يكون التحتاني صحيحا والفوقاني مخرقا لا يجوز المسح عليه بلا خلاف عندهم. وعندنا لا يجوز مع الاختيار على واحد منهما على كل حال، ومع الضرورة والخوف يجوز على كل حال، مخرقا كان أحدهما أو غير مخرق إذا لم يمكنه المسح على العضو. مسألة 181: إذا مسح على الخفين ثم نزعهما، قال الشافعي في القديم، والأم، والبويطي، والاملاء: إنه يستأنف الطهارة، وعليه أصحابه وصححوه (5) وبه قال الأوزاعي، وأحمد وإسحاق (6). وقال في كتاب حرملة (7) وكتاب ابن أبي ليلى: يجزيه غسل الرجلين (8).

(1) الهداية 1: 29، وشرح فتح القدير 1: 106، والمبسوط للسرخسي 1: 102، وبدائع الصنائع 1: 101.
(2) الأم (مختصر المزني): 10.
(3) الأم 1: 34، والمجموع 1: 503، والمغني لابن قدامة 1: 284، ومغني المحتاج 1: 66، وبدائع الصنائع 1: 10.
(4) المدونة الكبرى 1: 40، والمجموع 1: 508، والمبسوط للسرخسي 1: 102.
(5) الأم 1: 36، ومختصر المزني: 10، والمجموع 1: 523، والمغني لابن قدامة 1: 288، وتفسير القرطبي 6: 103.
(6) المجموع 1: 527، والمغني لابن قدامة 1: 88.
(7) أبو نجيب، حرملة بن يحيى بن عبد الله بن حرملة المصري. روى عن ابن وهب والشافعي ولازمه، وروى عنه مسلم وابن ماجة وغيرهما. له المبسوط والمختصر، مات سنة (244) وقيل: (243 ه‍). (8) المجموع 1: 524.

[ 215 ]

وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه (1) واختاره المزني (2). وذهب مالك، والليث بن سعد إلى أنه: إن تطاولت المدة لزمه استئناف الطهارة، وإن لم تتطاول أجزأه غسل الرجلين (3). وذهب الحسن البصري، والنخعي إلى أنه: يجوز أن يصلي بالمسح إلى أن يحدث (4). واختلف أصحاب الشافعي في هذه المسألة، على أي شئ بناها الشافعي؟ فمنهم من قال: بناها على القولين في تفريق الوضوء. ومنهم من قال: بناها على المسح على الخف هل يرفع الحدث، أم لا؟. فإذا قال: لا يرفع الحدث، أجزأه غسل الرجلين، وإذا قال: يرفع، لزمه استئنافه، لأن نزع الخف ينقض طهارة الرجلين، فإذا انتقض بعضه انتقض جميعه، لأنها لا تتبعض (5). وهذا المسألة إذا فرضناها في المسح حال الضرورة، فمتى نزعهما وجب عليه استئناف الوضوء، ولا يجوز له البناء، لوجوب الموالاة التي هي شرط في صحة الوضوء، ولأنه لا يمكنه أن يمسح على الرجلين إلا بماء جديد، ولا يجوز عندنا أن يمسحهما بماء جديد، ولا يجوز أن نقول يصلي إلى أن يحدث، لأن الله تعالى أوجب عليه إيقاع الطهارة في الأعضاء الأربعة، وهذا ما فعل ذلك، فوجب أن لا يجزيه الدخول في الصلاة. مسألة 182: إذا أخرج رجليه إلى ساقي الخفين، بطل حكم المسح عند أبي

(1) تفسير القرطبي 6: 103، وشرح فتح القدير 1: 106، والمصنف 1: 210.
(2) الأم (مختصر المزني): 10.
(3) بداية المجتهد 1: 22، والمجموع 1: 527، والمغني لابن قدامة 1: 288، وتفسير القرطبي 6: 103.
(4) المجموع 1: 527، والمغني لابن قدامة 1: 288.
(5) المغني لابن قدامة 1: 288.

[ 216 ]

حنيفة والأوزاعي (1) وهو الذي يصححه أصحاب الشافعي، وهو قوله في الجديد (2)، وقال في القديم لا يبطل (3). وهذه أيضا ساقطة عنا على ما مضى، فإن فرضنا حال الضرورة، احتجنا أن نراعي بقاء الضرورة، فإن استمرت على تلك الحال أعاد الوضوء، وأعاد المسح على الخف. وإن كان قد زالت، استأنف الوضوء والمسح على الرجلين دون الخفين، بدلالة ما قد مضى في المسألة الأولى سواء (4). مسألة 183: قال الشافعي: المسنون أن يمسح أعلى الخف وأسفله (5) وبه قال عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، والزهري، ومالك (6). وقال قوم: المسح على الظاهر دون الباطن، وروي ذلك عن أنس بن مالك، وجابر، والشعبي، والنخعي، والأوزاعي، والثوري، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (7). وهذه أيضا تسقط عنا لما قدمناه، فأما حال الضرورة فينبغي أن نقول: إن ظاهر الخف يمسح عليه دون باطنه، بدلالة أن هذا الموضع مجمع عليه، وما عداه

(1) المجموع 1: 527، وتفسير القرطبي 6: 103.
(2) الأم 1: 36، والمجموع 1: 511 و 527، وتفسير القرطبي 6: 103.
(3) المجموع 1: 527.
(4) انظر المسألة المتقدمة برقم: 181.
(5) المحلى 2: 111، والمجموع 1: 516، والمغني لابن قدامة 1: 297، وبداية المجتهد 1: 18، وتفسير القرطبي 6: 103، ومغني المحتاج 1: 67، وكفاية الأخيار 1: 32، وتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير 1: 160.
(6) الموطأ 1: 38، والأم (مختصر المزني): 10، والمجموع 1: 521، وتفسير القرطبي 6: 103، والمغني لابن قدامة 1: 297.
(7) الموطأ 1: 38، والمحلى 2: 111، والمجموع 1: 521، والمغني لابن قدامة 1: 297، وبداية المجتهد 1: 18، وتفسير القرطبي 6: 103، وشرح فتح القدير 1: 102.

[ 217 ]

ليس على وجوبه دليل. وأيضا روي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: لو كان الدين بالقياس، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره (1). فدل على أن المسنون مسح الظاهر. مسألة 184: قال الشافعي إذا مسح على الخف ما يقع عليه اسم المسح أجزأه، قل ذلك أم كثر، وسواء مسحه بيده أو بأي شئ كان (2). وقال أبو حنيفة: يجب أن يمسح قدر ثلاث أصابع بثلاث أصابع (3) فقدر الممسوح والممسوح به، حتى قال: إن مسح قدر ثلاث أصابع بأصبع واحدة، لم يجزه. وقال زفر: إذا مسح قدر ثلاث أصابع بإصبع واحدة أجزأه (4). وهذا أيضا يسقط عنا مع الاختيار، فأما حال الضرورة والتقية فإنه يمسح مقدار ما يقع عليه اسم المسح، لأن ذلك يتناوله الاسم، ولأن ذلك مجمع عليه، وما زاد عليه ليس عليه دليل. مسألة 185: إذا أصاب أسفل الخف نجاسة، فدلكه في الأرض حتى زالت، تجوز الصلاة فيه عندنا. وبه قال الشافعي قديما (5) وقال: عفي له عن

(1) سنن أبي داود 1: 42 حديث 162، وسنن الدار قطني 1: 205 حديث 4 وتلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي 1: 160 وفيها ما لفظه: " عن علي رضي الله عنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسح على ظاهر خفيه ".
(2) المجموع 1: 522، والمغني لابن قدامة 1: 298، وكفاية الأخيار 1: 31، ومغني المحتاج 1: 67.
(3) المبسوط للسرخسي 1: 100، والهداية 1: 28، والمجموع 1: 522، والمغني لابن قدامة 1: 298، وشرح فتح القدير 1: 103.
(4) المبسوط للسرخسي 1: 100.
(5) المنهل العذب 3: 266.

[ 218 ]

ذلك مع بقاء النجاسة (1). وبه قال أبو حنيفة، وعامة أصحاب الحديث (2). وقال الشافعي في الجديد، وهو الذي صححه أصحابه: إنه لا يجوز ذلك (3). دليلنا: إنا بينا فيما تقدم (4) إن ما لا تتم الصلاة فيه بانفراده، جازت الصلاة فيه وإن كانت فيه نجاسة، والخف لا تتم الصلاة فيه بانفراده، وعليه إجماع الفرقة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " إذا أصاب خف أحدكم أذى فليدلكه بالأرض " (5). مسألة 186: الأرض إذا أصابتها نجاسة مثل البول وما أشبهه، وطلعت عليها الشمس وهبت عليها الريح حتى زالت عين النجاسة، فإنها تطهر، ويجوز السجود عليها، والتيمم بترابها وإن لم يطرح عليها الماء، وبه قال الشافعي في القديم. وقال أبو حنيفة تطهر ويجوز الصلاة عليها ولا يجوز التيمم بها (6). وقال الشافعي في الجديد، واختاره أصحابه: أنها لا تطهر، ولا بد من إكثار الماء عليها (7). (1) حاشية الجمل على شرح المنهج 1: 143.
(2) الهداية 1: 34، والمنهل العذب 3: 266.
(3) مغني المحتاج 1: 68، والمنهل العذب 3: 267.
(4) كذا في جميع النسخ، وصوابه: (سنبين فيما يأتي). انظر مسألة 223 من كتاب الصلاة، باب ما لا تتم فيه الصلاة.
(5) روى الحاكم في مستدركه 1: 166، ما لفظه: (إذا وطئ أحدكم بنعليه في الأذى فإن التراب له طهور).
(6) الهداية 1: 35، والنتف 1: 33، والمنهل العذب 3: 261.
(7) الأم 1: 52، والهداية 1: 35، والنتف 1: 33، والمنهل العذب 3: 262.

[ 219 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " فتيمموا صعيدا طيبا " (1) والطيب ما لم يعلم فيه نجاسة، ومعلوم زوال النجاسة عن هذه الأرض، وإنما يدعى حكمها وذلك يحتاج إلى دليل. وروى عمار الساباطي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سئل عن الشمس هل تطهر الأرض؟ قال: إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك، فأصابته الشمس، ثم يبس الموضع، فالصلاة على الموضع جائزة (2). وروى أبو بكر الحضرمي، عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال: يا أبا بكر، ما أشرقت عليه الشمس فقد طهر (3). مسألة 187: غسل الجمعة والأعياد مستحب، وبه قال جميع الفقهاء (4). وذهب أهل الظاهر داود وغيره إلى أنه واجب (5)، وروي ذلك عن كعب الأحبار (6). دليلنا: على ذلك: إجماع الفرقة، وأما الوجوب فالأصل براءة الذمة،

(1) النساء: 43.
(2) التهذيب 1: 272 قطعة من الحديث 802، ورواه أيضا في المصدر السابق وبلفظ آخر 2: 372 حديث 1548، والاستبصار 1: 193 حديث 675.
(3) التهذيب 1: 273 حديث 804، والاستبصار 1: 193 حديث 677.
(4) شرح معاني الآثار 1: 120، ومقدمات ابن رشد 1: 43، والأم 1: 38، والمبسوط للسرخسي 1: 89، والمجموع 2: 201، والهداية 1: 17، والنتف 1: 32، وكفاية الأخيار 1: 26، وشرح فتح القدير 1: 44، وكنز الدقائق 1: 4، ونيل الأوطار 1: 290، والمنهل العذب 3: 200.
(5) المحلى 2: 8، وكفاية الأخيار 1: 26. وأوجبه مالك، والحسن البصري، كما حكاه عنهما السرخسي في المبسوط 1: 89، والمرغيناني في الهداية 1: 17، والمنهل العذب 3: 200.
(6) أبو إسحاق، كعب بن ماتع الحميري، المعروف بكعب الأحبار، من آل ذي رعين، وقيل: من ذي كلاع. يروي عن النبي صلي الله عليه وآله مرسلا، وعن عمر وعائشة وصهيب، وعنه معاوية وأبو هريرة وغيرهم، مات سنة (34 ه‍). التاريخ الكبير 7: 223، والكامل في التاريخ 3: 153، وتهذيب التهذيب 8: 438.

[ 220 ]

وشغلها بواجب يحتاج إلى دليل. وروى علي بن يقطين (1) قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الغسل في الجمعة، والأضحى، والفطر؟ قال: سنة وليس بفريضة (2). وروى زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن غسل الجمعة؟ قال: سنة في السفر والحضر، إلا أن يخاف المسافر على نفسه القر (3) (4). وروى علي بن أبي حمزة، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن غسل العيدين، أواجب هو؟ قال: هو سنة، قلت: فالجمعة؟ فقال: هو سنة (5). مسألة 188: يجوز غسل الجمعة من عند طلوع الفجر إلى عند الزوال، وكلما قرب إلى الزوال كان أفضل. فإن اغتسل قبل طلوع الفجر لم يجزه، وبه قال الشافعي: إلا أنه قال: وقت الاستحباب وقت الرواح (6). وقال الأوزاعي: إذا اغتسل قبل طلوع الفجر، وراح عقيب الغسل أجزأه (7) وقال مالك: يحتاج إلى أن يغتسل ويروح، فإن اغتسل ولم يرح لم يجزه (8)

(1) علي بن يقطين بن موسى الكوفي البغدادي، مولى بني أسد. ثقة جليل القدر، له منزلة عظيمة عند الإمام موسى بن جعفر الكاظم عليه السلام، عظيم الشخصية لدى الطائفة، رويت في حقه مدائح كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام. عده الشيخ الطوسي في أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام. ولد سنة (124) بالكوفة، وتوفي ببغداد سنة (182 ه‍). رجال الكشي 431، ورجال الطوسي: 354.
(2) التهذيب 1: 112 حديث 295، والاستبصار 1: 102 حديث 333.
(3) القر: بالضم والتشديد، البرد القارص. وقيل: برد الشتاء خاصة. أقرب الموارد 2: 982 (مادة قرر).
(4) التهذيب 1: 112، حديث 296، والاستبصار 1: 102 حديث 334.
(5) التهذيب 1: 112 حديث 297، والاستبصار 1: 103 حديث 335.
(6) المجموع 2: 201، والمنهل العذب 3: 203.
(7) المحلى 2: 22، والمنهل العذب 3: 203.
(8) المحلى 2: 22، والمنهل العذب 3: 203.

[ 221 ]

دليلنا: على ذلك: إجماع الفرقة، وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " غسل يوم الجمعة واجب " (1) فأضافه إلى اليوم، وقبل طلوع الفجر ليس من يوم الجمعة. مسألة 189: إذا كان جنبا، فاغتسل ونوى به الجنابة، والجمعة أجزأ عنهما، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي (2). وقال مالك: لا يجزي حتى يفرد كل واحد منهما (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد روى زرارة عن أحدهما عليهما السلام قال: إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة، والجمعة، وعرفة، والنحر، والذبح، والزيارة. فإذا اجتمعت لله تعالى عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد. قال: ثم قال: وكذلك المرأة يجزيها غسل واحد لجنابتها، وإحرامها، وجمعتها، وغسلها من حيضها، وعيدها (4). مسألة 190: إذا اغتسل غسلا واحدا لم ينو به غسل الجنابة ولا غسل الجمعة، فإنه لا يجزيه عن واحد منهما. وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة، يجزيه. دليلنا: ما دللنا به على أن الوضوء والغسل لا بد فيهما من نية (6) فإذا لم ينو فيجب أن لا يكون مجزيا، وفي ثبوت ذلك ثبوت هذا، لأن أحدا لا يفرق.

(1) صحيح البخاري 2: 3، وصحيح مسلم 2: 580، وسنن الدارمي 1: 361، وسنن ابن ماجة 1: 346 حديث 1089، وموطأ مالك 1: 102 حديث 5.
(2) المجموع 1: 326، ومغني المحتاج 1: 76، والمنهل العذب 3: 204.
(3) المحلى 2: 44.
(4) التهذيب 1: 107 حديث 279: وفي الكافي 3: 41 حديث 1 بألفاظ أخرى.
(5) المجموع 1: 325، والمنهل العذب 1: 204.
(6) تقدم بيانه في المسألة: 18.

[ 222 ]

مسألة 191: إذا اغتسل ونوى به غسل الجنابة دون غسل الجمعة، أجزأه عنهما. وللشافعي فيه قولان، أحدهما: أن يجزيه عن الغسل من الجنابة والغسل من الجمعة. والآخر: إنه يجزيه عن غسل الجنابة لا غير (1)، وهذا يقوى عندي أيضا وقال أبو حنيفة: يجزي عنهما. دليلنا: على جوازه عنهما: عموم الخبر الذي قدمناه (2) وما جاء من الأخبار من أنه إذا اغتسل غسلا واحدا أجزأه عن الأغسال الكثيرة (3)، ولم يفصلوا. مسألة 192: إذا اغتسل بنية غسل الجمعة دون غسل الجنابة، لم يجزه عن واحد منهما. وقال الشافعي: لا يجزيه عن الجنابة، وفي إجزائه عن الجمعة قولان (4). وعند أبي حنيفة يجزيه عنهما بناءا منه على أن النية غير واجبة، وقد دللنا على وجوبها (5) وإذا ثبت وجوب النية، ولم ينو الغسل من الجنابة، فوجب أن لا يجزيه عنها. وإذا لم يجز عنه لا يصح إجزاؤه عن غسل الجمعة، لأن غسل الجمعة إنما يراد به التنظيف وزيادة التطهير، ومن هو جنب لا يصح منه ذلك. مسألة 193: الغسل من غسل الميت واجب عند أكثر أصحابنا، وعند بعضهم أنه مستحب وهو اختيار المرتضى (6).

(1) المجموع 1: 326.
(2) تقدم في المسألة: 189.
(3) نحو ما في الكافي 3: 41 حديث 1 و 2، و 3: 83 حديث 1 و 2. والتهذيب 1: 395، حديث 1223 و 1225 و 1229، والاستبصار 1: 146 - 147 حديث 502 - 506.
(4) المجموع 1: 325.
(5) تقدم ذلك في المسألة 18.
(6) قال السيد المرتضى قدس سره في جمل العلم والعمل: 54 بعد أن عد نواقض الطهارة وجعلها في =

[ 223 ]

وقال الشافعي: وأبو حنيفة وأصحابه، والثوري، ومالك، وعامة الفقهاء: إنه مستحب وليس بواجب (1) وكذلك الوضوء. وقال أحمد الوضوء من مسه واجب، والغسل ليس بواجب (2). دليلنا: طريقة الاحتياط، فإن من اغتسل من مسه لا خلاف في كونه طاهرا، وإذا لم يغتسل فيه خلاف. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " الغسل من غسل الميت، والوضوء من مسه " (3) وفي خبر آخر: " من غسل ميتا فليغتسل، ومن مسه فليتوضأ " (4). وروى سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: غسل من غسل ميتا واجب (5). وروى يونس، عن بعض رجاله، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: الغسل في سبعة عشر موطنا منها الفرض ثلاثة: غسل الجنابة، وغسل من غسل ميتا،

= ضربين (الثاني: ما يوجب الغسل... وقد ألحق بعض أصحابنا بذلك مس الميت ". ويظهر من المراسم: 40 تردد سلار في ذلك. (1) الأم 1: 38، والمحلى 2: 24، والمجموع 2: 203، وكنز الدقائق 1: 4، وكفاية الأخيار 1: 27، والمنهل العذب 3: 213.
(2) قال السبكي في المنهل العذب 3: 213: وقال النخعي وأحمد وإسحاق يتوضأ غاسل الميت، وقال أحمد لا يثبت في الاغتسال من غسل الميت حديث.
(3) في الجامع الصغير (الغسل من الغسل والوضوء من الحمل) نقلا عن ضياء المقدسي في المختارة عن أبي سعيد.
(4) روى ابن ماجة في سننه 1: 470 عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (من غسل ميتا فليغتسل)، ورواه أبو داود في سننه 3: 201 قال: (من غسل الميت فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ).
(5) من لا يحضره الفقيه 1: 45 حديث 176، والتهذيب 1: 104 حديث 270.

[ 224 ]

والغسل للاحرام (1). وقد بينا الكلام على ما اختلف من أخبارنا في ذلك في الكتابين المقدم ذكرهما (2).

(1) التهذيب 1: 105 حديث 271، والاستبصار 1: 98 حديث 316. وفيه زيادة بعض الألفاظ.
(2) الاستبصار 1: 99، والتهذيب 1: 103.

[ 225 ]

كتاب الحيض و مسائل في الاستحاضة والنفاس مسألة 194: وطئ الحائض في الفرج محرم بلا خلاف (1) فإن وطأها جاهلا بأنها حائض، أو جاهلا بتحريم ذلك فلا شئ عليه (2) وإن كان عالما بهما أثم، واستحق العقاب، ويجب عليه التوبة بلا خلاف في جميع ذلك، وكان عليه عندنا الكفارة إن كان في أول الحيض دينار، وإن كان في وسطه نصف دينار، وإن كان في آخره ربع دينار. وبه قال الشافعي في القديم (3) وإليه ذهب الأوزاعي، وأحمد، وإسحق، إلا أنهم لم يقولوا: إن عليه في آخره شيئا (4). وقال في الجديد لا كفارة عليه وإنما عليه الاستغفار بالتوبة (5) وبه قال

(1) المحلى 2: 162، والمجموع 2: 358، وعمدة القاري 3: 266، والمغني لابن قدامة 1: 306. وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 334، والمنهل العذب 3: 37.
(2) المجموع 2: 359، وعمدة القاري 3: 266، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 334، والمنهل العذب 3: 53.
(3) المجموع 2: 359، وعمدة القاري 3: 266، والمغني لابن قدامة 1: 336، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 334، وتحفة الأحوذي 1: 423.
(4) المحلى 2: 187، وسنن الترمذي 1: 246، والمغني لابن قدامة 1: 336، وعمدة القاري 3: 266، والمنهل العذب 3: 46، وتحفة الأحوذي 1: 423.
(5) المجموع 2: 359، والمغني لابن قدامة 1: 333، وبداية المجتهد 1: 57، وعمدة القاري 3: 266، وكفاية =

[ 226 ]

أبو حنيفة وأصحابه، ومالك، والثوري (1). دليلنا: على وجوب الكفارة: طريقة الاحتياط، فإنه إذا كفر برءت ذمته بلا خلاف، واختلفوا إذا لم يكفر. وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وآله قال فيمن يأتي أهله وهي حائض: " يتصدق بدينار، أو نصف دينار " (2)، وعليه إجماع الفرقة. وروى داود بن فرقد (3) عن أبي عبد الله عليه السلام في كفارة الطمث، أنه يتصدق إذا كان في أوله بدينار، وفي وسطه نصف دينار، وفي آخره ربع دينار (4). وقد تكلمنا على اختلاف الأخبار في هذا المعنى في الكتابين المقدم ذكرهما (5). مسألة 195: مباشرة المرأة فيما فوق السرة وتحت الركبة إلى القدم مباح، بلا خلاف (6) وما بين السرة إلى الركبة غير الفرج فيه خلاف. فعندنا أنه لا بأس به واجتنابه أفضل، وبه قال محمد بن الحسن، ومالك

(1) الأخيار 1: 49، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 334، والمنهل العذب 3: 46، وتحفة الأحوذي 1: 423. (1) المجموع 2: 360، وبداية المجتهد 1: 57، والمغني لابن قدامة 1: 333، والنتف في الفتاوى 1: 136، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 334، والمنهل العذب 3: 46، وتحفة الأحوذي 1: 423.
(2) مسند أحمد بن حنبل 1: 230، 237، 286، 312، 339، وسنن أبي داود 1: 69 حديث 264 و 2: 251 حديث 2168، وسنن النسائي 1: 153 و 188، وسنن ابن ماجة 1: 210 حديث 640. (3) داود بن فرقد، مولى بني السمال الأسدي، النصري، كوفي، ثقة ثقة، له كتاب عده الشيخ من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام. النجاشي: 121، ورجال الطوسي 189، 349، والفهرست للطوسي: 68.
(4) التهذيب 1: 164 حديث 471، والاستبصار 1: 134 حديث 459.
(5) الاستبصار 1: 133 باب 80، والتهذيب 1: 163 - 165.
(6) المجموع 2: 364، والمحلى 2: 176، ومقدمات ابن رشد 1: 87، والمغني لابن قدامة 1: 333، وعمدة القاري 3: 266، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 335، والمنهل العذب 3: 53.

[ 227 ]

واختاره أبو إسحق المروزي (1). وقال الشافعي وأصحابه، والثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف: إن ذلك محرم (2). دليلنا: عليه إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى: " نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم " (3) فأباح الوطء كيف نشاء، فوجب حملها على العموم إلا ما أخرجه الدليل. وأيضا قوله: " ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض " (4) والمحيض عند أهل اللغة موضع الحيض، فوجب أن يكون ما عداه مباحا، وأيضا الأصل الإباحة. وروى إسحق بن عمار (5) عن عبد الملك بن عمرو (6)، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عما لصاحب المرأة الحائض منها؟ قال: كل شئ منها ما عدا القبل بعينه (7).

(1) المجموع 2: 363، وعمدة القاري 3: 266، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 335، والمنهل العذب 3: 53.
(2) المحلى 2: 176، والمجموع 2: 362، وعمدة القاري 3: 266، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 335، ومغني المحتاج 1: 110، والمنهل العذب 3: 53، وكفاية الأخيار 1: 49.
(3) البقرة: 223.
(4) البقرة: 222.
(5) إسحاق بن عمار، مشترك بين ابن حيان الكوفي الصيرفي، مولى تغلب، حيث عده الشيخ في رجاله من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام، ووثقه النجاشي. وبين ابن موسى الساباطي الذي ذكره في الفهرست قائلا: له أصل، وكان فطحيا، إلا أنه ثقة، وأصله معتمد عليه. النجاشي: 55، ورجال الطوسي: 149، 342، والفهرست: 15.
(6) عبد الملك بن عمرو الأحول، العربي، الكوفي. روى عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وذكره العلامة في القسم الأول من الخلاصة. رجال الطوسي: 266، والخلاصة: 115، وجامع الرواة: 521.
(7) التهذيب 1: 154 حديث 437، والاستبصار 1: 128 حديث 438، والكافي 5: 538 حديث 1.

[ 228 ]

وروى هشام بن سالم (1) عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يأتي المرأة فيما دون الفرج وهي حائض؟ قال لا بأس إذا اجتنب ذلك الموضع (2) وقد بينا الكلام في مختلف الأخبار من طريق أصحابنا (3). مسألة 196: إذا انقطع دم الحيض جاز لزوجها وطأها إذا غسلت فرجها، سواء كان ذلك في أقل الحيض، أو في أكثره، وإن لم تغتسل. وقال أبو حنيفة: إن انقطع دمها لأكثر مدة الحيض، وهو عشرة أيام، حل وطؤها، ولم يراع غسل الفرج (4) وإن انقطع فيما دون العشرة أيام لم يحل ذلك، إلا بعد أو توجد ما ينافي الحيض، وهو أن تغتسل أو تتيمم وتصلي، فإن تيممت ولم تصل لم يجز وطؤها، فإن خرج عنها الوقت ولم تصل جاز وطؤها (5): وقال الشافعي: لا يحل وطؤها إلا بعد أن تستبيح فعل الصلاة، إما بالغسل مع وجود الماء، أو بالتيمم عند عدمه، فأما قبل استباحة الصلاة فلا يجوز وطؤها على حال (6)، وبه قال الحسن البصري، وسليمان بن يسار، والزهري، وربيعة ومالك، والليث بن سعد، والثوري (7).

(1) هشام بن سالم الجواليقي، الجعفي، العلاف، مولى بشر بن مروان، أبو محمد، أو أبو الحكيم. ثقة، له أصل وكان من سبي الجوزجان، روى الكشي في مدحه روايات، وعده الشيخ من أصحاب الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام. رجال الكشي: 275، ورجال النجاشي: 338، والفهرست: 174، ورجال الطوسي: 329، 363.
(2) التهذيب 1: 154، حديث 438، والاستبصار 1: 129 حديث 439.
(3) التهذيب 1: 153 - 155، والاستبصار 1: 128 - 130.
(4) المحلى 2: 173، والمجموع 2: 370، والمغني لابن قدامة 1: 338، وبداية المجتهد 1: 55، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 336.
(5) المجموع للنووي 2: 370.
(6) الأم 1: 59، والمجموع 2: 370، وبداية المجتهد 1: 55، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 336، ومغني المحتاج 1: 110.
(7) المحلى 2: 173، والمجموع 2: 370، والمغني لابن قدامة 1: 338، وشرح النووي لصحيح =

[ 229 ]

دليلنا: قوله تعالى: " ولا تقربوهن حتى يطهرن " (1) فعلق حظر الوطء بزمان الحيض إلى زمان حصول الطهر، ولم يفصل، وهذه قد طهرت فيجب أن يستباح وطؤها إلا ما أخرجه الدليل من وجوب غسل الفرج. ولا ينافي ذلك قوله " فإذا تطهرن " (2) فإن المراد به الاغتسال من وجوه. أحدها: أن يكون هذا كلاما مستأنفا، ولا يكون شرطا، ولا غاية لزمان الحظر. والثاني: أن يكون " تطهرن " بمعنى طهرن لأن تفعل يجئ بمعنى فعل، يقال: تطعمت الطعام وطعمته بمعنى واحد. والثالث: أن يحمل ذلك على غسل الفرج، وأيضا عليه إجماع الفرقة. وروى محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن المرأة (3) ينقطع عنها دم الحيض في آخر أيامها، فقال: إن أصاب زوجها شبق (4)، فلتغسل فرجها ثم يمسها زوجها إن شاء قبل أن تغتسل (5). وروى علي بن يقطين، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا انقطع الدم ولم تغتسل فليأتها زوجها إن شاء (6). مسألة 197: المستحاضة إن كان لها طريق تميز بين دم الحيض والاستحاضة رجعت إليه، فإن كان لها عادة مثل ذلك ترجع إليها، وإن

= مسلم 2: 336. (1) (2) البقرة: 222.
(3) كذا في الأصل. ولكن المنقول في المصادر الحديثية [ عن أبي جعفر عليه السلام في المرأة... ].
(4) الشبق: شدة الغلمة وطلب النكاح، يقال رجل شبق وامرأة شبقة. انظر لسان العرب 12: 37 مادة (شبق).
(5) الكافي 5: 39 حديث 1، والتهذيب 1: 166 حديث 475، و 7: 486 حديث 1952، والاستبصار 1: 135 حديث 463.
(6) التهذيب 1: 166 حديث 476، وفي الاستبصار 1: 135 حديث 464 بسند آخر.

[ 230 ]

كانت مبتدئة ميزت بصفة الدم، فإن لم يتميز لها رجعت إلى عادة نسائها، أو قعدت في كل شهر ستة أيام أو سبعة أيام. وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: لا اعتبار بالتمييز بل الاعتبار بالعادة (2)، فإن كانت لها عادة رجعت إليها، وإن لم تكن لها عادة، وكانت مبتدئة فإنها تتحيض أكثر الحيض عنده وهو عشرة أيام، فإن كان لها عادة نسيتها، فإنها تحيض أقل الحيض وهو ثلاثة أيام. وقال مالك: الاعتبار بالتمييز فقط (3) فإن كان لها تمييز رجعت إليه، وإن لم يكن لها تمييز فإنها تصلي أبدا لأنه ليس لأقل الحيض عنده حد (4)، وتعتبر هذا في الشهر الثاني والثالث، وأما في الشهر الأول ففيه روايتان إحداهما: إنها لا تعتبر أيضا فيه، فتصلي في جميعه. والثانية: إنها تعتبر بعادة أقرانها فتحيض ذلك العدد، فإن انقطع دمها وإلا استظهرت بثلاثة أيام، فإن انقطع الدم اغتسلت وصلت، وإن لم ينقطع دمها في الثالث جعلها في حكم الطاهرات، فاغتسلت وصلت جميع الصلوات. دليلنا: إجماع الفرقة. وروى ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري (5) قال: دخلت على أبي عبد الله عليه السلام امرأة سألته عن المرأة يستمر بها دم، فلا تدري أحيض هو أو غيره؟ فقال لها: إن دم الحيض حار عبيط أسود له دفع

(1) الأم 1: 61، والمجموع 2: 396، والمغني لابن قدامة 1: 330.
(2) المغني لابن قدامة 1: 311.
(3) المغني لابن قدامة 1: 315.
(4) المدونة الكبرى 1: 52، وأحكام القرآن للجصاص 1: 339.
(5) حفص بن البختري البغدادي، الكوفي، مولى، ثقة، عده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام تارة وأخرى من أصحاب الإمام الكاظم عليه السلام، وذكر أن له أصلا يرويه عنه ابن أبي عمير. النجاشي: 103، ورجال الطوسي: 177، 347، والفهرست: 61.

[ 231 ]

وحرارة، ودم الاستحاضة أصفر بارد، فإذا كان للدم حرارة ودفع وسواد فلتدع الصلاة، قال: فخرجت وهي تقول: والله لو كان امرأة ما زاد على هذا (1) فهذا دليل على أبي حنيفة في منعه من اعتبار التمييز. وأما دليلنا على مالك في اعتبار العادة فيما رواه إسحق بن جرير (2) قال: سألتني امرأة منا أن أدخلها على أبي عبد الله عليه السلام، فاستأذنت لها فأذن لها، فدخلت ومعها مولاة لها، فقالت: يا أبا عبد الله، ما تقول في المرأة تحيض فتجوز أيام حيضها؟ قال: إن كانت أيام حيضها دون عشرة أيام، استظهرت بيوم واحد، ثم هي مستحاضة. قالت: إن الدم يستمر بها الشهر والشهرين والثلاثة كيف تصنع بالصلاة؟ قال: تجلس أيام حيضها ثم تغتسل لكل صلاتين. قالت: إن أيام حيضها تختلف عليها، وكان يتقدم الحيض اليوم واليومين والثلاثة ويتأخر مثل ذلك فما علمها به. قال دم الحيض ليس له خفاء، هو دم حار تجد به حرقة، ودم الاستحاضة دم فاسد بارد. قال فالتفتت إلى مولاتها فقالت: أتراه كان امرأة؟ (3) فهذا الخبر يتضمن ذكر التمييز والعادة معا. واستدل الشافعي على صحة ذلك أيضا بخبر أم سلمة (4) ونص النبي

(1) التهذيب 1: 151 حديث 429، والكافي 3: 91 حديث 1.
(2) إسحاق بن جرير بن يزيد بن عبد الله البجلي، الكوفي، أبو يعقوب، ثقة، له كتاب عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق والإمام الكاظم عليما السلام. النجاشي: 55. والفهرست: 15، ورجال الطوسي: 149، 343.
(3) الكافي 3: 91 حديث 3، والتهذيب 1: 151 حديث 431.
(4) أم سلمة هند بنت أبي أمية حذيفة، وقيل سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومية، زوجة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأفضلهن بعد أم المؤمنين خديجة عليها السلام، ومن فضائلها تسليم النبي صلى الله عليه وآله وسلم إياها تربة سيد الشهداء الإمام الحسين عليه السلام وإخباره لها بأنها متى فاضت دما فاعلمي أن الحسين قد قتل. وقد ورد في وثاقتها روايات كثيرة. عدها الشيخ الطوسي وجماعة من الصحابة. ماتت سنة =

[ 232 ]

صلى الله عليه وآله في الرجوع إلى العادة فإنه قال: " لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر " (1). واستدل على أبي حنيفة بحديث فاطمة بنت أبي حبيش (2). وقول النبي صلى الله عليه وآله لها: " إذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي " (3). وقال في خبر آخر: " إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان ذلك فامسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضأي وصلي " (4). مسألة 198: يستحب للمرأة الحائض أن تتوضأ وضوء الصلاة عند كل صلاة، وتقعد في مصلاها، وتذكر الله تعالى بمقدار زمان صلاتها كل يوم، ولم يوافقنا على هذا أحد من الفقهاء (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأخبارهم.

= (61 ه‍). رجال الطوسي: 32، والكامل في التاريخ 4: 93، والمنهل العذب 2: 331، والدر المنثور في طبقات ربات الخدور: 531. (1) مسند أحمد بن حنبل 6: 320، وبلفظ قريب منه: 293، وسنن أبي داود 1: 71 حديث 274.
(2) فاطمة بنت أبي حبيش قيس بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي، القرشية، الأسدية، تعد من النساء المهاجرات، روت عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حديث الاستحاضة، وروى عنها عروة بن الزبير. الاستيعاب بهامش الإصابة 4: 371، وتهذيب التهذيب 12: 442.
(3) الكافي 3: 83 حديث 1، والتهذيب 1: 381 حديث 1183، وصحيح البخاري 1: 80 و 84 و 86 و 64، وصحيح مسلم 1: 262 حديث 333، ومسند أحمد بن حنبل 6: 83 وبلفظ آخر في 129 و 141 و 187 من نفس الجزء، وسنن ابن ماجة 1: 203 و 204 حديث 621 و 624، وسنن النسائي 1: 122 و 181 و 185 و 186 وبلفظ آخر في 121 و 124، وسنن أبي داود 1: 74 حديث 282، وسنن الترمذي 1: 217 حديث 125، وموطأ مالك 1: 61 حديث 104.
(4) سنن النسائي 1: 123 و 185، وسنن أبي داود 1: 75 حديث 286.
(5) انظر المجموع للنووي 2: 353.

[ 233 ]

روى زيد الشحام قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: ينبغي للحائض أن تتوضأ عند وقت كل صلاة، ثم تستقبل القبلة فتذكر الله عز وجل مقدار ما كانت تصلي (1). وروى زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا كانت المرأة طامثا، فلا تحل لها الصلاة، وعليها أن تتوضأ وضوء الصلاة عند وقت كل صلاة، ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر الله عز وجل وتسبحه وتهلله وتحمده بمقدار صلاتها، ثم تفرغ لحاجتها (2). مسألة 199: المستحاضة إذا كثر دمها حتى ثقب الكرسف، وسال عليه كان عليها ثلاثة أغسال في اليوم والليلة، تجمع بين كل صلاتين، تصلي الظهر والعصر بغسل والمغرب والعشاء الآخرة بغسل، والغداة بغسل، ولم يقل أحد من الفقهاء بوجوب هذه الأغسال (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط، لأنها إذا فعلت ما قلنا أدت صلاتها بيقين، وإذا لم تفعل لم تؤد بيقين. وروى سماعة بن مهران قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين، وللفجر غسلا، فإن لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كل يوم مرة، والوضوء لكل صلاة (4). وروى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المستحاضة تغتسل عند صلاة الظهر فتصلي الظهر والعصر، ثم تغتسل عند المغرب فتصلي

(1) الكافي 3: 101 حديث 3، والتهذيب 1: 159 حديث 455.
(2) الكافي 3: 101 حديث 4، والتهذيب 1: 159 حديث 456. (3) انظر سنن الترمذي 1: 221، والأم 1: 61 - 62، ومعجم فقه ابن حزم 2: 323، والمغني لابن قدامة 1: 341، وتحفة الأحوذي 1: 393.
(4) الكافي 3: 89 حديث 4، والتهذيب 1: 170 حديث 485.

[ 234 ]

المغرب والعشاء ثم تغتسل عند الصبح فتصلي الفجر (1) مسألة 200: المبتدئة بالحيض إذا استمر بها الدم الشهر والشهرين، ولا يتميز لها دم الحيض من دم الاستحاضة، رجعت إلى عادة نسائها، وعملت عليها، فإن لم تكن لها نساء، أو كن مختلفات، تركت الصلاة في الشهر الأول ثلاثة أيام أقل الحيض، وفي الشهر الثاني عشرة أيام أكثر الحيض. وقد روي أنها تترك الصلاة في كل شهر ستة أيام أو سبعة أيام (2). وللشافعي فيه قولان، أحدهما: مثل قولنا في اعتبار سبعة أيام أو ستة (3)، والآخر: إنها تعمل على أقل الحيض في كل شهر وهو يوم وليلة (4). دليلنا: إجماع الفرقة على هاتين الروايتين. والوجه في الجمع بينهما التخيير. وروى سماعة قال: سألته عن جارية حاضت أول حيضها، فدام دمها ثلاثة أشهر، وهي لا تعرف أيام أقرائها، قال: أقراؤها مثل أقراء نسائها فإن كن نساؤها مختلفات، فأكثر جلوسها عشرة أيام، وأقله ثلاثة أيام (5). وروى عبد الله بن بكير، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: المرأة إذا رأت الدم في أول حيضها، فاستمر الدم، تركت الصلاة عشرة أيام، ثم تصلي عشرين يوما فإن استمر بها الدم بعد ذلك تركت الصلاة ثلاثة أيام وصلت سبعة وعشرين يوما (6).

(1) الكافي 3: 90 حديث 5، والتهذيب 1: 171 حديث 487.
(2) رواه أبو داود في سننه 1: 76، والترمذي في سننه أيضا 1: 221، عن عمران بن طلحة عن أمه حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كثيرة - إلى قوله صلى الله عليه وآله - فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام... إلى آخر الحديث.
(3) الأم 1: 61، والمجموع 2: 396، والمغني لابن قدامة 1: 330.
(4) الأم 1: 61، والمجموع 2: 396، والمغني لابن قدامة 1: 330، وأحكام القرآن للجصاص 1: 339 و 347.
(5) الكافي 3: 79 حديث 3، والتهذيب 1: 380 حديث 1181، والاستبصار 1: 138 حديث 471.
(6) التهذيب 1: 381 حديث 1182، والاستبصار 1: 137 حديث 469.

[ 235 ]

مسألة 201: الصفرة والكدرة في أيام الحيض حيض، وفي أيام الطهر طهر، سواء كانت أيام العادة، أو الأيام التي يمكن أن تكون حائضا فيها، وعلى هذا أكثر أصحاب الشافعي (1). وذهب الاصطخري (2) من أصحابه إلى أن ذلك إنما يكون حيضا إذا وجد في أيام العادة دون غيرها. وبه قال أبو إسحق المروزي، ثم رجع عنها إلى القول الأول، وقال: وجدت نص الشافعي على أن الكدرة والصفرة في أيام الحيض حيض (3)، والمعتادة والمبتدئة في ذلك سواء. وقال أبو يوسف، ومحمد: الصفرة والحمرة حيض، وأما الكدرة فليس بحيض، إلا أن يتقدمها دم أسود (4). دليلنا: على صحة ما ذهبنا إليه: إجماع الفرقة، وقد بينا أن إجماعها حجة. وأيضا روى محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام، عن المرأة ترى الصفرة في أيامها؟ فقال: لا تصل حتى تنقضي أيامها، وإن رأت الصفرة في غير أيامها توضأت وصلت (5). وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام، قال في المرأة ترى الصفرة، قال إن كان قبل الحيض بيومين فهو من الحيض، وإن كان بعد الحيض بيومين فليس من الحيض (6).

(1) الأم (مختصر المزني): 11، والمحلى 2: 169، والمجموع 2: 384، وعمدة القاري 3: 309، والمنهل العذب 3: 129.
(2) لقب مشترك بين عدة. والظاهر أن المراد هو أحمد بن يزيد بن عيسى ابن الفضل، أبو سعيد الاصطخري، القاضي، من أئمة الشافعية، توفي سنة (328 ه‍). اللباب في تهذيب الأنساب 1: 69.
(3) المغني لابن قدامة 1: 332، وبداية المجتهد 1: 51، ومقدمات ابن رشد 1: 94.
(4) المحلى 2: 169، والمغني لابن قدامة 1: 332، والمنهل العذب 3: 130.
(5) الكافي 3: 78 حديث 1، والتهذيب 1: 396 حديث 1230.
(6) الكافي 3: 78 حديث 2، والتهذيب 1: 396، حديث 1231.

[ 236 ]

ومن وافقنا في المسألة احتج بحديث عائشة، أنها قالت: كنا نعد الصفرة والكدرة حيضا (1). مسألة 202: أقل الحيض عندنا ثلاثة أيام وبه قال أبو حنيفة والثوري (2). وقال أبو يوسف: يومان وأكثر اليوم الثالث (3). وقال الشافعي فيه ثلاثة أقوال: أحدها: إنه يوم وليلة. والثاني: يوم بلا ليلة. والثالث: إنها على قولين، أحدهما: إنه يوم وليلة، والثاني: يوم بلا ليلة (4). وقال أحمد، وأبو ثور: يوم وليلة (5)، وقال داود: يوم بلا ليلة (6)، وقال مالك: ليس لأقل الحيض حد، ويجوز أن يكون ساعة (7). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك.

(1) وردت عدة أحاديث عن عائشة بهذا المضمون، رواها الدارمي في سننه 1: 213 (باب الطهر كيف هو)، والهندي في كنزه 9: 624 و 625 حديث 27712 و 27716، وابن همام في مصنفه: 1: 301 حديث 1158 و 1159، ومالك في موطأه 1: 59 حديث 97، والبخاري في صحيحه 1: 83 (الباب 19)، وتنوير الحوالك 1: 77.
(2) سنن الترمذي 1: 228، والمحلى 2: 193، والمجموع 2: 380، وعمدة القاري 3: 307 والمغني لابن قدامة 1: 308، وبداية المجتهد 1: 48، وبدائع الصنائع 1: 40.
(3) بدائع الصنائع 1: 40، والبحر الرائق 1: 216.
(4) الأم 1: 64، 67 والمحلى 2: 193، والمجموع 2: 375، وكفاية الأخيار 1: 47، والمغني لابن قدامة 1: 306، وبداية المجتهد 1: 48، ومغني المحتاج 1: 109، ومقدمات ابن رشد 1: 91، وبدائع الصنائع 1: 40.
(5) سنن الترمذي 1: 228، والمغني لابن قدامة 1: 308، وتحفة الأحوذي 1: 403.
(6) قال ابن حزم في المحلى 2: 193 ذهب داود إلى أن أقل الحيض دفعة واحدة. وهو قول الأوزاعي، وأحد قولي الشافعي.
(7) بداية المجتهد 1: 48، والمجموع 2: 380، والمغني لابن قدامة 1: 308.

[ 237 ]

وروى أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن أدنى ما يكون من الحيض؟ فقال: أدناه ثلاثة أيام، وأكثره عشرة (1). وروى صفوان بن يحيى (2) قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن أدنى ما يكون من الحيض؟ فقال: أدناه ثلاثة أيام وأبعده عشرة (3). وروى يعقوب بن يقطين (4)، عن أبي الحسن عليه السلام قال: أدنى الحيض ثلاثة، وأقصاه عشرة (5). مسألة 203: أكثر الحيض عشرة أيام، وبه قال أبو حنيفة، وسفيان الثوري (6). وقال الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبو ثور، وداود: أكثره خمسة عشر يوما (7)

(1) الكافي 3: 75 حديث 1، والتهذيب 1: 156 حديث 445، والاستبصار 1: 130، حديث 446. (2) صفوان بن يحيى البجلي، مولاهم، أبو محمد، بياع السابري، عده الشيخ الطوسي من أصحاب الإمام الكاظم والإمام الرضا والإمام الجواد عليهم السلام، وكان أوثق أهل زمانه عند أصحاب الحديث، وأعبدهم، روى عن أربعين رجلا من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وقال النجاشي في ترجمته: كوفي، ثقة ثقة، عين، وكانت له عند الإمام الرضا عليه السلام منزلة شريفة، له من التصانيف ما يقرب من الثلاثين، وهو من الستة الذين أجمعت العصابة على تصحيح من يصح عنهم، وقد وردت روايات كثيرة في مدحه. مات سنة (210 ه‍). رجال الكشي: 502، 503 و 556، ورجال النجاشي: 148، والفهرست: 83، ورجال الطوسي: 352 و 378 و 402.
(3) الكافي 3: 75 حديث 3، والتهذيب 1: 156 حديث 446، والاستبصار 1: 130 حديث 447.
(4) يعقوب بن يقطين، وثقه الشيخ الطوسي، وعده في أصحاب الإمام الرضا عليه السلام. وكذلك العلامة في الخلاصة في ضمن ترجمة يعقوب بن يزيد. رجال الطوسي: 395، والخلاصة: 186.
(5) الاستبصار 1: 130 حديث 448، والتهذيب 1: 156 حديث 447.
(6) سنن الترمذي 1: 228، والمحلى 2: 198، والمجموع 2: 380، وبدائع الصنائع 1: 40، والمغني لابن قدامة 1: 308، وبداية المجتهد 1: 48.
(7) الأم 1: 67، وسنن الترمذي 1: 228، والمجموع 2: 375، 376، 380، والمدونة الكبرى 1: 49، والأم (مختصر المزني): 11، والمحلى 2: 198، وكفاية الأخيار 1: 47، وبداية المجتهد 1: 48، والمغني لابن قدامة 1: 308، وبدائع الصنائع 1: 40، ومغني المحتاج 1: 109.

[ 238 ]

وحكي ذلك عن عطاء (1)، ورووه عن أمير المؤمنين علي عليه الصلاة والسلام (2). وقال سعيد بن جبير: ثلاثة عشر يوما (3). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك، وقد قدمنا من الأخبار ما يدل عليه في المسألة الأولى (4). وأيضا فقد ثبت أن الذمة مرتهنة بوجوب العبادات من الصلاة، والصيام وغيرها، فلا يجوز أن نسقطها إلا بأمر معلوم، والعشرة أيام لا خلاف أنها حيض، وما زاد عليها ليس عليه دليل فوجب نفيه. مسألة 204: أقل الطهر عشرة أيام، وأكثره لا حد له. وروي في بعض الروايات ذلك عن مالك (5). وقال جميع الفقهاء: إن أقل الطهر خمسة عشر يوما (6). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (7)، وأيضا فإن قولنا عشرة أيام مجمع على أنها طهر، وإذا رأت الدم فيما بعدها فليس على كونه طهرا دليل. والأصل براءة الذمة من العبادة.

(1) سنن الترمذي 1: 228، والمجموع 2: 375، 380، والمغني لابن قدامة 1: 309، وعمدة القاري 3: 307.
(2) كفاية الأخيار 1: 47.
(3) المحلى 2: 198، والمغني لابن قدامة 1: 308.
(4) أي المسألة التاسعة من كتاب الحيض.
(5) بداية المجتهد 1: 48، وبدائع الصنائع 1: 40.
(6) الأم 1: 64 و 67، والمجموع 2: 376، والمحلى 2: 200، والمغني لابن قدامة 1: 310، وكفاية الأخيار 1: 47، وبدائع الصنائع 1: 40، ومغني المحتاج 1: 109. وبداية المجتهد 1: 48.
(7) كما في الكافي 3: 76 حديث 4، 5 و: 77 حديث 1، والاستبصار 1: 131 حديث 452، والتهذيب 1: 156، 157، 159 حديث 448، 451، 452، 454.

[ 239 ]

مسألة 205: الحامل عندنا تحيض قبل أن يستبين حملها، فإذا استبان فلا حيض. وقال الشافعي في الجديد: إنها تحيض ولم يفصل (1). وقال في القديم: لا تحيض ولم يفصل، وبه قال أبو حنيفة (2). دليلنا: ما أوردناه من الأخبار التي ذكرناها في كتابينا المقدم ذكرهما (3) وبينا الوجه، فيما اختلف في ذلك من الأخبار التي ذكرناها، فلا وجه لذكرها هنا لأنه يطول به الكتاب. مسألة 206: لا تثبت عادة المرأة في الحيض إلا بمضي شهرين، أو حيضتين على حد واحد، وهو مذهب أبي حنيفة، وقوم من أصحاب الشافعي (4). وقال المروزي، وأبو العباس بن سريج، وغيرهما من أصحاب الشافعي: إن العادة تثبت بمرة واحدة (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا ما اعتبرناه مجمع على ثبوت العادة به وما قالوه ليس عليه دليل، والأصل شغل الذمة بالعبادات، فلا يجوز إسقاطها عنها إلا بأمر معلوم. وروى سماعة بن مهران قال: سألته عن الجارية البكر أول ما تحيض، تقعد في الشهر يومين، وفي الشهر ثلاثة أيام، تختلف عليها لا يكون طمثها في

(1) المجموع 2: 384، والمغني لابن قدامة 1: 361.
(2) المجموع 2: 384، والمغني لابن قدامة 1: 361، وبدائع الصنائع 1: 42، ومقدمات ابن رشد 1: 95، والبحر الرائق 1: 201.
(3) التهذيب 1: 386 - 388، والاستبصار 1: 138 - 141 باب الحبلى ترى الدم.
(4) المجموع 2: 418، والمغني لابن قدامة 1: 316.
(5) المجموع 2: 418، والمغني لابن قدامة 1: 316.

[ 240 ]

الشهر عدة أيام سواء. قال فلها أن تجلس وتدع الصلاة ما دامت ترى الدم ما لم يجز العشرة، فإذا اتفق شهران عدة أيام سواء فتلك أيامها (1). مسألة 207: إذا كانت عادتها خمسة أيام في كل شهر، فرأت الدم قبلها خمسة أيام ورأت فيها وانقطع، أو خمسة أيام بعدها ورأت فيها ثم انقطع، كان الكل حيضا. وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إن رأت خمسة أيام قبلها ورأت فيها، كان حيضها الخمسة المعتادة، والتي قبلها استحاضة. وقال: إن رأت فيها ورأت بعدها خمسة وانقطع كان الكل حيضا (3). دليلنا: ما قدمناه من أن أقصى مدة الحيض عشرة أيام (4)، وهذه رأت عشرة أيام فوجب أن يكون كله حيضا، لأنه زمان يمكن أن يكون حيضا، وإنما ترد إلى عادتها إذا اختلط دم الحيض بدم الاستحاضة. مسألة 208: إذا كانت عادتها خمسة أيام، فرأت خمسة أيام قبلها ورأت فيها وفي خمسة أيام بعدها، كانت الخمسة المعتادة حيضا، والباقي استحاضة. وقال الشافعي: يكون الجميع حيضا بناءا منه على أن أكثر أيام الحيض خمسة عشر يوما (5). وقال أبو حنيفة: تكون العشرة الأخيرة حيضا (6). دليلنا: على الشافعي: ما قدمناه من أن أكثر أيام الحيض عشرة (7) فسقط

(1) الكافي 3: 79 حديث 1، والتهذيب 1: 380 حديث 1178.
(2) المغني لابن قدامة 1: 353.
(3) المغني لابن قدامة 1: 353.
(4) راجع المسألتين 9 و 10 وفيهما الروايات الدالة على ذلك.
(5) سنن الترمذي 1: 228، والمجموع 2: 413، والمغني لابن قدامة 1: 353، وتحفة الأحوذي 1: 401.
(6) بدائع الصنائع 1: 41، والمغني لابن قدامة 1: 353.
(7) انظر المسألتين 9 و 10.

[ 241 ]

بذلك خلافه، لأنه مبني عليه. وأما قول أبي حنيفة، فإنه يبطل لأنه ليس أن يجعل الخمسة الأخيرة من تمام العشرة بأولى من الخمسة الأولة، فينبغي أن تسقط وترجع إلى العادة وهي خمسة أيام. مسألة 209: إذا رأت المبتدئة في الشهر الأول دما أحمر، ورأت في الشهر الثاني خمسة أيام دما أسود بصفة دم الحيض، والباقي دم أحمر، ورأت في الشهر الثالث دما مبهما فإنها في الشهر الأول والثالث تعمل ما تعمله من لا عادة لها ولا تمييز وقد بينا القول فيه. وفي الشهر الثاني تجعل الخمسة أيام حيضا، والباقي استحاضة. وقال الشافعي: في الشهر الأول مثل قولنا، وكذلك في الشهر الثاني، وقال في الشهر الثالث: إنها ترد إلى الشهر الثاني (1) وهو خمسة أيام بناءا منه على أن العادة تثبت بشهر واحد، وقد دللنا على خلاف ذلك، فسقط خلافه (2). مسألة 201: إذا اجتمع لامرأة واحدة عادة وتمييز، كان الاعتبار بالتمييز دون العادة لأنه مقدم على العادة. مثال ذلك أن تكون عادتها أن تحيض في أول كل شهر خمسة أيام دم الحيض، فرأت في تلك الأيام دم الاستحاضة، وفيما بعدها دم الحيض، وجاوز العشرة، اعتبرت الخمسة الثانية من الحيض، والأولة من الاستحاضة، اعتبارا بالتمييز. وكذلك إن كانت عادتها الخمسة الثانية فرأت أولا دم الحيض، ورأت في أيام العادة دم الاستحاضة واتصل، اعتبرت بالتميز. وكذلك إذا كانت عادتها ثلاثة أيام في أول كل شهر، فرأت فيها دم

(1) المجموع 2: 420.
(2) راجع المسألة 13.

[ 242 ]

الاستحاضة وبعدها ثلاثة أيام دم الحيض وأربعة أيام دما أحمر واتصل، كان الاعتبار بالتميز وهي الثلاثة الثانية، وبه قال جميع أصحاب الشافعي (1)، إلا ابن خيران فإنه قال في هذه المسائل: الاعتبار بالعادة دون التميز. وبه قال أبو حنيفة (2). دليلنا: إجماع الفرقة على أن اعتبار صفة الدم مقدم على العادة، وعموم الأخبار يقتضي ذلك، والأخبار التي وردت في اعتبار العادة متناولة لمن لا تميز لها بحال، وإن حملناها على عمومها، وقلنا بقول أبي حنيفة كان قويا. مسألة 211: الناسية لأيام حيضها أو لوقتها ولا تمييز لها، تترك الصوم والصلاة في كل شهر سبعة أيام، وتغتسل وتصلي وتصوم فيما بعد، ولا قضاء عليها في صوم ولا صلاة. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: إنها تترك الصوم والصلاة يوما وليلة، وتصلي الباقي وتصوم (3). والثاني: مثل قولنا (4)، إلا أنه قال: تقضي الصوم، إلا أنهم قالوا: تصوم شهر رمضان ثم تقضي. ومنهم من قال: تقضي خمسة عشر يوما. ومنهم من قال سبعة عشر يوما، وهو الذي خرجه أبو الطيب الطبري. دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فإن خبر يونس بن عبد الرحمن (5)، عن جماعة من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام، عن أبي عبد الله عليه السلام يتضمن

(1) المغني لابن قدامة 1: 319.
(2) المجموع 2: 431.
(3) المجموع 2: 434.
(4) المجموع 2: 434، والمغني لابن قدامة 1: 321. (5) وهي رواية مفصلة طويلة رواها الكليني في الكافي 3: 83 حديث 1، ورواها الشيخ الطوسي في التهذيب 1: 381 حديث 1183.

[ 243 ]

تفصيل ذلك، وينبغي أن يكون محمولا عليه. وقول الشافعي إنها تترك الصوم والصلاة يوما وليلة، بناءا على أنه أقل الحيض، وقد بينا خلاف ذلك (1). فأما قضاء الصوم، فإنه يحتاج إلى شرع، لأنه فرض ثان، وليس في الشرع ما يدل عليه، فوجب نفيه. مسألة 212: إذا رأت دما ثلاثة أيام، وبعد ذلك يوما وليلة نقاء، ويوما وليلة دما إلى تمام العشرة أيام، أو انقطع دونها، كان الكل حيضا. وبه قال أبو حنيفة (2). وهو الأظهر من مذهب الشافعي، وله قول آخر وهو إنه تلفق الأيام التي ترى فيها الدم فيكون حيضا، وما ترى فيه نقاء تكون طهرا (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فقد بينا أن الصفرة في أيام الحيض حيض (4)، والعشرة أيام كلها أيام حيض، فينبغي أن يكون ما تراه كله حيضا. مسألة 213: أكثر النفاس عشرة أيام، وما زاد عليه حكمه حكم الاستحاضة، وفي أصحابنا من قال ثمانية عشر يوما (5).

(1) راجع المسألة التاسعة من كتاب الحيض.
(2) أحكام القرآن للجصاص 1: 346، والمجموع 2: 502.
(3) أحكام القرآن للجصاص 1: 346، والمجموع 2: 387.
(4) انظر المسألة الثامنة.
(5) قاله السيد المرتضى في الانتصار: 21، وسلار في المراسم: 44. وروى الشيخ الصدوق في الهداية: 5، عن الصادق عليه السلام قال: إن أسماء بنت عميس نفست بمحمد بن أبي بكر في حجة الوداع فأمرها النبي صلى الله عليه وآله أن تقعد ثمانية عشر يوما. وقال العلامة في المختلف: 41 ما لفظه: وقد اختلف علماؤنا في أكثر مدة النفاس، فالذي اختاره الشيخ وعلي بن بابويه أنه عشرة أيام، وبه أفتى أبو الصلاح وابن البراج وابن إدريس، وقال السيد المرتضى ثمانية عشر يوما وهو اختيار المفيد وابن بابويه وابن الجنيد وسلار، إلا أن المفيد قال: وقد جاءت أخبار معتمدة في إن أقصى مدة النفاس مدة الحيض عشرة أيام وعليه أعمل لوضوحه (إنتهى).

[ 244 ]

وقال الشافعي: أكثر النفاس ستون يوما (1)، وبه قال مالك، وأبو ثور وداود، وعطاء، والشعبي، وعبيد الله بن الحسن العنبري (2)، وحجاج بن أرطاة (3) (4) وقال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحق، وأبو عبيد: أربعون يوما (5). وحكى ابن المنذر (6) عن الحسن البصري أنه قال: خمسون يوما (7)، وذهب الليث بن سعد إلى أنه سبعون يوما (8). دليلنا: على صحة ذلك: إجماع الفرقة، وأيضا طريقة الاحتياط، فإن ما اعتبرناه مجمع على أنه من النفاس، وما زاد عليه ليس عليه دليل، والأصل

(1) الأم (مختصر المزني): 11، والمجموع 2: 522، وكفاية الأخيار 1: 47، والمحلى 2: 203، ومغني المحتاج 1: 119، والمغني لابن قدامة 1: 345، ومقدمات ابن رشد 1: 91، وبدائع الصنائع 1: 41.
(2) عبيد الله بن الحسن بن مالك بن الخشخاش العنبري، قاضي البصرة، ولد سنة 105، ومات سنة 168، وهو القائل إن كل مجتهد مصيب. التاريخ الكبير 5: 376، وتهذيب التهذيب 7: 7، والمجموع 2: 524.
(3) حجاج بن أرطاة بن ثور بن هبيرة بن شراحيل النخعي، أبو أرطاة الكوفي القاضي، روى عن الشعبي وعطاء وجبلة وغيرهم. وعنه روى شعبة وهشيم وابن نمير والحمادان والثوري وحفص بن غياث وغيرهم. وكان أحد فقهاء الكوفة ومفتيها، ولي قضاء البصرة. التاريخ الكبير 2: 378. والمجموع 2: 524، وتهذيب التهذيب 2: 196.
(4) سنن الترمذي 1: 259، والمحلى 2: 203، والمجموع 2: 524، ومقدمات ابن رشد 1: 91، والمغني لابن قدامة 1: 345، وبدائع الصنائع 1: 41، وتحفة الأحوذي 1: 431.
(5) سنن الترمذي 1: 258، والمغني لابن قدامة 1: 345، وبدائع الصنائع 1: 41، والمحلى 2: 203، والمجموع 2: 524، ومغني المحتاج 1: 120، ومقدمات ابن رشد 1: 91، وتحفة الأحوذي 1: 431.
(6) جماعة منهم: إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة الأسدي الحزامي، أبو إسحاق المدني روى عن مالك وابن عيينة وابن أبي فديك وغيرهم. وروى عنه البخاري وابن ماجة وروى له الترمذي والنسائي بواسطة وغيرهم مات سنة (235 ه‍) وقيل: (236 ه‍) تهذيب التهذيب 1: 166.
(7) سنن الترمذي 1: 258، والمجموع 2: 524، ومقدمات ابن رشد 1: 91، وتحفة الأحوذي 1: 431.
(8) المجموع 2: 524، وقال الشربيني في مغني المحتاج [ 1: 120 ]: وقال بعض العلماء أكثره سبعون.

[ 245 ]

وجوب العبادات، فلا يجوز إسقاطها إلا بدليل. مسألة 214: ليس لأقل النفاس حد، ويجوز أن يكون ساعة. وبه قال الشافعي وأصحابه وكافة الفقهاء (1). وقال أبو يوسف: أقله أحد عشر يوما، لأن أقل النفاس يجب أن يزيد على أكثر الحيض (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الذمة مشتغلة بالعبادات، وإيجاب مقدار لأقل النفاس يحتاج إلى دليل، وليس عليه دليل، فيجب أن يكون غير محدود. مسألة 215: إذا ولدت المرأة، ولم يخرج منها دم أصلا، ولم يخرج منها أكثر من الماء، لا يجب عليها الغسل. وهو أحد قولي الشافعي (3). وله قول آخر وهو: إنه يجب الغسل بخروج الولد (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، وإيجاب الغسل يحتاج إلى دليل، وإيجاب الغسل بخروج الدم مجمع عليه. وأيضا فالنفاس مأخوذ من النفس الذي هو الدم (5)، فإذا لم يحصل دم لم يحصل نفاس على حال. مسألة 216: إذا زاد على أكثر أيام الحيض (6) وهو عشرة أيام عندنا، وعند

(1) المحلى 2: 203، والمجموع 2: 522، والمغني لابن قدامة 1: 347، وكفاية الأخيار 1: 47، ومقدمات ابن رشد 1: 91، ومغني المحتاج 1: 119، وبدائع الصنائع 1: 41.
(2) المحلى 2: 207. وقال ابن رشد في مقدماته 1: 91، وذهب أبو يوسف إلى أن أقل النفاس خمسة عشر يوما فرقا بينه وبين أكثر الحيض.
(3) انظر المجموع 2: 150 و 521.
(4) انظر المجموع 2: 150 و 521، والمغني لابن قدامة 1: 347.
(5) قال ابن منظور في لسانه 6: 234، والنفس الدم، وقال الزبيدي في تاجه 4: 261، ولاد المرأة مأخوذ من النفس بمعنى الدم، وكذا في الصحاح مادة (نفس) فصل النون باب السين.
(6) كذا في جميع النسخ.

[ 246 ]

الشافعي ستون يوما، كان ما زاد على العشرة أيام استحاضة عندنا، وللشافعي فيما زاد على الستين قولان: أحدهما: أن ترد إلى ما دونها، فإن كانت مميزة رجعت إلى التمييز، وإن كانت معتادة لا تمييز لها ترد إلى العادة (1)، وإن كانت مبتدئة ففيها قولان: أحدهما: ترد إلى أقل النفاس وهو ساعة، وتقضي الصلاة. والثاني: ترد إلى غالب عادة النساء وتقضي ما زاد عليها (2). وقال المزني: لا ترد إلى ما دون الستين، ويكون الجميع نفاسا (3). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون إن ما زاد على أكثر النفاس يكون استحاضة وإن اختلفوا في مقدار الأكثر. مسألة 217: الدم الذي يخرج قبل خروج الولد، لا خلاف أنه ليس بنفاس، وما يخرج بعده لا خلاف في كونه نفاسا، وما يخرج معه عندنا يكون نفاسا. واختلف أصحاب الشافعي في ذلك، فقال أبو إسحق المروزي: وأبو العباس ابن القاص مثل ما قلناه (4) ومنهم من قال: إنه ليس بنفاس (5). دليلنا: إن اسم النفاس يتناوله لأنه دم، وقد خرج بخروج الولد، وإذا تناوله اللفظ حمل على عموم ما ورد في هذه الباب. مسألة 218: الدم الذي يخرج قبل الولادة ليس بحيض عندنا. ولأصحاب الشافعي فيه قولان:

(1) المجموع 2: 530.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
(4) المجموع 2: 518، وكفاية الأخيار 1: 46.
(5) المصدر السابق.

[ 247 ]

أحدهما: إنه حيض (1). والثاني: إنه استحاضة، لأنه لا يجوز أن يكون الحيض والنفاس متعاقبين من غير طهر بينهما (2). دليلنا: إجماع الفرقة على أن الحامل المستبين حملها لا تحتاض، وإنما اختلفوا في حيضها قبل أن يستبين الحمل، وهذا بعد الاستبانة. وأيضا الذمة مشغولة بالعبادات وإسقاطها عنها يحتاج إلى دليل. مسألة 219: إذا ولدت ولدين، ورأت الدم عقيبهما، اعتبرت النفاس من الأول، وآخره يكون من الثاني. وبه قال أبو إسحق المروزي من أصحاب الشافعي، واختاره أبو الطيب الطبري (3) (4) ومنهم من قال: يعتبر من الثاني، وهو الذي ذكره أبو علي الطبري (5) (6). وقال أبو العباس بن القاص: يكون أول النفاس من الولادة الأولى،

(1) المجموع 2: 519.
(2) المصدر السابق.
(3) القاضي طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر، أبو الطيب الطبري، الفقيه الشافعي، سمع الغطريفي والماسرخسي، والدار قطني صاحب السنن، ولي القضاء بربع الكرخ من بغداد بعد موت الصيمري مات سنة (450 ه‍). طبقات الشافعية الكبرى 3: 176، وتاريخ بغداد 9: 358، وطبقات الفقهاء: 106.
(4) قال النووي في المجموع [ 2: 526 ]: وصحح ابن القاص وإمام الحرمين والغزالي كونه من الأول وهو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأبي يوسف، وأصح الروايتين عن أحمد، ورواية عن داود.
(5) الحسين بن قاسم، أبو علي الطبري، الفقيه الشافعي، درس على أبي علي ابن أبي هريرة، سكن بغداد، من مؤلفاته الافصاح والمحرر، مات في بغداد سنة (350 ه‍). طبقات الشافعية الكبرى 2: 217، وتاريخ بغداد 8: 87 رقم 4181.
(6) قال النووي في المجموع [ 2: 526 ] أصحها عند الشيخ أبي حامد، وأصحابنا العراقيين، والبغوي، والروياني، وصاحب العدة وغيرهم من الخراسانيين: ن النفاس معتبر من الولد الثاني، وهو مذهب محمد، وزفر، ورواية عن أحمد، وداود.

[ 248 ]

وآخره من الولادة الأخيرة. ثم قال: في المسألة ثلاثة أوجه (1) أحدها: هذا: والثاني: إنه من الأول، والثالث: إنه من الثاني. وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: يكون النفاس من الولد الأول (2) كما قلناه، إلا أنهما قالا: لو كان بين الولدين أربعون يوما لم يكن الدم الموجود عقيب الولد الثاني نفاسا. دليلنا: إن كل واحد من الدمين يستحق الاسم بأنه نفاس، فينبغي أن يتناوله اللفظ وإذا تناوله الاسم عددناه من الأول، واستوفينا أيام النفاس من الأخير لتناول الاسم لهما. مسألة 220: إذا رأت الدم ساعة ثم انقطع تسعة أيام، ثم رأت يوما وليلة، كان ذلك كله نفاسا. وللشافعي قولان: أحدهما: مثل ما قلناه، والثاني: إنه تلفق، إلا أنه اعتبر في ذلك خمسة عشر يوما لأنه أقل الطهر عنده (3). وإذا رأت ساعة دم نفاس، ثم انقطع عشرة أيام، ثم رأت ثلاثة أيام، فإنه يكون من الحيض. وللشافعي فيه قولان: أحدهما: مثل قولنا، والثاني: أن يكون الثاني والأول نفاسا، وفيما بينهما قولان: أحدهما: إنه طهر، والثاني: تلفق (4). وقال أبو حنيفة: يكون الدمان وما بينهما نفاسا (5).

(1) المجموع 2: 526، والمغني لابن قدامة 1: 350.
(2) المجموع 2: 526، والمغني لابن قدامة 1: 350، وبدائع الصنائع 1: 43.
(3) المجموع 2: 527.
(4) (5) المجموع 2: 528.

[ 249 ]

دليلنا: ما قدمناه من أن أكثر أيام النفاس عشرة أيام (1) فإذا ثبت ذلك فقد مضت العشرة، فينبغي أن يكون أيام النفاس قد مضت، وحكمنا بكونه حيضا لأنه قد مضى بعد النفاس أقل الطهر وهو عشرة أيام، ورأت الدم في زمان يمكن أن يكون حيضا فحكمنا بذلك. وأما اعتبار الطهر بين الحيض والنفاس فلا خلاف فيه. والأخبار التي وردت بأن أقل الطهر عشرة أيام (2) يتناول هذا الموضع لأنها عامة في الطهر عقيب الحيض وعقيب النفاس. وأيضا روى عبد الله بن المغيرة، عن أبي الحسن الأول عليه السلام، في امرأة نفست فتركت الصلاة ثلاثين يوما، ثم تطهرت، ثم رأت الدم بعد ذلك، فقال: تدع الصلاة لأن أيامها أيام الطهر قد جازت مع أيام النفاس (3). فأثبت كما ترى أيام الطهر بعد أيام النفاس وهذا نص. مسألة 221: المستحاضة، ومن به سلس البول، يجب عليه تجديد الوضوء عند كل صلاة فريضة، ولا يجوز لهما أن يجمعا بوضوء واحد بين صلاتي فرض، هذا إذا كان الدم لا يثقب الكرسف. فإن ثقب الدم الكرسف ولم يسل كان عليها غسل لصلاة الفجر، وتجديد الوضوء عند كل صلاة فيما بعد. وإن سال الدم على الكرسف كان عليها ثلاثة أغسال في اليوم والليلة، غسل لصلاة الظهر والعصر تجمع بينهما وغسل للمغرب والعشاء الآخرة تجمع بينهما، وغسل لصلاة الفجر وصلاة الليل تؤخر صلاة الليل إلى قرب طلوع الفجر، وتصلي الفجر به. وقال الشافعي: تجدد الوضوء عند كل صلاة، ولا تجمع بين فريضتين

(1) راجع المسألة رقم 213.
(2) راجع المسألة الحادية عشرة 204.
(3) الكافي 3: 100 حديث 1، والتهذيب 1: 402، حديث 1260.

[ 250 ]

بطهارة واحدة، ولم يوجب الغسل (1) وبه قال سفيان الثوري، وأحمد بن حنبل (2). وقال أبو حنيفة: تتوضأ لوقت كل صلاة، ويجوز لها أن تجمع بين صلوات كثيرة فريضة في وقت واحد (3). وقال مالك، وداود، وربيعة: دم الاستحاضة ليس بحدث ولا يوجب الوضوء (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (5)، وأيضا طريقة الاحتياط، فإنها إذا فعلت ما بيناه أدت العبادة بيقين، وإذا لم تفعل لم تؤد العبادة بيقين، فوجب استعمال ما بيناه. مسألة 222: إذا انقطع دم الاستحاضة وهي في الصلاة، وجب عليها أن تمضي في صلاتها. ولا يجب عليها استئنافها. وقال أبو العباس بن سريج: فيه وجهان. أحدهما: مثل قولنا. والآخر: يجب عليها استئناف الصلاة (6). وبه قال

(1) المجموع 2: 541، والمغني لابن قدامة 1: 341، ومغني المحتاج 1: 111، وفتح العزيز بهامش المجموع 2: 433.
(2) مسائل الإمام أحمد بن حنبل: 25، والمغني لابن قدامة 1: 340.
(3) المبسوط للسرخسي 2: 17.
(4) المغني لابن قدامة 1: 340.
(5) انظر على سبيل المثال لا الحصر، التهذيب 1: 104، 168، 169، 170، 380، 381، 396، 402، حديث 270، 482، 483، 484، 845، 1183، 1230، 1258، والاستبصار 1: 97، 132، 140، حديث 315، 454، 482، والكافي 3: 40، 78، 83، 88، 89، 95 حديث 2، 1 و 1، 2، 4، و 1، والفقيه 1: 45 حديث 176، وقرب الاسناد: 101، وجامع أحاديث الشيعة 2: 542 حديث 3021 باب 26 حكاه عن دعائم الاسلام للقاضي نعمان: 154 طبعة 1370.
(6) المجموع 2: 539.

[ 251 ]

أبو حنيفة (1). دليلنا: إنها قد دخلت في الصلاة دخولا صحيحا بيقين، وإيجاب الخروج منها يحتاج إلى دليل، وليس هاهنا دليل. مسألة 223: إذا كان دمها متصلا، فتوضأت ثم انقطع الدم قبل أن تدخل في الصلاة، وجب عليها تجديد الوضوء، فإن لم تفعل وصلت، ثم عاد الدم لم تصح صلاتها، وكان عليها الإعادة سواء عاد الدم في الصلاة أو بعد الفراغ منها. وقال ابن سريج: إن عاد قبل الفراغ من الصلاة فيه وجهان: أحدهما: تبطل صلاتها، وهو الصحيح عندهم. والثاني: إنها لا تبطل (2). دليلنا: على ذلك: إن الدم إذا كان سائلا فهو حدث، وإنما رخص لها بأن تصلي مع الحدث إذا توضأت ومتى توضأت وانقطع دمها كان الحدث باقيا، فوجب عليها أن تجدد الوضوء. وأيضا إذا أعادت الوضوء كانت صلاتها ماضية بالاجماع وإذا لم تعده ليس على صحتها دليل. مسألة 224: إذا توضأت المستحاضة في أول الوقت، ثم صلت آخر الوقت لم تجزها تلك الصلاة. وقال ابن سريج فيه وجهان: أحدهما: تصح صلاتها على كل حال. والثاني: إنه إن كان تشاغلها بشئ من أسباب الصلاة، مثل انتظار جماعة، أو طلب ما يستر العورة، أو غير ذلك كانت صلاتها ماضية، وإن كان لغير ذلك لم تجز صلاتها (3).

(1) المغني لابن قدامة 1: 344 - 345. (2) المجموع 2: 593 - 540.
(3) المجموع 2: 537، والمغني لابن قدامة 1: 342، ومغني المحتاج 1: 111.

[ 252 ]

دليلنا: ما قدمناه من أنه يجب عليها تجديد الوضوء عند كل صلاة (1) وذلك يقتضي أن يتعقبه فعل الصلاة، وأيضا فإنها إذا توضأت وصلت عقيبه، كانت الصلاة ماضية بالاجماع، وإذا أخرت عنها لم يدل على صحة الصلاة دليل. مسألة 225: إذا كان به جرح لا يندمل، ولا ينقطع دمه، يجوز أن يصلي معه وإن كان الدم سائلا ولا ينتقض وضوؤه. وقال الشافعي وأصحابه: هو بمنزلة الاستحاضة، يجب شده لكل صلاة. غير أنهم قالوا: لا ينقض الوضوء لأنه غير خارج من السبيلين (2). دليلنا: إجماع الفرقة وإجماعها حجة، وأيضا قوله تعالى: " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (3) يعني من ضيق، وفي إيجاب ذلك غاية الضيق، وحمله على الاستحاضة قياس لا نقوله. وروى محمد بن مسلم، عن أحدهما عليه السلام، قال: سألته عن الرجل تخرج به القروح، فلا تزال تدمي، كيف يصلي؟ فقال: يصلي وإن كانت الدماء تسيل (4). وروى ليث المرادي قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام، الرجل تكون به الدماميل والقروح فجلده وثيابه مملوءة دما وقيحا، فقال: يصلي في ثيابه، ولا يغسلها ولا شئ عليه (5).

(1) انظر المسألة 28.
(2) المجموع 2: 541، والمغني لابن قدامة 1: 341.
(3) الحج: 78.
(4) التهذيب 1: 258 و 348 حديث 749 و 1025، والاستبصار 1: 177 حديث 615. التهذيب 1: 258 حديث 750، و 1: 349 حديث 1030 وفيه [ قال: يصلي في ثيابه، ولا شئ عليه، ولا يغسلهما ].

[ 253 ]

كتاب الصلاة

[ 255 ]

مسألة 1: لا يجوز افتتاح الصلاة قبل دخول وقتها، وبه قال جميع الفقهاء (1). وروي في بعض الروايات عن ابن عباس أنه قال: يجوز استفتاح الصلاة قبل الزوال بقليل (2). دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع المسلمين، فإن خلاف ابن عباس إن صح عنه ذلك فقد انقرض، وأجمعوا على خلافه، وأيضا طريقة الاحتياط فإنه لا خلاف إذا استفتح بعد دخول الوقت إن صلاته ماضية، وليس على خلاف ذلك دليل. مسألة 2: الدلوك عندنا هو الزوال، وبه قال ابن عباس وابن عمر وأبو هريرة والشافعي وأصحابه (3)، ورووا عن علي عليه السلام وابن مسعود أنهما

(1) مقدمات ابن رشد 1: 105، والمجموع 3: 21، والميزان للشعراني 1: 135.
(2) قال النووي في المصدر السابق: (ونقل الماوردي في الحاوي عن ابن عباس كقول أحمد - أي جواز الصلاة الجمعة قبل الزوال - ونقله ابن المنذر عن عطاء وإسحاق). وانظر أيضا بداية المجتهد 1: 89 والإقناع 1: 189. وقال ابن قدامة في المغني 1: 441: (وروي عن ابن عباس في مسافر صلى الظهر قبل الزوال يجزئه. ونحوه قال الحسن والشعبي).
(3) قال الرازي في تفسيره لقوله تعالى: " أقم الصلاة لدلوك الشمس... " [ الاسراء: 78 ]: اختلف أهل =

[ 256 ]

قالا: الدلوك هو الغروب (1). فالآية عندنا محمولة على صلاة الظهر، وعند من خالف على صلاة المغرب. دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم (2). مسألة 3: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر، وبه قال جميع الفقهاء (3)، وفي الناس من قال: لا يجوز الصلاة حتى يصير الفئ مثل الشراك بعد الزوال (4) حكي ذلك عن مالك وأنه قال: أحب أن يؤخر الظهر

= اللغة والمفسرون في معنى دلوك الشمس على قولين: (أحدهما) إن دلوكها غروبها، وهذا القول مروي عن جماعة من الصحابة. فنقل الواحدي في البسيط عن علي عليه السلام أنه قال: دلوك الشمس غروبها، وروى زر بن حبيش إن عبد الله بن مسعود قال: دلوك الشمس غروبها، وروى سعيد بن جبير هذا القول عن ابن عباس، وهذا القول اختيار الفراء وابن قتيبة من المتأخرين. والقول الثاني: إن دلوك الشمس هو زوالها عن كبد السماء وهو اختيار الأكثرين من الصحابة والتابعين (إنتهى). وأشار القرطبي في تفسيره 10: 303 إلى من قال بالقول الثاني: " عمر وابنه وأبو هريره وابن عباس وطائفة سواهم من علماء التابعين وغيرهم ". وانظر المجموع 3: 25، والأم للشافعي 1: 68، و أحكام القرآن للجصاص 2: 267 و 3: 206، والمبسوط للسرخسي 1: 141. (1) المجموع 3: 25، والتفسير الكبير 21: 25، وشرح معاني الآثار 1: 155، وأحكام القرآن للجصاص 2: 267 و 3: 206، وتفسير القرطبي 10: 303، والمبسوط 1: 141.
(2) انظر على سبيل المثال لا الحصر كلا من الكافي 3: 271 الحديث الأول، و 275 الحديث الأول، ومن لا يحضره الفقيه 1: 124 حديث 600، وتفسير علي بن إبراهيم القمي: 386، وتفسير العياشي 2: 308 حديث 137، و 309 حديث 141، وعلل الشرائع 2: 43، والسرائر: 465.
(3) الأم: 1: 72، والأم (مختصر المزني): 11، والأصل 1: 144، والهداية 1: 38، والنتف 1: 53، وأحكام القرآن للجصاص 2: 268، ومقدمات ابن رشد 1: 105، ومغني المحتاج 1: 121، وشرح فتح القدير 1: 152، ومختصر العلامة خليل: 23، والمنهج القويم 1: 106، والمجموع 3: 18 والمغني لابن قدامة 1: 371، والمبسوط 1: 142.
(4) المبسوط 1: 142، والمجموع 3: 24.

[ 257 ]

بعد الزوال مقدار ما يزيد الظل ذراعا (1). وهذا الذي ذكره مالك مذهبنا في استحباب تقديم النوافل إلى الحد الذي ذكره، وإذا صار كذلك بدأ بالفرض. دليلنا: على دخول الوقت عند الزوال: إجماع الفرقة، وأما الأخبار التي رويت في هذا المعنى فأكثر من أن تحصى، وقد ذكرناها في كتابينا المقدم ذكرهما (2). مسألة 4: إذا زالت الشمس فقد دخل وقت الظهر، ويختص بها مقدار ما يصلى فيه أربع ركعات، ثم بعد ذلك مشترك بينه وبين العصر إلى أن يصير ظل كل شئ مثله، فإذا صار كذلك خرج وقت الظهر وبقي وقت العصر (3). وقال قوم: آخر وقت الظهر إذا صار ظل كل شئ مثله، ويعتبر الزيادة من موضع زيادة الظل لا من أصل الشخص بلا خلاف. فإذا زاد على ذلك زيادة يسيرة خرج وقت الظهر، وبه قال الشافعي، والأوزاعي، والليث بن سعد والثوري، والحسن بن صالح بن حي، وأبو يوسف، ومحمد، وأبو ثور، و أحمد بن حنبل إلا أنهم قالوا: لا يدخل وقت العصر إلا بعد أن يخرج وقت الظهر الذي هو ظل كل شئ مثله (4).

(1) قال مالك في المدونة الكبرى 1: 55، " وأحب أن يصلي الناس الظهر في الشتاء والصيف والفئ ذراع ".
(2) الكافي 3: 275، باب وقت الظهر والعصر، ومن لا يحضره الفقيه 1: 139 حديث 646 و 647 و 648 و 649 و 650 و 653، والتهذيب 2: 18 باب أوقات الصلاة وعلامة كل وقت منها و 2: 243 باب المواقيت، والاستبصار 1: 245 باب 147 (أول وقت الظهر والعصر).
(3) في جميع النسخ زيادة عبارة نصها: " إلى أن يبقى من النهار مقدار أربع ركعات فيختص بالعصر " وليس لها معنى في هذا الموضع.
(4) الأم 1: 72، وبداية المجتهد 1: 89 و 91، والمنهج القويم 1: 107، ومغني المحتاج 1: 122. والمغني لابن قدامة 1: 374. المجموع 3: 21، وفي الاقناع " من خروج وقت الظهر إلى أن يصير ظل كل شئ مثليه ". أحكام القرآن للجصاص 2: 269

[ 258 ]

وقال قوم: وقت الظهر ممتد من حين الزوال إلى غروب الشمس. وبه قال عطاء وطاووس ومالك (1) واختاره المرتضى من أصحابنا رضي الله عنه (2) و ذهب إليه قوم من أصحاب الحديث من أصحابنا. وقال ابن جرير وأبو ثور والمزني: إذا صار ظل كل شئ مثله فقد دخل وقت العصر، ولم يخرج وقت الظهر إلى أن يمضي من الوقت مقدار ما يصلي أربع ركعات، ثم يخرج وقت الظهر ويكون باقي النهار إلى غروب الشمس وقت العصر (3). وعن أبي حنيفة ثلاث روايات: احداها وهي المشهورة رواها أبو يوسف وغيره وعليها يناظرون: إن آخر وقتها إذا صار ظل كل شئ مثليه، ثم ما بعد ذلك وقت العصر (4). وروى أبو يوسف في رواية شاذة: آخر وقت الظهر دون أن يصير ظل كل شئ مثليه، ولم يحد ذلك المقدار (5). وروى الحسن بن زياد اللؤلؤي (6) رواية ثالثة: إن آخر وقت الظهر أن

(1) المجموع 3: 21. وقال في النتف 1: 53 ما لفظه: " وفي قول مالك والشافعي إلى غروب الشمس، و زعموا أن وقت الظهر والعصر واحد "، وفي مقدمات ابن رشد 1: 105 ما نصه: " وللضرورة إلى غروب الشمس "، وأحكام القرآن للجصاص 2: 269.
(2) اختاره في جمل العلم والعمل: 61، والناصريات في المسألة 72، وقال العلامة الحلي قدس سره في تذكرة الفقهاء 75: وهو اختيار المرتضى وابن الجنيد.
(3) المجموع 3: 21.
(4) الهداية: 1: 38، وشرح معاني الآثار 1: 159، والنتف 1: 53، وبداية المجتهد 1: 89، وشرح فتح القدير 1: 152.
(5) في أحكام القرآن للجصاص 2: 269: وقال أبو يوسف ومحمد وزفر والحسن بن زياد والحسن بن صالح والثوري والشافعي هو أن يصير ظل كل شئ مثله.
(6) الحسن بن زياد اللؤلؤي الكوفي، أبو علي، من أصحاب أبي حنيفة النعمان بن ثابت، له كتاب أدب =

[ 259 ]

يصير ظل كل شئ مثله (1) كقولنا، إلا أنه لا يجعل ما بعد ذلك من وقت العصر بل يقول أن أول وقت العصر إذا صار ظل كل شئ مثليه، وما يكون بينهما ليس بوقت لواحدة من الصلاتين. دليلنا: على صحة ما ذهبنا إليه: أن ما اعتبرناه لا خلاف أنه وقت للظهر وهو ما بين الزوال إلى أن يصير ظل كل شي مثله وما زاد عليه ليس على كونه وقتا دليل، فوجب الاحتياط والأخذ بما قلناه. وقد تكلمنا على ما اختلف من روايات أصحابنا في هذا الباب في الكتابين المقدم ذكرهما (2). مسألة 5: أول وقت العصر إذا مضى من الزوال مقدار ما يصلى الظهر أربع ركعات، وآخره إذا صار ظل كل شئ مثليه، وفي أصحابنا من قال: إنه ممتد إلى غروب الشمس، وهو اختيار المرتضى (قدس الله روحه) (3)، وبه قال مالك في إحدى الروايتين (4)، والرواية الأخرى إن أول وقت العصر إذا صار

= القاضي وغيره ولي القضاء في الكوفة سنة 194 هجرية، وأخذ عنه محمد بن سماعة ومحمد بن شجاع، واختلف في وثاقته. توفي سنة (204 ه‍) الفوائد البهيمة في تراجم الحنفية: 60، الفهرست لابن النديم: 258، والأنساب للسمعاني 497 / أ. (1) شرح معاني الآثار 1: 159، وشرح العناية بهامش شرح فتح القدير 1: 152، وحكى الشيباني في الأصل 1: 144 قول أبي حنيفة: " لا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل قامتين " وحكى قول أبي يوسف ومحمد: " إلى أن يكون الظل قامة ". وحكاه السرخسي أيضا عن أبي يوسف ومحمد " إلى أن يكون ظل كل شئ مثله " ونحوه في النتف 1: 53. وفي أحكام القرآن للجصاص 2: 269 روي عن أبي حنيفة ثلاث روايات إحداهن أن يصير الظل أقل من قامتين والأخرى وهي رواية الحسن بن زياد أن يصير ظل كل شئ مثله.
(2) انظر التهذيب 2: 18 - 27، والاستبصار 1: 258 - 262، (148) باب آخر وقت الظهر والعصر.
(3) جمل العلم والعمل: 61، والناصريات: مسألة 72.
(4) قال ابن رشد في مقدماته 1: 105 " وآخر وقت العصر للضرورة إلى غروب الشمس "، والمجموع 3: 21 و 26.

[ 260 ]

ظل كل شئ مثله (1)، وقال الشافعي وأصحابه: إذا صار ظل كل شئ مثله، وزاد عليه أدنى زيادة خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر ثم لا يزال وقت العصر للمختار إلى أن يصير ظل كل شئ مثليه، فإذا جاوز ذلك خرج وقت المختار ويبقى وقت الجواز إلى أن تصفر الشمس (2)، وبه قال الأوزاعي والليث بن سعد ومالك والحسن بن صالح وأبو يوسف ومحمد (3). وقال أبو حنيفة: أول وقت العصر إذا صار ظل كل شئ مثليه وآخره إذا اصفرت الشمس (4). دليلنا على ما قلناه من أول وقت العصر: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن الشمس إذا زالت فقد وجبت الصلاتان، إلا أن الظهر قبل العصر، وإنما الخلاف في آخر الوقت. وأما ما روي من أخبار القدم، والقدمين، والذراع، والقامة وغير ذلك فقد بينا الوجه فيها في الكتابين المقدم ذكرهما (5)، وبينا أن ذلك تقدير للنوافل لا للفريضة فكأنهم قالوا: يجوز النوافل ذلك القدر فإذا خرج وجبت البدأة بالفرض.

(1) مقدمات ابن رشد 1: 105، ومختصر العلامة خليل: 23، وبداية المجتهد 1: 91، والمجموع 3: 21 وعمدة القاري 5: 29 - 33.
(2) الأم 1: 72 - 73، والأم (مختصر المزني): 11، ومغني المحتاج 1: 122، والمجموع 3: 25، وعمدة القاري 5: 33، وبداية المجتهد 1: 91، والمنهج القويم 1: 107، والمغني لابن قدامة: 1: 376.
(3) الأصل 1: 145، وعمدة القاري 5: 29 و 33، ومراقي الفلاح: 29، ومقدمات ابن رشد 1: 105، وبداية المجتهد 1: 91، والمجموع 3: 21، وفتح الرحيم 1: 62، والمغني لابن قدامة 1: 376، ومختصر العلامة خليل: 23.
(4) الأصل: 1: 145، والهداية 1: 38، وأحكام القرآن للجصاص 2: 272، والنتف 1: 53، وشرح فتح القدير 1: 153، ومراقي الفلاح: 29، والمجموع 3: 28، وعمدة القاري 5: 29 و 33، وشرح العناية 1: 153، وبداية المجتهد 1: 91.
(5) التهذيب 2: 18 - 27، والاستبصار 1: 258 - 262.

[ 261 ]

دليلنا على أن آخر الوقت ما قلناه: هو أن ما قلناه مجمع على أنه من وقت العصر، وما ذكروه ليس على كونه وقتا للأداء دليل. وقد بينا الوجه في الأخبار المختلفة في ذلك فيما أو مأنا إليه من الكتابين (1). مسألة 6: أول وقت المغرب، إذا غابت الشمس، وآخره إذا غاب الشفق وهو الحمرة، وبه قال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، و أبو بكر بن المنذر (2) في إختياره (3)، وحكى أبو ثور هذا المذهب عن الشافعي، ولم يصححه أصحابه (4)، إلا أن أبا حنيفة قال: الشفق هو البياض، لكنه كره تأخير المغرب (5). وقال الشافعي وأصحابه: إن وقت المغرب وقت واحد، وهو إذا غابت الشمس، وتطهر وستر العورة وأذن وأقام فإنه يبتدئ بالصلاة في هذا الوقت، فإن أخر الابتداء بها عن هذا الوقت فقد فاته (6). وقال أصحابه: لا

(1) المصدر السابق.
(2) تقدم ذكره في المسألة: 213 من دون تقييده بكنيته، فتعسر تحديده هناك. هو: أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، من أصحاب الوجوه عند الشافعية، روى عن محمد بن ميمون ومحمد بن إسماعيل الصائغ وغيرهما، وروى عنه ابن المقري والدمياطي وغيرهم وله الاشراف على مذاهب الأشراف وغيره. توفي سنة (310 ه‍.) طبقات الشافعية 2: 126، ومرآة الجنان 2: 261، وطبقات الفقهاء الشافعية: 67، والمجموع 1: 72، و 3: 448.
(3) المجموع 3: 34، والهداية 1: 38، وشرح معاني الآثار 1: 155، وبداية المجتهد 1: 92، ومراقي الفلاح: 29، والمغني لابن قدامة 1: 381.
(4) قال الشوكاني في نيل الأوطار 1: 402 " ونقل عنه أبو ثور إن لها وقتين، الثاني منهما ينتهي إلى مغيب الشفق ". وانظر مغني المحتاج 1: 122، والمنهج القويم 1: 108، وبداية المجتهد 1: 92.
(5) الأصل 1: 145، وشرح معاني الآثار 1: 155، والهداية 1: 38، وأحكام القرآن للجصاص 2: 274، وشرح فتح القدير 1: 154.
(6) الأم: 1: 73، والمجموع 3: 28، ومغني المحتاج 1: 123، والسراج الوهاج 1: 34.

[ 262 ]

يجئ على مذهبه غير هذا. وبه قال الأوزاعي (1). وذهب مالك إلى أن وقت المغرب ممتد إلى طلوع الفجر الثاني، كما أن وقت الظهر ممتد إلى المغرب (2)، وفي أصحابنا من قال بذلك، ومنهم من قال: أن وقته ممتد إلى ربع الليل (3). دليلنا: إن ما اعتبرناه مجمع عليه بين الفرقة المحقة أنه من الوقت، وإنما اختلفوا في آخره، وقد بينا الوجه فيما اختلف من الأخبار في هذا المعنى في الكتابين المقدم ذكرهما (4)، وطريقة الاحتياط تقتضي ما قلناه، فإنه إذا صلى في هذا الوقت كان مؤديا بلا خلاف، واختلفوا إذا صلى بعد هذا الوقت. مسألة 7: الأظهر من مذهب أصحابنا، ومن رواياتهم أن أول وقت العشاء الآخرة إذا غاب الشفق الذي هو الحمرة (5)، وفي أصحابنا من قال: إذا

(1) المجموع 3: 34.
(2) مقدمات ابن رشد 1: 106، وفتح الرحيم 1: 62، ومختصر العلامة خليل: 23، وأحكام القرآن للجصاص 2: 274 والمجموع 3: 34، ونيل الأوطار 1: 403.
(3) ذهب إليه الشيخ المفيد في المقنعة: 14، مقيد إياه بالسفر حيث قال: (والمسافر إذا جد به السير عند المغرب فهو في سعة من تأخيرها إلى نصف الليل)، ومال إليه الصدوق في الفقيه 1: 141 مع التقييد حيث قال: (ووقت المغرب لمن كان في طلب المنزل في سفر إلى ربع الليل، والمفيض من عرفات إلى جمع كذلك). وقال علم الهدى السيد المرتضى في الناصريات مسألة 74 ما نصه: " وآخر وقتها مغيب الشفق... وروي ربع الليل ". ولعله إشارة إلى خبر عمر بن يزيد المروي في التهذيب 2: 31 حديث 94، والاستبصار 1: 267 حديث 964 وغيره. وذهب إليه أيضا أبو الصلاح الحلبي في الكافي: 137 حيث قال: " وآخر وقت المضطر ربع الليل " (4) التهذيب 2: 27 - 35، والاستبصار 1: 269 - 273.
(5) قال الحلبي في الكافي: 137 ما نصه: (وأول وقت العشاء الآخرة أن يمضي من غروب الشمس مقدار صلاة المغرب وتأخيرها إلى أن تغيب الحمرة من المغرب أفضل). وذهب الشيخ الصدوق في الهداية 30 إلى القول بأن " وقت العشاء من غيبوبة الشفق إلى ثلث الليل ". وقال سلار في مراسمه: 73 ما لفظه: (فإذا غاب الشفق الأحمر أذن وأقام ثم صلى العشاء الآخرة أربعا فرضه) ومثله =

[ 263 ]

غابت الشمس فقد دخل وقت الصلاتين (1)، ولا خلاف بين الفقهاء إن أول وقت العشاء الآخرة غيبوبة الشفق، وإنما اختلفوا في ماهية الشفق، فذهب الشافعي إلى أنه الحمرة (2)، فإذا غابت بأجمعها فقد دخل وقت العشاء الآخرة، وروي ذلك عن عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر (3) وعبد الله بن مسعود، و أبي هريرة، وعبادة بن الصامت (4)، وشداد بن أوس (5)، وبه قال مالك والثوري ومحمد (6). وقال قوم: الشفق هو البياض لا تجوز الصلاة إلا بعد غيبوبته ذهب إليه

= في الناصريات المسألة 74 قال المرتضى: (الشفق الذي يدخل بغيبوبته وقت العشاء البياض في إحدى الروايتين والحمرة في الرواية الأخرى، والصحيح عندنا أن الشفق هو الحمرة دون البياض). والمفيد في المقنعة 14: (وأول وقت العشاء مغيب الشفق وهو الحمرة في المغرب). (1) قال السيد المرتضى في جمله 61 ما لفظه: (فإذا غربت الشمس دخل وقت صلاة المغرب... واشتركت الصلاتان في الوقت... إلى آخره).
(2) المجموع 3: 42، ومغني المحتاج 1: 122 - 123، وسنن البيهقي 1: 373، وأحكام القرآن للجصاص 2: 274 والهداية 1: 39، والمنهج القويم 1: 108، وشرح فتح القدير 1: 155، ونيل الأوطار 1: 411.
(3) سنن البيهقي 1: 373.
(4) عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم... بن الخزرج الأنصاري أبو الوليد، روى عن النبي (ص)، شهد بدرا، وروى عنه أبناؤه وإسحاق بن يحيى، ولم يدركه ومن أقرانه أبو أيوب الأنصاري و أنس بن مالك وجابر وغيرهم، وهو أول من ولي القضاء بفلسطين توفي سنة 34 بالرملة. تهذيب التهذيب 5: 112 والإصابة 2: 260، والتاريخ الكبير 5: 92.
(5) شداد بن أوس بن ثابت الخزرجي ابن أخ الشاعر حسان بن ثابت، روى عن النبي (ص) وعن كعب الأحبار، وروى عنه ابناه ومحمود بن الربيع. توفي سنة 58 وقيل 64 وقيل غير ذلك. وحكى ابن حجر في التهذيب عن أبي نعيم أنه توفي بفلسطين أيام معاوية وعقبه ببيت المقدس الإصابة 2: 138، وتهذيب التهذيب 4: 315، وصفوة الصفوة 1: 296، والكواكب الدرية 1: 61.
(6) الأصل 1: 145، وسنن البيهقي 1: 373، ومقدمات ابن رشد 1: 106، وأحكام القرآن للجصاص 2: 274، والمجموع 3: 42، والنتف: 1: 53، ونيل الأوطار 1: 411، واللباب في شرح الكتاب 1: 60.

[ 264 ]

الأوزاعي وأبو حنيفة وزفر، وروي ذلك عن عمر بن عبد العزيز (1)، وهو اختيار المزني (2). وذهب أحمد إلى أن وقتها في البلدان والأبنية غيبوبة البياض، وفي الصحاري والفضاء غيبوبة الحمرة (3) فإن البنيان يستر، فاحتيط بتأخير الصلاة إلى غيبوبة البياض، ليتحقق معه غيبوبة الحمرة، وفي الصحراء لا حائل يمنع من ذلك فلم يعتبر ذلك، لا أنه جعل الوقت مختلفا في الصحاري والبنيان. دليلنا: إن ما اعتبرناه من ذلك لا خلاف بين الطائفة المحقة أنه من الوقت، وليس هاهنا إجماع على أن ما قبله وقت فوجب الاحتياط لئلا يصلي قبل دخول الوقت، وقد تكلمنا على الأخبار المختلفة في هذا المعنى في الكتابين المقدم ذكرهما (4). مسألة 8: الأظهر من مذاهب أصحابنا ومن روايتهم إن آخر

(1) عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم أبو حفص الخليفة الأموي، مات سنة 101 بدير سمعان، خير بني أمية يعرف بأشح بني أمية، قال الإمام محمد بن علي بن الحسين في حقه: " لكل قوم نجيبة، ونجيبة بني أمية عمر بن عبد العزيز " وظاهر ذلك لأنه رفع السب عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام. ولذا يقول الشريف الرضي في قصيدته العصماء. - يا بن عبد العزيز لو بكت العين * فتى من أمية لبكيتك - - أنت نزهتنا عن السب والشتم * فلو أمكن الجزاء جزيتك - تنقيح المقال 2: 345، وتاريخ الطبري 5: 306، وتهذيب التهذيب 7: 475. (3) المجموع 3: 43، ومغني المحتاج 1: 123، والأصل 1: 145، وأحكام القرآن للجصاص 2: 274، والهداية 1: 39، وشرح فتح القدير 1: 155، ونيل الأوطار 1: 411، واللباب في شرح الكتاب 1: 60.
(3) مسائل أحمد بن حنبل: 27، والبحر الزخار 2: 157، ونيل الأوطار 1: 411.
(4) التهذيب 2: 27 - 35، والاستبصار 1: 262 باب 149 وقت المغرب والعشاء الآخرة.

[ 265 ]

وقت العشاء الآخرة إذا ذهب ثلث الليل وقد روي نصف الليل (1)، وروي إلى طلوع الفجر (2). وقال الشافعي في الجديد: إن آخر وقتها المختار إلى ثلث الليل، وروى ذلك عن عمر وأبي هريرة وعمر بن عبد العزيز (3)، وقال في القديم والأملاء: آخر وقتها إلى نصف الليل (4)، وهذا وقت الاختيار، فأما وقت الضرورة والإجزاء فإنه باق إلى طلوع الفجر (5) كما قالوا في الظهر والعصر إلى غروب الشمس، وبه قال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه (6). وقال قوم: وقتها ممتد إلى طلوع الفجر الثاني، وروي ذلك عن ابن عباس وعطاء وعكرمة وطاووس ومالك (7). وقال النخعي: آخر وقتها ربع الليل (8). دليلنا: إجماع الفرقة بل إجماع المسلمين على أن وقتها ممتد إلى ثلث الليل،

(1) الكافي 3: 281، حديث 13، ومن لا يحضره الفقيه 1: 142 حديث 662، و 141 حديث 657، والتهذيب 2: 25 حديث 72، و 28 حديث 82 و 30 حديث 88، و 27 حديث 78، و 261 حديث 1041، و 262 حديث 1042 و 1043، والاستبصار 1: 273 حديث 986 - 988، و 261 حديث 938، و 263 حديث 945، و 264 حديث 953. ومال إليه السيد المرتضى في جمل العلم والعمل: 61، وسلار في مراسمه: 62، وقيده الحلبي في الكافي: 136 بالاضطرار إلى نصف الليل.
(2) التهذيب 2: 256 حديث 1015، و 270 حديث 1076 و 1077، والاستبصار 1: 273 حديث 989 و 260 حديث 933، و 288 حديث 1053 و 1054. والأحاديث مقيدة بالنوم والنسيان.
(3) المجموع 3: 39، وعمدة القاري 5: 29 و 62، وبداية المجتهد 1: 93، ومغني المحتاج 1: 124، والمنهج القويم 1: 108، وشرح فتح القدير 1: 155.
(4) المجموع 3: 39، ومغني المحتاج 1: 124، وعمدة القاري 5: 62.
(5) المجموع 3: 39، والمنهج القويم 1: 108.
(6) الأصل 1: 146، والهداية 1: 39، وعمدة القاري 5: 69، وشرح فتح القدير 1: 155.
(7) مقدمات ابن رشد 1: 106، وعمدة القاري 5: 62، والمجموع 3: 40.
(8) عمدة القاري 5: 62.

[ 266 ]

وإنما الخلاف فيما زاد على ذلك، وقول النخعي قد تقدمه الإجماع وتأخر عنه، وما زاد على ثلث الليل ليس عليه دليل فوجب إطراحه والأخذ بالاحتياط. مسألة 9: الفجر الثاني هو أول النهار وآخر الليل فينفصل به الليل من النهار وتحل به الصلاة ويحرم به الطعام والشراب على الصائم وتكون الصلاة الصبح من صلاة النهار، وبه قال عامة أهل العلم (1). وذهبت طائفة إلى أن ما بين طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس ليس من الليل ولا من النهار، بل هو زمان منفصل بينهما (2). وذهبت طائفة إلى أن أول النهار هو طلوع الشمس وما قبل ذلك من الليل، فتكون صلاة الصبح من صلاة الليل، ولا يحرم الطعام والشراب على الصائم إلى طلوع الشمس ذهب إليه الأعمش (3) وغيره، وروي ذلك عن حذيفة (4). دليلنا: على فساد قول الفرقة الأولى: قوله تعالى " يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل " (5) وهذا ينفي أن يكون بينهما فاصل، ويدل على فساد

(1) أحكام القرآن للجصاص 2: 269.
(2) حكاه النووي في المجموع 3: 45 عن الشيخ أبي حامد في تعليقه عن قوم أنهم قالوا: (ما بين طلوع الشمس والفجر لا من الليل ولا من النهار بل زمن مستقل فاصل بينهما قالوا: وصلاة الصبح لا في الليل ولا في النهار). وانظر الهداية للمرغيناني 1: 38، والمبسوط 1: 141، وشرح فتح القدير 1: 152.
(3) الأعمش: أبو محمد سليمان بن مهران الأسدي مولاهم الكوفي معروف بالفضل والثقة والجلالة والتشيع والاستقامة، عده الشيخ في الرجال من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وذكره السمعاني في أنسابه بعنوان الكاهلي وأثنى عليه علماء العامة وأقروا بفضله وثقته وجلالته مع اعترافهم بتشيعه. قال ابن حجر في تهذيبه: (قال العجلي: كان ثقة ثبتا... وكان فيه تشيع. توفي سنة 148 ه‍.) رجال الطوسي: 206، الكنى والألقاب 2: 45، وتنقيح المقال 2: 65، والأنساب للسمعاني: 473، وتهذيب التهذيب 4: 222.
(4) المجموع 3: 45.
(5) الحج: 61.

[ 267 ]

قول الأعمش قوله تعالى " أقم الصلاة طرفي النهار " (1) ولم يختلفوا أن المراد بذلك صلاة الصبح والعصر، فلما كانت صلاة الصبح تقام بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس دل ذلك على أن هذا الوقت طرف النهار وعنده أنه من الليل. وأيضا أجمعت الفرقة المحقة على تحريم الأكل والشرب بعد طلوع الفجر الثاني، وقد بينا أن ذلك حجة على أن هذا الخلاف قد انقرض، وأجمع عليه المسلمون (2) فلو كان صحيحا لما انقرض. مسألة 10: أول وقت صلاة الفجر لا خلاف فيه أنه حين يطلع الفجر الثاني، فأما آخر الوقت فعندنا إن وقت المختار إلى أن يسفر الصبح ووقت المضطر إلى طلوع الشمس، وبه قال الشافعي وجميع أصحابه (3). وذهب الاصطخري من أصحابه إلى أنه إذا أسفر فات وقت الصبح (4). وقال أبو حنيفة وأصحابه: أن الوقت ممتد إلى طلوع الشمس من غير تفصيل (5). دليلنا: طريقة الاحتياط فإن ما اعتبرناه لا خلاف بين الأمة أنه من الوقت وما زاد عليه ليس عليه دليل أنه وقت الاختيار، وقد بينا الوجه فيما اختلف من أخبارنا في الكتابين المقدم ذكرهما (6).

(1) هود: 114.
(2) قال النووي في المجموع 6: 305: (هو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، قال ابن المنذر: وبه قال عمر بن الخطاب وابن عباس وعلماء الأمصار وبه نقول).
(3) الأم 1: 74، والمجموع 3: 43، ومغني المحتاج 1: 124.
(4) المجموع 3: 43، وبداية المجتهد 1: 94.
(5) الأصل 1: 144، وأحكام القرآن للجصاص 2: 268، والمبسوط 1: 141، والنتف 1: 52.
(6) التهذيب 2: 38، والاستبصار 1: 275 - 276.

[ 268 ]

مسألة 11: إذا صلى من الفجر ركعة ثم طلعت الشمس أو صلى من العصر ركعة وغابت الشمس، فقد أدرك الصلاة جميعها في الوقت، وهو ظاهر مذهب الشافعي وهو قول ابن خيران من أصحابه (1)، وبه قال أحمد وإسحاق وعامة الفقهاء (2). وذهبت طائفة من أصحاب الشافعي إلى أنه يكون مدركا للركعة الأولى في وقتها وقاضيا للأخرى في غير الوقت (3). وقال المرتضى رحمه الله من أصحابنا: أنه يكون قاضيا لجميع الصلاة (4). دليلنا: إجماع الفرقة المحقة، فإنهم لا يختلفون في أن من أدرك ركعة من الفجر قبل طلوع الشمس يكون مؤديا في الوقت، وإنما اختلفوا في أن هذا هل هو وقت اختيار، أو وقت اضطرار، فأما أنه وقت الأداء فلا خلاف بينهم فيه. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح وهذا نص (5).

(1) المجموع 3: 62.
(2) الاقناع 1: 84، وشرح معاني الآثار 1: 151، والمجموع 3: 62.
(3) قال النووي في المجموع 3: 62 (وهو قول أبي إسحاق المروزي).
(4) إن المتوفر لدينا من كتب الشريف المرتضى خلوها من هذا القول، إلا أن المحكي عنه في الجواهر 7: 258، والحدائق 6: 277، والمدارك في شرحه للمسألة الأولى من أحكام المواقيت عند قوله (ويكون مؤديا على الأظهر) فقد اختلف الأصحاب في ذلك على أقوال ثلاثة... ثانيها: أن يكون قاضيا لجميع الصلاة، واختاره السيد المرتضى...)، والعلامة في المختلف: 75 في مسألة (لو ضاق الوقت عن الفريضة) بقوله: إحتج السيد المرتضى القائل بكون الجميع قضاء أبان أجزاء العبادة مقابلة لأجزاء الوقت، والعاملي في مفتاح الكرامة 1: 385 حكى النسبة إلى السيد عن الشيخ وصاحب القواعد وولده وجماعة. هذا وقد نسب المصنف هذا القول في المبسوط 1: 72 إلى بعض الأصحاب من دون تعيين له.
(5) صحيح مسلم 1: 424 حديث 163، وانظر صحيح البخاري 1: 143 باب من أدرك من الفجر ركعة، والموطأ 1: 6 حديث 5، ومسند أحمد بن حنبل 2: 462، وسنن النسائي 1: 257، والمصنف 1: =

[ 269 ]

مسألة 12: يجوز الأذان قبل طلوع الفجر إلا أنه ينبغي أن يعاد بعد طلوع الفجر، وبه قال الشافعي إلا أنه قال: السنة أن يؤذن للفجر قبل طلوع الفجر، وأحب أن يعيد بعد طلوع الفجر فإن لم يفعل واقتصر على الأول أجزأه، وبه قال مالك وأهل الحجاز والأوزاعي وأهل الشام وأبو يوسف وداود وأحمد وإسحاق وأبو ثور (1). وقال قوم لا يجوز أن يؤذن لصلاة الصبح قبل دخول وقتها كسائر الصلوات، ذهب إليه الثوري وأبو حنيفة وأصحابه (2). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إن بلالا (3) يؤذن بليل،

= 585 حديث 2227، وسنن ابن ماجه 1: 229 حديث 699 و 700. هذا وللحديث تتمة لاحظها في المسألة 13 أضف إلى أن للحديث ألفاظ أخرى متحدة المعنى مع المتن. (1) الأصل 1: 131، والمبسوط 1: 134، والمجموع 3: 89، ونيل الأوطار 2: 32، وتفسير القرطبي 6: 229 وبداية المجتهد 1: 104، والمحلى 3: 119.
(2) الأصل 1: 131، والمبسوط 1: 134، وشرح معاني الآثار 1: 141، والمجموع 3: 89، والمحلى 3: 119 ونيل الأوطار 2: 32، وتفسير القرطبي 6: 229، وبداية المجتهد 1: 104.
(3) بلال بن رياح أبو عبد الله، أول مؤذن للنبي صلى الله عليه وآله، شهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله، ولم يؤذن لأحد من بعده إلا مرة واحدة وبطلب من الصديقة الكبرى فاطمة الزهراء عليها السلام. وروي في حقه عن النبي صلى الله عليه وآله إن بلالا سابق الحبش كما في الخصال 1: 279 وعن أمير المؤمنين عليه السلام السباق خمسة أنا سابق العرب وسلمان سابق الفرس وبلال سابق الحبش... الخ). وروى ابن سعد في طبقاته بسنده إلى جابر بن سمرة قوله... وربما أخر الإقامة قليلا، ولكن لا يخرج في الأذان عن الوقت، عده الشيخ من أصحاب النبي توفي سنة 18 هجرية. تنقيح المقال 1: 182، ورجال الشيخ الطوسي: 8، والخلاصة 27، والطبقات الكبرى 3: 232.

[ 270 ]

فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم (1) (2) فأخبر عليه السلام إن بلالا

(1) ابن أم مكتوم: اختلف في إسمه فقيل عبد الله، وقيل عمرو، واتفقوا على نسبه أنه: ابن قيس بن زائدة بن الأصم، وأمه عاتكة (أم كلثوم) بنت عبد الله، وهو الأعمى الذي عاتب الله نبيه صلى الله عليه وآله في شأنه.
(2) صحيح مسلم 2: 768 حديث 38، وصحيح البخاري 1: 152 باب الأذان قبل الفجر، وسنن الترمذي 1: 394 باب 149 حديث 203، وموطأ مالك 1: 74 حديث 14 و 15 باختلاف، وسنن النسائي 2: 10 باب (هل يؤذنان جميعا أو فرادى؟). وسنن الدارمي 1: 270. ووردت الرواية بطرق أخرى وبألفاظ متقاربة، بتقديم وتأخير في البعض منها. علما بأنه قد ورد عن طريق أهل بيت العصمة والطهارة سلام الله عليهم أجمعين ما ينفي ذلك، ويثبت أن المؤذن بليل هو (ابن أم مكتوم)، والمؤذن في الوقت الشرعي هو بلال. ولكن الأيدي الأثيمة تلاعبت بذلك فقدمت بعضا وأخرت أخرى. لأمر ما قد حز في قرارة أنفسهم. ويدل على ذلك من طرق الخاصة: - 1 - ما رواه الكليني في الكافي 4: 98 حديث 3 بسنده عن الحلبي، قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، فقال: بياض النهار من سواد الليل. قال: وكان بلال يؤذن للنبي صلى الله عليه وآله وابن أم مكتوم - وكان أعمى - يؤذن بليل، ويؤذن بلال حين يطلع الفجر، فقال النبي صلى الله عليه وآله: إذا سمعتم صوت بلال فدعوا الطعام والشراب فقد أصبحتم. ورواها الشيخ المصنف في التهذيب 4: 184 حديث 513 بسنده إلى الكليني بتفاوت. وروى الكليني في الكافي 4: 98 حديث 1 بسنده إلى زرارة عن أبي عبد الله عليه السلام قال: أذن ابن أم مكتوم لصلاة الغداة، ومر رجل برسول الله صلى الله عليه وآله وهو يتسحر فدعاه أن يأكل معه، فقال: يا رسول الله قد أذن المؤذن للفجر، فقال: إن هذا ابن أم مكتوم، وهو يؤذن بليل، فإذا أذن بلال فعند ذلك فأمسك. 2 وما رواه الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 189 حديث 905: كان لرسول الله صلى الله عليه وآله مؤذنان... فقال النبي صلى الله عليه وآله: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فإذا سمعتم أذانه فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان بلال. فغيرت العامة هذا الحديث عن جهته، وقالوا إنه عليه السلام قال: إن بلالا يؤذن بليل...!؟!. وأما من طرق العامة: 1 ما رواه النسائي في سننه 2: 10 بسنده عن خبيب بن عبد الرحمن عن عمته أنيسة قالت: قال: رسول الله صلى الله عليه وآله " إذا أذن ابن أم مكتوم فكلوا واشربوا وإذا أذن بلال فلا تأكلوا ولا تشربوا " =

[ 271 ]

يؤذن بالليل، ولم ينكر ذلك. وروى ابن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام في النداء قبل طلوع الفجر فقال: لا بأس، وأما السنة مع الفجر وإن ذلك لينفع الجيران يعني قبل الفجر (1). مسألة 13: الوقت الأول هو وقت من لا عذر له ولا ضرورة، والوقت الآخر وقت من له عذر وضرورة، وبه قال الشافعي. وذكر الشافعي في الضرورة (2) أربعة أشياء، الصبي إذا بلغ، والمجنون إذا أفاق، والحائض والنفساء إذا طهرتا، والكافر إذا أسلم (3). ولا خلاف بين أهل العلم في أن واحدا من هؤلاء الذين ذكرناهم إذا أدرك قبل غروب الشمس مقدار ما يصلي ركعة، أنه يلزمه العصر، وكذلك إذا أدرك قبل طلوع الفجر الثاني مقدار ركعة أنه يلزمه العشاء الآخرة، وقبل طلوع الشمس بركعة يلزمه الصبح، لما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر (4).

= 2 - ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده 6: 433 بسنده عن حبيب قال: سمعت عمتي تقول إن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي بلال!. ونحوه في سنن البيهقي 1: 382.
3 - ورواه البيهقي في سننه 1: 382 بسنده عن زيد بن ثابت إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال.
4 - ورواها الزيلعي في نصب الراية 1: 289 عن ابن خزيمة في صحيحه بسنده عن عائشة: إن رسول الله قال: (إن ابن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال) وكان بلال لا يؤذن حتى يطلع الفجر، ونحوه في سنن البيهقي 1: 382. (إنتهى). (1) التهذيب 2: 53 حديث 178.
(2) في بعض النسخ زيادة (في الوقت).
(3) الأم 1: 70، والمجموع 3: 66.
(4) صحيح البخاري 1: 143 باب من أدرك من الفجر ركعة، وصحيح مسلم 1: 424 حديث 163 =

[ 272 ]

وكذلك روي عن أئمتنا عليهم السلام (1)، فأما إذا أدرك أقل من ركعة، فعندنا أنه لا يجب عليه الصلاة (2). واختلف قول الشافعي، فالذي عليه عامة أصحابه، ونص عليه في الأم، ونقله المزني إلى المختصر وحكى أنه سمعه من الشافعي لفظا أنه إذا أدرك دون الركعة بمقدار تكبيرة الاحرام يلزمه الصلاة، واختاره المزني (3)، وبه قال أبو حنيفة (4). وقال أبو حامد المروذي (5): هو أشهر القولين نصر عليه في كتاب استقبال القبلة. والقول الآخر: أنه يجب بمقدار ركعة، ولا يجب بما دونها (6). دليلنا: إجماع الأمة على أن من لحق ركعة تلزمه تلك الصلاة، وإذا لحق أقل من ذلك فليس على لزومها دليل. والأصل براءة الذمة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: من أدرك ركعة من العصر

= ومسند أحمد بن حنبل 2: 462، وسنن الترمذي 1: 353 حديث 186، وسنن ابن ماجة 1: 229 حديث 700، وموطأ مالك 1: 6 حديث 5، وسنن النسائي 1: 257، وسنن الدارمي 1: 278. (1) التهذيب 2: 38 حديث 119 و 120، و 2: 262 حديث 1044، والاستبصار 1: 275 حديث 999 و 1000.
(2) أي عند الشيعة الإمامية حيث يسقط عنه وجوب الأداء، هذا ولا يخفى أن للمسألة فروعا تختلف أحكامها فمن وجوب القضاء في بعض وعدمه في الآخر.
(3) الأم (مختصر المزني): 12، والأم 1: 70.
(4) فتح العزيز (بهامش المجموع) 3: 68.
(5) أبو حامد أحمد بن بشر بن عامر المروذي - وقيل أحمد بن عامر بن بشر المروروذي - العامري مؤلف الجامع الكبير والصغير في الفقه على مذهب الشافعي، والاشراف في أصول الفقه وهو صاحب أبي إسحاق المروزي. نزل البصرة وعنه أخذ فقهاؤها توفي سنة 362 هجرية طبقات فقهاء الشافعية: 27، والاكمال 7: 313، وطبقات الفقهاء: 94.
(6) المجموع 3: 65 - 66.

[ 273 ]

قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح (1). وروي أن (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها) (2)، وذلك يدل على أنه إذا أدرك أقل من ركعة لا يجب عليه. مسألة 14: إذا أدرك بمقدار ما يصلي فيه خمس ركعات قبل المغرب لزمته الصلاتان بلا خلاف، وإن لحق أقل من ذلك لم يلزمه الظهر عندنا (3)، وكذلك القول في المغرب والعشاء الآخرة قبل طلوع الفجر. وللشافعي فيه أربعة أقوال، أحدها: أنه يدرك الظهر بما يدرك به العصر، وفي العصر قولان أحدهما: مقدار ركعة (4)، والثاني: أقل من ركعة (5)، والثالث أنه يدرك الظهر بإدراك ما يصلي فيه ركعة ويتطهر (6)، والرابع: أنه يعتبر مقدار إدراك خمس ركعات كما قلناه (7)، قالوا والمنصوص للشافعي في القديم: أنه يدرك الظهر بإدراك أربع ركعات، والعصر بإدراك ركعة (8). وقال أبو إسحاق: يدرك العصر بإدراك أربع ركعات، والظهر بإدراك

(1) صحيح مسلم 1: 425 حديث 165، وسنن ابن ماجه 1: 229 حديث 699، وسنن أبي داود 1: 112 حديث 412، والمصنف 1: 584 حديث 2224.
(2) صحيح البخاري 1: 143 (باب من أدرك ركعة من الصلاة)، وصحيح مسلم 1: 423 حديث 161، وسنن النسائي 1: 274، وسنن ابن ماجه 1: 356 حديث 1122، والموطأ 1: 10 حديث 15، وسنن الدارمي 1: 277 (باب من أدرك ركعة).
(3) أي بعنوان الأداء، وإلا فوجب القضاء ثابت عليه بلا خلاف، وقد تقدمت الإشارة إليها في هامش رقم (2) من المسألة السابقة أنها ذات فروع تختلف حكما باختلافها.
(4) الأم 1: 73، والمجموع 3: 64 و 66.
(5) المجموع 3: 64 و 66.
(6) المصدر السابق.
(7) المصدر السابق 65 و 66.
(8) المجموع 3: 65 و 66. وإرشاد الساري 1: 498.

[ 274 ]

ركعة واحدة (1) وقد خرج أبو إسحاق وجها خامسا، وهو أن يكون مدركا للظهر والعصر بإدراك أربع ركعات، وتكبيرة (2). وقال أبو حنيفة ومالك: أنهم لا يدركون الظهر بإدراك وقت العصر ولا المغرب بإدراك وقت العشاء (3). دليلنا: ما روي من الأخبار التي ذكرناها في الكتابين المقدم ذكرهما من أن من أدرك ركعة من الصلاة قبل طلوع الشمس، فقد أدرك الصلاة (4)، وكذلك قالوا قبل أن تغيب الشمس، ولم يقولوا في من أدرك أقل من ركعة واحدة أنه قد أدرك الصلاة، والأصل براءة الذمة، وإيراد هذه الأخبار يطول. مسألة 15: إذا أدرك من أول وقت الظهر دون أربع ركعات، ثم غلب على عقله بجنون أو إغماء أو حاضت المرأة، أو نفست لم يلزمهم الظهر، وإليه ذهب جميع أصحاب الشافعي (5)، إلا أبا يحيى البلخي (6) فإنه قال: يجب عليه صلاة الظهر قياسا على من لحق ركعة من آخر الوقت (7). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في أن من لم يدرك من أول الوقت

(1) المجموع 3: 65 و 66.
(2) المصدر السابق.
(3) المصدر السابق.
(4) الاستبصار 1: 275 حديث 999 و 1000، والتهذيب 2: 38 حديث 119 و 120، و 262 حديث 1044 باختلاف.
(5) الأم 1: 70، والمجموع 3: 67، ومغني المحتاج 1: 131 - 132.
(6) أبو يحيى زكريا بن يحيى البلخي قاضي الشام أيام المقتدر بالله، روى عن يحيى بن أبي طالب وأبي إسماعيل الترمذي وبشر بن موسى وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وروى عنه عبد الوهاب الكلابي وابن درستويه وغيرهما. توفي بدمشق (330 ه‍) طبقات الشافعية الكبرى 2: 225، وطبقات الشافعية: 18.
(7) المجموع 3: 67.

[ 275 ]

مقدار ما يؤدي الفرض فيه لم يلزمه قضاؤه، وما رووه من أن المغمى عليه يقضي ثلاثة أيام (1) أو يوما وليلة (2) محمول على الاستحباب (3). مسألة 16: إذا أدرك من أول الوقت ما يصلي فيه أربع ركعات، ثم جن لزمه قضاؤه، وكذلك الحائض والنفساء والمغمى عليه. وإذا لحق مقدار ما يصلي فيه ثمان ركعات لزمه الظهر والعصر معا، وبه قال أبو يحيى البلخي من أصحاب الشافعي (4)، ويقتضيه أيضا مذهب مالك، ولست أعرف نصه في ذلك (5). وقال باقي أصحاب الشافعي: لا يلزمه العصر (6). دليلنا: ما قدمناه من أن وقت العصر يلي وقت الظهر، وأنه إذا زالت الشمس فإنه يختص بالظهر مقدار أن يصلي أربع ركعات، وما بعد ذلك مشترك بينه وبين العصر، وإذا ثبت ذلك فهذا قد أدرك وقت العصر فإذا لم يصل فيه فينبغي أن يجب عليه القضاء بالاجماع، ومن خالف في ذلك إنما بناه على أن وقت العصر لم يدخل بعد. وقد دللنا على بطلان قوله (7).

(1) التهذيب 4: 243 حديث 715، و 244 حديث 720 و 723، والاستبصار 1: 458 حديث 1776.
(2) التهذيب 4: 244 حديث 717، والاستبصار 1: 458 حديث 1777.
(3) قال الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 237 بعد نقله الأحاديث الدالة على عدم وجوب القضاء على المغمى عليه: " فأما الأخبار التي رويت في المغمى عليه أنه يقضي جميع ما فاته، وما روي أنه يقضي صلاة شهر، وما روي أنه يقضي صلاة ثلاثة أيام فهي صحيحة ولكنها على الاستحباب لا على الايجاب، والأصل أنه لا قضاء عليه ". وإليه ذهب السيد المرتضى في جملة: 73 حديث علق شرط عدم القضاء بأن لا يكون الاغماء بفعل محرم أو معصية، والمصنف في النهاية: 127، والمبسوط 1: 129، وسلار في المراسم: 91، وللمسألة تفصيلات أخر راجع الموسوعات الفقهية.
(4) المجموع 3: 67.
(5) المجموع 3: 68.
(6) المجموع 3: 68.
(7) راجع المسألة الرابعة والخامسة.

[ 276 ]

مسألة 17: إذا أغمي عليه في جميع وقت الصلاة لم يلزمه قضاؤها، وإن أغمي عليه أياما استحب له قضاء يوم وليلة، وروي ثلاثة أيام (1). وقال الشافعي: لا يجب عليه القضاء، ولم يذكر الاستحباب (2). وقال أحمد: يجب عليه قضاؤها أجمع كائنا ما كانت، وبالغا ما بلغت (3). وقال أبو حنيفة: إن أغمي عليه في خمس صلوات وجب عليه قضاؤها، وإن أغمي عليه في ست صلوات لا يجب عليه قضاؤها (4). دليلنا: هو أن القضاء فرض ثان، والأصل براءة الذمة، وأما اختلاف أخبارنا فقد بينا الوجه فيه في الكتابين المقدم ذكرهما (5)، وقلنا أن ما ورد من أن عليه القضاء محمول على الاستحباب، وما ورد في نفي الوجوب محمول على ظاهره (6). مسألة 18: الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا والأفضل تقديمها في أول الوقت. ومن أصحابنا من قال: تجب بأول الوقت وجوبا مضيقا إلا أنه متى لم يفعلها لم يؤاخذ به عفوا من الله تعالى (7). وقال الشافعي وأصحابه مثل قولنا (8)، وإليه ذهب محمد بن شجاع

(1) انظر الهامش الأول والثاني من المسألة (15) المتقدمة.
(2) المجموع 3: 6.
(3) مسائل أحمد بن حنبل: 49، والاقناع 1: 85، والمجموع 3: 7.
(4) المبسوط 2: 101، والمحلى 2: 233، والمجموع 3: 6 و 7.
(5) التهذيب 4: 243 باب 59، والاستبصار 1: 457 باب 286.
(6) انظر الهامش الثالث من المسألة (15) المتقدمة.
(7) قاله الشيخ المفيد في المقنعة: 14، وحكاه العلامة في المختلف: 73، والمحقق الأردبيلي في مجمع الفائدة والبرهان 2: 25 عن الشيخين في المقنعة والتهذيب. (8) أحكام القرآن لابن العربي 3: 1209، والمجموع 3: 47.

[ 277 ]

البلخي (1) من أصحاب أبي حنيفة. وتستقر الصلاة في الذمة إذا مضى من الوقت مقدار ما يؤدي فيه الفريضة، فمتى جن أو منعه من فعلها مانع كان عليه القضاء على ما بيناه. وقال أبو حنيفة: تجب الصلاة بآخر الوقت (2)، واختلف أصحابه فمنهم من يقول: تجب الصلاة إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار تكبيرة الافتتاح (3)، ومنهم من قال تجب إذا أضاق الوقت ولم يبق إلا مقدار ما يصلي صلاة الوقت (4)، فإذا صلى في أول الوقت اختلف أصحابه، فقال الكرخي (5): تقع واجبة، والصلاة تجب بآخر الوقت أو بالدخول فيها من أول الوقت. ومنهم من قال: إذا صلاها في أول الوقت كانت مراعاة، فإن بقي على صفة التكليف إلى آخر الوقت أجزأت عنه فإن مات أو جن كانت نافلة كما يقولون في الزكاة قبل حلول الحول (6). دليلنا: قوله تعالى: " أقم الصلاة لدلوك الشمس " (7) وقد بينا أن الدلوك هو الزوال (8)، والأمر يقتضي الوجوب عندنا والفور أيضا، فإذا ثبت ذلك

(1) محمد بن شجاع البلخي ويقال له: الثلجي، نسبة إلى ثلج بن عمرو بن مالك، من أصحاب الحسن ابن زياد اللؤلؤي، وتفقه عليه، وروى عن محمد بن أحمد بن شيبه وغيره، وروى عنه يحيى بن أكثم ووكيع مات سنة 266 انظر الجواهر المضية 1: 60، الفوائد البهية: 171 والأنساب للسمعاني 116 / ب.
(2) المغني لابن قدامة 1: 373، والمجموع 3: 47، ومقدمات ابن رشد 1: 109. (3 و 4) المجموع 3: 47.
(5) عبيد الله بن الحسين، أبو الحسن الفقيه الحنفي، توفي سنة 340 ه‍. بالفالج. أخذ عنه أبو بكر الرازي الجصاص مؤلف كتاب أحكام القرآن، والدامغاني والشاشي. الجواهر المضية 1: 336، ومرآة الجنان 2: 333.
(6) المجموع 3: 47.
(7) الاسراء 78.
(8) تقدم في المسألة الثانية من هذا الكتاب.

[ 278 ]

كانت الصلاة واجبة في أول الوقت، وأيضا إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في وجوبها فيه، وإنما اختلفوا في أنها هل هي واجبة مضيقة أو موسعة، فأما الأخبار فهي مختلفة في التضييق والتوسعة، وقد بينا الوجه فيها في الكتابين المقدم ذكرهما، وليست مختلفة في كونها واجبة في أول الوقت. مسألة 19: الأذان عندنا ثمانية عشر كلمة، وفي أصحابنا من قال عشرون كلمة (1)، التكبير في أوله أربع مرات، والشهادتان مرتين مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، حي على خير العمل مرتين، الله أكبر مرتين، لا إله إلا الله مرتين. ومن قال عشرون كلمة قال: التكبير في آخره أربع مرات. وقال الشافعي: الأذان تسع عشرة كلمة في سائر الصلوات، وفي الفجر إحدى وعشرون كلمة، التكبير أربع مرات، والشهادتان ثمان مرات مع الترجيع والدعاء إلى الصلاة وإلى الفلاح مرتين مرتين، والتكبير مرتين والشهادة بالتوحيد مرة واحدة، وفي أذان الفجر التثويب مرتين (2). وقال أبو حنيفة: لا يستحب الترجيع، والباقي مثل قول الشافعي، إلا التثويب فيكون الأذان عنده خمس عشرة كلمة (3).

(1) قاله الشيخ الصدوق قدس سره في الهداية: 30، وحكى الشيخ الطوسي قدس سره في النهاية: 68 في الأذان والإقامة ما لفظه: " وقد روي سبعة وثلاثون فصلا في بعض الروايات، وفي بعضها ثمانية وثلاثون فصلا، وفي بعضها اثنان وأربعون فصلا ".
(2) الأم " مختصر المزني ": 12، وشرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 463، وعمدة القاري 5: 104، ومغني المحتاج 1: 136، وتفسير القرطبي 6: 226، والهداية للمرغيناني 1: 41، وسنن الترمذي 1: 366، وبدائع الصنائع 1: 147، وشرح فتح القدير 1: 168، والمبسوط للسرخسي 1: 128، وبداية المجتهد 1: 102، ونيل الأوطار 2: 16.
(3) الهداية للمرغيناني 1: 41، والمبسوط للسرخسي 1: 129، وشرح فتح القدير 1: 168، واللباب في شرح الكتاب 1: 62، والمجموع 3: 93 - 94، وتفسير القرطبي 6: 227، وشرح النووي لصحيح مسلم =

[ 279 ]

وقال مالك: يستحب الترجيع والتكبير في أوله مرتان فيكون سبع عشرة كلمة (1). وقال أبو يوسف: التكبير مرتان، والترجيع لا يستحب فيه فيكون ثلاث عشرة كلمة (2). وقال أحمد بن حنبل: أن يرجع فلا بأس، وإن لم يرجع فلا بأس. وهذا حكاه أبو بكر بن المنذر (3). مسألة 20: الإقامة سبعة عشر فصلا على ترتيب فصول الأذان، وينقص منه من التكبيرات في أولها تكبيرتين، ويزاد فيها بدلها قد قامت الصلاة مرتين بعد قوله حي على خير العمل، وينقص من التهليل مرة واحدة. ومن أصحابنا من قال: أن عددها اثنان وعشرون فصلا، أثبت عدد فصول الأذان على ما حكيناه (4)، وزاد فيها قد قامت الصلاة مرتين (5). وقال الشافعي: الإقامة أحد عشر كلمة، التكبير مرتان، والشهادتان مرتان، والدعاء إلى الصلاة وإلى الفلاح مرة مرة، والإقامة مرتان، والتكبير والتهليل مرة مرة (6).

= بهامش إرشاد الساري 2: 464، وبداية المجتهد 1: 102. (1) المدونة الكبرى 1: 57، وتفسير القرطبي 6: 227، وبداية المجتهد 1: 102 وشرح الخرشي على مختصر سيدي خليل 1: 229، والمجموع 3: 93، والمبسوط للسرخسي 1: 129، وعمدة القاري 5: 104 و 107، وشرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 463.
(2) شرح معاني الآثار 1: 131 - 132، والمبسوط للسرخسي 1: 129، وبدائع الصنائع 1: 147.
(3) مسائل أحمد بن حنبل: 27، والروض المربع 1: 40، والمجموع 3: 93، وعمدة القاري 5: 107.
(4) حكاه في المسألة التاسعة عشرة.
(5) قاله الشيخ الصدوق في الهداية: 30.
(6) الأم 1: 85، والمجموع 3: 94، ومغني المحتاج 1: 146، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 460، وعمدة القاري 5: 104، والمبسوط 1: 129، وبدائع الصنائع 1: 148، وتفسير القرطبي 6: 227، =

[ 280 ]

وقال في القديم: الإقامة مرة مرة (1) ذكره أبو حامد المروزي: والأول هو المشهور عندهم، وبه قال الأوزاعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وعروة بن الزبير والحسن البصري (2). وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: الإقامة مثنى مثنى مثل الأذان، ويزاد فيها قد قامت الصلاة مرتين فتكون الإقامة عنده أكثر فصولا من الأذان وهي سبع عشرة كلمة (3). وقال مالك وداود: الإقامة عشر كلمات، ولفظ الإقامة مرة واحدة (4). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن ما قلناه من الإقامة والأذان، وإن اختلفوا فيما زاد عليه، وقد بينا الوجه في اختلاف الأحاديث في هذا المعنى في الكتابين المقدم ذكرهما (5). مسألة 21: يستحب أن يكون المؤذن على طهارة فإن كان محدثا، أو جنبا كان الأذان مجزيا، وإن ترك الأفضل.

= وبداية المجتهد 1: 107، وشرح فتح القدير 1: 169، ونيل الأوطار 2: 21، والفتح الرباني 3: 24. (1) الأم (مختصر المزني): 12، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 460، وبداية المجتهد 1: 107، وعمدة القاري 5: 104، ونيل الأوطار 2: 21، والفتح الرباني 3: 26.
(2) مسائل أحمد بن حنبل: 27، والروض المربع 1: 40، والفتح الرباني 3: 26، والمجموع 3: 94، ونيل الأوطار 2: 22، وشرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 2: 460.
(3) الهداية 1: 41، والمبسوط 1: 128، وعمدة القاري 5: 104، وشرح فتح القدير 1: 169، والمجموع 3: 94، والمحلى 3: 153، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 461، وبدائع الصنائع 1: 147 - 148، ونيل الأوطار 2: 22، وتفسير القرطبي 6: 227، وبداية المجتهد 1: 107، والفتح الرباني 3: 26.
(4) المحلى 3: 153، وتفسير القرطبي 6: 227، وبداية المجتهد 1: 107، والمبسوط 1: 129، وبدائع الصنائع 1: 148 والمجموع 3: 94، وعمدة القاري 5: 104، وشرح النووي لصحيح مسلم 2: 460، والفتح الرباني 3: 26، ونيل الأوطار 2: 21.
(5) الاستبصار 1: 305 باب 167 (عدد فصول الأذان والإقامة)، والتهذيب 1: 59 باب 7 (عدد فصول الأذان والإقامة).

[ 281 ]

وإن أذن الجنب في المسجد أو في منارة في المسجد كان عاصيا بلبثه في المسجد، وإن كان الأذان مجزيا، وبه قال الشافعي (1). وقال إسحاق: لا يعتد به (2). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في ذلك، وأيضا الأصل براءة الذمة وإيجاب الطهارة وجعلها شرطا في صحة الأذان يحتاج إلى دليل. مسألة 22: يكره الكلام في الإقامة، ويستحب لمن تكلم أن يستأنفها، وبه قال الشافعي (3). وقال الزهري: إذا تكلم أعادها من أولها (4). دليلنا: إجماع الفرقة وأيضا إيجاب إعادة الإقامة على من قلناه يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 23: يجوز للصبي أن يؤذن للرجال، ويصح ذلك، وبه قال الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: لا يعتد بأذانه للبالغين (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل جوازه، والمنع يحتاج إلى دليل، ولا دليل. وأيضا الأخبار التي وردت بالأذان تتناول البالغين وغيرهم، فهي على عمومها.

(1) الأم 1: 85، والأم (مختصر المزني): 12، والمجموع 3: 103، وعمدة القاري 5: 148، ومغني المحتاج 1: 138.
(2) المجموع 3: 105.
(3) الأم 1: 85 - 86، والمجموع 3: 115.
(4) المجموع 3: 115.
(5) الأم 1: 84، والمجموع 3: 100.
(6) المبسوط 1: 138، حاشية رد المحتار 1: 393، والمجموع 3: 100.

[ 282 ]

وروى الحسن بن عمار (1) عن أبي عبد الله عليه السلام عن أبيه أن عليا كان يقول: لا بأس أن يؤذن الغلام قبل أن يحتلم (2). مسألة 24: أواخر فصول الأذان، والإقامة موقوفة غير معربة. وقال جميع الفقهاء: يستحب بيان الإعراب فيها (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد بينا أن إجماعها حجة. مسألة 25: إذا أذن ثم ارتد جاز لغيره أن يبني على أذانه ويقيم. وقال الشافعي وأصحابه: لا يعتد بذلك، وينبغي أن يستأنف من أوله (4). دليلنا: إنه ثبت أنه حين أذن كان مسلما، فحكمنا بصحته، وإيجاب الإعادة أو استحبابها يحتاج إلى دليل. مسألة 26: من فاتته صلاة أو صلوات يستحب له أن يؤذن ويقيم لكل صلاة منها وإن اقتصر في الصلاة الأولة على الأذان والإقامة، وفي الباقي على الإقامة كان أيضا جائزا، وإن اقتصر على الإقامة في جميعها كان أيضا جائزا. وقال أبو حنيفة: يؤذن ويقيم لكل صلاة (5)، واختلف قول الشافعي،

(1) كذا في جميع النسخ، وقد عده الشيخ المصنف تارة من أصحاب الإمام الباقر وأخرى من أصحاب الإمام الصادق عليهما السلام. هذا وقد نقل الأردبيلي في جامعه رواية إبراهيم بن مهاجر عنه عن أبي عبد الله عليه السلام في ميراث ذوي الأرحام في الاستبصار، وعن أبي جعفر الباقر عليه السلام في ميراث الأعمام في التهذيب. حيث لم نعثر له على رواية في باب الأذان - حسبما استقصيناه - إذا الموجود في المصادر الحديثية إن الرواية عن إسحاق بن عمار فلاحظ. ويحتمل اتحاده مع الدهان. رجال الشيخ: 114 و 183، وتنقيح المقال 1: 301، ومعجم رجال الحديث 5: 75.
(2) التهذيب 2: 53 حديث 181، و 3: 29 حديث 103، والاستبصار 1: 423 حديث 1632، وفي الجميع عن إسحاق بن عمار، وكذا للحديث ذيل.
(3) حاشية رد المحتار 1: 385 - 386.
(4) الأم 1: 86، والمجموع 3: 99.
(5) الهداية 1: 42، والمبسوط 1: 136، وحاشية رد المحتار 1: 390، وشرح فتح القدير 1: 172 واللباب في =

[ 283 ]

فقال في الأولى: يؤذن لها ويقيم لكل واحدة منها (1)، وإنما الأذان للصلاة المفعولة في وقتها، وبه قال مالك والأوزاعي وإسحاق (2). وقال في القديم: يؤذن ويقيم للأولى وحدها ثم يقيم للتي بعدها، وبه قال أحمد وأبو ثور (3). وقال أبو بكر بن المنذر: هذا هو الصحيح، وإليه ذهب كثير من أصحابنا (4). وقال في الاملاء: إن أمل اجتماع الناس أذن وأقام، وإن لم يؤمل الناس أقام ولم يؤذن (5). قال أبو إسحاق: ولا فرق بين الفائتة والحاضرة على قوله في الاملاء فإنه إذا كانت الصلاة في وقتها وكان في موضع لا يؤمل اجتماع الناس لها لم يستحب له الأذان لها، وإنما يستحب لها الإقامة (6). وأما إذا جمع بين الصلاتين فإن جمع بينهما في وقت الأولى أذن وأقام للأولى وأقام للثانية كما فعل رسول الله صلى الله عليه وآله بعرفة (7)، وإن جمع بينهما في وقت الثانية كان في الأذان الأقاويل الثلاثة التي تقدم ذكرها لأن الأولى مفعولة في غير وقتها (8).

= شرح الكتاب 1: 63، والمجموع 3: 85. (1) المجموع 3: 84، ومغني المحتاج 1: 135.
(2) المجموع 3: 85.
(3) الأم 1: 86 - 87، والمجموع 3، 84.
(4) المجموع 3: 84.
(5) المجموع 3: 85.
(6) المجموع 3: 83.
(7) سنن النسائي 2: 15 و 16 و 17.
(8) حكاه النووي في المجموع 3: 86 مثله، وفتح العزيز بهامش المجموع 3: 137.

[ 284 ]

دليلنا: إجماع الفرقة وأيضا فإذا أذن وأقام لا خلاف أن صلاته كاملة فاضلة، وإذا لم يفعل ليس على كمالها دليل، فالاحتياط يقتضي فعلهما. مسألة 27: من جمع بين صلاتين ينبغي أن يؤذن للأولى، ويقيم للثانية سواء كان ذلك في وقت الثانية أو الأولى، وفي أي موضع كان. وقال الشافعي: إذا جمع بينهما في وقت الثانية ففيه ثلاثة أقوال، أحدها مثل ما قلناه (1)، والثاني: لا يؤذن لها ولكن يقيم لها ولما بعدها (2). والثالث: إن أمل جماعة أذن لها (3)، والذي صححه أصحابه أن يؤذن للأولى ويقيم لكل واحدة منهما مثل قولنا (4). وقال أبو حنيفة: لا يؤذن ولا يقيم للعشاء بالمزدلفة (5). دليلنا: إجماع الفرقة وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بأذان واحد، وإقامتين (6) وهذا نص. مسألة 28: الأذان والإقامة سنتان مؤكدتان في صلاة الجماعة، وفي أصحابنا من قال: هما واجبان في صلاة الجماعة (7)، وقال الشافعي: هما سنتان مؤكدتان في صلاة الجماعة مثل قولنا (8). وقال أبو سعيد الاصطخري من أصحابه: أنهما فرض على الكفاية (9)،

(1) الأم 1: 86، والمجموع 3: 83 - 85، وعمدة القاري 5: 88.
(2) المجموع 3: 83 - 85، وعمدة القاري 5: 89.
(3) (4) المجموع 3: 83 - 85.
(5) المبسوط 4: 62، والهداية للمرغيناني 1: 143.
(6) السنن الكبرى 5: 121.
(7) جمل العلم والعمل: 63، والمقنعة: 15، وذهب الشيخ المصنف في النهاية: 64 إلى عدم جواز تركهما معا في الجماعة، والمبسوط 1: 95 إلى وجوبهما صريحا.
(8) المجموع 3: 82، وعمدة القاري 5: 105، وبداية المجتهد 1: 103، ونيل الأوطار 2: 10.
(9) المجموع 3: 80، وعمدة القاري 5: 104، ونيل الأوطار 2: 10.

[ 285 ]

ويجب أن يؤذن حتى يظهر الأذان لكل صلاة فإن كانت قرية فيجزي أذان واحد فيها، وإن كان مصر فيه محال كثيرة أذن في كل محلة حتى يظهر الأذان في البلد، وإن اتفق أهل القرية أو البلد على ترك الأذان قوتلوا حتى يؤذنوا. وقال باقي أصحابه: ليس ذلك مذهب الشافعي، ولا يعرف له ذلك (1). وقال داود: هما واجبان ولا يعيد الصلاة من تركهما (2). وقال الأوزاعي: يعيد الصلاة في الوقت، وإن فات الوقت فلا يعيدها (3). وقال عطاء: إن نسي الإقامة أعاد الصلاة (4). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة وإيجاب الشئ عليها يحتاج إلى دليل. وأيضا قوله تعالى: " يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم " (5) فأوجب على من يقيم الصلاة الوضوء. ولم يوجب عليه الأذان والإقامة. وقد بينا الوجه في اختلاف أخبارنا في الكتابين المقدم ذكرهما (6). مسألة 29: إذا سمع المؤذن يؤذن يستحب للسامع أن يقول مثل ما يقوله إلا أن يكون في حال الصلاة سواء كانت فريضة أو نافلة، وبه قال الشافعي، وقال مالك: إذا كنت في مكتوبة فلا تقل مثل ما يقول المؤذن، وإذا كنت في نافلة فقل مثل

(1) قال النووي في المجموع 3: 82 وقال الأصحاب: لا يقاتلون. وقال أبو إسحاق المروزي: يقاتلون وهو باطل لا أصل له.
(2) قال ابن حزم في المحلى 3: 140، الأذان والإقامة أمر بالمجئ إلى الصلاة، وليس يجب ذلك إلا في الفرائض المتعينة. وانظر عمدة القاري 5: 104، وتفسير القرطبي 6: 226، ونيل الأوطار 2: 10، وبداية المجتهد 1: 103.
(3) المجموع 3: 82، وعمدة القاري 5: 104، ونيل الأوطار 2: 10. (4) المجموع 3: 82، وعمدة القاري 5: 104، ونيل الأوطار 2: 10.
(5) المائدة: 6.
(6) التهذيب 2: 49 باب 6 الأذان والإقامة، والاستبصار 1: 299 - 310 أبواب الأذان.

[ 286 ]

قوله في التكبير والتشهد (1)، وبه قال الليث بن سعد إلا أنه قال: ويقول في موضع حي على الصلاة لا حول ولا قوة إلا بالله (2). دليلنا على جوازه واستحبابه خارج الصلاة: إجماع الفرقة واستحباب ذلك في حال الصلاة يحتاج إلى دليل إلا أنه متى قال ذلك في الصلاة لم يحكم ببطلانها لأن عندنا يجوز الدعاء في حال الصلاة. مسألة 30: لا يستحب التثويب في حال الأذان ولا بعد الفراغ منه، وهو قول القائل (الصلاة خير من النوم) في جميع الصلوات، وللشافعي في خلال الأذان قولان، أحدهما: أنه مسنون في صلاة الفجر دون غيرها من الصلوات (3)، والثاني: أنه مكروه مثل ما قلناه، كرهه في الأم (4)، واستحبه في مختصر البويطي. وقال أبو إسحاق: فيه قولان، والأصح الأخذ بالزيادة، ورووا ذلك عن علي عليه الصلاة والسلام، وبه قال مالك وسفيان وأحمد وإسحاق (5). وقال محمد بن الحسن في الجامع الصغير كان التثويب الأول بين الأذان والإقامة (الصلاة خير من النوم) ثم أحدث الناس بالكوفة (حي على الصلاة، حي على الفلاح) بينهما وهو حسن (6).

(1) المدونة الكبرى 1: 60، وروى النووي في المجموع 3: 120 عن مالك ثلاث روايات احداها: يتابعه والثانية: لا، والثالثة: يتابعه في النافلة دون الفرض.
(2) نسب العيني هذا القول في عمدة القاري 5: 120 إلى (الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد وأحمد ومالك في رواية: يقول سامع الأذان مثل ما يقول المؤذن إلا في الحيعلتين فإنه يقول فيهما لا حول ولا قوة إلا بالله).
(3) الأم (مختصر المزني): 12، والمجموع 3: 92.
(4) الأم 1: 85، والأم (مختصر المزني): 12، والمجموع 3: 92، وبدائع الصنائع 1: 148.
(5) تفسير القرطبي 6: 228، والمجموع 3: 94.
(6) بدائع الصنائع 1: 148.

[ 287 ]

واختلف أصحاب أبو حنيفة، فقال الطحاوي في اختلاف الفقهاء مثل قول الشافعي. وقال أبو بكر الرازي: (1) التثويب ليس من الأذان، وأما بعد الأذان وقبل الإقامة فقد كرهه الشافعي وأصحابه، وسنذكر ذلك. ومنهم من قال: يقول حي على الصلاة، حي على الفلاح (2). دليلنا: على نفيه في الموضعين أن إثباته في خلال الأذان وبين الأذان والإقامة يحتاج إلى دليل وليس في الشرع ما يدل عليه. وأيضا عليه إجماع الفرقة. وأيضا قال الشافعي في الأم: أكرهه لأن أبا محذورة لم يذكره، ولو كان مسنونا لذكره أبو محذورة لأنه مؤذن النبي صلى الله عليه وآله مع ذكره لسائر فصول الأذان. وروي عن بلال أنه أذن ثم جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يؤذنه بالصلاة، فقيل له: إن رسول الله صلى الله عليه وآله نائم. فقال بلال: الصلاة خير من النوم مرتين (3).

(1) أبو بكر، أحمد بن علي الرازي الجصاص. كان إمام الحنفية في عصره، تفقه على أبي سهل الزجاج وأبي الحسن الكرخي، واستقل بالتدريس في بغداد، تخرج عليه جمع، روى عن الأصم النيسابوري والأصبهاني وابن قانع القاضي والطبراني وغيرهم، له مصنفات منها أحكام القرآن وغيره توفي سنة (370 ه‍). الفوائد البهية: 27 وتاريخ بغداد 4: 314 ومرآة الجنان 2: 394 وشذرات الذهب 3: 71.
(2) حكى الترمذي في سننه 1: 380 عن إسحاق قوله " التثويب المكروه هو شئ أحدثه الناس بعد النبي (ص) إذا أذن المؤذن فاستبطأ القوم، قال بين الأذان والإقامة: قد قامت الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح "، وقال الزيلعي الحنفي في نصب الراية 1: 279، فقال أصحابنا هو أن يقول بين الأذان والإقامة " حي على الصلاة، حي على الفلاح مرتين ".
(3) سنن ابن ماجة 1: 237 حديث 716، والسنن الكبرى 1: 422، ومستدرك الحاكم 1: 422، والمصنف لعبد الرزاق 1: 472، وكنز العمال 8: 356 حديث 23246 - 23249.

[ 288 ]

مسألة 31: التثويب في أذان العشاء الآخرة بدعة، وبه قال جميع الفقهاء، إلا أنهم قالوا: ليس بمستحب، ولم يقولوا بدعة (1). وقال الحسن بن صالح بن حي: أنه مستحب فيه وفي الفجر على حد واحد (2). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء (3). مسألة 32: لا يستحب الترجيع في الأذان، وهو تكرار الشهادتين مرتين أخريين، وبه قال أبو حنيفة (4). وقال الشافعي: يستحب أن يقول " أشهد أن لا إله إلا الله " مرتين، و " أشهد أن محمدا رسول الله " مرتين يخفض بذلك صوته ثم يرجع فيرفع صوته فيقول ذلك مرتين مرتين في جميع الصلوات (5). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة، واستحباب ذلك يحتاج إلى دليل. وأيضا روى محمد بن عبد الله بن زيد (6) الأذان (7)، ولم يذكر فيه

(1) المجموع 3: 97، والهداية 1: 41، والأصل 1: 129، وشرح فتح القدير 1: 171.
(2) المجموع 3: 98، ونيل الأوطار 2: 18، والمحلى 3: 161.
(3) انظر المسألة (30).
(4) الهداية 1: 41، والمبسوط 1: 128، واللباب في شرح الكتاب 1: 62 - 63، بدائع الصنائع 1: 147 و 148، وحاشية رد المحتار 1: 386، وشرح فتح القدير 1: 168، والمجموع 3: 93، وتفسير القرطبي 6: 227. ونيل الأوطار 2: 17.
(5) الأم 1: 84، والأم (مختصر المزني): 12، والمجموع 3: 91، والهداية 1: 41، والمبسوط 1: 128 وبدائع الصنائع 1: 147، وتفسير القرطبي 6: 227، وشرح فتح القدير 1: 168، ونيل الأوطار 2: 17.
(6) محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي، روى عن أبيه وأبي مسعود الأنصاري الأذان وروى عنه أبو سلمه ومحمد بن إبراهيم التميمي المدني، ذكره ابن حيان في ثقاة التابعين، وقال ابن الأثير: إنه ولد على عهد رسول الله (ص). التاريخ الكبير 1: 123، والإصابة 4: 452، وأسد الغابة 4: 324.
(7) سنن الترمذي 1: 358 حديث 189، وسنن ابن ماجه 1: 232 حديث 706، ومسند أحمد بن حنبل =

[ 289 ]

الترجيع وهو الأصل في الأذان. مسألة 33: يكره أن يقول بين الأذان والإقامة (حي على الصلاة، حي على الفلاح) وبه قال الشافعي (1)، وقال محمد بن الحسن: كان التثويب الأول (الصلاة خير من النوم) مرتين بين الأذان والإقامة، ثم أحدث الناس (حي على الصلاة، حي على الفلاح) مرتين بينهما وهو حسن (2). وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: يقول بعد الأذان حي على الصلاة، حي على الفلاح بقدر ما يقرء عشر آيات (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل براءة الذمة. وروي أن عمر أنكر ذلك على أبي محذورة (4) لما أذن بالصلاة، فقال: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فقال ويحك أمجنون أنت؟ ما كان في دعائك الذي دعوتنا ما نأتيك حتى تأتنا بهذا (5). فدل على إنه مكروه لأنه لو لم يكره ذلك ما أنكره. مسألة 34: الأذان لا يختص بمن كان من نسل مخصوص، بل كل من كان على ظاهر الاسلام والعدالة يجوز أن يكون مؤذنا. وقال الشافعي: أحب أن يكون من ولد من جعل النبي صلى الله عليه وآله

= 4: 43 والسنن الكبرى 1: 390، وسنن أبي داود 1: 135 حديث 499، وسنن الدارمي 1: 268 (باب بدء الأذان)، وسيرة ابن هشام 2: 154. (1) الأم 1: 85.
(2) الأصل 1: 130، والمبسوط 1: 130، واللباب في شرح الكتاب 1: 63.
(3) نصب الراية 1: 279، والمبسوط 1: 130.
(4) أبو محذورة المؤذن القرشي الجمحي اختلف في اسمه، فقيل سمرة بن معير، وقيل أوس بن معير أسلم يوم فتح مكة، وأقام بها ولم يهاجر، أقره النبي (ص) على الأذان بمكة. توفي سنة 79 وقيل 59. الإصابة 2: 79، و 4: 175، والاستيعاب 2: 77، و 4: 176، ومرآة الجنان 1: 131.
(5) كنز العمال 8: 34 حديث 23168 وفيه من دون جملة (ويحك أمجنون أنت؟).

[ 290 ]

فيهم الأذان مثل أبي محذورة وسعد القرظ (1) فإن انقرضوا جعل في أولاد واحد من الصحابة، فإن انقرضوا نظر السلطان فيه وجعله فيمن يراه من خيار المسلمين (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا من خص ذلك في نسب معين يحتاج إلى دليل والأخبار الواردة في الحث على الأذان عامة في كل أحد. مسألة 35: لا بأس أن يؤذن اثنان واحد بعد الآخر، وإن أتيا بذلك موضعا واحدا كان أفضل، ولا ينبغي أن يزاد على ذلك. وقال الشافعي: المستحب أن يؤذن واحد بعد الآخر، ويجوز أن يكونوا أكثر من اثنين، فإن كثروا وخيف فوات أول الوقت قطع الإمام بينهم الأذان وصلى (3). دليلنا: إجماع الفرقة على ما رووه من أن الأذان الثالث بدعة فدل ذلك على جواز الاثنين، والمنع عما زاد على ذلك. مسألة 36: لا يجوز أخذ الأجرة على الأذان، فإن أعطى الإمام المؤذن شيئا من أموال المصالح كان جائزا. وقال الشافعي: يجوز أخذ الأجرة على الأذان (4). وقال بعض المتأخرين من أصحابه حكاه ابن المنذر: أنه يجوز أخذ الرزق،

(1) سعد بن عائذ المؤذن المدني مولى عمار بن ياسر المعروف بسعد القرظ لإتجاره به - وهو أوراق وقشر شجرة ذات شوك يدبغ بورقها وقشرها، ولها زهرة صفراء فيها حبة خضراء طيبة الرائحة ويسمى أيضا بالسلم - روى عن النبي (ص) وأذن في حياته بمسجد قباء ثم المسجد النبوي بعد بلال. وروى عنه ابناه عمر وعمار وبقي إلى زمن الحجاج. الإصابة 2: 27، والاستيعاب 2: 51، والتاريخ الكبير 4: 46، ولسان العرب 15: 188.
(2) المجموع 3: 97، ومغني المحتاج 1: 138، وتفسير القرطبي 6: 227.
(3) الأم 1: 84، والمجموع 3: 124، ونيل الأوطار 2: 35.
(4) الأم 1: 84، والمجموع 3: 127، وبدائع الصنائع 1: 152، ونيل الأوطار 2: 44.

[ 291 ]

ولا يجوز أخذ الأجرة (1)، والمذهب الأول به قال مالك (2). وقال أبو حنيفة: لا يجوز أخذ الأجرة، ويجوز أخذ الرزق (3)، وبه قال الأوزاعي (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لعثمان بن أبي العاص الثقفي (5) " إتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجرا " (6)، فدل هذا على أن أخذ الأجرة عليه محرم. مسألة 37: ليس بمسنون أن يؤذن الانسان ويدور في الأذان في المأذنة، ولا في موضعة، وبه قال الشافعي (7). وقال أبو حنيفة: يستحب ذلك (8).

(1) الأم 1: 84، والمجموع 3: 127، وتفسير القرطبي 6: 232، ونيل الأوطار 2: 44.
(2) قال مالك في المدونة الكبرى 1: 62 (لا بأس بإجارة المؤذنين)، وتفسير القرطبي 6: 231، وفتح الرحيم 1: 59، والمحلى 3: 146، والمجموع 3: 127، ونيل الأوطار 2: 44.
(3) المبسوط 1: 140، وبدائع الصنائع 1: 152، والمحلى 3: 146، والمجموع 3: 127، ونيل الأوطار 2: 44.
(4) المجموع 3: 127، وتفسير القرطبي 6: 231، ونيل الأوطار 2: 44.
(5) عثمان بن أبي العاص بن بشر بن عبد ربه بن دهمان الثقفي يكنى أبا عبد الله كان من جملة وفد ثقيف إلى النبي (ص) أسلم مع الوفد فأستعمله النبي (ص) على الطائف وولاه عمر بن الخطاب على عمان والبحرين، سكن البصرة، روى عن النبي (ص) وروى عنه يزيد بن الحكم بن أبي العاص والحسن البصري وغيره. مات سنة 50 وقيل 51 ه‍. أسد الغابة 3: 372، والاستيعاب 3: 91، والإصابة 2: 453.
(6) السنن الكبرى 1: 429 ذيل الحديث ولفظه (قال: قلت يا رسول الله اجعلني إمام قومي. قال: أنت إمامهم فاقتد بأضعفهم واتخذ...)، وسنن أبي داود 1: 146 حديث 531، وسنن النسائي 2: 23، ومسند أحمد بن حنبل 4: 217 - 218.
(7) قال النووي في المجموع 3: 107 (ولا يدور ولا يستدبر القبلة سواء كان على الأرض أو على منارة وبه قال النخعي والثوري والأوزاعي وأبو ثور وأحمد في رواية). ونيل الأوطار 2: 30.
(8) الهداية 1: 41، والمبسوط 1: 130، وشرح فتح القدير 1: 170، ونيل الأوطار 2: 30 والمجموع 3: 107.

[ 292 ]

دليلنا: أن استحباب ذلك يحتاج إلى دليل، وأيضا أجمعت الفرقة على أن استقبال القبلة بالأذان مستحب، وذلك يمنع من الدوران. مسألة 38: يجوز أن يؤذن واحد، ويقيم آخر، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (1). وقال الشافعي: الأفضل أن يتولاهما واحد (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا الأصل جواز ذلك، والمنع من ذلك يحتاج إلى دليل. مسألة 39: تقديم الصلاة في أول وقتها أفضل في جميع الصلوات، وفي أصحابنا من قال: لا يجوز تأخيرها إلا لعذر (3)، ووافقنا الشافعي في أن تقديمها أفضل في جميع الصلوات إلا أن يبرد بها في صلاة الظهر بشرط أن يكون الوقت حارا في بلاد حارة وينتظر مجئ قوم إلى الجماعة في مسجد ينتابه الناس (4)، فإذا اجتمعت هذه الشروط فمنهم من قال: أن التأخير أفضل، ومنهم من قال: أن التأخير رخصة، ولا يجوز عندهم تأخيرها مع الايثار إلى آخر الوقت (5)، وكذلك قولهم في الجمعة أن تقديمها أفضل (6). فأما الصلاة الصبح فإن التغليس فيها أفضل عندنا، وعند الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وهو مذهب عمر وعثمان وأبي موسى الأشعري وعبد الله بن

(1) نصب الراية 1: 279، والمبسوط 1: 132، والمجموع 3: 121، وتفسير القرطبي 6: 229، ونيل الأوطار 2: 42.
(2) الأم 1: 86، والمجموع 3: 121، ونيل الأوطار 2: 42، وتفسير القرطبي 6: 229، ونصب الراية 1: 279.
(3) قاله الشيخ المفيد في المقنعة: 14.
(4) المجموع 3: 59، وسنن الترمذي 1: 279.
(5) المجموع 3: 59. (6) المجموع 3: 60.

[ 293 ]

عمر (1). وقال أبو حنيفة والثوري: الاسفار أفضل (2)، وبه قال النخعي (3)، و رووا ذلك عن علي عليه السلام وعبد الله بن مسعود (4). دليلنا: إجماع الفرقة المحقة فإنهم لا يختلفون في ذلك، وقد ثبت أنه حجة، وأيضا فقد ثبت أنه مأمور في هذا الوقت، والأمر عندنا يقتضي الفور، وأيضا الاحتياط يقتضي تقديمه فإنه لا يأمن الحوادث. وأيضا قوله تعالى " حافظوا على الصلوات " (5) ومن المحافظة أدائها في أول الوقت. وأما الظهر فكذلك تقديمها أفضل فإن كان الحر شديدا جاز تأخيرها قليلا رخصة، وقد بينا اختلاف أصحاب الشافعي في ذلك (6)، وفي الجمعة لهم فيها قولان في جواز الابراد (7). وكذلك العصر تقديمها أفضل، وبه قال الشافعي سواء كان ذلك في الشتاء أو الصيف (8)، وبه قال الأوزاعي وأحمد وإسحاق (9). وقال أبو حنيفة: تأخيرها أفضل (10)، وقال سفيان الثوري مثل ذلك.

(1) الأم 1: 74، وشرح معاني الآثار 1: 180 - 182، والمجموع 3: 51، والمبسوط 1: 145.
(2) المبسوط 1: 145، وسنن الترمذي 1: 290، والمجموع 3: 51.
(3) المجموع 3: 51.
(4) شرح معاني الآثار 1: 182، والمجموع 3: 51.
(5) البقرة: 238.
(6) الأم 1: 72، والمجموع 3: 59.
(7) الأم 1: 72 - 73، والمجموع 3: 59 - 60.
(8) الأم 1: 73، والمجموع 3: 54.
(9) حكى الترمذي في السنن 1: 300 ذلك عن عبد الله بن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق.
(10) المبسوط 1: 147، والمجموع 3: 54.

[ 294 ]

دليلنا: ما قدمناه في الصلاة الأولى. وأما المغرب فتقديمها أفضل بلا خلاف (1). والعشاء الآخرة عندنا تقديمها أفضل، وبه أكثر الروايات، وقد وردت رواية في جواز تأخيرها إلى ثلث الليل (2). وقال الشافعي في القديم وفي الاملاء: تقديمها أفضل (3). وقال أبو إسحاق: اختيار الشافعي في الجديد أن تأخيرها أفضل، وهو المشهور (4). وقال غير أبي إسحاق: هذا القول لا يعرف للشافعي، والمشهور الأول (5). دليلنا: ما قدمنا ذكره فلا وجه لإعادته. مسألة 40: الصلاة الوسطى هي الصلاة الأولى، وبه قال زيد بن ثابت وعائشة (6). وقال الشافعي: هي صلاة الصبح (7)، وبه قال مالك (8). وحكى مالك في الموطأ أن ذلك مذهب علي عليه الصلاة والسلام وابن

(1) سنن الترمذي 1: 305، والمبسوط 1: 147، والمجموع 3: 55.
(2) الاستبصار 1: 267 ذيل حديث 965 ما لفظه (وقال: وقت العشاء حين يغيب الشفق إلى ثلث الليل)، و 1: 272 حديث 986 و 988، والتهذيب 2: 31، 261، 262 حديث 95، 1041، 1043.
(3) المجموع 3: 40 و 56، والمبسوط 1: 147. (4) المجموع 3: 56.
(5) المجموع 3: 57.
(6) سنن أبي داود 1: 112 (باب وقت العصر)، وسنن البيهقي 1: 458، والدر المنثور 1: 301، وأحكام القرآن للجصاص 1: 442، والمجموع 3: 61، وتفسير القرطبي 3: 209، ونيل الأوطار 1: 401.
(7) المجموع 3: 60، وسنن البيهقي 1: 461، ومقدمات ابن رشد 1: 97.
(8) مقدمات ابن رشد 1: 99، وتفسير القرطبي 3: 211، والمجموع 3: 60.

[ 295 ]

عباس (1). وقال أبو حنيفة: هي صلاة العصر (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وقوله تعالى: " وقوموا لله قانتين " (3) لا يدل على أنها الفجر لأن القنوت فيها. لأن عندنا أن القنوت في كل صلاة. مبحث مسائل القبلة مسألة 41: الكعبة قبلة لمن كان في المسجد الحرام، والمسجد قبلة لمن كان في الحرم، والحرم قبلة لمن كان خارجا عنه، وخالف جميع الفقهاء في ذلك، وقالوا القبلة الكعبة لا غير، ثم اختلفوا فمنهم من قال: كلف الانسان التوجه إلى عين الكعبة (4)، ومنهم من قال إلى الجهة التي فيها الكعبة (5)، وكلا القولين لأصحاب الشافعي. وقال أبو حنيفة: كلف الجهة التي فيها الكعبة (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا فلو كلف التوجه إلى عين الكعبة لوجب إذا كان صف طويل خلف الإمام أن تكون صلاتهم أو صلاة أكثرهم إلى غير القبلة، ويلزمهم أن يصلوا حول الإمام دورا كما يصلى في جوف المسجد وكل

(1) الموطأ 1: 139 (8) باب صلاة الوسطى، حديث 28، وتفسير القرطبي 3: 210، وسنن البيهقي 1: 461.
(2) قال النووي في المجموع 3: 61 وقال طائفة: هي العصر، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وداود وابن المنذر، وتفسير القرطبي 3: 210، ومقدمات ابن رشد 1: 99.
(3) البقرة: 238.
(4) الأم 1: 94، والمجموع 3: 192، و 208، وحاشية الجمل على شرح المنهج 1: 313.
(5) الأم 1: 94، ونيل الأوطار 2: 180، وحاشية الجمل على شرح المنهج 1: 313.
(6) الهداية 1: 45، ومراقي الفلاح: 34، والمجموع 3: 208، وبداية المجتهد 1: 108، ونيل الأوطار 2: 180.

[ 296 ]

ذلك باطل بالاجماع وليس لهم أن يقولوا إنما كلف الجهة هربا من ذلك لأن جهات القبلة أيضا غير منحصرة بل جهة كل واحد من المصلين غير جهة صاحبه، ولا يمكن أن تكون الكعبة في الجهات كلها، فالسؤال لازم لهم ولا يلزمنا مثل ذلك لأنا نقول إن فرضهم التوجه إلى الحرم والحرم طويل يمكن أن يكون كل واحد من الجماعة متوجها إلى جزء منها فلا تبطل صلاتهم لذلك. وروى ابن عقده (1) بإسناده عن الجعفي أبي الوليد (2) قال: سمعت جعفر ابن محمد عليه السلام يقول: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة للناس جميعا (3). وروى مكحول (4) عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: قال رسول الله

(1) أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد السبيعي الهمداني الكوفي، جليل القدر عظيم المنزلة، أمره في الثقة والجلالة وعظم الحفظ أشهر من أن يذكر له مؤلفات كثيرة مات سنة 333 زيديا جاروديا، روى جميع كتب من سبقه من الشيعة وصنف لهم وذكر أصولهم، حكى الدار قطني: إنه أجمع أهل الكوفة إنه لم ير من زمن ابن مسعود أحفظ منه. رجال النجاشي: 73، وتنقيح المقال 1: 85، والفهرست: 28، ولسان الميزان 1: 263. (2) عده الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام روى عنه أحمد بن الحرث الأنماطي، وثعلبة ابن الضحاك وإسماعيل السراج وصفوان بن يحيى. رجال الطوسي: 107 وجامع الرواة 1: 122، وتنقيح المقال 1: 172.
(3) التهذيب 2: 44 حديث 140، وفي 139 بأدنى تفاوت في اللفظ واختلاف في السند وكذا في الفقيه 1: 177 حديث 841 وقريب منه ما في العلل 2: 8 حديث 2.
(4) مكحول: مشترك بين عدة من الرجال، وسر عدم تمييزه روايته عن عبد الله بن عبد الرحمن المجهول ذكره في كتب الرجال، ولكن الظاهر أنه مكحول الشامي لكثرة القرائن التي تؤيد ذلك، منها روايته مرسلا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكونه في طبقة التابعين، والشامي: هو أبو عبد الله أو أبو أيوب ابن أبي مسلم بن شاذل بن سعد الكابلي الهذلي، مولاهم الدمشقي، روى تدليسا عن أبي وعبادة بن الصامت وعائشة وأم أيمن وغيرهم. وروى عنه الأوزاعي وعبد الرحمن بن يزيد والحجاج بن أرطاة وغيرهم، وقد اختلف في وثاقته، مات سنة 113 وقيل 112. أسد الغابة 4: 412، تهذيب التهذيب 10: 289، وشذرات الذهب 1: 146، وطبقات الفقهاء: 53، ومرآة الجنان 1: 243.

[ 297 ]

صلى الله عليه وآله: الكعبة قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الآفاق (1). مسألة 42: على المصلي إلى قبلة أهل العراق أن يتياسر قليلا، ولم يعرف ذلك أحد من الفقهاء إلا ما حكاه أبو يوسف في كتاب الزوال، إن حماد بن زيد (2) كان يقول ينبغي أن يتياسر عندنا بالبصرة (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وروى المفضل بن عمر (4) قال: سألت أبا عبد الله عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة، وعن السبب فيه، فقال: إن الحجر الأسود لما أنزل من الجنة ووضع في موضعه جعل أنصاب الحرم من حيث يحلقه النور نور الحجر فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال، وعن يسارها ثمانية أميال كلها اثنا عشر ميلا، فإذا انحرف الانسان ذات اليمين خرج عن حد القبلة لقلة أنصاب الحرم، وإذا انحرف الانسان ذات اليسار لم يكن خارجا عن حد القبلة (5).

(1) الرواية كما في السنن الكبرى للبيهقي 2: 9 " عطاء عن ابن عباس أن رسول الله (ص) قال: البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي ".
(2) حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، أبو إسماعيل البصري مولى آل جرير، وكان ضريرا تلمذ على أبي حنيفة، وروى عن ثابت البناني وأنس بن سيرين وعبد العزيز بن صهيب وغيرهم. وروى عنه ابن المبارك وابن مهدي وابن وهب وابن عيينة والثوري، مات سنة 197. تهذيب التهذيب 3: 9، والجواهر المضية: 225، ومرآة الجنان 1: 377.
(3) حكاه أيضا أبو الفتوح الرازي في تفسيره 1: 360.
(4) المفضل بن عمر الجعفي أبو عبد الله، عده الشيخ في أصحاب الإمام الصادق (ع) تارة وأخرى في أصحاب الكاظم (ع) وقد وثقه الشيخ المفيد في إرشاده، وعده من شيوخ أصحاب الإمام الصادق وخاصته وبطانته. رجال الطوسي: 314 و 360، وتنقيح المقال 3: 238.
(5) من لا يحضره الفقيه 1: 178 حديث 842، والتهذيب 2: 142، وعلل الشرائع 2: 7 الباب 3 الحديث الأول.

[ 298 ]

مسألة 43: المتنفل في حال السفر يجوز له أن يصلي على الراحلة، وفي حال المشي، ويتوجه إلى القبلة في حال تكبيرة الاحرام لا يلزمه أكثر من ذلك. وقال الشافعي: يلزمه في حال تكبيرة الاحرام وحال الركوع والسجود، ولا يلزمه فيما عداه (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى " أينما تولوا فثم وجه الله " (2). وروي عن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام أنهم قالوا هذا في النوافل خاصة (3) فينبغي حمله على عمومه. وأيضا روى إبراهيم الكرخي (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: إني أتحرى على أن أتوجه إلى القبلة في المحمل فقال: ما هذا الضيق أما لك برسول الله صلى الله عليه وآله أسوة؟ (5). وروى ابن أبي نجران (6) عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن

(1) الأم 1: 97، والمجموع 3: 337، والفتح الرباني 3: 126.
(2) البقرة: 115.
(3) الكافي 3: 440 حديث 5 و 8 و 9، ومن لا يحضره الفقيه 1: 285 حديث 1298، والتهذيب 3: 230 حديث 591، وتفسير علي بن إبراهيم: 50، وتفسير العياشي 1: 56 حديث 80 و 82، والنهاية 64، وكشف الغمة 2: 350، ومجمع البيان 1: 228.
(4) إبراهيم الكرخي: ترجمه أصحاب الرجال، وروت كتب الأخبار عنه تارة بهذا الاسم، وأخرى باسم إبراهيم بن زياد الكرخي، وأخرى إبراهيم بن أبي زياد الكرخي إلى غيره، عده الشيخ في أصحاب الإمام الصادق (ع) بعنوان إبراهيم الكرخي البغدادي ووثق برواية ابن أبي عمير، وصفوان بن يحيى والحسن بن محبوب. رجال الشيخ: 154، وجامع الرواة 1: 30، وتنقيح المقال 1: 11.
(5) من لا يحضره الفقيه: 1: 285 حديث 1295، والتهذيب 3: 229 حديث 586.
(6) عبد الرحمن بن أبي نجران التميمي الكوفي مولى، عده الشيخ تارة في أصحاب الإمام الرضا (ع) وأخرى في أصحاب الإمام الجواد (ع)، وذكر النجاشي إن اسم أبي نجران عمر بن مسلم واستمر قائلا: إن عبد الرحمن ثقة ثقة معتمد على ما يرويه وله كتب. رجال الشيخ: 380 و 430، والفهرست للشيخ: 109، وتنقيح المقال 2: 139.

[ 299 ]

الصلاة بالليل في السفر في المحمل، قال: إذا كنت على غير القبلة فاستقبل القبلة ثم كبر وصل حيث ذهب بك بعيرك (1). مسألة 44: يجوز صلاة النافلة على الراحلة في السفر مع الاختيار سواء كان السفر طويلا أو قصيرا، وبه قال الشافعي (2). وقال مالك: لا يجوز ذلك إلا في السفر الطويل (3). دليلنا على ذلك: الآية التي قدمناها (4)، والاجماع من الطائفة المحقة، وعموم الأخبار (5) فمن خصصها فعليه الدليل. مسألة 45: يجوز صلاة النافلة على الراحلة في غير السفر، وهو مذهب أبي سعيد الاصطخري من أصحاب الشافعي.
(6). وقال باقي أصحابه: لا يجوز (7). دليلنا: إن المنع من ذلك يحتاج إلى دليل، وعليه إجماع الفرقة. وروى حماد بن عثمان عن أبي الحسن الأول عليه السلام (8) في الرجل

(1) التهذيب 3: 233 حديث 606 وذيل الحديث: قلت جعلت فداك في أول الليل؟ فقال: إذا خفت الفوت في آخر.
(2) الأم 1: 97، والمجموع 3: 234، ومغني المحتاج 1: 142، والأم (مختصر المزني) 1: 13، ونيل الأوطار 2: 150.
(3) مختصر العلامة خليل 1: 27، والخرشي 1: 257، وشرح الدردير على مختصر سيدي خليل بهامش حاشية الدسوقي 1: 225، والمجموع 3: 234، والفتح الرباني 3: 125، ونيل الأوطار 2: 150.
(4) تقدمت في المسألة " 43 ".
(5) راجع المسألة " 43 " الهامش الثالث والخامس.
(6) المجموع 3: 239، والفتح الرباني 3: 125، ونيل الأوطار 2: 149.
(7) المجموع 3: 239.
(8) هو الإمام السابع من أئمة أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهير الإمام موسى بن جعفر عليه السلام علما بأن أبا الحسن الثاني: هو الإمام الثامن علي بن موسى الرضا عليه الصلاة =

[ 300 ]

يصلي النافلة وهو على دابته في الأمصار، قال: " لا بأس به " (1). وروى عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصلي النوافل في الأمصار، وهو على ظهر دابته حيث توجهت به فقال: " نعم لا بأس " (2). مسألة 46: إذا صلى على الراحلة النافلة لا يلزمه أن يتوجه إلى جهة سيرها، بل يتوجه كيف شاء. وقال الشافعي: إذا لم يستقبل القبلة ولا جهة سيرها بطلت صلاته (3). دليلنا: عموم الآية (4)، والأخبار (5) تتناول ذلك لأنهم لم يفصلوا. مسألة 47: يجوز صلاة الفريضة على الراحلة عند الضرورة. وقال جميع الفقهاء: لا يجوز ذلك (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى " وما جعل عليكم في الدين من حرج " (7). وروى مندل بن علي (8) قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول:

= والسلام وأبو الحسن الثالث: هو الإمام العاشر علي بن محمد الهادي عليه السلام. (1) التهذيب 3: 229 حديث 589.
(2) الكافي 3: 440 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 285 حديث 1298، والتهذيب 3: 230 حديث 591.
(3) الأم 1: 97، والمجموع 3: 235، ونيل الأوطار 2: 183.
(4) البقرة: 115.
(5) انظر هامش الثالث والخامس من المسألة 43.
(6) الأم 1: 96، والأصل 1: 295، والمبسوط 1: 250.
(7) الحج: 78.
(8) مندل بن علي العتري - وقيل العنزي - أبو عبد الله الكوفي واسمه عمر وأخوه حبان ثقتان رويا عن الإمام الصادق عليه السلام، وروى عن أبي أسامة وأبي مسكان، وروى عنه محمد بن علي بن =

[ 301 ]

صلى رسول الله صلى الله عليه وآله الفريضة على الراحلة في يوم مطير (1). وروى عبد الله بن جعفر الحميري (2) قال: كتبت إلى أبي الحسن يعني الثالث عليه السلام جعلني الله فداك روى مواليك عن آبائك إن رسول الله صلى الله عليه وآله صلى الفريضة على راحلته في يوم مطير، ويصيبنا المطر ونحن في محاملنا، والأرض مبتلة والمطر يؤذي فهل يجوز لنا يا سيدي أن نصلي في هذه الحال في محاملنا أو على دوابنا الفريضة فوقع عليه السلام يجوز ذلك مع الضرورة الشديدة (3). وروى جميل بن دراج قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: صلى رسول الله الفريضة في المحمل في يوم وحل ومطر (4). وروى علي بن جعفر (5) عن أخيه موسى بن جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل جعل لله عليه أن يصلي كذا وكذا هل يجزيه أن يصلي ذلك

= النعمان وعلي بن أبي حمزة ومصبح مات سنة 67 أو 68 هجرية. جامع الرواة 2: 263، وتنقيح المقال 3: 247، وتهذيب التهذيب 10: 298، ولسان الميزان 7: 398. (1) من لا يحضره الفقيه 1: 285 حديث 1294، والتهذيب 3: 231 حديث 599.
(2) عبد الله بن جعفر الحميري، عده الشيخ الطوسي تارة من أصحاب الإمام الهادي بعنوان علي بن عبد الله وأخرى من أصحاب الإمام العسكري عليه السلام موثقا إياه، وقال النجاشي: شيخ القميين ووجههم صنف كتبا كثيرة. رجال النجاشي: 162، ورجال الطوسي: 419 و 432، وتنقيح المقال 2: 174.
(3) التهذيب 3: 231 حديث 600.
(4) التهذيب 3: 232 حديث 602. (5) علي بن الإمام جعفر الصادق عليه السلام، جليل القدر ثقة، عده الشيخ تارة من أصحاب أبيه وأخرى من أصحاب أخيه الإمام موسى الكاظم وثالثة من أصحاب الإمام الرضا عليهم السلام، له كتاب المناسك. سكن العريض - بضم العين - في نواحي المدينة. والكوفة وقم ومات فيها (سنة 210) وقبره فيها مشهور. رجال الطوسي: 241، 353، 379 والفهرست: 87، وتنقيح المقال 2: 272.

[ 302 ]

على دابته، وهو مسافر قال: نعم (1). مسألة 48: إذا غلب في ظن نفسين أن القبلة في جهتين لم يجز لأحدهما الاقتداء بصاحبه، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو ثور: يجوز (3). دليلنا: إنهما إذا صليا على الانفراد كانت صلاتهما ماضية بالاجماع، وإذا اقتدى واحد منهما بالآخر فيه خلاف، فالاحتياط يقتضي ما قلناه، وأيضا فكيف يجوز لأحدهما أن يقتدي بالآخر مع اعتقاده أن صاحبه يصلي إلى غير القبلة وإن من صلى إلى غير القبلة لا تجوز صلاته بالإجماع. مسألة 49: الأعمى ومن لا يعرف أمارات القبلة يجب عليهما أن يصليا إلى أربع جهات مع الاختيار، ومع الضرورة كانا مخيرين في الصلاة إلى أي جهة شاءا. وقال داود: يصليا إلى أي جهة شاءا، ولم يفصل (4). وقال الشافعي: يرجعان إلى غيرهما ويقلدانه (5). دليلنا: إنهما إذا صليا إلى أربع جهات برأت ذمتهما بالاجماع، وليس على براءة ذمتها إذا صليا إلى واحدة من الجهات دليل. وأما إذا كان الحال حال ضرورة جاز لهما أن يرجعا إلى غيرهما لأنهما مخيران في ذلك، وفي غيره من الجهات، وإن خالفاه كان لهما ذلك لأنه لم يدل

(1) التهذيب 3: 231 حديث 596.
(2) الأم 1: 94، والأم (مختصر المزني) 1: 13، والمجموع 3: 214.
(3) قال النووي في المجموع 3: 214 (وحكى أصحابنا عن أبي ثور أنه قال: تصح صلاة أحدهما خلف الآخر).
(4) المحلى 3: 230.
(5) الأم 1: 94، والمجموع 3: 206.

[ 303 ]

دليل على وجوب القبول من الغير. مسألة 50: الأعمى إذا صلى إلى عين القبلة وأصاب في ذلك من غير أن يرجع إلى غيره أو يسمع من يخبره بذلك تمت صلاته. وقال الشافعي. صلاته باطلة (1). دليلنا: قوله تعالى " وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " (2)، وهذا قد صلى إلى القبلة. وأيضا الحكم ببطلان صلاته يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 51: من اجتهد في القبلة، وصلى إلى واحدة من الجهات ثم بان له أنه صلى إلى غيرها، والوقت باق أعاد الصلاة على كل حال، وإن كان قد خرج الوقت، فإن كان استدبر القبلة أعاد الصلاة، وإن كان قد صلى يمينا أو شمالا، فلا إعادة عليه. وفي أصحابنا من يقول إذا صلى إلى استدبار القبلة وخرج الوقت لم يعد أيضا (3). وقال الشافعي: إن كان بان له بالاجتهاد الثاني لا يعيد (4)، وإن كان بان له بيقين مثل أن تطلع الشمس، ويعلم أنه صلى مستدبر القبلة فيه قولان،

(1) الأم 1: 94، وبدائع الصنائع 1: 119.
(2) البقرة: 144.
(3) قال السيد المرتضى في جمل العلم والعمل: 63 (ومن تحرى القبلة فأخطأها وظهر له ذلك بعد صلاته أعاد في الوقت، فإن خرج الوقت فلا إعادة عليه، وقد روي أنه إن كان استدبر القبلة أعاد على كل حال). وفي الناصريات في المسألة (80) بإضافة (والأول هو المعول عليه)، ورواه الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه 1: 179 حديث 844، وحكاه العلامة الحلي في المختلف: 780 عن ابن الجنيد.
(4) المجموع 3: 218، والمنهاج القويم: 187.

[ 304 ]

أحدهما: لا يعيد، وهو قوله في القديم ونص عليه في كتاب الصلاة والطهارة (1)، وبه قال أبو حنيفة ومالك والمزني (2). والقول الثاني: يعيد نص عليه في الأم، وهو الصحيح عند أصحابه (3)، ولم يعتبر أحد بقاء الوقت ونقيضه. دليلنا على أن الوقت إذا كان باقيا عليه الإعادة: إجماع الفرقة، وأيضا فالذمة مشغولة بأداء الفرض بيقين، ولم يدل دليل على برائتها، والحال ما قلناه، والاحتياط يقتضي إعادة الصلاة. وروى عبد الرحمن بن أبي عبد الله (4) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا صليت وأنت على غير القبلة واستبان لك أنك صليت وأنت على غير القبلة، وأنت في وقت فأعد، وإن فاتك الوقت فلا تعد (5). وروى ذلك سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (6)، وروى مثله يعقوب

(1) المجموع 3: 222، والسراج الوهاج: 40، ومقدمات ابن رشد 1: 112.
(2) الهداية 1: 45، وبدائع الصنائع 1: 119، وبداية المجتهد 1: 108، وشرح فتح القدير 1: 191، واللباب في شرح الكتاب 1: 67، والخرشي على مختصر سيدي خليل 1: 260، وسبل السلام 1: 222، والروض المربع 1: 48.
(3) الأم 1: 94، والمجموع 3: 222، والهداية 1: 45، وبدائع الصنائع 1: 119، وشرح فتح القدير 1: 191، وسبل السلام 1: 223.
(4) عبد الرحمن بن أبي عبد الله ميمون البصري مولى شيبان كوفي الأصل، عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، وهو ختن الفضيل بن يسار، ووثفه العلامة والنجاشي في ترجمة حفيده إسماعيل بن همام بن عبد الرحمن. رجال النجاشي: 24، رجال الطوسي: 230، ورجال ابن داود: 222، والخلاصة: 113، وتنقيح المقال 2: 138.
(5) الكافي 3: 284 حديث 3، والتهذيب 2: 47 حديث 15 وفي 154 بأدنى تفاوت في اللفظ، والاستبصار 1: 296 حديث 1090.
(6) الكافي 3: 285 حديث 9، والتهذيب 2: 47 حديث 152 و 153، 2: 142 حديث 553 =

[ 305 ]

ابن يقطين عن أبي الحسن موسى عليه السلام (1)، وزرارة عن أبي جعفر عليه السلام (2) والاسم بن الوليد (3) ومحمد بن الحصين (4) عن أبي الحسن علي بن موسى عليه السلام (5) وغيرهم. ومن قال: لا إعادة عليه وإن صلى إلى استدبارها عول على عموم هذه الأخبار. ومن قال: يعيدها خصها بما رواه عمار الساباطي عن أبي عبد الله عليه السلام في رجل صلى إلى غير القبلة فيعلم وهو في الصلاة قبل أي يفرغ من صلاته قال: إن كان متوجها فيما بين المشرق والمغرب فليحول وجهه إلى القبلة حين يعلم وإن كان متوجها إلى دبر القبلة فليقطع الصلاة ثم يحول وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة (6). مسألة 52: على الأبوين أن يؤدبا الولد إذا بلغ سبع سنين أو ثمانيا، وعلى وليه أن يعلمه الصوم والصلاة، وإذا بلغ عشرا ضربه على ذلك، يجب ذلك على الولي دون الصبي، وبه قال الشافعي (7). وقال أحمد: يلزم الصبي ذلك (8).

= والاستبصار 1: 296 حديث 1091 و 1092. (1) التهذيب 2: 48 حديث 155، والاستبصار 1: 296 حديث 1093.
(2) التهذيب 2: 48 حديث 156، والاستبصار 1: 297 حديث 1094.
(3) التهذيب 2: 48 حديث 158، والاستبصار 1: 297 حديث 1096.
(4) محمد بن الحصين - من غير وصف - لم يترجم في كتب الرجال التي بأيدينا بأكثر من أنه روى عنه الحسين بن سعيد تنقيح المقال 3: 108، وجامع الرواة 2: 101.
(5) التهذيب 2: 49 حديث 160 وفيه: كتبت إلى عبد صالح، والاستبصار 1: 297 حديث 1097 وفيه كتب إلى العبد الصالح.
(6) الكافي 3: 285 حديث 8، والتهذيب 2: 48 حديث 159، والاستبصار 1: 298 حديث 1100.
(7) الأم 1: 69، والمجموع 3: 11، والمنهل العذب 4: 120.
(8) مسائل أحمد بن حنبل 2: 96، والاقناع 1: 73.

[ 306 ]

دليلنا: ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع " (1) وأيضا فالصبي ليس بعاقل فكيف يكون مكلفا. مسألة 53: الصبي إذا دخل في الصلاة أو الصوم ثم بلغ في خلال الصلاة أو خلال الصوم بالنهار بما لا يفسد الصلاة من كمال خمس عشرة سنة أو الإنبات دون الاحتلام الذي يفسد الصلاة ينظر فيه، فإن كان الوقت باقيا أعاد الصلاة من أولها، وإن كان ماضيا لم يكن عليه شئ. وأما الصوم فإنه يمسك فيه بقية النهار تأديبا، وليس عليه قضاء. وقال الشافعي: لا يجب عليه الإعادة سواء كان الوقت باقيا أو منقضيا، واستحب له إعادة الصلاة مع بقاء الوقت (2). وحكى أبو علي بن أبي هريرة (3) عن بعض أصحابه: أنه يجب عليه إعادة الصلاة مع بقاء الوقت، ولم يصححه (4) وقال: الصحيح غيره. وقال أبو حنيفة ومالك: عليه إعادة الصلاة والصوم جميعا (5). دليلنا على وجوب إعادة الصلاة مع بقاء الوقت: أنه مخاطب بها بعد البلوغ، وإذا كان الوقت باقيا وجب عليه فعلها وما فعله قبل البلوغ لم يكن

(1) مسند أحمد بن حنبل 2: 180 و 187، وسنن أبي داود 1: 133 حديث 494، والجامع الصغير 2: 535 حديث 8174، ومستدرك الحاكم 1: 258.
(2) الأم (مختصر المزني) 1: 14، والمجموع 3: 12.
(3) أبو علي الحسن بن الحسين بن أبي هريره الفقيه الشافعي، أخذ العلم عن ابن سريج والمروزي، شرح مختصر المزني، وتخرج عليه خلق كثير، كان معظما عند السلاطين، مات سنة 345. طبقات الشافعية: 206، وطبقات الفقهاء: 92، ومرآة الجنان 2: 337.
(4) قال النووي في المجموع 3، 12 (قال الاصطخري: إن بقي من الوقت ما يسع تلك الصلاة بعد بلوغه وجبت الإعادة، وإلا فلا).
(5) المجموع 3: 12.

[ 307 ]

واجبا عليه، وإنما كان مندوبا إليه ولا يجزي المندوب عن الواجب وأما الصوم فلا يجب عليه إعادته لأن أول النهار لم يكن مكلفا به فيجب عليه الإعادة وبقية النهار لا يصح صومه، ووجوب الإعادة عليه يحتاج إلى دليل، والأصل براءة الذمة. كتاب كيفية الصلاة في مسائل النية مسألة 54: من دخل في الصلاة بنية النفل، ثم نذر في خلالها إتمامها فإنه يجب عليه إتمامها. وقال أصحاب الشافعي: تبطل صلاته لأن النذر لا ينعقد إلا بالقول، والقول الذي ينعقد به النذر يبطل الصلاة، لأنه ليس بتسبيح ولا تكبير ولا تحميد لله تعالى، والذي قالوه صحيح في القول الذي هو نذر، إلا أن عندنا إن النذر ينعقد بالقلب كما ينعقد بالقول، ولو نوى بقلبه ذلك لزمه، وأن نذره بلسانه بطلت صلاته على ما قالوه. مسألة 55: إذا دخل في صلاته ثم نوى أنه خارج منها، أو نوى أنه سيخرج منها قبل إتمامها أو شك هل يخرج عنها أو يتمها فإن صلاته لا تبطل، وبه قال أبو حنيفة (1). وقال الشافعي في الأم ونص عليه: إنه تبطل صلاته (2)، ويقتضيه مذهب مالك (3). دليلنا: أن صلاته قد انعقدت صحيحة بلا خلاف، وإبطالها يحتاج إلى

(1) المجموع 3: 286، والمغني 1: 466.
(2) المجموع 3: 282 - 285، والمغني لابن قدامة 1: 466، والأم 1: 100.
(3) المجموع 3: 285.

[ 308 ]

دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه وأيضا فقد روى نواقض الصلاة وقواطعها، ولم ينقل في جملة ذلك شئ مما حكيناه، ويقوى في نفسي أيضا أنها تبطل لأن من شرط الصلاة إستدامة حكم النية، وهذا ما استدامها. وأيضا قوله عليه السلام " الأعمال بالنيات " (1)، وقول الرضا عليه السلام لا عمل إلا بالنية (2) يدل عليه، وهذا عمل بغير نية، ولأنه يبعد أن تكون الصلاة صحيحة إذا نوى الدخول فيها ثم نوى فيما بعد في حال القيام والركوع والسجود إلى آخر التسليم أنه يفعل هذه الأفعال لا للصلاة فتكون صلاته صحيحه، فهذا المذهب أولى وأقوى وأحوط. مسألة 56: محل النية القلب دون اللسان، ولا يستحب الجمع بينهما. وقال أكثر أصحاب الشافعي: أن محلها القلب، ويستحب أن يضاف إلى ذلك اللفظ (3). وقال بعض أصحابه: يجب التلفظ بها (4) وخطأه أكثر أصحابه. دليلنا: هو أن النية هي الإرادة التي تؤثر في وقوع الفعل على وجه دون وجه، وبها يقع الفعل عبادة وواقعا موقع الوجوب أو الندب، وإنما سميت نية لمقارنتها للفعل وحلولها في القلب، ولأجل ذلك لا تسمى إرادة الله نية لأنها

(1) التهذيب 4: 186 حديث 518 و 519، و 1: 83 حديث 218، والهداية: 12، وأمالي الشيخ الطوسي 2: 231، ومصباح الشريعة: 4 باب 4، وصحيح البخاري 1: 4، وسنن ابن ماجه 2: 1413 حديث 4227، وسنن أبي داود 2: 262 حديث 2201. هذا وللحديث ألفاظ أخر متقاربة مثل (إنما الأعمال بالنية) وغيرها راجع الموسوعات الحديثية.
(2) فقه الرضا: 52 باب النيات، والكافي: 84 حديث 1 منسوب إلى الإمام علي بن الحسين (ع)، والتهذيب 4: 186 حديث 520، وأمالي الشيخ الطوسي 2: 203.
(3) المجموع 3: 277، ومغني المحتاج 1: 150، والمقدمة الحضرمية من المنهاج القويم: 147.
(4) المجموع 3: 277، ومغني المحتاج 1: 150.

[ 309 ]

لا تحل في القلب، وإذا ثبت ما قلناه فمن أوجب التلفظ بها، أو استحب ذلك فعليه الدليل، والشرع خال من ذلك. مسألة 57: يجب أن ينوي بصلاة الظهر مثلا كونها ظهرا فريضة مؤداة على طريق الابتداء أو القضاء. وقال أبو إسحاق المروزي: يجب أن ينوي بها ظهرا فريضة (1). وقال أبو علي بن أبي هريرة: يكفي أن ينوي صلاة الظهر، لأن صلاة الظهر لا تكون إلا فرضا (2). وقال بعض أصحاب الشافعي: يجب أن ينويها حاضرة مع ما تقدم من الأوصاف دون الفائتة مثل ما قلناه (3). دليلنا: على ما قلناه هو أنه إذا نوى جميع ما قلناه لا خلاف أن صلاته صحيحة وبرءت ذمته وإن أخل بشئ من ذلك لم يدل دليل على براءة ذمته، وأيضا فإنا اعتبرنا أن ينوي الصلاة ليتميز بذلك مما ليس بصلاة، واعتبرنا كونها ظهرا ليتميز مما ليس بظهر، واعتبرنا كونها فريضة لأن الظهر قد يكون نفلا. ألا ترى أن من صلى الظهر وحده ثم حضر جماعة استحب له أن يصليها معهم، ويكون ظهرا وهو مندوب إليه، وإنما اعتبرنا كونها حاضرة لأنه يجوز أن يكون عليه ظهر فائتة فلا تتميز الحاضرة من الفائتة إلا بالنية والقصد فعلم بذلك صحة جميع ما اعتبرناه. مسألة 58: من فاتته صلاة من الخمس، ولا تتميز له وجب عليه أن يصلي أربع ركعات بنية الظهر والعصر والعشاء الآخرة، وثلاث ركعات بنية المغرب،

(1) المجموع 3: 278.
(2) المجموع 3: 278.
(3) المجموع 3: 279 - 280.

[ 310 ]

وركعتين بنية الصبح. وقال المزني: يكفيه أن يصلي أربع ركعات، ويجلس في الثانية والثالثة والرابعة. وقال باقي أصحاب الشافعي والفقهاء: أنه يجب عليه أن يصلي خمس صلوات (1). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا روى علي بن أسباط (2) عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: من نسي صلاة من صلاة يومه واحدة، ولا يدري أي صلاة هي صلى ركعتين وثلاثا وأربعا (3). مسألة 59: من دخل في صلاة بنية الأداء ثم ذكر أن عليه صلاة فائتة وهو في أول الوقت أو قبل تضيق وقت الحاضرة عدل بنيته إلى الفائتة ثم استأنف الحاضرة، فإن تضيق وقت الحاضرة تمم الحاضرة ثم قضى الفائتة. وقال أصحاب الشافعي: من دخل في صلاة بنية ثم صرف نيته إلى صلاة غيرها، أو صرف بنيته إلى الخروج منها وإن لم يخرج فسدت صلاته (4). وقال أبو حنيفة: لا تبطل صلاته (5). دليلنا: على جواز نقل النية من الحاضرة إلى الفائتة. إجماع الفرقة، وقد

(1) الأم 1: 100، والاقناع 1: 86.
(2) علي بن أسباط بن سالم الكندي، أبو الحسن المقري كوفي ثقة، عده الشيخ من أصحاب الإمام الرضا (ع) وأخرى من أصحاب الإمام الجواد (ع)، قال النجاشي: كان أوثق الناس وأصدقهم لهجة. رجال النجاشي: 190، ورجال الشيخ الطوسي: 382 و 403، والفهرست للشيخ الطوسي: 90، وتنقيح المقال 2: 268. (3) التهذيب 2: 197 حديث 774، وبسند آخر حديث 775.
(4) الأم 1: 100، والمجموع 3: 286، والمغني 1: 466.
(5) المجموع 3: 286، والمغني 1: 466.

[ 311 ]

بينا أن إجماعها حجة. وأيضا روى زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: إذا ذكرت أنك لم تصل الأولى، وأنت في صلاة العصر وقد صليت منها ركعتين، فصل الركعتين الباقيتين، وقم فصل العصر وإن كنت ذكرت أنك لم تصل العصر حتى دخل وقت صلاة المغرب، ولا تخاف فوتها فصل العصر ثم صل المغرب (1)، وذكر الحديث إلى آخره في سائر الصلوات. مسألة 60: إذا دخل في الظهر بنية الظهر، ثم نقل نيته إلى العصر، فإن كان إلى عصر فائت كان ذلك جائزا على ما قلناه في المسألة الأولى (2). وإن كان إلى العصر الذي بعده لم يصح، وإن صرف النية عن الفرض إلى التطوع لم يجزه عن واحد منهما. وقال الشافعي في صرف النية من الظهر إلى العصر: لا يصح على كل حال، فتبطل الصلاتان معا، الأولى تبطل لنقل النية عنها، والثانية تبطل لأنه لم يستفتحها بنية (3)، وفي نقلها عن الفريضة إلى التطوع قولان. أحدهما: أن التطوع لا يصح ولا الفرض. والثاني: يصح النفل دون الفرض (4). دليلنا: على صحة نقلها إلى الفائتة ما قلناه في المسألة الأولى (5)، وأما فساد نقلها إلى العصر الذي بعده فلأنه لم يحضر وقته فلا تصح نية أدائه، وإنما قلنا لم يحضر وقته لأنه مترتب على الظهر على كل حال سواء كان في أول

(1) الكافي 3: 291 حديث 1 في حديث طويل وباختلاف يسير، والتهذيب 3: 158 حديث 340.
(2) راجع المسألة 59.
(3) الأم 1: 100، والمجموع 3: 286.
(4) المجموع 3: 286.
(5) انظر المسألة 59.

[ 312 ]

الوقت أو في آخره إلى أن يتضيق وقت العصر، وإذا ثبت ذلك فلا يصح أداء العصر قبل دخول وقتها. فأما نقل النية إلى النافلة فإنما قلنا لا يجزي لأن الصلاة إنما تصح على ما استفتحت عليه أولا، وإنما يخرج من ذلك ما تقدم بدليل وإلا فالأصل ما قلناه. وروى ذلك يونس عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل قام في الصلاة المكتوبة فظن أنها نافلة أو قام في النافلة فظن أنها مكتوبة قال: هي على ما افتتح الصلاة عليه (1). مسألة 61: وقت النية مع تكبيرة الافتتاح لا يجوز تأخيرها ولا تقديمها عليها، فإن قدمها ولم يستدمها لم يجزه، وإن قدمها واستدامها كان ذلك جائز، وبه قال الشافعي (2). وقال أبو حنيفة: إذا قدمها على الاحرام بزمان يسير، ولم يقطع بينهما بفعل أجزأته هكذا ذكر أبو بكر الرازي (3). وذكر الطحاوي أن مذهب أبي حنيفة كمذهب الشافعي (4). وقال داود: يجب أن ينوي قبل التكبير ويحرم عقيبه (5). دليلنا: إن النية إنما يحتاج إليها ليقع الفعل بها على وجه دون وجه، والفعل في حال وقوعه يصح ذلك فيه فيجب أن يصاحبه ما يؤثر فيه حتى يصح تأثيره

(1) التهذيب 2: 197 حديث 776، و 2: 343 حديث 1419. (2) الأم 1: 100، والأم (مختصر المزني): 14، والمجموع 3: 277، ومغني المحتاج 1: 152، والمقدمة الحضرمية متن المنهاج القويم: 147، والمحلى 3: 232، والمغني لابن قدامه 1: 469.
(3) المبسوط 1: 10، وشرح فتح القدير 1: 186، والمجموع 3: 278، والمحلى 3: 232، ومغني المحتاج 1: 152، والمغني لابن قدامة 1: 469.
(4) مراقي الفلاح: 34 - 35.
(5) المحلى 3: 231.

[ 313 ]

فيه لأنها كالعلة في إيجاب معلولها، كما أن العلة لا تتقدم على المعلول فكذلك ما قلناه، وأيضا فإذا قارنت صحت الصلاة بلا خلاف، وإذا تقدمت لم يقم دليل على صحتها. مسألة 62: لا يجوز في تكبيرة الافتتاح إلا قول الله أكبر مع القدرة على ذلك، وبه قال مالك ومحمد بن الحسن (1). وقال الشافعي: يجوز ذلك، ويجوز بقوله الله الأكبر (2). واختلف أصحابه فمنهم من قال: يجوز أن يقول الله الأكبر، ويجوز أن يقول الأكبر الله (3). وقال آخرون: لا يجوز ذلك لأن الترتيب فيه مراعى (4). وقال سفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود مثل قول الشافعي (5). وقال أبو حنيفة: تنعقد بكل اسم من أسماء الله تعالى على وجه التعظيم مثل قول الله العظيم، الله الجليل، وما أشبه ذلك (6).

(1) بداية المجتهد 1: 118، والهداية 1: 47، والمبسوط 1: 36، وعمدة القاري 5: 268، والمجموع 3: 292 والمحلى 3: 233، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 7، والاستذكار 2: 137، والمغني 1: 460.
(2) الأم 1: 100، والمجموع 3: 291، والأم (مختصر المزني): 14، ومغني المحتاج 1: 151، وشرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 3: 7، والمبسوط 1: 36، وعمدة القاري 5: 268، والمغني 1: 460.
(3) المجموع 3: 292، والمحلى 3: 233، وبداية المجتهد 1: 118.
(4) المجموع 3: 292.
(5) المغني لابن قدامه 1: 460، والاقناع 1: 113، والمحلى 3: 233، والروض المربع 1: 50، والمجموع 2: 292، وعمدة القاري 5: 268.
(6) الأصل 1: 14، والمبسوط 1: 35، والهداية 1: 47، وعمدة القاري 5: 268، واللباب في شرح الكتاب 1: 70، وبداية المجتهد 1: 119، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 7، والاستذكار 2: 137، والمغني لابن قدامه 1: 460.

[ 314 ]

وقال أصحاب أبي حنيفة: لا تنعقد الصلاة إذا أتى باسمه على وجه النداء مثل قوله يا الله، واللهم واستغفر الله، وبه قال إبراهيم النخعي (1). وقال أبو يوسف: تنعقد بلفظ التكبير حتى لو قال الله الكبير إنعقدت به الصلاة، ولا تنعقد بما ليس بلفظ التكبير (2). دليلنا: هو أنه إذا أتى بما قلناه إنعقدت صلاته بلا خلاف، وإذا أتى بغيره فليس على انعقادها دليل، والاحتياط يقتضي ما قلناه. وأيضا روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (3) ونحن نعلم أنه لم يستفتح الصلاة إلا بما قلناه فوجب أن لا يجزي غيره. مسألة 63: من لحق الإمام وقد ركع وجب عليه أن يكبر تكبيرة الافتتاح ثم يكبر تكبيرة الركوع فإن لم يتمكن إقتصر على تكبيرة الافتتاح. وقال الشافعي: لا بد من التكبيرتين على كل حال في الفرائض (4)، وله في النافلة قولان، أحدهما: أنه يكفي واحدة، والآخر: أنه لا بد منهما. دليلنا: على وجوب الجمع: هو أنه إذا جمع بينهما صحت صلاته بلا خلاف، وإذا كبر واحدة فليس على صحتها دليل، وأما عند الضرورة وخوف الفوت فإجماع الفرقة دليل عليه. وروى معاوية بن شريح قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: إذا جاء الرجل مبادرا، والإمام راكع أجزأته تكبيرة واحدة لدخوله في الصلاة

(1) الأصل 1: 14 وفيه: وهو قول أبي حنيفة ومحمد وإبراهيم والحكم بن عينية.
(2) الأصل 1: 14، والمبسوط 1: 35، والهداية 1: 47، واللباب في شرح الكتاب 1: 70، وعمدة القاري 5: 268 والمجموع 3: 303، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 7.
(3) صحيح البخاري 1: 154، وسنن الدار قطني 1: 346.
(4) الأم 1: 101، والاستذكار 1: 141، والمغني لابن قدامة 1: 505.

[ 315 ]

والركوع (1). مسألة 64: الترتيب واجب في الشهادتين في حال التشهد. وقال جميع الفقهاء: ليس بواجب (2). دليلنا: هو أنه إذا رتب صحت صلاته بلا خلاف، وإذا لم يرتب لم يدل على صحتها دليل، وأيضا قوله عليه السلام: " صلوا كما رأيتموني أصلي " (3) ونحن نعلم أنه لم يقدم الشهادة الأخيرة على الأولى لأنه لو كان فعل لما جاز خلافه، وقد أجمعنا على بطلانه. مسألة 65: يستحب عندنا استفتاح الصلاة بسبع تكبيرات في مواضع مخصوصة من النوافل ولم يوافقنا على ذلك أحد من الفقهاء. دليلنا: على ذلك: إجماع الفرقة. وأيضا روى أبو بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا افتتحت الصلاة فكبر إن شئت واحدة وإن شئت ثلاثا وإن شئت خمسا وإن شئت سبعا فكل ذلك مجز عنك غير أنك إذا كنت إماما لم تجهر إلا بتكبيرة (4) الافتتاح (5). مسألة 66: من عرف العربية، وغيرها من اللغات لم يجز له أن يستفتح الصلاة إلا بالعربية، وبه قال أبو يوسف ومحمد والشافعي (6).

(1) من لا يحضره الفقيه 1: 265 حديث 1214، والتهذيب 3: 45 حديث 157، وعلل الشرائع حديث 75 بطريق آخر.
(2) المغني لابن قدامة 1: 545 - 546.
(3) صحيح البخاري 1: 154، وسنن الدار قطني 1: 346.
(4) التهذيب 2: 66 حديث 239.
(5) الموجود في النسخ بتكبيرة الافتتاح.
(6) الأم 1: 100، والأم (مختصر المزني): 14، والمجموع 3: 293 و 301، والأصل 1: 15، ومغني المحتاج 1: 152، والهداية 1: 47، والمبسوط 1: 36، والاستذكار 2: 137، والمغني لابن قدامه 1: 462.

[ 316 ]

وقال أبو حنيفة: يجوز التكبير بغير العربية، وإن كان يحسنها (1). دليلنا: أنه إذا كبر بالعربية صحت صلاته بالاجماع، وإذا كبر بغيرها فليس على صحتها دليل. وأيضا قوله عليه السلام: صلوا كما رأيتموني أصلي (2)، وأيضا قوله عليه السلام مفتاح الصلاة التكبير (3)، ومن قال بغير العربية لم يسم تكبيرا. مسألة 67: لا يكون داخلا في الصلاة إلا بإكمال التكبير، وهو أول الصلاة وآخرها التسليم، وبه قال مالك والشافعي (4). وقال أصحاب أبي حنيفة: قال أبو الحسن الكرخي: التكبير ليس من الصلاة، وأما الصلاة فما بعد تكبيرة الافتتاح (5). دليلنا: قوله عليه السلام تحريمها التكبير (6)، فجعلها من الصلاة، وأيضا قوله عليه السلام أن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس إنما هي التكبير والتسبيح وقراءة القرآن (7)، فجعل التكبير من الصلاة.

(1) الأصل 1: 15، والهداية 1: 47، والمبسوط 1: 36، والمجموع 3: 301، والمغني لابن قدامة 1: 462 والاستذكار 2: 137، ومغني المحتاج 1: 152.
(2) صحيح البخاري 1: 154، وسنن الدار قطني 1: 346.
(3) التهذيب 3: 270 حديث 775.
(4) الأم 1: 100، وسنن الترمذي 2: 4، والمجموع 3: 290، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 6، والمغني لابن قدامة 1: 460، وعمدة القاري 5: 268، وبدائع الصنائع 1: 194.
(5) عمدة القاري 5: 268، وبدائع الصنائع 1: 195، والمجموع 3: 290، والمغني لابن قدامه 1: 464.
(6) الكافي 3: 69 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 1: 23 حديث 68، والهداية: 31، وفقه الرضا: 7، وتفسير العسكري: 215.
(7) صحيح مسلم 1: 381 حديث 537 وفيه (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ... الخ)، وسنن النسائي 3: 14، باب الكلام في الصلاة، ومسند أحمد بن حنبل 5: 447، و 448 باختلاف يسير.

[ 317 ]

وأيضا فلا خلاف أن حكم التكبيرة حكم ما بعدها في جميع ما يشترط فيه وفي جميع ما يفسده لأن تكبيرة الاحرام تحتاج إلى الوقت والطهارة وستر العورة واستقبال القبلة والامساك عن الكلام وتفسد بفقد كل واحد من ذلك كسائر أجزاء الصلاة فدل ذلك على أنها منها. مسألة 68: ليس من المسنون أن يقول الإمام بعد فراغ المقيم إستووا رحمكم الله، ولا أن يلتفت يمينا وشمالا، وينبغي أن يقوم الإمام والمأمومون إذا قال: قد قامت الصلاة. وقال الشافعي: أن ذلك مسنون، وينبغي أن يقوم الإمام والمأمومون إذا فرغ المقيم من الإقامة، وبه قال مالك وأبو يوسف وأحمد وإسحاق (1). وقال أبو بكر بن المنذر: وعلى هذا أهل الحرمين. قال: ودخل (2) عمر فأمر قوما بتسوية الصفوف فإذا رجعوا إليه كبر (3). وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: إذا قال المؤذن حي على الصلاة قاموا في الصف، فإذا قال قد قامت الصلاة كبر الإمام، وكبر القوم (4). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة من الوجوب والاستحباب فمن أثبت شيئا من ذلك فعليه الدلالة وأيضا عليه إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك. مسألة 69: لا ينبغي أن يكبر المأموم إلا بعد أن يكبر الإمام ويفرغ منه، وبه قال الشافعي ومالك وأبو يوسف (5).

(1) المغني لابن قدامة 1: 458، والاستذكار 1: 136، وعمدة القاري 5: 254، والمجموع 4: 225 الموطأ 1: 158 حديث 44.
(2) في النسخ " صلى ".
(3) الاستذكار 1: 136، والمحلى 4: 58، والمغني لابن قدامة 1: 458.
(4) المغني لابن قدامه 1: 458، والاستذكار 2: 136.
(5) المدونة الكبرى 1: 64، والاستذكار 1: 135.

[ 318 ]

وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري ومحمد: يجوز أن يكبروا مع تكبيرة الإمام ويجوز أن يكبروا بعد فراغه (1). دليلنا: أنه لا خلاف في أنه إذا كبر بعد فراغه أن صلاته ماضية كاملة، واختلفوا فيه إذا كبر مع الإمام فينبغي الأخذ بالاحتياط. وأيضا فالإمام إنما [ قيل إمام ] (2) ليقتدى به، ومن كبر معه لم يكن مقتديا به لأنه يحتاج أن يفعل الفعل على الوجه الذي فعله ولا يكون ذلك إلا بعد فراغ الإمام. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: إنما الإمام مؤتم به فإذا كبر فكبروا (3) وهذا نص. مسألة 70: إذا صلى منفردا بعض الصلاة ركعة أو أقل منها أو أكثر ثم أقيمت الصلاة تممها ركعتين وسلم، واستأنف مع الإمام أو يقطعها ويستأنف مع الإمام. وللشافعي فيه قولان، في جواز البناء على ذلك، أحدهما: يستأنف (4)، والآخر. يبني على ما هو عليه (5). دليلنا: أنه إذا استأنف الصلاة، وصلى مع الإمام فلا خلاف أن صلاته

(1) المحلى 3: 240، والمغني لابن قدامه 1: 464، والاستذكار 1: 135.
(2) في بعض النسخ (جعل إماما).
(3) صحيح البخاري 1: 101، و 177، و 2: 56، وصحيح مسلم 1: 308 حديث 411، 311 حديث 417، وسنن ابن ماجه 1: 276 حديث 846 وفيه (إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا " الحديث ")، وسنن أبي داود 1: 164 حديث 603، وسنن النسائي 2: 97، وفي سنن الدارمي 1: 315 (فليؤمكم أحدكم فإذا كبر فكبروا)، ومسند أحمد بن حنبل 2: 230 و 314 و 341 و 376 و 411 و 420، و 3: 110 و 162، و 4: 401 و 405 بأدنى اختلاف لا يخل بوحدة المعنى.
(4) المجموع 3: 288.
(5) المجموع 3: 288.

[ 319 ]

ماضية، وإذا لم يستأنفها لم يقم على صحتها دليل. مسألة 71: يستحب رفع اليدين مع كل تكبيرة، وآكدها تكبيرة الافتتاح. وقال الشافعي. يرفع يديه عند ثلاث تكبيرات، ولا يرفعهما في غيرها، تكبيرة الافتتاح، وتكبيرة الركوع، وعند رفع الرأس من الركوع (1)، وبه قال في الصحابة أبو بكر (2) وعبد الله بن الزبير (3) وابن عمر وابن عباس وأنس وأبو سعيد الخدري. وفي التابعين الحسن البصري وعطاء ومجاهد والقاسم بن محمد ابن أبي بكر، وفي الفقهاء عطاء وأهل مكة وأهل المدينة وأهل الشام ومصر والأوزاعي والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور (4). وقال أبو حنيفة وسفيان وابن أبي ليلى: يرفعهما عند تكبيرة الافتتاح، ولا يعود (5). وعن مالك روايتان، فروى عبد الله بن وهب (6) عنه مثل قوله

(1) الأم 1: 104، وسنن الترمذي 2: 37، والمجموع 3: 399 و 446، وشرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 3: 3، والمبسوط 1: 14، والمغني لابن قدامه 1: 497، ونيل الأوطار 2: 193.
(2) عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمر القرشي التيمي، أبو بكر، كان اسمه في الجاهلية عبد الكعبة أول من ولي الخلافة بعد رسول الله (ص). وكانت مدة خلافته سنتين وثلاثة أشهر وأيام. مات سنة ثلاث عشر من الهجرة. الاستيعاب 2: 234، وتذكرة الحفاظ 1: 2، وصفوة الصفوة 1: 88، الإصابة 2: 333.
(3) عبد الله بن الزبير بن عبد المطلب بن هاشم ابن عم النبي صلى الله عليه وآله. يعد من الطبقة الخامسة في الصحابة، قتل في معركة أجنادين مع الروم سنة ثلاث عشر. الإصابة 2: 300 والاستيعاب 2: 290 وأسد الغابة 3: 161.
(4) سنن الترمذي 2: 37، والمجموع 3: 399، والمبسوط 1: 14، والمغني لابن قدامه 1: 497، وشرح النووي لصحيح مسلم بهامش إرشاد الساري 3: 3، ونيل الأوطار 2: 193.
(5) الأصل 1: 13، والآثار (مخطوط): 11، والهداية 1: 46، والمبسوط 1: 14، وسنن الترمذي 2: 43، والمجموع 3: 400، والمغني لابن قدامة 1: 497، ونيل الأوطار 2: 193.
(6) أبو محمد عبد الله بن وهب الفهري، روى عن مالك وصحبه 20 سنة، والليث ومحمد بن عبد الرحمن =

[ 320 ]

الشافعي (1) وروى عبد الرحمن بن القاسم (2) عنه مثل قول أبي حنيفة (3). دليلنا: إجماع الفرقة المحقة فإنهم لا يختلفون في ذلك، وأنه أفضل. وروى زرارة بن أعين عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " رفعك يديك في الصلاة زين لها " (4). وروى معاوية بن عمار قال: رأيت أبا عبد الله عليه السلام يرفع يديه إذا ركع، وإذا رفع رأسه من الركوع، وإذا سجد، وإذا رفع رأسه من السجود، وإذا أراد أن يسجد الثانية (5). مسألة 72: ينبغي أن يرفع يديه إلى حذاء شحمتي أذنيه. وقال الشافعي: يرفعهما إلى حذاء المنكبين (6). وقال أبو حنيفة: إلى حذاء الأذنين (7)، وبه قال سفيان الثوري (8).

= وابن جريج له جامع ابن وهب (الجامع في الحديث) والمناسك والموطأ الكبير والصغير، وغيرهما مات سنة 197 ه‍. شذرات الذهب 1: 347، وهداية العارفين 1: 438، ومرآة الجنان 1: 458. (1) سنن الترمذي 2: 37، والمجموع 3: 399، والمغني لابن قدامة 1: 497، ونيل الأوطار 2: 193.
(2) عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة العتقي (بضم العين وفتح التاء) المصري، أبو عبد الله، روى عن مالك وتفقه عليه، ولازمه نحو من عشرين سنة، وأول من دون عن مالك الفقه، وروى كذلك عن بكر بن مضر ونافع بن أبي نعيم القاري والنوفلي، وروى عنه ابنه موسى وابن فرج وسحنون بن سعيد التنوخي وابن عيينة وغيرهم مات سنة 191 ه‍، تهذيب التهذيب 6: 252، والجرح والتعديل 5: 279 (3) المدونة الكبرى 1: 68، والمجموع 3: 400، ونيل الأوطار 2: 193.
(4) التهذيب 2: 76، حديث 481.
(5) التهذيب 2: 75 حديث 279.
(6) الأم 1: 103، والأم (مختصر المزني): 14، والمجموع 3: 304 و 307، ومغني المحتاج 1: 152، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 4، وعمدة القاري 5: 275، والهداية 1: 46، والمبسوط 1: 11، وبداية المجتهد 1: 130، والمغني لابن قدامة 1: 470.
(7) الهداية 1: 46، والمبسوط 1: 11، وشرح معاني الآثار 1: 197، وعمدة القاري 5: 275، واللباب في شرح كتاب 1: 70، ومراقي الفلاح: 41، والمجموع 3: 306، و 307، وبداية المجتهد 1: 130.
(8) شرح معاني الآثار 1: 196.

[ 321 ]

دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن ذلك أفضل. وروى أبو بصير قال قال أبو عبد الله عليه السلام: " إذا افتتحت الصلاة فكبرت، فلا تجاوز أذنيك ولا ترفع يديك بالدعاء في المكتوبة تجاوز بهما رأسك " (1). وروى صفوان بن مهران الجمال (2) قال: رأيت أبا عبد الله إذا كبر في الصلاة يرفع يديه حتى تكاد تبلغ أذنيه (3). مسألة 73: يستحب أن يكون مضموم الأصابع إذا رفع يديه بالتكبير. وقال الشافعي: يستحب أن ينشرها (4). دليلنا: الإجماع الذي تكرر. وقد روي ذلك في خبر حماد بن عيسى عن أبي عبد الله عليه السلام في الخبر الذي علمه فيه كيفية الصلاة (5). مسألة 74: لا يجوز أن يضع اليمين على الشمال، ولا الشمال على اليمين في الصلاة لا فوق السرة، ولا تحتها. وقال الشافعي وأبو حنيفة وسفيان وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود: إن

(1) التهذيب 2: 65 حديث 233.
(2) صفوان بن مهران بن المغيرة الجمال الأسدي الكاهلي، مولاهم الكوفي، عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق عليه السلام، له كتاب، وثقه النجاشي والعلامة، وعده الكشي من أصحاب الإمام الكاظم (ع)، وروى قصة كراءه الجمال لهارون الرشيد وبيعها، الكشي 440 / 828، ورجال النجاشي: 149، ورجال الطوسي: 220، والخلاصة: 89.
(4) التهذيب 2: 65 حديث 235.
(3) الأم (مختصر المزني): 14، والمجموع 3: 307، والمقدمة الحضرمية متن المنهاج القويم: 147، والمغني لابن قدامة 1: 470.
(5) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 238 مجلس 64، والتهذيب 2: 81 حديث 301.

[ 322 ]

وضع اليمين على الشمال مسنون مستحب (1)، إلا أن الشافعي قال: وضع اليمين على الشمال فوق السرة (2). وقال أبو حنيفة: تحت السرة (3)، وهو مذهب أبي هريرة (4). وعن مالك روايتان، إحداهما مثل قول الشافعي (5)، ومن وافقه. وروى عنه ابن القاسم: إنه ينبغي أن يرسل يديه (6)، وروي عنه أنه قال: يفعل ذلك في صلاة النافلة إذا طالت، وإن لم تطل لم يفعل فيها ولا في الفرض. وقال الليث بن سعد: إن أعيى فعل ذلك، وإن لم يع لم يفعل، وهو مثل قول مالك (7). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن ذلك يقطع الصلاة. وأيضا أفعال الصلاة يحتاج ثبوتها إلى الشرع، وليس في الشرع ما يدل على كون ذلك مشروعا، وطريقة الاحتياط تقتضي ذلك لأنه لا خلاف أن من أرسل يده فإن صلاته ماضية.

(1) الهداية 1: 47، والمجموع 3: 311، وعمدة القاري 5: 279، ونيل الأوطار 2: 201.
(2) الأم (مختصر المزني): 14: والمجموع 3: 310 و 313، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 5، والمغني لابن قدامه 1: 473، وعمدة القاري 5: 279، والهداية 1: 47، ونيل الأوطار 2: 203، وشرح فتح القدير 1: 201.
(3) الهداية 1: 47، وعمدة القاري 5: 279، واللباب في شرح الكتاب 1: 71، وشرح فتح القدير 1: 201 ومراقي الفلاح: 41، والمجموع 3: 313، والمغني لابن قدامة 1: 473، ونيل الأوطار 2: 203، وشرح النووي لصحيح مسلم 3: 5.
(4) المجموع 3: 313، وعمدة القاري 5: 279.
(5) المجموع 3: 312، وعمدة القاري 5: 279، ونيل الأوطار 2: 201 و 204.
(6) المجموع 3: 312، والهداية 1: 47، والمغني لابن قدامة 1: 472، وعمدة القاري 5: 279، وشرح فتح القدير 1: 201، ونيل الأوطار 2: 201 و 204.
(7) المجموع 3: 311، وعمدة القاري 5: 279، ونيل الأوطار 2: 201.

[ 323 ]

واختلفوا إذا وضع إحداهما على الأخرى، فقالت الإمامية: إن صلاته باطلة، فوجب بذلك الأخذ بالجزم. وروى حريز عن رجل عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت له " فصل لربك وانحر "، وقال: " النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه، وقال: لا تكفر إنما يصنع ذلك المجوس " (1). وروى محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السلام قال: قلت له الرجل يضع يده في الصلاة اليمنى على اليسرى، فقال: " ذلك التكفير لا تفعله " (2). مسألة 75: المستحب عندنا عند أداء كل فريضة أن يكبر سبع تكبيرات يكبر ثلاثا ويقول: " أللهم أنت الملك الحق إلى آخر الدعاء "، ويكبر تكبيرتين، ويقول: " لبيك وسعديك " إلى آخره، ويكبر تكبيرتين ويقول " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض - إلى قوله تعالى - وأنا من المسلمين " (3). وقال أبو حنيفة: يقول بعد تكبيرة الافتتاح سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك (4): وبه قال الثوري والأوزاعي وأحمد (5). وقال مالك بن أنس: ليس التوجه في الصلاة بواجب على الناس،

(1) الكافي 3: 336 حديث 9 وذيله (ولا تلثم ولا تحتفز ولا تقع على قدميك ولا تفترش ذراعيك) وكذا في التهذيب 2: 84 حديث 309. وفيهما (أن يقيم صلبه ونحره).
(2) التهذيب 2: 84 حديث 310.
(3) الأنعام: 79.
(4) شرح معاني الآثار 1: 198، والمبسوط 1: 12، والآثار (مخطوط): 11، واللباب في شرح الكتاب 1: 71، ومراقي الفلاح: 41، والمجموع 3: 321.
(5) المغني لابن قدامة 1: 473، والمجموع 3: 321.

[ 324 ]

والواجب عليهم التكبير والقراءة (1)، وكان ابن القصار (2) يقول ولا هو أيضا مسنون بعد التكبير عنده. ووافقنا الشافعي في استحباب هذه الأدعية، ولم يعرف الفصل بينهما بالتكبيرات (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد بينا أن إجماعها حجة، وأيضا روى عبيد الله بن أبي رافع (4) عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا افتتح كبر، ثم قال: " وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض إلى آخره " (5). وروى أبو هريره مثل هذا. مسألة 76: يستحب أن يتعوذ قبل القراءة، وبه قال أبو حنيفة وسفيان والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق (6). وقال مالك: لا يتعوذ في المكتوبة، ويتعوذ في قيام شهر رمضان إذا

(1) بداية المجتهد 1: 119.
(2) علي بن أحمد البغدادي، أبو الحسن، المعروف بابن القصار، فقيه مالكي أصولي، ولي القضاء ببغداد، له عيون الأدلة وإيضاح الملة، مات سنة 398 هجرية. إيضاح المكنون 2: 133، ومعجم المؤلفين 7: 12.
(3) الأم 1: 106، والأم (مختصر المزني): 14، والمجموع 3: 321، والمبسوط 1: 12، والمغني لابن قدامة 1: 473 - 474.
(4) عبيد الله بن أبي رافع، عده الشيخ من أصحاب أمير المؤمنين، وكان كاتبا له، ومن خواص أصحابه، وله كتاب في قضايا أمير المؤمنين وكتاب في من شهد مع أمير المؤمنين الجمل وصفين والنهروان من الصحابة. رجال النجاشي: 3، ورجال البرقي: 4، ورجال الطوسي: 47، والفهرست: 107.
(5) سنن النسائي 2: 129، وسنن أبي داود 1: 201 حديث 760 وفيه إذا قام إلى الصلاة كبر.
(6) الأم 1: 107، والأصل 1: 3، والهداية 1: 48، والمجموع 3: 325، والمبسوط 1: 13، والمغني لابن قدامه 1: 475 و 546، والمحلى 3: 247، ومغني المحتاج 1: 156، واللباب في شرح الكتاب 1: 71، ومراقي الفلاح: 41.

[ 325 ]

قرء (1). وحكى أبو بكر بن أبي داود (2) في شريعة القاري عن إبراهيم النخعي، ومحمد بن سيرين: أنهما كانا يتعوذان بعد القراءة (3). دليلنا: قوله تعالى " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله " (4)، وهذا عام في جميع المواضع. وأيضا إجماع الفرقة. وروى أبو سعيد الخدري: إن النبي صلى الله عليه وآله كان يقول: قبل القراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (5). مسألة 77: كيفية التعوذ أن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قبل القراءة وبه قال الشافعي في الأم (6)، وهو مذهب أبي حنيفة (7). وقال سفيان الثوري في جامعه: يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إن الله هو السميع العليم (8). وقال الحسن بن صالح بن حي: يقول أعوذ بالله السميع العليم من

(1) المجموع 3: 325، والمحلى 3: 247، والمغني لابن قدامة 1: 475.
(2) أبو بكر عبد الله بن أبي داود سليمان الأشعث السجستاني الأزدي الفقيه، قال الدار قطني على ما حكاه عنه في لسان الميزان ما نصه: ثقة إلا أنه كثير الخطأ في الكلام على الحديث، توفي سنة 316، له مؤلفات منها شريعة التفسير، وشريعة القاري، ونظم القرآن وغيرها. لسان الميزان 3: 293، ومرآة الجنان 2: 269، وهدية العارفين 1: 444.
(3) المجموع 3: 325، والمحلى 3: 250.
(4) النحل: 98.
(5) حكاه ابن قدامة في المغني 1: 475 عن ابن المنذر.
(6) الأم 1: 107، والأم (مختصر المزني): 14، والمجموع 3: 323 - 325، ومغني المحتاج 1: 156، والسراج الوهاج 1: 43، والمحلى 3: 247.
(7) الأصل 1: 3، والمبسوط 1: 13، ومراقي الفلاح: 41، والمحلى 3: 247.
(8) المجموع 3: 325.

[ 326 ]

الشيطان الرجيم (1). وروي ذلك عن محمد بن سيرين (2). وقال مالك: لا يتعوذ إلا في قيام شهر رمضان، ويتعوذ بعد القراءة، وبه قال أبو هريرة (3). دليلنا: إن ما اعتبرناه لفظ القرآن، لأن الله تعالى قال: " فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم " (4)، فمن أثبت غير ذلك من الألفاظ يحتاج إلى دليل. مسألة 78: التعوذ مستحب في أول ركعة دون ما عداها. وقال الشافعي فيه قولان، أحدهما مثل ما قلناه (5). والثاني: إنه في كل ركعة إذا أراد القراءة (6)، وعلى الأول أكثر أصحابه، وبه قال ابن سيرين (7). دليلنا: إن ما اعتبرناه مجمع عليه وتكراره في كل ركعة يحتاج إلى دليل، وليس في الشرع ما يدل عليه. مسألة 79: التعوذ يسر به في جميع الصلوات. وللشافعي فيه قولان، أحدهما مثل ما قلناه (8).

(1) المصدر السابق.
(2) المحلى 3: 249.
(3) المدونة الكبرى 1: 64، والمحلى 3: 247، والمجموع 3: 325.
(4) النحل: 98.
(5) الأم 1: 107، والمجموع 3: 322، ومغني المحتاج 1: 156، والسراج الوهاج 1: 43.
(6) الأم 1: 107، والمجموع 3: 322، ومغني المحتاج 1: 156، والسراج الوهاج 1: 43، والمغني لابن قدامة 1: 532.
(7) قال ابن حزم في المحلى 3: 249 " وكان ابن سيرين يستعيذ في كل ركعة "، والمغني لابن قدامه 1: 532.
(8) الأم 1: 107، والمجموع 3: 324، ومغني المحتاج 1: 156، والسراج الوهاج 1: 43، والمقدمة الحضرمية متن المنهاج القويم: 146، وأحكام القرآن للجصاص 1: 16.

[ 327 ]

والثاني: إنه يجهر به فيما يجهر فيه بالقراءة (1). دليلنا: إجماع الفرقة. مسائل القراءة مسألة 80: القراءة شرط في صحة الصلاة، وبه قال جميع الفقهاء (2)، إلا ما حكي عن الحسن بن صالح بن حي من أنه قال: ليست القراءة شرطا فيها (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى " فاقرأوا ما تيسر من القرآن " (4)، وقوله تعالى " فاقرأوا ما تيسر منه " (5)، وقوله عليه السلام " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (6)، وطريقة الاحتياط. مسألة 81: قراءة فاتحة الكتاب واجبة في الصلاة، وبه قال الشافعي وسفيان ومالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود (7)

(1) الأم 1: 107، والمجموع 3: 324، ومغني المحتاج 1: 156.
(2) الأم 1: 107، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 2، والمغني لابن قدامة 1: 485، والمجموع 3: 327 ومغني المحتاج 1: 155، والتفسير الكبير 1: 217.
(3) المجموع 3: 330.
(4) المزمل: 20.
(5) المزمل: 20.
(6) في صحيح مسلم 1: 295 حديث 34 (394) وسنن الترمذي 2: 25 حديث 247، و 2: 117 حديث 311، وسنن ابن ماجة 1: 273 حديث 837، وسنن النسائي 2: 137، وسنن أبي داود 1: 217 حديث 822، والدر المنثور 1: 6 (لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " وباختلاف يسير في بعضها. وفي مسند أحمد بن حنبل 2: 428 (لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب)، وفي سنن الدارمي 1: 283 (من لم يقرأ بأم الكتاب فلا صلاة له)، وتفسير الفخر الرازي 1: 190.
(7) المدونة الكبرى 1: 65 و 68، وسنن الترمذي 2: 26، والمجموع 3: 327 و 330، والمغني لابن قدامة 1: 485، والمحلى 3: 236 و 238، وتفسير القرطبي 1: 117 و 124، ومقدمات ابن رشد 1: 129، =

[ 328 ]

وحكي عن الأصم والحسن بن صالح بن حي إنها مستحبة في الصلاة (1). وقال أبو حنيفة: يجب مقدار آية (2). وقال أبو يوسف ومحمد: مقدار ثلاث آيات (3). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك، وأيضا طريقة الاحتياط تقتضي ذلك لأنه إذا يقرأ الحمد صحت صلاته بيقين، وإذا لم يقرأها ليس على صحتها دليل. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (4)، وقوله " لا صلاة لمن لا يقرء بفاتحة الكتاب " (5). وروى محمد بن مسلم قال: سألته عن الذي لا يقرء فاتحة الكتاب في صلاته، قال: لا صلاة له إلا أن يقرأها في جهر أو إخفات (6). مسألة 82: " بسم الله الرحمن الرحيم " آية من كل سورة من جميع القرآن، وهي آية من أول سورة الحمد. وقال الشافعي: إنها آية من أول الحمد بلا خلاف بينهم (7)، وفي كونها آية من كل سورة قولان:

= والتفسير الكبير 1: 189، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 2، وأحكام القرآن للجصاص 1: 18، ونيل الأوطار 2: 229. (1) عمدة القاري 6: 9، والمجموع 3: 330.
(2) المجموع 3: 327، والمغني لابن قدامة 1: 476، والمحلى 3: 238، والتفسير الكبير 1: 194، والاستذكار 2: 145، ونيل الأوطار 2: 230.
(3) المجموع 3: 327، والاستذكار 2: 145، والتفسير الكبير 1: 194، وتفسير القرطبي 1: 118.
(4) راجع الهامش السادس من المسألة رقم (80).
(5) راجع الهامش السادس من المسألة السابقة.
(6) الكافي 3: 317، حديث 28، والتهذيب 2: 146 حديث 573، والاستبصار 1: 310 حديث 1152.
(7) الأم 1: 107، والمجموع 3: 332، والتفسير الكبير 1: 194، والمحلى 3: 252، والمبسوط 1: 15، =

[ 329 ]

أحدهما: إنها آية من أول كل سورة، والآخر: إنها بعض آية من كل سورة، وإنما تتم مع ما بعدها فتصير آية (1). وقال أحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيدة، وعطاء، والزهري، وعبد الله بن المبارك (2): إنها آية من أول كل سورة حتى أنه قال: من ترك " بسم الله الرحمن الرحيم " ترك مائة وثلاث عشرة آية (3). وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي، وداود: ليست آية من فاتحة الكتاب، ولا من سائر السور (4). وقال مالك والأوزاعي وداود: يكره أن يقرأها في الصلاة بل يكبر، ويبتدي بالحمد، إلا في شهر رمضان. والمستحب أن يأتي بها بين كل سورتين تبركا للفصل، ولا يأتي بها في أول الفاتحة (5).

= وبداية المجتهد 1: 120، والمغني لابن قدامه 1: 480، ونيل الأوطار 2: 218، وعمدة القاري 5: 291، والاستذكار 2: 175، وأحكام القرآن للجصاص 1: 9، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 2، وتفسير القرطبي 1: 93 و 96. (1) المجموع 3: 333، والتفسير الكبير 1: 203، وعمدة القاري 5: 291، والاستذكار 2: 175، وتفسير القرطبي 1: 93.
(2) أبو عبد الرحمن المروزي، عبد الله بن المبارك بن واضح الحنظلي، مولاهم الفقيه، تفقه بسفيان ومالك وغيره، روى عن هشام بن عروة وحميد الطويل وأحمد بن حنبل وابن معين وغيرهم توفي سنة 181، له الدقائق في الرقائق والسنن في الفقه ورقاع الفتاوى. هدية العارفين 1: 438، وشذرات الذهب 1: 295، ومرآة الجنان 1: 378.
(3) المغني لابن قدامه 1: 480، والمجموع 3: 334، والمبسوط 1: 15، وبداية المجتهد 1: 120، والاستذكار 2: 176، وتفسير القرطبي 1: 96، والتفسير الكبير 1: 203، ونيل الأوطار 2: 218.
(4) المبسوط 1: 15، وتفسير القرطبي 1: 93 و 96، وأحكام القرآن لابن العربي 1: 2، والاستذكار 2: 175، والمجموع 3: 334، والمغني لابن قدامه 1: 480، وعمدة القاري 5: 284 و 291، والتفسير الكبير 1: 194، ونيل الأوطار 2: 218.
(5) المحلى 3: 252، والمغني لابن قدامة 1: 478 و 492، وأحكام القرآن للجصاص 1: 13، والتفسير =

[ 330 ]

وقال أبو الحسن الكرخي: ليس عن أصحابنا رواية في ذلك، ومذهبهم الإخفاء في قرائتها، فاستدللنا بذلك على أنها ليست من فاتحة الكتاب عندهم، إذ لو كانت منها لجهر بها كما يجهر بسائر السور (1). وكان أبو الحسن الكرخي يقول: ليست من هذه السورة ولا من سائر السور، سوى سورة النمل. هكذا روى عنه أبو بكر الرازي (2)، وقال أبو بكر: ثم سمعناه بعد ذلك يقول إنها آية تامة مفردة في كل موضع أثبتت فيه إلا في سورة النمل، فإنها بعض آية في قوله تعالى: " إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " (3) (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد بينا أن إجماعها حجة. وأيضا روت أم سلمة إن رسول الله صلى الله عليه وآله قرأ في الصلاة " بسم الله الرحمن الرحيم " فعدها آية " الحمد لله رب العالمين " اثنتين، " الرحمن الرحيم " ثلاث آيات " مالك يوم الدين " أربع آيات. وقال: هكذا " إياك نعبد وإياك نستعين " وجمع خمس أصابعه هكذا، ذكره أبو بكر بن المنذر في كتابه. وروى معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام إذا قمت إلى الصلاة أقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " في فاتحة الكتاب؟ قال: " نعم "، قلت: فإذا قرأت ما عدا فاتحة الكتاب أقرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " مع السورة؟

= الكبير 1: 194. (1) التفسير الكبير 1: 194.
(2) المبسوط 1: 16.
(3) النمل: 30.
(4) المجموع 3: 334، وقال الشوكاني في نيل الأوطار 2: 218 (وذهبت طائفة إلى أنها آية في الفاتحة ومن كل سورة غير براءة).

[ 331 ]

قال: " نعم " (1). وروى علي بن مهزيار (2) عن يحيى بن أبي عمران الهمداني (3) قال: كتبت إلى أبي جعفر عليه السلام جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدء ب‍ " بسم الله الرحمن الرحيم " في صلاته وحده في أم الكتاب، فلما صار إلى غير أم الكتاب من السورة تركها. فقال العباسي: (4) ليس بذلك بأس، فكتب بخطه يعيدها مرتين على رغم أنفه، يعني العباسي (5). مسألة 83: يجب الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في الحمد، وفي كل سورة بعدها، كما يجب بالقراءة هذا فيما يجب الجهر فيه، فإن كانت الصلاة لا يجهر فيها استحب أن يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وإن جمع في النوافل بين سور كثيرة وجب أن يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع كل سورة، وهو مذهب الشافعي (6)، إلا أنه لم يذكر استحباب الجهر فيما يسر فيه بالقراءة ذكر ذلك في

(1) الكافي 3: 312 حديث 1، والتهذيب 2: 69 حديث 251، والاستبصار 1: 311 حديث 1155.
(2) علي بن إبراهيم بن مهزيار الأهوازي، أبو الحسن من أصحاب الإمام الرضا والجواد والهادي عليهم السلام، ثقة جليل القدر واسع الرواية، له كتاب حروف القرآن والأنبياء والبشارات وغيرها نحو ثلاثة وثلاثون. وقد وثقه كل من ترجمه حيث يعدونه من وكلاء الإمام الجواد والهادي عليهم السلام. رجال النجاشي: 191، والفهرست: 88، ورجال الطوسي: 381، و 403 و 417، وتنقيح المقال 2: 311.
(3) يحيى بن أبي عمران الهمداني، من أصحاب الإمام الرضا (ع)، يروي كثيرا عن يونس بن عبد الرحمن، وتلمذ عليه، ويظهر مما حكاه في التنقيح عن بصائر الدرجات أنه من وكلاء الإمام الجواد عليه السلام. رجال الطوسي: 395، وتنقيح المقال 3: 308، وروضة المتقين 14: 298.
(4) الظاهر أنه هشام بن إبراهيم العباسي، نسبة إلى كتاب ألفه في إمامة العباس عم النبي (ص)، وأنفذه إلى هارون الرشيد فسماه بالعباسي، وقد وردت في ذمه روايات كثيرة، ويعد من مناوئي الإمام الرضا والجواد عليهما السلام. جامع الرواة 2: 312، وتنقيح المقال 3: 291.
(5) الكافي 3: 313 حديث 2، والتهذيب 2: 69 حديث 252، والاستبصار 1: 311 حديث 1156.
(6) المجموع 3: 341، وسنن الترمذي 2: 15، والمحلى 3: 252، ونصب الراية 1: 328 و 361، =

[ 332 ]

البويطي، وفي اختلاف العراقيين. وذكر ابن المنذر عن عطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير أنهم كانوا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم (1)، وروي مثل ذلك عن ابن عمر أنه كان لا يدع الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم في أم القرآن والسورة التي بعدها (2). وذهب أبو حنيفة وسفيان الثوري والأوزاعي وأبو عبيدة وأحمد إلى أنه يسر بها (3). وقال مالك: المستحب أن لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ويفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين (4). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك. روى صفوان قال: صليت خلف أبي عبد الله عليه السلام أياما فكان يقرأ في فاتحة الكتاب بسم الله الرحمن الرحيم، فإذا كانت صلاة لا يجهر فيها بالقراءة جهر ببسم الله الرحمن الرحيم، وأخفى ما سوى ذلك (5). مسألة 84: قول آمين يقطع الصلاة سواء كان ذلك سرا أو جهرا في آخر الحمد أو قبلها للأمام والمأموم على كل حال.

= والاستذكار 2: 177، ونيل الأوطار 2: 218. (1) نصب الراية 1: 361، والمجموع 3: 341، والمغني لابن قدامه 1: 479، والاستذكار 2: 177، ونيل الأوطار 2: 217.
(2) شرح معاني الآثار 1: 200، ونصب الراية 1: 361، والمجموع 3: 341، والاستذكار 2: 177.
(3) الأصل 1: 3، ونصب الراية 1: 361، والمبسوط 1: 15، والمغني لابن قدامه 1: 478، وأحكام القرآن للجصاص 1: 15، وسنن الترمذي 2: 14، والمجموع 3: 342، وبداية المجتهد 1: 120، ونيل الأوطار 2: 216، والاستذكار 2: 176، والتفسير الكبير 1: 194، و 203، وتفسير القرطبي 1: 96.
(4) المدونة الكبرى 1: 64، و 67، وبداية المجتهد 1: 120، ونصب الراية 1: 328 و 361، والمبسوط 1: 15 والمحلى 3: 252، وعمدة القاري 5: 284.
(5) التهذيب 2: 68 حديث 246، والاستبصار 1: 310 حديث 1154.

[ 333 ]

وقال أبو حامد الأسفرايني: (1) إن سبق الإمام المأمومين بقراءة الحمد لم يجز (2) لهم أن يقولوا آمين، فإن قالوا ذلك، استأنفوا قراءة الحمد، وبه قال بعض أصحاب الشافعي. وقال الطبري وغيره من أصحاب الشافعي: لا يبطل ذلك قراءة الحمد، ويبني على قراءته، فأما قوله عقيب الحمد، فقال الشافعي وأصحابه يستحب للإمام إذا فرغ من فاتحة الكتاب أن يقول آمين ويجهر به، وإليه ذهب عطاء، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة (3)، وأبو بكر بن المنذر وداود (4). وقال أبو حنيفة وسفيان: يقوله الإمام ويخفيه (5) وعن مالك روايتان إحداهما مثل قول أبي حنيفة (6)، والثانية: لا يقول آمين أصلا (7)، وأما المأموم فإن الشافعي قال في الجديد: يسمع نفسه (8)، وقال في القديم: يجهر به (9).

(1) أبو حامد، أحمد بن محمد بن أحمد الأسفرائيني - بكسر الهمزة نسبة إلى إسفراين بلدة بخراسان - درس على ابن المرزبان والداركي، له التعليقة الكبرى على مختصر المزني على مذهب الشافعية، والبستان. روى عن أبي أحمد بن عدي والدار قطني وأبي بكر الاسماعيلي، مات سنة 406. طبقات الفقهاء: 103، وشذرات الذهب 3: 178، ومرآة الجنان 3: 15.
(2) في بعض النسخ " لم يجب ".
(3) أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة السلمي النيسابوري، روى عن علي بن حجر وابن راهويه ومحمود بن غيدان، وروى عنه البخاري ومسلم ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم وأبو علي النيسابوري، تفقه على المزني مات سنة 311. شذرات الذهب 2: 262، ومرآة الجنان 2: 264، معجم المؤلفين 9: 39.
(4) المغني لابن قدامه 1: 489، والمجموع 3: 370، ومغني المحتاج 1: 161، وسنن الترمذي 2: 28، والمحلى 3: 264.
(5) المجموع 3: 373، والمغني لابن قدامه 1: 490.
(6) المجموع 3: 373، والمحلى 3: 264، والمغني لابن قدامه 1: 490.
(7) المجموع 3: 373، والمغني لابن قدامه 1: 489. (8 و 9) المجموع 3: 368.

[ 334 ]

واختلف أصحابه فمنهم من قال المسألة على قولين، ومنهم من قال: إذا كانت الصفوف قليلة متقاربة يسمعون قول الإمام يستحب الإخفاء، وإذا كانت الصفوف كثيرة، ويخفى على كثير منهم قول الإمام يستحب لهم الجهر ليسمعوا من خلفهم (1). وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور وعطاء يستحب لهم الجهر (2). وقال أبو حنيفة وسفيان الثوري: لا يستحب لهم الجهر بذلك (3). دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في أن ذلك يبطل الصلاة، وأيضا فلا خلاف أنه إذا لم يقل ذلك أن صلاته صحيحة ماضية. واختلفوا إذا قال ذلك، فينبغي العمل على الاحتياط بتركه. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الآدميين " (4)، وقول آمين من كلام الآدميين. وروى محمد الحلبي (5) قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام أقول إذا فرغت من فاتحة الكتاب آمين قال: لا (6). مسألة 85: من نسي قراءة فاتحة الكتاب حتى ركع مضى في صلاته، ولا شئ عليه، وبه قال أبو حنيفة (7).

(1) المجموع 3: 368.
(2) (3) المجموع 3: 373، والمحلى 3: 264.
(4) صحيح مسلم 1: 381 حديث 537 وفيه (... من كلام الناس)، والنسائي 3: 14 باب الكلام في الصلاة، ومسند أحمد بن حنبل 5: 447 و 448 باختلاف.
(5) محمد بن علي بن أبي شعبة الحلبي، أبو جعفر، من أصحاب الإمام الباقر عليه السلام، ثقة له كتب، وجه أصحابنا وفقيههم الذي لا يطعن عليه بشئ مات زمن الإمام الصادق عليه السلام. رجال النجاشي: 248، ورجال الطوسي: 136، والفهرست: 130، وتنقيح المقال 3: 152.
(6) التهذيب 2: 74 حديث 276، والاستبصار 1: 318 حديث 1186.
(7) المبسوط 1: 19، والاستذكار 1: 145.

[ 335 ]

وللشافعي فيه قولان: أحدهما، قاله في القديم: أنه تجوز صلاته (1)، والثاني: تبطل صلاته، وهو قول أكثر أصحابه (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وروى محمد بن مسلم عن أحدهما قال: إن الله عز وجل فرض الركوع والسجود والقراءة سنة، فمن ترك القراءة متعمدا أعاد الصلاة، ومن نسي القراءة فقد تمت صلاته، ولا شئ عليه (3). وروى معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الأولتين فيذكر في الركعتين الأخيرتين أنه لم يقرء قال: أتم الركوع والسجود؟، قلت: نعم، قال: إني أكره أن أجعل آخر صلاتي أولها (4). وروى منصور بن حازم (5) قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إني صليت المكتوبة فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلها، فقال: أليس قد أتممت الركوع والسجود؟ قلت: بلى، فقال: فقد تمت صلاتك إذا كنت ناسيا (6). مسألة 86: الظاهر من روايات أصحابنا ومذهبهم أن قراءة سورة أخرى مع الحمد واجبة في الفرائض، ولا يجزي الاقتصار على أقل منها، وبه قال

(1) المجموع 3: 332، والاستذكار 1: 143.
(2) المجموع 3: 332، والمبسوط 1: 19، والاستذكار 1: 143.
(3) الكافي 3: 347 حديث 1، والتهذيب 2: 146 حديث 569.
(4) التهذيب 2: 146 حديث 571.
(5) منصور بن حازم، أبو أيوب البجلي، كوفي ثقة عين صدوق من أجلة أصحابنا وفقهائهم، عده الشيخ من أصحاب الإمام الصادق (ع)، له أصول الشرايع والحج، وروى عن الإمام الكاظم، وعده الشيخ المفيد من فقهاء أصحاب الصادقين، والأعلام المأخوذ عنهم الحلال والحرام والذين لا يطعن عليهم ولا طريق إلى ذمهم. رجال النجاشي: 323، والفهرست: 164، ورجال الطوسي: 313.
(6) الكافي 3: 348 حديث 3 وفيه (قال: قد تمت صلاتك إذا كان نسيانا)، والتهذيب 2: 146 حديث 570، والاستبصار 1: 353 حديث 1336 وفيه (إذا كان نسيانا).

[ 336 ]

بعض أصحاب الشافعي (1)، إلا أنه جوز بدل ذلك ما يكون قدر آياتها من القرآن. وقال بعض أصحابنا: إن ذلك مستحب، وليس بواجب (2)، وبه قال الشافعي، وأكثر أصحابه (3). وحكى أبو بكر بن المنذر عن عثمان بن أبي العاص أنه قال: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، وثلاث آيات بعدها، وهذا قدر أقصر سورة (4). دليلنا: على المذهب الأول: طريقة الاحتياط، لأنه إذا قرأ سورة مع الحمد كانت صلاته صحيحة لا خلاف، وإذا إقتصر على بعضها فليس على صحتها دليل. وروى منصور بن حازم قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: لا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة، ولا بأكثر (5). مسألة 87: الأظهر من مذهب أصحابنا أن لا يزيد مع الحمد على سورة واحدة في الفريضة، ويجوز في النافلة ما شاء من السور. ومن أصحابنا من قال: إنه مستحب وليس بواجب، ولم يوافق على ذلك أحد من الفقهاء (6).

(1) الأم 1: 102.
(2) مال إليه سلار في مراسمه: 69 حيث قال (في مقام تعداد واجبات الصلاة): (وقراءة الفاتحة في الأوليين من كل صلاة)، ولم يتعرض إلى السورة أصلا. ونسب العلامة في المختلف: 91 ذلك إلى ابن الجنيد وإلى الشيخ المصنف في النهاية.
(3) المجموع 3: 388.
(4) قال النووي في المجموع 3: 388 - 389 - قال القاضي أبو الطيب عن عثمان بن أبي العاص الصحابي وطائفة أنه تجب مع الفاتحة سورة أقلها ثلاث آيات، وحكاه صاحب البيان عن عمر بن الخطاب.
(5) الكافي 3: 314 حديث 12، والتهذيب 2: 69 حديث 253، والاستبصار 1: 314 حديث 1167.
(6) انظر المجموع 3: 382، والمغني لابن قدامه 1: 491.

[ 337 ]

دليلنا: على ذلك: طريقة الاحتياط، فإنه إذا اقتصر على سورة واحدة كانت صلاته ماضية بلا خلاف، وإذا زاد على ذلك فيه خلاف. وروى محمد بن مسلم عن أحدهما قال: سألته عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة؟ فقال: لا، لكل سورة ركعة (1)، وخبر منصور بن حازم يدل أيضا على ذلك، وقد بينا الوجه في اختلاف الحديث في هذا المعنى في الكتابين المقدم ذكرهما (2). مسألة 88: يجوز في الركعتين الأخيرتين أن يسبح بدلا من القراءة، فإن قرأ فليقتصر على الحمد وحدها، ولا يزيد عليه شيئا. واختلف أصحاب الشافعي في ذلك، فقال في القديم: لا يستحب الزيادة على الحمد، وهو رواية المزني، والبويطي في مختصره (3)، وبه قال أبو حنيفة (4). وقال في الأم في كتاب استقبال القبلة: وأحب أن يكون أقل ما يقرأ مع أم القرآن في الركعتين الأوليين قدر أقصر سورة [ من القرآن ] مثل إنا أعطيناك الكوثر، وما أشبهها، وفي الأخيريين أم القرآن وآية، وما زاد كان أحب إلي ما لم يكن إماما فيثقل (5). وقال أبو حنيفة: تجب القراءة في الأولتين، ولا تجب في الأخيرتين (6).

(1) التهذيب 2: 70 حديث 254، والاستبصار 1: 314 حديث 1168 وفيه (فقال له: لكل).
(2) التهذيب 2: 69 - 70، والاستبصار 1: 314 باب 173 (أنه لا يقرأ في الفريضة بأقل من سورة ولا بأكثر منها).
(3) المجموع 3: 386.
(4) التفسير الكبير 1: 216.
(5) الأم 1: 109 باب (القراءة بعد أم القرآن)، والمجموع 3: 386.
(6) المبسوط 1: 18، والتفسير الكبير 1: 216، والاستذكار 2: 170.

[ 338 ]

دليلنا: طريقة الاحتياط، فإنه لا خلاف إذا أقتصر لي الحمد أن صلاته ماضية، وإذا زاد عليها اختلفوا في صحتها. وأما جواز التسبيح بدلا من القراءة، فلم أجد به قولا لأحد من الفقهاء. ودليلنا: عليه: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في أن ذلك جائز، وإنما اختلفوا في المفاضلة بين التسبيح والقراءة، وقد بينا الأخبار في ذلك في الكتابين المقدم ذكرهما، وبينا الوجه فيها (1). مسألة 89: يجوز أن يسوى بين الركعتين في مقدار السورتين اللتين تقرآن فيهما بعد الحمد، وليس لأحدهما ترجيح على الآخر، وبه قال الشافعي في الأم (2). وحكى الطبري (3) عن أبي الحسن الماسرجسي (4) إنه قال: يستحب للإمام أن تكون قراءته في الركعة الأولى في كل صلاة أطول من قرائته في الثانية، ويستحب ذلك في الفجر أكثر (5). وقال أبو حنيفة وأبو يوسف: ذلك يستحب في الفجر دون غيرها (6). وقال محمد وسفيان الثوري: يستحب أن يطيل الركعة الأولى على

(1) التهذيب 2: 98 - 99 الأحاديث 367 - 372، والاستبصار 1: 321 باب 180 باب التخيير بين القراءة والتسبيح في الركعتين الأخيرتين.
(2) المجموع 3: 387.
(3) هو أبو الطيب الطبري (طاهر بن عبد الله القاضي)، تقدمت ترجمته في المسألة 219.
(4) أبو الحسن، محمد بن علي بن سهل الماسرجسي، تفقه على أبي إسحاق المروزي، وسمع الحديث من المؤمل بن الحسن بن عيسى، وأصحاب المزني، وأصحاب يونس بن عبد الأعلى، وسمع منه الحاكم والقاضي أبو الطيب الطبري وغيرهم توفي 384، طبقات الشافعية: 32، وطبقات الفقهاء: 96، ومرآة الجنان 2: 421، واللباب 3: 147.
(5) المجموع 3: 387، وعمدة القاري 6: 9.
(6) عمدة القاري 6: 9، والمجموع 3: 387.

[ 339 ]

الثانية في كل صلاة (1). دليلنا: إن ما قلناه لا خلاف في جوازه، والفرق بينهما والمفاضلة فيهما يحتاج إلى دليل. وأيضا الأخبار التي وردت في الأمر بقراءة الحمد، وسورة معها عامة، ولم يفرق فيها بين الأولى والثانية، ولا بين صلاة دون صلاة فوجب حملها على عمومها. مسألة 90: الظاهر في الروايات أنه لا يقرأ المأموم خلف الإمام أصلا، سواء جهر أو لم يجهر، لا فاتحة الكتاب ولا غيرها، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس وأبي بن كعب، وإحدى الروايتين عن علي بن أبي طالب عليه السلام (2)، وبه قال أبو حنيفة والثوري (3). وروي في بعض الروايات: إنه يقرأ فيما لم يجهر به ولا يقرأ فيما يجهر، وبه قالت عائشة وأبو هريرة والزهري وابن المبارك ومالك وأحمد وإسحاق والشافعي في القديم (4)، وفي بعض كتبه الجديدة، والذي عليه عامة أصحابه، وصححه أبو إسحاق: أنه يقرأ الحمد سواء جهر الإمام أو لم يجهر، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور (5). دليلنا: إجماع الفرقة وأخبارهم، وأيضا قوله تعالى " وإذا قرئ القرآن

(1) المصدر السابق.
(2) المجموع 3: 365، والاستذكار 2: 186.
(3) الآثار (مخطوط): 13، وعمدة القاري 6: 11، والمجموع 3: 365، والتفسير الكبير 1: 214، والمحلى 3: 238.
(4) المجموع 3: 365، وتفسير القرطبي 1: 119، والاستذكار 2: 186، والتفسير الكبير 1: 214، والمحلى 3: 238.
(5) المجموع 3: 365، والتفسير الكبير 1: 214، والمحلى 3: 239، وعمدة القاري 6: 10، والاستذكار 2: 169، وتفسير القرطبي 1: 119.

[ 340 ]

فاستمعوا له وأنصتوا " (1) والأمر بالانصات ينافي الأمر بالقراءة، وهذا يدل على أنه إذا جهر الإمام وجب الاصغاء إليه، فأما إذا خافت فالرجوع في ذلك إلى الروايات، وقد أوردناها في الكتابين، وبينا الوجه فيها (2)، منها: ما رواه يونس بن يعقوب قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الصلاة خلف من أرتضي به أقرأ خلفه؟ قال: من رضيت به فلا تقرأ خلفه (3). وروى سليمان بن خالد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أيقرأ الرجل في الأولى والعصر خلف الإمام وهو لا يعلم أنه يقرأ؟ فقال: لا ينبغي له أن يقرأ، يكله إلى الإمام (4). وروى الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إذا صليت خلف إمام تأتم به، فلا تقرأ خلفه. سمعت قراءته، أو لم تسمع (5). مسألة 91: إذا كبر تكبيرة واحدة للاستفتاح، والركوع عند الخوف من فوت الركوع أجزأه. وقال الشافعي: ذلك يبطل صلاته لأنه يكبر بنية مشتركة (6). دليلنا: إجماع الفرقة، وقد مضت هذه المسألة (7). مسألة 92: ينبغي إذا كبر للاستفتاح، والركوع أن يكبر قائما، فإن أتى

(1) الأعراف: 204.
(2) التهذيب 3: 32 - 38، والاستبصار 1: 427 باب 262 باب القراءة خلف من يقتدى به.
(3) التهذيب 3: 33 حديث 118، والاستبصار 1: 428 حديث 1653.
(4) التهذيب 3: 33 حديث 119، والاستبصار 1: 428 حديث 1654.
(5) الاستبصار 1: 428 حديث 1655، والتهذيب 3: 34 حديث 121، ورواه أيضا في: 32 حديث 115 مذيلا بما نصه (إلا أن تكون صلاة يجهر بها ولم تسمع فاقرأ) وكذا في الكافي 3: 377 حديث 2، ومن لا يحضره الفقيه 1: 255 حديث 1156.
(6) الأم 1: 101، والاستذكار 1: 141.
(7) راجع المسألة رقم 63.

[ 341 ]

ببعض التكبير منحنيا لم تبطل صلاته. قال الشافعي: إن كان ذلك في المكتوبة بطلت صلاته، وانعقدت نافلة (1). دليلنا: إنا قد بينا صحة هذه التكبيرة، وانعقاد الصلاة بها، ولم يفصلوا بين أن يأتي بها قائما، وبين أن يأتي ببعضها منحنيا، فمن ادعى أنه إذا أتى بها منحنيا بطلت صلاته يحتاج إلى دليل. مسألة 93: تجب القراءة في الركعتين الأولتين إذا كانت رباعية أو ثلاثية أو كانت ركعتين مثل الصبح، وفي الأخيرتين أو الثالثة مخير بين القراءة والتسبيح، ولا بد من واحد منهما فإن نسي القراءة في الأولتين قرأ في الأخيرتين. وروى محمد أن التخيير قائم. وقال الشافعي: تجب قراءة الحمد في كل ركعة (2)، وهو مذهب الأوزاعي وأحمد و إسحاق (3). وقال مالك: تجب قراءة الحمد في معظم الصلاة، فإن كانت أربعا ففي ثلاث، وإن كانت ثلاثا ففي ركعتين، وإن كانت فجرا قرأ فيهما لأنه لا معظم لها (4). وقال أبو حنيفة: القراءة تجب في الأولتين فقط فإن كان عدد الصلاة أربع قرأ في الركعتين، وهو في الأخيرتين بالخيار بين أشياء، بين أن يقرأ ويدعو أو يسكت، وإن كانت ثلاثا قرأ في الأولتين وفي الثالثة على ما قلناه، فإن ترك

(1) الأم 1: 101 والمجموع 3: 296.
(2) الأم 1: 107، والمجموع 3: 361، والتفسير الكبير 3: 361، وبداية المجتهد 1: 122، والمبسوط 1: 18، والاستذكار 1: 168.
(3) المجموع 3: 361، والاستذكار 1: 168.
(4) المجموع 3: 361، والتفسير الكبير 1: 216، والمبسوط 1: 18.

[ 342 ]

القراءة في الأولتين قرأ في الأخيرتين، وإن كانت الصلاة ركعتين مثل الفجر قرأ فيهما (1). وقال داود وأهل الظاهر: إنما تجب القراءة في ركعة واحدة (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا قوله تعالى " فاقرأوا ما تيسر منه " (3)، وهذا قد قرأ وتكراره يحتاج إلى دليل، وقول النبي صلى الله عليه وآله " لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب " (4) يدل على ذلك أيضا، لأنه لم يذكر التكرار. وروى علي بن حنظلة (5) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن الركعتين الأخيرتين ما أصنع فيها، فقال: إن شئت فاقرأ فاتحة الكتاب، وإن شئت فأذكر الله فهو سواء قال: قلت فأي ذلك أفضل؟ قال: هما والله سواء إن شئت سبحت وإن شئت قرأت (6)، ومن قال: لا يبطل التخيير مع النسيان إستدل بما رواه معاوية بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: الرجل يسهو عن القراءة في الركعتين الأولتين، فيذكر في الركعتين الأخيرتين أنه لم يقرأ، قال: أتم الركوع والسجود، قلت: نعم، قال: إني أكره أن أجعل

(1) المبسوط 1: 18 وبداية المجتهد 1: 122، والاستذكار 1: 170، والمجموع 3: 361، وعمدة القاري 6: 8، والتفسير الكبير 1: 216.
(2) قال النووي في المجموع 3: 361: عن داود بوجوب القراءة في كل ركعة، وعن بعض أصحاب داود والحسن البصري بأنه لا تجب القراءة إلا في ركعة من كل الصلاة.
(3) المزمل: 20.
(4) سنن الترمذي 2: 25 حديث 247. وانظر الهامش الرابع من المسألة 80 للتعرف على بقية المصادر.
(5) أبو الحسن علي بن حنظلة العجلي الكوفي، عده الشيخ من أصحاب الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السلام روى عنه عبد الله بن بكير وعلي بن رئاب وموسى بن بكير وغيرهم. رجال الشيخ الطوسي: 131 و 241، وتنقيح المقال 2: 287.
(6) التهذيب 2: 98 حديث 369، والاستبصار 1: 321 حديث 1200.

[ 343 ]

آخر صلاتي أولها (1) وإنما قلنا الأحوط القراءة في هذا الحال لما رواه الحسين ابن حماد (2) عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: أسهو عن القراءة في الركعة الأولى، قال: إقرأ في الثانية، قلت: أسهو في الثانية، قال: إقرأ في الثالثة، قلت: أسهو في صلاتي كلها، قال: إذا حفظت الركوع والسجود فقد تمت صلاتك (3). مسألة 94: من يحسن الفاتحة لا يجوز أن يقرأ غيرها، وإن لم يحسن الحمد وجب عليه أن يتعلمها، فإن ضاق عليه الوقت وأحسن غيرها قرأ ما يحسن، فإن لم يحسن شيئا أصلا ذكر الله تعالى وكبره، ولا يقرأ معنى القرآن بغير العربية بأي لغة كان، فإن فعل ذلك لم يكن ذلك قرآنا وكانت صلاته باطلة، وبه قال الشافعي (4). وقال أبو حنيفة: القراءة شرط لكنها غير معينة بالفاتحة فمن أي موضع قرأ أجزأه، وله في مقدار القراءة روايتان، المشهور عنه: أنه يجزي ما يقع عليه اسم القرآن، وإن كان بعض آية (5). والثاني: أنه يجزي آية قصيرة، وإن أتى بالعربية فهو قرآن، وإن أتى بمعناه بأي لغة كان فهو تفسير القرآن وتجزيه الصلاة (6).

(1) التهذيب 2: 146 حديث 571.
(2) الحسين بن حماد بن ميمون العبدي الكوفي مولاهم عده الشيخ من أصحاب الإمام الباقر والصادق عليهما السلام، روى عنه القاسم بن إسماعيل وداود بن حصين وإبراهيم بن مهزم وغيرهم. رجال النجاشي: 43، ورجال الشيخ: 115 و 169، وتنقيح المقال 1: 326.
(3) من لا يحضره الفقيه 1: 227 حديث 1004، والتهذيب 2: 148 حديث 579، والاستبصار 1: 355 حديث 1342.
(4) المجموع 3: 374، والتفسير الكبير 1: 189، والمغني لابن قدامة 1: 486.
(5) المغني لابن قدامه 1: 486، والتفسير الكبير 1: 189.
(6) المحلى 3: 254، وتفسير القرطبي 1: 126، والتفسير الكبير 1: 209.

[ 344 ]

وقال أبو يوسف ومحمد: إن كان يحسن العربية لم يجز أن يقرأ بالفارسية، فإن كان لا يحسنها جاز أن يقرأ بلغته فصال الخلاف في ثلاث مسائل (1)، إحديها: هل يتعين الحمد أم لا، وقد مضت هذه المسألة (2). والثانية: إذا قرأ بالفارسية هل يكون قرآنا، أم لا، فعندنا لا يكون قرآنا، وعنده يكون قرآنا. والثالثة: إذا فعل هل تجزيه صلاته أم لا، فعندنا لا تجزيه وعنده تجزي (3). دليلنا على المسألة الثانية: قوله تعالى " وإنه لتنزيل من رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين " (4) فأخبر إنه أنزل القرآن بلسان عربي مبين، فمن قال إذا كان بغير العربية فهو قرآن فقد ترك الآية. وقال تعالى " إنا أنزلناه قرأناه عربيا لعلكم تعقلون " (5) فأخبر إنه أنزله عربيا. وقال تعالى " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " (6). وعند أبي حنيفة أرسل الله رسوله بكل لسان، وإذا ثبت أنه بغير العربية لا يكون قرآنا سقط قولهم وثبت أنها لا تجزي، وهي المسألة الثالثة لقوله عليه السلام: لا تجزي صلاة من لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب (7).

(1) المجموع 3: 380، والمغني لابن قدامه 1: 486 والتفسير الكبير 1: 209.
(2) راجع المسألة (81).
(3) المحلى 3: 254.
(4) الشعراء: 195.
(5) يوسف: 2.
(6) إبراهيم: 4. (7) راجع الهامش السادس من المسألة (80).

[ 345 ]

وروى عبد الله بن أبي أوفى أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وآله فقال: إني لا أستطيع أن أحفظ شيئا من القرآن فماذا أصنع؟ فقال له: " قل: سبحان الله والحمد لله " (1)، فلو كان معناه قرآنا لقال له: إحفظه بأي لغة سهل عليك فلما عدل به إلى التسبيح والتحميد دل على أنه لا يكون قرآنا بغير هذه العبارات. وأيضا فإن القرآن لا يثبت قرآنا إلا بالنقل المتواتر المستفيض، ولم ينقل لا متواترا ولا آحادا، إن معناه يكون قرآنا. وأيضا أجمعت الأمة على أن القرآن معجز، وإن اختلفوا في جهة إعجازه فمن بين من جعل وجه الاعجاز الفصاحة دون النظم، وبين من اعتبرهما وبين من قال بالصرفة. فمن قال: إن معنى القرآن قرآن أبطل الإجماع، وأيضا من أتى بمعنى شعر امرؤ القيس (2) والأعشى (3) وزهير (4)، لا يقال أنشد شعرهم، ومن ارتكب ذلك خرج عن المعقول. وأيضا قوله تعالى " ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي

(1) سنن أبي داود 1: 220 حديث 832، ومسند أحمد بن حنبل 4: 352 و 356 و 382.
(2) امرؤ القيس بن حجر بن الحارث الكندي، من أشهر شعراء العرب يعرف بالملك الضليل، أحد شعراء المعلقات العشر المشهورات الأغاني 9: 77، والأعلام للزركلي 1: 351، والشعر والشعراء: 37.
(3) ميمون بن قيس بن جندل من بني قيس بن ثعلبة الوائلي، أبو بصير المعروف بأعشى قيس من شعراء الجاهلية الأول، أحد أصحاب المعلقات، أدرك الاسلام ولم يسلم الأغاني 9: 108، والأعلام للزركلي 8: 300.
(4) زهير بن أبي سلمى، ربيعة بن رباح المزني وهو من شعراء الجاهلية، لم يدرك الاسلام، وإنما أدرك ولداه الاسلام وهما كعب وبجير وأسلما. الأغاني 10: 288، والأعلام للزركلي 3: 87، والشعر والشعراء: 57.

[ 346 ]

يلحدون إليه أعجمي، وهذا لسان عربي مبين " (1). فالنبي صلى الله عليه وآله أتاهم بالقرآن بلغة العرب، فادعوا عليه أن رجلا من العجم يعلمه فأكذبهم الله تعالى، فقال: هذا الذي تضيفون إليه التعليم أعجمي، والذي أتاكم به لسان عربي مبين، فلو كان الكل قرآنا بأي لغة كان لم ينكر عليهم ما أدعوه. وأيضا فالصلاة في الذمة بيقين، وإذا قرأ القرآن بلفظه برءت ذمته بيقين، وإذا قرأ بمعناه لم تبرأ ذمته بيقين فأوجب الاحتياط ما قلناه. مسألة 95: إذا انتقل من ركن إلى ركن، من رفع إلى خفض، أو خفض إلى رفع، ينتقل بالتكبير إلا إذا رفع رأسه من الركوع فإنه يقول: سمع الله لمن حمده، وبه قال جميع الفقهاء (2). وروي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وجابر (3). وقال عمر بن عبد العزيز: لا يكبر إلا تكبيرة الافتتاح (4)، وبه قال سعيد بن جبير (5). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك، وأيضا فلا خلاف إن من فعل ما قلناه كانت صلاته ماضية، ولم يقم دليل على صحة صلاته إذا لم يفعل ما قلناه. وروى الزهري عن علي بن الحسين عليه السلام قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله يكبر كلما خفض ورفع فما زالت تلك صلاته حتى لقي الله

(1) النحل: 103. (2) الأم 1: 110، والمغني لابن قدامه 1: 502، والمبسوط 1: 20.
(3) المغني لابن قدامه 1: 497.
(4) المغني لابن قدامة 1: 496.
(5) المصدر السابق.

[ 347 ]

تعالى (1)، وقد بينا تفصيل ذلك في كتاب تهذيب الأحكام، وبينا أن عدد التكبيرات في الخمس صلوات خمس وتسعون تكبيرة (2). مسألة 96: إذا كبر للركوع يجوز أن يكبر ثم يركع، وبه قال أبو حنيفة (3) و يجوز أيضا أن يهوي بالتكبير إلى الركوع فيكون انتهاء التكبير مع انتهاء الركوع، وهو مذهب الشافعي (4). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون في ذلك، وقد روي ذلك في خبر حماد بن عيسى وزرارة في صفة الصلاة عن أبي عبد الله عليه السلام (5). مسألة 97: لا يجوز التطبيق في الصلاة، وهو أن يطبق إحدى يديه على الأخرى ويضعهما بين ركبتيه، وبه قال جميع الفقهاء (6). وقال ابن مسعود: ذلك واجب (7). دليلنا: إجماع الفرقة، بل إجماع المسلمين، فإن هذا الخلاف قد انقرض. وروى حماد بن عيسى وزرارة عن أبي عبد الله عليه السلام في خبر كيفية الصلاة (8).

(1) سنن أبي داود: 1: 221 حديث 836، وموطأ مالك 1: 76 حديث 17 عن ابن شهاب، وروى مسلم في صحيحه 1: 292 في هذا الباب عن الزهري عدة أحاديث فراجع للاطلاع.
(2) التهذيب 2: 87.
(3) عمدة القاري 6: 59.
(4) الأم 1: 110، والمجموع 3: 396، وعمدة القاري 6: 59.
(5) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 مجلس 64، والتهذيب 2: 81 حديث 301.
(6) المجموع 3: 411، والمبسوط 1: 19، والمحلى 2: 274.
(7) المجموع 3: 411، والمحلى 3: 274، والمبسوط 1: 19 - 20.
(8) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 1 حديث 916، وأمالي الصدوق 248 مجلس 64، والتهذيب 2: 81 حديث 301.

[ 348 ]

مسائل الركوع مسألة 98: الطمأنينة في الركوع ركن من أركان الصلاة، وبه قال الشافعي (1). وقال أبو حنيفة: إنها غير واجبة، ولا يجب عنده أن ينحني بقدر ما يضع يديه على ركبتيه (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا طريقة الاحتياط فإنه لا خلاف إذا اطمأن أن صلاته ماضية واختلفوا إذا لم يطمئن. وأيضا روي عنه عليه السلام أنه قال: (صلوا كما رأيتموني أصلي) (3). فلا يخلو إما أن يكون اطمأن، أو لم يطمأن، فإن كان اطمأن وجب مثله وإن لم يكن اطمأن وجب أن لا تصح صلاة من اطمأن، وأجمعنا على صحة صلاته. وروى أبو مسعود البدري (4) أن النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا تجزي صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود) (5). مسألة 99: التسبيح في الركوع والسجود واجب، وبه قال أهل الظاهر داود

(1) المجموع 3: 410، ومغني المحتاج 1: 164، والمغني لابن قدامه 1: 500، وبداية المجتهد 1: 130.
(2) المحلى 3: 257، والمغني لابن قدامه 1: 500، والمجموع 3: 410، وبداية المجتهد 1: 130. (3) صحيح البخاري 1: 154، وسنن الدار قطني 1: 346.
(4) أبو مسعود البدري: عقبة بن عمرو بن ثعلبة بن أسيرة... بن الخزرج الأنصاري، مشهور بكنيته، نزل الكوفة، استخلفه الإمام أمير المؤمنين (ع) عليها عند ما سار إلى صفين، روى عنه الخطمي وأبو وائل، شهد العقبة، عده الشيخ من أصحاب أمير المؤمنين (ع)، وعده العلامة في خلاصته وابن داود في القسم الأول من رجاله مات سنة 40 وقيل قبلها وبعدها. الإصابة 2: 483 رقم 5608، وتنقيح المقال 2: 255. ورجال الشيخ الطوسي: 53، الاستيعاب 4: 171.
(5) سنن أبي داود 1: 226 حديث 855، ومسند أحمد بن حنبل 4: 119 و 4: 122 وفيه (صلاة لأحد).

[ 349 ]

وغيره (1)، وبه قال أحمد (2). وقال عامة الفقهاء: إن ذلك غير واجب (3). دليلنا: إجماع الفرقة، وطريقة الاحتياط لأنه إذا سبح جازت صلاته بغير خلاف، وإذا لم يسبح فليس على صحتها دليل. وقوله صلى الله عليه وآله (صلوا كما رأيتموني أصلي) (4)، يدل عليه لأنه سبح بغير خلاف. وروى عقبة بن عامر (5) قال: لما نزلت " فسبح باسم ربك العظيم "، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (إجعلوها في ركوعكم) فلما نزلت " سبح اسم ربك الأعلى " قال: (اجعلوها في سجودكم) (6). وهذا أمر يقتضي الوجوب. مسألة 100: أقل ما يجزي من التسبيح فيهما تسبيحة واحدة وثلاث أفضل من الواحدة إلى السبع فإنها أفضل. وقال داود وأهل الظاهر: الثلاث فرض (7). دليلنا: إجماع الفرقة، وروى علي بن يقطين عن أبي الحسن الأول

(1) المحلى 3: 255، والمجموع 3: 414، والمغني 1: 502.
(2) المغني لابن قدامة 1: 502، والمجموع 3: 414.
(3) الأم 1: 111، والمجموع 3: 414، والمغني لابن قدامه 1: 501.
(4) صحيح البخاري 1: 154، وسنن الدار قطني 1: 346.
(5) عقبة - بضم العين وسكون القاف - بن عامر بن عبس بن عمر الجهني، روى عن النبي (ص)، وروى عنه ابن عباس وأبو أمامة وجبير بن نفير وبعجة وغيرهم، وهو أحد من جمع القرآن، توفي في خلافة معاوية. الإصابة 2: 482، وأسد الغابة 3: 417.
(6) من لا يحضره الفقيه 1: 206، وعلل الشرائع 2: 22 حديث 6 من الباب 30 (العلة التي من أجلها يقال في الركوع سبحان ربي العظيم...)، والتهذيب 2: 313 حديث 1273، وسنن البيهقي 2: 86، وسنن ابن ماجة 1: 287 حديث 887.
(7) المحلى 3: 255.

[ 350 ]

عليه السلام قال: سألته عن الركوع والسجود كم يجزي فيه من التسبيح، قال: ثلاث، ويجزيك واحدة إذا أمكنت جبهتك من الأرض (1). مسألة 101: إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، الحمد لله رب العالمين، أهل الكبرياء والعظمة، إماما كان أو مأموما. وقال الشافعي: يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، إماما كان أو مأموما (2)، وإليه من الصحابة أبو بردة بن نيار (3)، وفي التابعين عطاء وابن سيرين، وبه قال إسحاق (4). وذهب مالك والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد إلى أن الإمام يقول كما قال الشافعي، والمأموم لا يزيد على قول ربنا ولك الحمد (5). وقال أبو حنيفة: لا يزيد الإمام على قول سمع الله لمن حمده، ولا يزيد المأموم على قول ربنا ولك الحمد (6). دليلنا: إجماع الفرقة، فإنهم لا يختلفون فيه والزيادة التي اعتبروها تحتاج

(1) التهذيب 2: 76 حديث 284، والاستبصار 1: 323 حديث 1206.
(2) المجموع 3: 414 و 419، وسنن الترمذي 2: 54، والمغني لابن قدامه 1: 508، والمبسوط 1: 21.
(3) في بعض النسخ " ابن يسار " وفي بعضها " ابن دينار " وصوابه ما أثبتناه. وهو هاني بن نيار بن عمرو أبو بردة حليف الأنصار وخال البراء بن عازب، شهد بدرا وما بعدها مع رسول الله صلى الله عليه وآله وشهد مع الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حروبه كلها. روى عن النبي صلى الله عليه وآله، وروى عنه البراء وجابر وسعيد ابن عمير وعبد الرحمن بن جابر وغيرهم. مات سنة (41 ه‍). وقيل غير ذلك. أسد الغابة 5: 52 و 146، والاستيعاب 4: 18 والإصابة 3: 565 و 4: 19، وتهذيب التهذيب 12: 19.
(4) سنن الترمذي 2: 56، والمجموع 3: 419.
(5) الأصل: 1: 4 - 5، وشرح معاني الآثار 1: 241، والمبسوط 1: 20، والمغني لابن قدامه 1: 510، والمجموع 3: 419.
(6) الأصل 1: 4 - 5، وشرح معاني الآثار 1: 238، والمبسوط 1: 20، والمحلى 3: 262، والمجموع 3: 419.

[ 351 ]

إلى شرع، وليس فيه ما يدل عليه، وحماد بن عيسى روى ما قلناه (1)، ولم يذكر ربنا ولك الحمد. ورووا عن علي بن أبي طالب عليه السلام أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا افتتح الصلاة كبر وإذا رفع رأسه من الركوع، يقول سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا ولك الحمد أهل الثناء والمجد (2)، وهذا في معنى ما قلناه. مسألة 102: رفع الرأس من الركوع والطمأنينة واجب وركن، وبه قال الشافعي (3). وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس الرفع من الركوع واجبا أصلا (4). وروي عن أبي يوسف أن الرفع واجب (5). دليلنا: إجماع الفرقة عليه، وخبر حماد وزرارة (6) تضمن ذلك، وطريقة

(1) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 مجلس 64 والتهذيب 2: 81 حديث 301.
(2) صحيح البخاري 1: 179 باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى وباب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع، وصحيح مسلم 1: 292 باب 9 حديث 25، وموطأ مالك 1: 75 باب 4 (افتتاح الصلاة) حديث 16 وفيه من دون جملة (أهل الثناء والمجد) باختلاف في السند، وسنن ابن ماجة 1: 284 الباب 18 (ما يقول إذا رفع رأسه من الركوع) الأحاديث 875 - 878، وسنن النسائي 1: 121 كتاب الافتتاح (باب العمل في افتتاح الصلاة) و (باب رفع اليدين قبل التكبير). وسنن الدارمي 1: 300 باب القول بعد رفع الرأس من الركوع وفي 301 متحد مسندا بزيادة ونقصان في اللفظ، وسنن الدار قطني 1: 296 باب دعاء الاستفتاح بعد التكبير الأحاديث، و 342 حديث 3 وفي الموضوعين عن علي ولكن باختلاف في اللفظ، وسنن الترمذي 2: 53 باب 197 حديث 266 باختلاف في اللفظ، ونيل الأوطار 2: 207 حديث 2.
(3) المجموع 3: 410 و 416، ومغني المحتاج 1: 165، وبداية المجتهد 1: 130. والمحلى 3: 255.
(4) النتف 1: 63 و 70، بداية المجتهد 1: 130، والمجموع 3: 410، بدائع الصنائع 1: 105.
(5) بدائع الصنائع 1: 105.
(6) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 =

[ 352 ]

الاحتياط تقتضي ذلك، لأنه إذا رفع رأسه واطمأن صحت صلاته بلا خلاف، وإذا لم يفعل فليس على صحتها دليل. وأيضا الخبر الذي تضمن تعليم النبي صلى الله عليه وآله الرجل الداخل في المسجد الصلاة يتضمن ذلك (1) لأنه قال له: (ثم أرفع حتى تعتدل قائما)، وهذا أمر. مسألة 103: إذا رفع المأموم رأسه من الركوع قبل الإمام عاد إلى ركوعه، ويرفع مع الإمام، وبه قال الشافعي: إلا أنه قال: فرضه قد سقط بالأول (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وروى علي بن يقطين قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يركع مع الإمام يقتدي به، ثم يرفع رأسه قبل الإمام، قال: يعيد ركوعه معه (3). فأما القول بإسقاط الفرض بالركوع الأول فيحتاج إلى دليل. مسألة 104: إذا خر ساجدا، ثم شك هل رفع رأسه من الركوع أم لا؟ مضى في صلاته. وقال الشافعي: عليه أن ينتصب قائما ثم يسجد عن قيام (4).

= مجلس: 64، والتهذيب 2: 81 و 83 حديث 301 و 308. (1) صحيح البخاري 1: 190 باب 113 باب استواء الظهر في الركوع، وصحيح مسلم 1: 298 حديث 45 باب 11، وسنن أبي داود 1: 226 حديث 856، وسنن الترمذي 2: 100 باب 226 حديث 302 و 303، وسنن النسائي 2: 124 باب فرض التكبيرة الأولى من كتاب الافتتاح و 2: 193 باب الرخصة في ترك الذكر في الركوع، وسنن ابن ماجه 1: 336 باب 72 حديث 1060، ومسند أحمد بن حنبل 2: 437 و 4: 340، وسنن الدارمي 1: 305 باب (في الذي لا يتم الركوع والسجود).
(2) الأم 1: 112.
(3) من لا يحضره الفقيه 1: 258 حديث 1172، والتهذيب 3: 47 حديث 163، والاستبصار 1: 438 حديث 1688.
(4) الأم 1: 113، والمجموع 3: 416.

[ 353 ]

دليلنا: إجماع الفرقة فإنهم لا يختلفون في أن من شك في شئ، وقد انتقل إلى حالة أخرى فإنه لا حكم لشكه، وأيضا فإن إيجاب الانتصاب على من قلناه يحتاج إلى دليل. مسألة 105: إذا عرضت له علت تمنعه من الرفع أهوى إلى السجود عن الركوع فإن زالت العلة بعد هوية مضى في صلاته كان ذلك قبل السجود أو بعده. وقال الشافعي: إن زالت قبل السجود انتصب قائما، ثم يخر عن قيام، وإن زالت بعد السجود مضى في صلاته (1). دليلنا: ما قلناه في المسألة الأولى سواء (2). مسألة 106: إذا رفع رأسه من الركوع فقرأ شيئا من القرآن ساهيا سجد، وليس عليه سجدتا السهو. وقال الشافعي: عليه سجدتا السهو (3). دليلنا: إن الأصل براءة الذمة وإيجاب ذلك يحتاج إلى دليل. مسألة 107: إذا كبر للسجود جاز أن يكبر وهو قائم، ثم يهوي إلى السجود، ويجوز أن يهوي بالتكبير إلى السجود فيكون انتهائه حين السجود، والثاني: مذهب الشافعي (4). والأول رواه حماد بن عيسى في وصفه للصلاة (5). والثاني رواه غيره (6)

(1) الأم 1: 113، والمجموع 3: 416.
(2) أي المسألة السابقة.
(3) قال النووي في المجموع 4: 126 (إذا سلم في غير موضعه ناسيا أو قرأ في غير موضعه ناسيا... سجد للسهو). وقال في الأم 1: 113 (إن فعل فعليه سجود السهو لأنه زاد في صلاته ما ليس عليه).
(4) الأم 1: 113.
(5) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 مجلس 64، والتهذيب 2: 81 حديث 301.
(6) الكافي 3: 336 حديث 5، وروى نحوه أيضا عبد الرزاق في المصنف 2: 176 حديث 2954.

[ 354 ]

فجعلناه مخيرا. مسألة 108: إذا أراد السجود تلقى الأرض بيديه أولا ثم ركبتيه، وهو مذهب عبد الله بن عمر، والأوزاعي، ومالك (1). وقال أبو حنيفة والشافعي والثوري: يتلقى الأرض بركبتيه ثم بيديه ثم بجبهته وأنفه، وحكوا ذلك عن عمر بن الخطاب (2). دليلنا: إجماع الفرقة، وأيضا رواه حماد بن عيسى وزرارة في خبريهما (3)، وأيضا لا خلاف أن من فعل ما قلناه صلاته ماضية صحيحة، وإذا خالف ليس على كمالها دليل. وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قال: إذا سجد أحدكم فليضع يديه قبل ركبتيه، ولا يبرك بروك البعير (4). وروي عن ابن عمر أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله إذا سجد يضع يديه قبل ركبتيه. وروى محمد بن مسلم عن أبي عبد الله عليه السلام قال: رأيته يضع يديه قبل ركبتيه (5).

(1) المجموع 3: 421، والمغني لابن قدامة 1: 514.
(2) الأم 1: 113، والمجموع 3: 421، اللباب 1: 73، النتف 1: 65، والمغني لابن قدامة 1: 514.
(3) الكافي 3: 311 حديث 8، ومن لا يحضره الفقيه 1: 196 حديث 916، وأمالي الصدوق: 248 مجلس 64 والتهذيب 2: 81 و 83 حديث 301 و 308.
(4) سنن الدار قطني 1: 344 باب ذكر الركوع والسجود وما يجزي فيهما وفيه بدل ركبتيه (رجليه)، والحديث 4 مطابق لفظا مختلف سندا وقريب منه ما في السنن الكبرى 2: 99 و 100. والمجموع 3: 421، المغني لابن قدامه 1: 514. وسنن الدارمي 1: 303 فيه هكذا (أبو هريرة أن رسول الله (ص) قال: إذا صلى أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه...)، وسنن النسائي 2: 207 باب أول ما يصل إلى الأرض من الانسان.
(5) التهذيب 2: 78 صدر حديث 291 وفيه بعد قوله (ركبتيه) (إذا سجد وإذا أراد أن يقوم رفع ركبتيه =

[ 355 ]

وروى الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يضع يديه قبل ركبتيه في الصلاة، قال: نعم [ وإذا أراد أن يقوم يرفع ركبتيه قبل يديه ] (1). مسألة 109: وضع الجبهة على الأرض في حال السجود فرض ووضع الأنف سنة، وبه قال الشافعي والحسن البصري وابن سيرين وعطاء وطاووس والثوري وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور (2). وقال قوم: إن وضعهما فرض، ذهب إليه سعيد بن جبير والنخعي وعكرمة وإسحاق (3). وقال أبو حنيفة: هو بالخيار بين أن يقتصر على أنفه أو على جبهته فأيهما فعل أجزأه (4). دليلنا: إجماع الفرقة، وحديث حماد وزرارة (5) في وصف الصلاة تضمن ذلك. وروي عن ابن عباس قال: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله أن يسجد على سبع، يديه وركبتيه وأطراف أصابعه وجبهته (6).

= قبل يديه) والاستبصار 1: 325 حديث 1215 بزيادة إذا سجد في آخره. (1) التهذيب 2: 78 حديث 292، والاستبصار 1: 325 حديث 1216 وفيه إلى قوله (ع): نعم. وما بين المعقوفتين غير موجود في المصادر المذكورة في ذيل هذا الحديث. وإنما هذا الذيل في التهذيب وللحديث السابق فقط. علما بأن نسخ الخلاف التي بأيدينا كما في المتن.
(2) الأم 1: 114، والمبسوط 1: 34، والمجموع 3: 425، والمغني لابن قدامة 1: 515، وتفسير القرطبي 1: 346.
(3) المجموع 3: 425، وتفسير القرطبي 1: 346، والمغني لابن قدامه 1: 516.