بداية المجتهد ونهاية المقتصد للامام القاضي أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن رشد القرطبي الاندلسي الشهير (بابن رشد الحفيد) المتوفى سنة 595 ه تنقيح وتصحيح خالد العطار الجزء الاول طبعة جديدة منقحة ومصححة إشراف مكتب البحوث والدراسات دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع
[ 4 ]
جميع حقوق إعادة الطبع محفوظة للناشر 1415 ه - 1995 م بيروت - لبنان
دار الفكر: حارة حريك - شارع عبدالنور - برقيا: فكسيى - تلكس: 41392 فكر ص. ب: 7061 - 11 - تلفون: 643681 - 838053 - 837898 - دولي: 860962 فاكس: 00121241187875
[ 5 ]
(من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين) " حديث شريف " بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد حمد الله بجميع محامده، والصلا السلام على محمد رسوله وآله وأصحابه، فإن غرضي في هذا الكتاب أن أثبت (1) فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل الاحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها، والتنبيه على نكث الخلاف فيها، ما يجري مجرى الاصول القواعد لما عسى أن يرد على المجتهد من المسائل المسكوت عنها في الشرع، وهذه المسائل في الاكثر هي المسائل المنطوق بها في الشرع أو تتعلق به تعلقا قريبا، وهي المسائل التي وقع الاتفاق عليها، أو اشتهر الخلاف فيها بين الفقهاء الاسلاميين من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى فشا التقليد. وقبل ذلك، فلنذكر كم أصناف الضرق التي تتلقى منها الاحكام الشرعية، وكم أصناف الاحكام الشرعية، وكم أصناف الاسباب التي أوجبت الاختلاف بأوجز ما يمكننا في ذلك. فنقول: إن الطرق التي منا تلقت الاحكام عن النبي عليه الصلاة والسلام بالجنس ثلاثة: إما لفظ، وإما فعل، وإما إقرار. وأما ما سكت عنه الشارع من الاحكام، فقال الجمهور: إن طريق الوقوف عليه هو القياس. وقال أهل الظاهر: القياس في الشرع باطل. وما سكت عنه الشارع فلا حكم له ودليل العقد يشهد بثبوته، وذلك أن الوقائع بين أشخاص الاناسي غير متناهية، والنصوص، والافعال، والاقرارات متناهية، ومحال أن يقابل ما لا يتناهى بما
يتناهى. وأصناف الالفاظ التي تتلقى منها الاحكام من السمع أربعة: ثلاثة متفق عليها، ورابع مختلف فيه. أما الثلاثة المتفق عليها فلفظ عام يحمل على عمومه، أو خاص يحمل على خصوصه، أو لفظ عام يراد به الخصوص، أو لفظ خاص يراد به العموم، وفي هذا يدخل التنبيه بالاعلى على الادنى، وبالادنى على الاعلى، وبالمساوي على المساوي،
(1) في نسخة فاس: التنبيه لنفسي بدل أن أثبت. (أنظر ترجمة آخر الكتاب).
[ 6 ]
فمثال الاول قوله تعالى: (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) (1)، فإن المسلمين اتفقوا على أن لفظ الخنزير متناول لجميع أصنفا الخنازير ما لم يكن مما يقال عليه الاسم بالاشتراك، مثل خنزير الماء، ومثال العام يراد به الخاص، قوله تعالى: (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) (2). فإن المسلمين اتفقوا على أن ليست الزكاة واجبة في جميع أنواع المال، ومثال الخاص يراد به العام قوله تعالى: (فلا تقل لهما أف) (3)، وهو من باب التنبيه بالادنى على الاعلى، فإنه يفهم من هذا تحريم الضرب والشتم وما فوق ذلك، وهذه إما أن يأتي المستدعي بها فعله بصيغة الامر، وإما أن يأتي بصيغة الخبر، يراد به الامر، وكذلك المتسدعي تركه، إما أن يأتي بصيغة النهي، وإما أن يأتي بصيغة الخبر، يراد به النهي، وإذا أتت هذه الالفاظ بهذه الصيغ، فهل يحمل استدعاء الفعل بها على الوجوب أو على الندب على ما سيقال في حد الواجب والمندوب إليه، أو يتوقف حتى يدل الدليل على أحدهما؟ فيه بين العلماء خلاف مذكور في كتب أصول الفقه، وكذلك الحل في صيغ النهي هل تدل على الكراهية أو التحريم، أو لا تدل على واحد منهما؟ فيه الخلاف المذكور أيضا، والاعيان التي يتعلق بها الحك إما أن يدل عليها بلفظ يدل على معنى واحد فقط، وهو الذي يعرف في صناعة أصول الفقه بالنص، ولا خلاف في وجوب العمل به، وإما أن يدل عليها بلفظ يدل على أكثر من معنى واحد، وهذا قسمان: إما أن تكون دلالته على تلك المعاني بالسواء، وهو الذي يعرف في أصول الفقه بالمجمل، ولا خلاف في أنه
لا يوجب حكما، وإما أن تكون دلالته على بعض تلك المعاني أكثر من بعض، وهذا يسمى بالاضافة إلى المعاني التي دلالته عليها أكثر ظاهرا، ويسمى بالاضافة إلى المعاني التى دلالته عليها اقل محتملا، وإذا ورد مطلقا حمل على تلك المعاني التى هو اظهر فيها حتى يقوم الدليل على حمله على حمله على المحتمل، فيعرض الخلاف للفقهاء في أقاويل الشارع، لكن ذلك من قبل ثلاث معان: من قبل الاشتراك في لفظ العين الذى علق به الحكم، ومن قبل الاشتراك في الالف والام المقرونة بجنس تلك العين، هل أريد بها الكل أو البعض؟ ومن قبل الاشتراك الذى في الفاظ الاوامر والنواهي، واما الطريق الرابع فهو ان يفهم من ايجاب الحكم لشئ ما نفى ذلك الحكم عما عدا ذلك الشئ أو من نفى الحكم عن شئ ما ايجابه لما عدا ذلك الشئ الذى نفى عنه، وهو الذى يعرف بدليل الخطاب، وهو اصل مختلف فيه مثل قوله عليه الصلاة والسلام: " في سائمة الغنم الزكاة "، فان قوما فهموا منه ان لا زكاة في غير السائمة، واما القياس الشرعي فهو الحاق الحكم الواجب لشئ ما بالشرع
(1) سورة المائدة، الآية: 3. (3) سورة الاسراء، الآية: 23. (2) سورة التوبة، الآية: 103.
[ 7 ]
بالشئ المسكوت عنه لشبهه بالشئ الذى اوجب الشرع له ذلك الحكم أو لعلة جامعة بينهما، ولذلك كان القياس الشرعي صنفين: قياس شبه، وقياس علة، والفرق بين القياس الشرعي واللفظ الخاص يراد به العام: ان القياس يكون على الخاص الذى اريد به الخاص فيلحق به غيره، اعني ان المسكوت عنه يلحق بالمنطوق به من جهة الشبه الذى بينهما لا من جهة دلالة اللفظ، لان الحاق المسكوت عنه بالمنطوق به من جهة تنبيه اللفظ ليس بقياس، وانما هو من باب دلالة اللفظ، وهذان الصنفان يتقاربان جدا لانهما الحاق مسكوت عنه بمنطوق به، وهما يلتبسان على الفقهاء كثيرا جدا. فمثال القياس الحاق شارب الخمر بالقاذف في الحد، والصداق بالنصاب في القطع. واما الحاق الربويات
بالمقتات أو بالمكيل أو بالمطعوم من باب الخاص اريد به العام، فتأمل هذا فان فيه غموضا. والجنس الاول هو الذى ينبغى للظاهرية ان تنازع فيه. واما الثاني فليس ينبغى لها ان تنازع فيه لانه من باب السمع، والذى يرد ذلك يرد نوعا من خطاب العرب. واما الفعل فانه عند الاكثر من الطرق التى تتلقى منها الاحكام الشرعية، وقال قوم: الافعال ليست تفيد حكما إذ ليس لها صيغ، والذين قالوا انها تتلقى منها الاحكام اختلفوا في نوع الحكم الذى تدل عليه، فقال قوم: على الوجوب وقال قوم: تدل على الندب، والمختار عند المحققين انها ان اتت بيانا لمجمل واجب دلت على الوجوب، وان اتت بيانا لمجمل مندوب إليه دلت على الندب، وان لم تات بيانا لمجمل، فان كانت من جنس القربة دلت على الندب، وان كانت من جنس المباحات دلت على الاباحة، واما الاقرار فانه يدل على الجواز، فهذه اصناف الطرق التى تتلقى منها الاحكام أو تستنبط. واما الاجماع فهو مستند الى احد هذه الطرق الاربعة، الا انه إذا وقع في واحد منها ولم يكن قطعيا نقل الحكم من غلبة الظن الى القطع، وليس الاجماع اصلا مستقلا بذاته من غير استناد الى واحد من هذه الطرق، لانه لو كان كذلك لكان يقتضى اثبات شرع زائد بعد النبي صلى الله عليه وسلم، إذ كان لا يرجع الى اصل من الاصول المشروعة. واما المعاني المتداولة المتادية من هذه الطرق اللفظية للمكلفين، فهى بالجملة: اما امر بشئ واما نهى عنه، واما تخيير فيه. والامر ان فهم منه الجزم وتعلق العقاب بتركه سمى واجبا، وان فهم منه الجزم وتعلق العقاب بالفعل سمى محرما ومحظورا، وان فهم منه الحث على تركه من غير تعلق عقاب بفعله سمى مكروها فتكون اصناف الاحكام الشرعية المتلقاة من هذا الطرق خمسة: واجب، ومندوب ومحظور، ومكروه، ومخير فيه وهو المباح. واما اسباب الاختلاف بالجنس فستة، احدها: تردد الالفاظ بين هذه الطرق الاربع: اعني بين ان يكون اللفظ عاما يراد به الخاص، أو خاصا يراد به العام، أو عاما يراد به العام، أو خاصا يراد به الخاص،
[ 8 ]
أو يكون له دليل خطاب، أو لا يكون له. والثانى: الاشتراك الذى في الالفاظ، وذلك اما في اللفظ المفرد، كلفظ القرء الذى ينطلق على الاطهار وعلى الحيض، وكذلك لفظ الامر هل يحمل على الوجوب أو الندب، ولفظ النهى هل يحمل على التحريم أو الكراهية؟ واما في اللفظ المركب مثل قوله تعالى: (الا الذين تابوا) (1)، فانه يحتمل ان يعود على الفاسق فقط، ويحتمل ان يعود على الفاسق والشاهد، فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة شهادة القاذف. والثالث: اختلاف الاعراب. والرابع: تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع من انواع المجاز، التى هي اما الحذف، واما الزيادة، واما التقديم، واما التاخير، واما تردده على الحقيقة أو الاستعارة. والخامس: اطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة، مثل اطلاق الرقية في العتق تارة، وتقييدها بالايمان تارة. والسادس: التعارض في الشيئين في جميع اصناف الالفاظ التى يتلقى منها الشرع الاحكام بعضها مع بعض، وكذلك التعارض الذى ياتي في الافعال أو في الاقرارات، أو تعارض القياسات انفسها، أو التعارض الذى يتركب من هذه الاصناف الثلاثة، اعني: معارضة القول للفعل أو للاقرار أو للقياس، ومعارضة الفعل للاقرار أو للقياس، ومعارضة الاقرار للقياس. قال القاضى رضى الله عنه: واذ قد ذكرنا بالجملة هذه الاشياء، فانشرع فيما قصدناه مستعينين بالله، ولنبدا من ذلك بكتاب الطهارة على عاداتهم.
(1) سورة البقرة، الآية: 160.
[ 9 ]
كتاب: الطهارة من الحدث فنقول: إنه اتفق المسلمون على أن الطهارة الشرعية طهارتان: طهارة من الحدث، وطهارة من الخبث. واتفقوا على أن الطهارة من الحدث ثلاثة أصناف: وضوء، وغسل، وبدل منهما وهو التيمم، وذلك لتضمن ذلك آية الوضوء الواردة في ذلك، فلنبدأ من ذلك بالقول في الوضوء، فنقول:
[ 10 ]
كتاب الوضوء إن القول المحيط بأصول هذه العبادة ينحصر في خمسة أبواب: الباب الاول في الدليل على وجوبها، وعلى من تجب، ومتى تجب؟ الثاني: في معرفة أفعالها الثالث: في معرفة ما به تفعل وهو الماء. الرابع: في معرفة نواقضها. الخام في معرفة الاشياء التي تفعل من أجلها. الباب الاول فأما الدليل على وجوبها فالكتاب والسنة، والاجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق) * الاية. فإن اتفق المسلمون على أن امتثال هذا الخطاب واجب على كل من لزمته الصلاة إذا دخل وقتها. وأما السنة: فقوله عليه الصلاة والسلام لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول وقوله عليه الصلاة والسلام: لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ، وهذان الحديثان ثابتان عند أئمة النقل. وأما الاجماع: فإنه لم ينقل عن أحد من المسلمين في ذلك خلاف، ولو كان هناك خلاف لنقل، إذ العادات تقتضي ذلك. وأما من تجب عليه فهو البالغ العاقل، وذلك أيضا ثابت بالسنة والاجماع. أما السنة: فقوله عليه الصلاة والسلام: رفع القلم عن ثلاث، فذكر، الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق. وأما الاجماع: فإنه لم ينقل في ذلك خلاف. واختلف الفقهاء هل من شرط وجوبها الاسلام أم لا؟ وهي مسألة قليلة الغناء في الفقه لانها راجعة إلى الحكم الاخروي. وأما متى تجب؟ فإذا دخل وقت الصلاة، وأراد الانسان الفعل الذي الوضوء شرط فيه وإن لم يكن ذلك متعلقا بوقت. أما وجوبه عند دخول وقت الصلاة على المحدث، فلا خلاف فيه لقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) * الاية. فأوجب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، ومن شروط الصلاة دخول الوقت. وأما دليل
وجوبه عند إرادة الافعال التي هو شرط فيها فسيأتي ذلك عند ذكر الاشياء التي يفعل الوضوء من أجلها، واختلاف الناس في ذلك.
[ 11 ]
الباب الثاني وأما معرفة فعل الوضوء، فالاصل فيه ما ورد من صفته في قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) * وما ورد من ذلك أيضا في صفة وضوء النبي (ص) في الاثار الثابتة، ويتعلق بذلك مسائل: اثنتا عشرة مشهورة تجري مجرى الامهات، وهي راجعة إلى معرفة الشروط، والاركان، وصفة الافعال، وأعدادها، وتعيينها وتحديد محال أنواع أحكام جميع ذلك. المسألة الاولى من الشروط: اختلف علماء الامصار هل النية شرط في صحة الوضوء أم لا بعد اتفاقهم على اشتراط النية في العبادات لقوله تعالى: * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) *. ولقوله (ص): إنما الاعمال بالنيات - الحديث المشهور، فذهب فريق منهم إلى أنها شرط، وهو مذهب الشافعي، ومالك، وأحمد، وأبي ثور، وداود وذهب فريق آخر إلى أنها ليست بشرط، وهو مذهب أبي حنيفة، والثوري. وسبب اختلافهم: تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة: أعني غير معقولة المعنى، وإنما يقصد بها القربة له فقط كالصلاة، وغيرها، وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى كغسل النجاسة، فإنهم لا يختلفون أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى النية، والوضوء فيه شبه من العبادتين، ولذلك وقع الخلاف فيه وذلك أنه يجمع عبادة ونظافة. والفقه أن ينظر بأيهما هو أقوى شبها، فيلحق به. المسألة الثانية من الاحكام: اختلف الفقهاء في غسل اليد قبل إدخالها في إناء الوضوء، فذهب قوم إلى أنه من سنن الوضوء بإطلاق، وإن تيقن طهارة اليد، وهو مشهور مذهب
مالك، والشافعي. وقيل إنه مستحب للشاك في طهارة يده، وهو أيضا مروي عن مالك. وقيل إن غسل اليد واجب على المنتبه من النوم، وبه قال داود وأصحابه. وفرق قوم بين نوم الليل، ونوم النهار. فأوجبوا ذلك في نوم الليل، ولم يوجبوه في نوم النهار، وبه قال أحمد. فتحصل في ذلك أربعة أقوال: 1 - قول إنه سنة بإطلاق. 2 - وقول إنه استحباب للشاك. 3 - وقول إنه واجب على المنتبه من النوم. 4 - وقول إنه واجب على المنتبه من نوم الليل دون نوم النهار. والسبب في اختلافهم في ذلك: اختلافهم في مفهوم الثابت من حديث أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن
[ 12 ]
يدخلها الاناء، فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. وفي بعض رواياته: فليغسلها ثلاثا. فمن لم ير بين الزيادة الواردة في هذا الحديث على ما في آية الوضوء معارضة، وبين آية الوضوء، حمل لفظ الامر ها ههنا على ظاهره من الوجوب، وجعل ذلك فرضا من فروض الوضوء، ومن فهم من هؤلاء من لفظ البيات نوم الليل، أوجب ذلك من نوم الليل فقط، ومن لم يفهم منه ذلك، وإنما فهم منه النوم فقط أوجب ذلك على كل مستيقظ من النوم نهارا أو ليلا، ومن رأى أن بين هذه الزيادة والاية تعارضا، إذ كان ظاهر الاية المقصود منه حصر فروض الوضوء، كان وجه الجمع بينهما عنده أن يخرج لفظ الامر عن ظاهره الذي هو الوجوب إلى الندب، ومن تأكد عنده هذا الندب لمثابرته عليه الصلاة والسلام على ذلك، قال: إنه من جنس السنن، ومن لم يتأكد عنده هذا الندب، قال: إن ذلك من جنس المندوب المستحب وهؤلاء غسل اليد عندهم بهذه الحال إذا تيقنت طهارتها: أعني من يقول إن ذلك سنة من يقول إنه ندب. ومن لم يفهم من هؤلاء من هذا الحديث علة توجب عنده أن يكومن باب الخاص أريد به العام، كان ذلك عنده مندوبا للمستيقظ من النوم فقط، ومن فهم منه علة الشك، وجعله من باب الخاص أريد به العام، كان ذلك عند للشاك، لانه في معنى النائم. والظاهر من هذا الحديث أنه لم يقصد به حكم البدء في
الوضوء، وإنما قصد به حكم الماء الذي يتوضأ به إذا كان الماء مشترطا فيه الطهارة، أما من نقل من غسله (ص) يديه قبل إدخالهما في الاناء في أكثر أحيانه، فيحتمل أن يكون من حكم اليد على أن يكون غسلها في الابتداء من أفعال الوضوء، ويحتمل أن يكون من حكم الماء، أعني أن لا ينجس أو يقع فيه شك إن قلنا إن الشك مؤثر. المسألة الثالثة من الاركان: اختلفوا في المضمضة والاستنشاق في الوضوء على ثلاثة أقوال: قول إنهما سنتان في الوضوء، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة وقول إنهما فرض فيه، وبه قال ابن أبي ليلى وجماعة من أصحاب داود، وقول إن الاستنشاق فرض، والمضمضة سنة، وبه قال أبو ثور، وأبو عبيدة وجماعة من أهل الظاهر. وسبب اختلافهم في كونها فرضا، أو سنة اختلافهم في السنن الواردة في ذلك، هل هي زيادة تقتضي معارضة آية الوضوء، أو لا تقتضي ذلك، فمن رأى أن هذه الزيادة إن حملت على الوجوب، اقتضت معارضة الاية، إذ المقصود من الاية تأصيه هذا الحكم، وتبيينه، أخرجها من باب الوجوب إلى باب الندب، ومن لم ير أنها تقتضي معارضة، حملها على الظاهر من الوجوب، ومن استوت عنده هذه الاقوال، والافعال في حملها على الوجوب لم يفرق بين المضمضة، والاستنشاق، ومن كان عنده القول محمولا على الوجوب، والفعل محمولا على الندب فرق بين المضمضة والاستنشاق، وذلك أن المضمضة نقلت من فعله عليه الصلاة والسلام، ولم تنقل من أمره، وأما الاستنشاق فمن أمره عليه الصلاة والسلام
[ 13 ]
وفعله وهو قوله عليه الصلاة والسلام: إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينثر، ومن استجمر، فليوتر خرجه مالك فموطئه، والبخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة. المسألة الرابعة من تحديد المحال: اتفق العلماء، على أن غسل الوجه بالجملة من فرائض الوضوء لقوله تعالى: * (فاغسلوا وجوهكم) * واختلفوا منه في ثلاثة مواضع: في غسل البياض الذي بين العذار والاذن، وفي غسل ما انسدل من اللحية، وفي تخليل
اللحية. فالمشهور من مذهب مالك أنه ليس البياض الذي بين العذار والاذن من الوجه، وقد قيل في المذهب بين الامرد والملتحي فيكون في المذهب ثلاثة أقوال. وقال أبو حنيفة والشافعي هو من الوجه وأما ما انسدل من اللحية، فذهب مالك إلى وجوب إمرار الماء عليه، ولم يوجبه أبو حنيفة، ولا الشافعي في أحد قوليه. وسبب اختلافهم في هاتين المسألتين هو خفاء تناول اسم الوجه لهذين الموضعين، أعني: هل يتناولهما، أو لا يتناولهما؟ وأما تخليل اللحية، فمذهب مالك أنه ليس واجبا، وبه قال أبو حنيفة والشافعي في الوضوء وأوجبه ابن عبد الحكم من أصحاب مالك. وسبب اختلافهم في ذلك اختلافهم في صحة الاثار التي ورد فيها الامر بتخليل اللحية، والاكثر على أنها غير صحيحة مع أن الاثار الصحاح التي ورد فيها صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام ليس في شئ منها التخليل. المسألة الخامسة من التحديد: اتفق العلماء على أن غسل اليدين والذراعين من فروض الوضوء لقوله تعالى: * (وأيديكم إلى المرافق) * واختلفوا في إدخال المرافق فيها، فذهب الجمهور ومالك والشافعي وأبو حنيفة إلى وجوب إدخالها وذهب بعض أهل الظاهر، وبعض متأخري أصحاب مالك، والطبري إلى أنه لا يجب إدخالها في الغسل، والسبب في اختلافهم في ذلك الاشتراك الذي في حرف إلى، وفي اسم اليد في كلام العرب وذلك أن حرف إلى مرة يدل في كلام العرب على الغاية، ومرة يكون بمعنى مع، واليد أيضا في كلام العرب تطلق على ثلاثة معان: على الكف فقط، وعلى الكف والذراع، وعلى الكف والذراع والعضد، فمن جعل إلى بمعنى مع، أو فهم من اليد مجموع الثلاثة الاعضاء أوجب دخولها في الغسل، ومن فهم من إلى الغاية، ومن اليد ما دون المرفق، ولم يكن الحد عنده داخلا في المحدود، لم يدخلهما في الغسل، وخرج مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أنه غسل يده اليمنى حتى أشرع في العضد، ثم اليسرى
[ 14 ]
كذلك ثم غسل رجله اليمنى حتى أشرع في الساق ثم غسل اليسرى كذلك، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله (ص) يتوضأ. وهو حجة لقول من أوجب إدخالها في الغسل، لانه إذا تردد اللفظ بين المعنيين على السواء، وجب أن لا يصار إلى أحد المعنيين إلا بدليل، وإن كانت إلى في كلام العرب أظهر في معنى الغاية منها في معنى مع، وكذلك اسم اليد أظهر فيما دون العضد منه فيما فوق العضد، فقول من لم يدخلها من جهة الدلالة اللفظية أرجح، وقول من أدخلها من جهة هذا الاثر أبين، إلا أن يحمل هذا الاثر على الندب، والمسألة محتملة كما ترى. وقد قال قوم: إن الغاية إذا كانت من جنس ذي الغاية دخلت فيه، وإن لم تكن من جنسه لم تدخل فيه. المسألة السادسة من التحديد: اتفق العلماء على أن مسح الرأس من فروض الوضوء، واختلفوا في القدر المجزئ منه. فذهب مالك إلى أن الواجب مسحه كله. وذهب الشافعي، وبعض أصحاب مالك، وأبو حنيفة إلى أن مسح بعضه هو الفرض، ومن أصحاب مالك من حد هذا البعض بالثلث، ومنهم من حده بالثلثين وأما أبو حنيفة فحده بالربع وحد مع هذا القدر من اليد الذي يكون به المسح، فقال: إن مسحه بأقل من ثلاثة أصابع لم يجزه. وأما الشافعي فلم يحد في الماسح، ولا في الممسوح حدا. وأصل هذا الاختلاف: الاشتراك الذي في الباء في كلام العرب، وذلك أنها مرة تكون زائدة مثل قوله تعالى: * (تنبت بالدهن) * على قراءة من قرأ تنبت بضم التاء وكسر الباء من أنبت، ومرة تدل على التبعيض مثل قول القائل: أخذت بثوبه، وبعضده، ولا معنى لانكار هذا في كلام العرب، أعني: كون الباء مبعضة، وهو قول الكوفيين من النحويين. فمن رآها زائدة، أوجب مسح الرأس كله، ومعنى الزائدة ها هنا كونها مؤكدة، ومن رآها مبعضة، أوجب مسح بعضه. وقد احتج من رجح هذا المفهوم بحديث المغيرة: أن النبي عليه الصلاة والسلام توضأ، فمسح بناصيته، وعلى العمامة خرجه مسلم. وإن سلمنا أن الباء زائدة بقي ها هنا أيضا احتمال آخر، وهو هل الواجب الاخذ بأوائل الاسماء، أو بأواخرها.
المسألة السابعة من الاعداد: اتفق العلماء على أن الواجب من طهارة الاعضاء المغسولة هو مرة مرة إذا أسبغ، وأن الاثنين، والثلاث مندوب إليهما، لما صح: أنه (ص) توضأ مرة مرة، وتوضأ مرتين مرتين وتوضأ ثلاثا ثلاثا ولان الامر ليس يقتضي إلا الفعل مرة مرة أعني: الامر الوارد في الغسل في آية الوضوء. واختلفوا في تكرير مسح الرأس هل هو فضيلة، أم ليس في تكريره فضيلة؟ فذهب الشافعي إلى أنه من توضأ ثلاثا ثلاثا يمسح رأسه أيضا ثلاثا، وأكثر الفقهاء يرون أن المسح لا فضيلة في تكريره. وسبب
[ 15 ]
اختلافهم في ذلك: اختلافهم في قبول الزيادة الواردة في الحديث الواحد إذا أتت من طريق واحد ولم يرها الاكثر، وذلك أن أكثر الاحاديث التي روي فيها أنه نه مسح واحدة فقط وفي بعض الروايات عن عثمان في صفة وضوئه أنه عليه الصلاة والسلام مسح برأسه ثلاثا وعضد الشافعي وجوب قبول هذه الزيادة بظاهر عموم ما روي أنه عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة، ومرتين مرتين، وثلاثا ثلاثا، وذلك أن المفهوم من عموم هذا اللفظ - وإن كان من لفظ الصحابي - هو حمله على سائر أعضاء الوضوء، إلا أن هذه الزيادة ليست في الصحيحين، فإن صحت يجب المصير إليها، لان من سكت عن شئ ليس هو بحجة على من ذكره. وأكثر العلماء أوجب تجديد الماء لمسح الرأس قياسا على سائر الاعضاء. وروي عن ابن الماجشون أنه قال: إذا نفد الماء، مسح رأسه ببلل لحيته، وهو اختيار ابن حبيب، ومالك، والشافعي. ويستحب في صفة المسح أن يبدأ بمقدم الرأس، فيمر يديه إلى قفاه، ثم يردهما إلى حيث بدأ على ما في حديث عبد الله بن زيد الثابت. وبعض العلماء يختار أن يبدأ من مؤخر الرأس، وذلك أيضا مروي من صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام من حديث الربيع بنت معوذ إلا أنه لم يثبت فا الصحيحين. المسألة الثامنة من تعيين المحال: اختلف العلماء في المسح علة العمامة فأجاز
ذلك أحمد بن حنبل وأبو ثور والقاسم بن سلام وجماعة ومنع من ذلك جماعة منهم مالك، والشافعي، وأبو حنيفة. وسبب اختلافهم في ذلك: اختلافهم في وجوب العمل بالاثر الوارد في ذلك من حديث المغيرة، وغيره: أنه عليه الصلاة والسلام مسح بناصيته، وعلى العمامة وقياسا على الخف، ولذلك اشترط أكثرهم لبسها على طهارة. وهذا الحديث إنما رده من رده إما لانه لم يصح عنده، وإما لان ظاهر الكتاب عارضه عنده، أعني الامر فيه بمسح الرأس، وإما لانه لم يشتهر العمل به عند من يشترط اشتهار العمل فيما نقل من طريق الاحاد، وبخاصة في المدينة على المعلوم من مذهب مالك أنه يرى اشتهار العمل، وهو حديث خرجه مسلم وقال فيه أبو عمر بن عبد البر إنه حديث معلول، وفي بعض طرقه أنه مسح على العمامة، ولم يذكر الناصية، ولذلك لم يشترط بعض العلماء في المسح على العمامة المسح على الناصية، إذ لا يجتمع الاصل والبدل في فعل واحد. المسألة التاسعة من الاركان: اختلفوا في مسح الاذنين هل هو سنة أو فريضة، وهل يجدد لهما الماء أم لا؟ فذهب بعض الناس إلى أنه فريضة، وأنه يجدد لهما الماء، وممن قال بهذا القول جماعة من أصحاب مالك، ويتأولون مع هذا أنه مذهب مالك لقوله فيهما إنهما
[ 16 ]
من الرأ س. وقال أبو حنيفة، وأصحابه مسحهما فرض كذلك، إلا أنهما يمسحان مع الرأس بماء واحد. وقال الشافعي: مسحهما سنة ويجدد لهما الماء، وقال بهذا القول جماعة أيضا من أصحاب مالك، ويتأولون أيضا أنه قوله لما روي عنه أنه قال حكم مسحهما حكم المضمضة. وأصل اختلافهم في كون مسحهما سنة، أو فرضا: اختلافهم في الاثا الواردة بذلك أعني مسحه عليه الصلاة والسلام أذنيه هل هي زيادة على ما في الكتا ب من مسح الرأس، فيكون حكمهما أن يحمل على الندب لمكان التعارض الذي يتخيل بينها وبين الاية، إن حملت على الوجوب، أم هي مبينة للمجمل الذي في الكتاب فيكون حكمهما حكم الرأس في الوجوب؟ فمن أوجبهما جعلها مبينة لمجمل الكتاب، ومن لم يوجبهما
جعلها زائدة كالمضمضة. والاثار الواردة بذلك كثيرة، وإن كانت لم تثبت في الصحيحين، فهي قد اشتهر العمل بها. وأما اختلافهم في تجديد الماء لهما، فسببه تردد الاذنين بين أن يكونا عضوا مفردا بذاته من أعضاء الوضوء، أو يكونا جزءا من الرأس، وقد شذ قوم فذهبوا إلى أنهما يغسلان مع الوجه، وذهب آخرون إلى أنه يمسح باطنهما مع الرأس، ويغسل ظاهرهما مع الوجه، وذلك لتردد هذا العضو بين أن يكون جزءا من الوجه أو جزءا من الرأس، وهذا لا معنى له مع اشتهار الاثار في ذلك بالمسح، واشتهار العمل به. والشافعي يستحب فيهما التكرار كما يستحبه في مسح الرأس. المسألة العاشرة من الصفات: اتفق العلماء على أن الرجلين من أعضاء الوضوء، واختلفوا في نوع طهارتهما، فقال قوم: طهارتهما الغسل وهم الجمهور وقال قوم: فرضهما المسح وقال قوم: بل طهارتهما تجوز بالنوعين: الغسل والمسح، وإن ذلك راجع إلى اختيار المكلف. وسبب اختلافهم: القراءتان المشهورتان في آية الوضوء: أعني قراءة من قرأ وأرجلكم بالنصب عطفا على المغسول وقراءة من قرأ وأرجلكم بالخفض عطفا على فض ظاهرة في المسح كظهور تلك في الغسل، فمن ذهب إلى أن فرضهما واحد من هاتين الطهارتين على التعيين، إما الغسل، وإما المسح: ذهب إلى ترجيح ظاهر إحدى القراءتين على القراءة الثانية، وصرف بالتأويل ظاهر القراءة الثانية إلى معنى ظاهر القراءة التي ترجحت عنده. ومن اعتقد أن دلالة كل واحدة من القراءتين على ظاهرها على السواء، وأنه ليست إحداهما على ظاهرها أدل من الثانية على ظاهرها أيضا، جعل ذلك من الواجب المخير ككفارة اليمين وغير ذلك. وبه قال الطبري وداود. وللجمهور تأويلات في قراءة الخفض، أجودها أن ذلك عطف على اللفظ لا على المعنى، إذ كان ذلك موجودا في كلام العرب مثل قول الشاعر:
[ 17 ]
لعب الزمان بها وغيرها بعدي سوا في المحور والقطر
بالخفض، ولو عطف على المعنى لرفع القطر. وأما الفريق الثاني: وهم الذين أوجبوا المسح، فإنهم تأولوا قراءة النصب على أنها عطف على الموضع كما قال الشاعر: فلسنا بالجبال ولا الحديدا. وقد رجح الجمهور قراءتهم هذه بالثابت عنه عليه الصلاة والسلام إذ قال في قوم لم يستوفوا غسل أقدامهم في الوضوء: ويل للاعقاب من النار قالوا فهذا يدل على أن الغسل هو الفرض لان الواجب هو الذي يتعلق بتركه العقاب. وهذا ليس فيه حجة، لانه إنما وقع الوعيد على أنهم تركوا أعقابهم دون غسل ولا شك أن من شرع في الغسل ففرضه الغسل في جميع القدم، كما أن من شرع في المسح ففرضه المسح عند من يخير بين الامرين، وقد يدل هذا على ما جاء في أثر آخر خرجه أيضا مسلم أنه قال: فجعلنا نمسح على أرجلنا فنادى: ويل للاعقاب من النار. وهذا الاثر وإن كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح، فهو أدل على جوازه منه على منعه، لان الوعيد إنما تعلق فيه بترك التعميم لا بنوع الطهارة، بل سكت لمسح أيضا مروي عن بعض الصحابة والتابعين، ولكن من طريق المعنى، الغسل أشد مناسبة للقدمين من المسكما أن المسح أشد مناسبة للرأس من الغسل، إذ كانت القدمان لا ينقى دنسهما غالبا إلا بالغسل، وينقى دنس الرأس بالمسح، وذلك أيضا غالب، والمصالح المعقولة لا يمتنع أن تكون أسبابا للعبادات المفروضة حتى يكون الشرع لاحظ فيهما معنيين: معنى مصلحيا، ومعنى عباديا، وأعني بالمصلحي ما رجع إلى الامور المحسوسة، وبالعبادي ما رجع إلى زكاة النفس. وكذلك اختلفوا في الكعبين هل يدخلان في المسح، أو في الغسل عند من أجاز المسح؟ وأصل اختلافهم الاشتراك الذي في حرف ] إلى أعني في قوله تعالى: * (وأرجلكم إلى الكعبين) * وقد تقدم القول في اشتراك هذا الحرف في قوله تعالى: * (إلى المرافق) * لكن الاشتراك وقهنالك من جهتين من اشتراك اسم اليد، ومن اشتراك حرف إلى وهنا من قبل اشتراك حرف إلى فقط. وقد اختلفوا في الكعب ما
هو: وذلك لاشتراك اسم الكعب، واختلاف أهل اللغة في دلالته. فقيل: هما العظمان اللذان عند معقد الشراك، وقيل: هما العظمان الناتئان في طرف الساق، ولا خلاف فيما أحسب في دخولهما في الغسل عند من يرى أنهما عند معقد الشراك إذ كانا جزءا من القدم، لذلك قال قو: إنه إذا كان الحد من جنس المحدود دخلت الغاية فيه: أعني الشئ الذي
[ 18 ]
يدل علي حرف إلى وإذا لم يكن من جنس المحدود لم يدخل فيه مثل قوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) *. المسألة الحادية عشرة من الشروط: اختلفوا في وجوب ترتيب أفعال الوضوء على نسق الاية. فقال قوم: هو سنة. وهو الذي حكاه المتأخرون من أصحاب مالك عن المذهب وبه قال أبو حنيفة والثوري. وداود وقال قوم: هو فريضة، وبه قال الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وهذا كله في ترتيب المفروض مع المفروض. وأما ترتيب الافعال المفروضة مع الافعال المسنونة، فهو عند مالك مستحب وقال أبو حنيفة: هو سنة. وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما: الاشتراك الذي في واو العطف، وذلك أنه قد المرتبة وذلك ظاهر من استقراء كلام العرب، ولذلك انقسم النحويون فيها قسمين، فقال نحاة البصرة: ليس تقتضي نسقا، ولا ترتيبا، وإنما تقتضي الجمع فقط، وقال الكوفيون: بل تقتضي النسق، والترتيب. فمن رأى أن الواو في آية الوضوء تقتضي الترتيب، قال بإيجاب الترتيب ومن رأى أنها لا تقتضي الترتيب لم يقل بإيجابه. والسبب الثاني: اختلافهم في أفعاله عليه الصلاة والسلام. هل هي محمولة على الوجوب أو على الندب، فمن حملها على الوجوب قال بوجوب الترتيب، لانه لم يرو عنه عليه الصلاة والسلام أنه توضأ قط إلا مرتبا. ومن حملها على الندب، قال: إن الترتيب سنة، ومن فرق بين المسنون، والمفروض من الافعال قال: إن الترتيب الواجب إنما ينبغي أن يكون في الافعال الواجبة، ومن لم يفرق قال: إن الشروط الواجبة قد تكون في الافعال التي ليست واجبة.
المسألة الثانية عشرة من الشروط: اختلفوا في الموالاة في أفعال الوضوء، فذهب مالك إلى أن الموالاة فرض مع الذكر، ومع القدرة، ساقطة مع النسيان، ومع الذكر عند العذر ما لم يتفاحش التفاوت، وذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أن الموالاة ليست من واجبات الوضوء. والسبب في ذلك: الاشتراك الذي في الواو أيضا، وذلك قد يعطف بها الاشياء المتتابعة المتلاحقة بعضها على بعض وقد يعطف بها الاشياء المتراخية بعضها عن بعض، وقد احتج قوم لسقوط الموالاة بما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه كان يتوضأ في أول طهوره، ويؤخر غسل رجليه إلى آخر الطهر، وقد يدخل الخلاف في هذه المسألة أيضا في الاختلاف في حمل الافعال على الوجوب، أو على الندب، وإنما فرق مالك بين العمد، والنسيان، لان الناسي الاصل فيه في الشرع أنه معفو عنه إلى أن يقوم الدليل على غير ذلك، لقوله عليه الصلاة والسلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان. وكذلك العذر يظهر
[ 19 ]
من أمر الشرع أن له تأثيرا في التخفيف. وقد ذهب قوم إلى أن التسمية من فروض الوضوء واحتجوا لذلك بالحديث المرفوع، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: لا وضوء لمن لم يسم الله وهذا الحديث لم يصح عند أهل النقل، وقد حمله بعضهم على أن المراد به النية، وبعضهم حمله على الندب - فيما أحسب. فهذه مشهورات المسائل التي تجري من هذا الباب مجرى الاصول، وهي كما قلنا متعلقة إما بصفات أفعال هذه الطهارة، وإما بتحديد مواضعها، وإما بتعريف شروطها، وأركانها وسائر ما ذكر. ومما يتعلق بهذا الباب مسح الخفين إذ كان من أفعال الوضوء. والكلام المحيط بأصوله يتعلق بالنظر في سبع مسائل بالنظر في جوازه، وفي تحديد محله، وفي تعيين محله، وفي صفته: أعني صفة المحل، وفي توقيته، وفي شروطه وفي نواقضه: المسألة الاولى: فأما الجواز ففيه ثلاثة أقوال: القول المشهور: أنه جائز على
الاطلاق، وبه قال جمهور فقهاء الامصار. والقول الثاني: جوازه في السفر دون الحضر. والقول الثالث: منع جوازه بإطلاق، وهو أشدها، والاقاويل الثلاثة مروية عن الصدر الاول، وعن مالك. والسبب في اختلافهم: ما يظن من معارضة آية الوضوء الوارد فيها الامر بغسل الارجل للاثار التي وردت في المسح مع تأخر آية الوضوء. وهذا الخلاف كان بين الصحابة في الصدر الاول، فكان منهم من يرى أن آية الوضوء ناسخة لتلك الاثار، وهو مذهب ابن عباس. واحتج القائلون بجوازه بما رواه مسلم أنه كان يعجبهم حديث جرير، وذلك أنه روى: أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام يمسح على الخفين فقيل له: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، فقال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة. وقال المتأخرون القائلون بجوازه: ليس بين الاية والاثار تعارض، لان الامر بالغسل إنما هو متوجه إلى من لا خف له، والرخصة إنما هي للابس الخف. وقيل: إن تأويل قراءة الارجل بالخفض هو المسح على الخفين. وأما من فرق بين السفر والحضر، فلان أكثر الاثار الصحاح الواردة في مسحه عليه الصلاة والسلام إنما كانت في السفر، مع أن السفر مشعر بالرخصة والتخفيف، والمسح على الخفين هو من باب التخفيف، فإن نزعه مما يشق على المسافر. المسألة الثانية: وأما تحديد المحل فاختلف فيه أيضا فقهاء الامصار. فقال قوم: إن الواجب من ذلك مسح أعلى الخف، وأن مسح الباطن - أعني أسفل الخف - مستحب، ومالك أحد من رأى هذا، والشافعي. ومنهم من أوجب مسظهورهما، وبطونهما وهو مذهب ابن نافع من أصحاب مالك، ومنهم من أوجب مسح الظهور فقط، ولم يستحب مسح البطون، وهو مذهب أبي حنيفة وداود وسفيان وجماعة، وشذ أشهب فقال: إن
[ 20 ]
الواجب مسح الباطن، أو الاعلى أيهما مسح. وسبب اختلافهم: تعارض الاثار الواردة في ذلك، وتشبيه المسح بالغسل، وذلك أن في ذلك أثرين متعارضين: أحدهما: حديث
المغيرة بن شعبة، وفيه: أنه (ص) مسح أعلى الخف، وباطنه. والاخر: حديث علي: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله (ص) يمسح على ظاهر خفيه. فمن ذهب مذهب الجمع بين الحديثين، حمل حديث المغيرة على الاستحباب، وحديث علي على الوجوب، وهي طريقة حسنة. ومن ذهب مذهب الترجيح، أخذ إما بحديث علي، وإما بحديث المغيرة، فمن رجح حديث المغيرة على حديث علي رجحه من قبل القياس، أعني قياس المسح على الغسل، ومن رجح حديث علي رجحه من قبل مخالفته للقياس، أو من جهة السند والاسد في هذه المسألة هو مالك. وأما من أجاز الاقتصار على مسح الباط فقط فلا أعلم له حجة، لانه لا هذا الاثر اتبع، ولا هذا القياس استعمل - أعني قيا س المسح على الغسل. المسألة الثالثة: وأما نوع محل المسح فإن الفقهاء القائلين بالمسح اتفقوا على جواز المسح على الخفين، واختلفوا في المسح على الجوربين، فأجاز ذلك قوم ومنعه قوم. وممن منع ذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة، وممن أجاز ذلك أبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وسفيان الثوري. وسبب اختلافهم في صحة الاثار الواردة عنه عليه الصلاة والسلام أنه مسح على الجوربين، والنعلين. واختلافهم أيضا في هل يقاس على الخف غيره، أم هي عبادة لا يقاس عليها، ولا يتعدى بها محلها؟ فمن لم يصح عنده الحديث، أو لم يبلغه، ولم ير القياس على الخف، قصر المسح عليه، ومن صح عنده الاثر، أو جوز القياس على الخف أجاز المسح على الجوربين، وهذا الاثر لم يخرجه الشيخان أعني البخاري ومسلم، وصححه الترمذي. ولتردد الجوربين المجلدين بين الخف والجورب غير المجلد، عن مالك في المسح عليهما روايتان: إحداهما بالمنع والاخرى بالجواز. المسألة الرابعة: وأما صفة الخف، فإنهم اتفقوا على جواز المسح على الخف الصحيح واختلفوا في المخرق، فقال مالك وأصحابه: يمسح عليه إذا كان الخرق يسيرا. أقل من ثلاثة أصابع. وقال قوم: بجواز المسح على
الخف المنخرق ما دام يسمى خفا، وإن تفاحش خرقه، وممن روي عنه ذلك الثوري. ومنع الشافعي أن يكون في مقدم الخف خرق يظهمنه القدم، ولو كان يسيرا في أحد القولين عنه. وسبب اختلافهم في ذلك: اختلافهم في انتقال الفرض من الغسل إلى المسح هل هو لموضع الستر - أعني ستر خف القدمين - أم هو لموضع المشقة في نوع الخفين؟ فمن
[ 21 ]
رآه لموضع الستر لم يجز المسح على الخف المنخرق، لانه إذا انكشف من القدم شئ انتقل فرضها من المسح إلى الغسل، ومن رأى أن العلة في ذلك المشقة لم يعتبر الخرق ما دام يسمى خفا. وأما التفريق بين الخرق الكثير واليسير، فاستحسان ورفع للحرج. وقال الثوري: كانت خفاف المهاجرين والانصار لا تسلم من الخروق كخفاف الناس، فلو كان في ذلك حظر لورد، ونقل عنهم. هذه المسألة هي مسكوت عنها، فلو كان فيها حكم مع عموم الابتلاء به، لبينه (ص) وقد قال تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) *. المسألة الخامسة: وأما التوقيت فإن الفقهاء أيضا اختلفوا فيه، فرأى مالك أن ذلك غير مؤقت، وأن لابس الخفين يمسح عليهما ما لم ينزعهما، أو تصيبه جنابة وذهب أبو حنيفة، والشافعي إلى أن ذلك مؤقت. والسبب في اختلافهم: اختلاف الاثار في ذلك، وذلك أنه ورد في ذلك ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث علي عن النبي (ص) أنه قال: جعل رسول الله (ص) ثلاثة أيام، ولياليهن للمسافر، ويوم وليلة للمقيم أخرجه مسلم. والثاني: حديث أبي بن عمارة: أنه قال: يا رسول الله أأمسح على الخف؟ قال: نعم. قال وثلاثة؟ قال: نعم، حتى بلغ سبعا، ثم قال: امسح ما بدا لك خرجه أبو داود والطحاوي. الثالث: حديث صفوان بن عسال قال: كنا في سفر فأمرنا أن لا ننزع خفافنا ثلاثة أيام، ولياليهن إلا من جنابة، ولكن من بول، أو نوم، أو غائط.: أما حديث علي فصحيح خرجه مسلم. وأما حديث أبي بن عمارة، فقال فيه أبو عمر ابن عبد البر: إنه حديث لا يثبت، وليس له إسناد قائم، ولذلك ليس ينبغي أن يعارض به حديث علي. وأما حديث
صفوان بن عسال، فهو وإن كان لم يخرجه البخاري، ولا مسلم، فإنه قد صححه قوم من أهل العلم بالحديث: الترمذي، وأبو محمد بن حزم، وهو بظاهره معارض بدليل الخطاب لحديث أبي كحديث علي، وقد يحتمل أن يجمع بينهما بأن يقال: إن حديث صفوان، وحديث علي خرجا مخرج السؤال عن التوقيت، وحديث أبي بن عمارة نص في ترك التوقيت، لكن حديث أبي لم يثبت بعد، فعلى هذا يجب العمل بحديثي علي وصفوان، وهو الاظهر، إلا أن دليل الخطاب فيهما يعارضه القياس، وهو كون التوقيت غير مؤثر في نقض الطهارة، لان النواقض هي الاحداث. المسألة السادسة: وأما شرط المسح على الخفين، فهو أن تكون الرجلان طاهرتين بطهر الوضوء، وذلك شئ مجمع عليه إلا خلافا شاذا. وقد روي عن ابن القاسم عن مالك، ذكره ابن لبابة في المنتخب، وإنما قال به الاكثر لثبوته في حديث المغيرة، وغيره إذا
[ 22 ]
أراد أن ينزع الخف عنه، فقال عليه الصلاة والسلام: دعهما فإني أدخلتهما وهما طاهرتان. والمخالف حمل هذه الطهارة على الطهارة اللغوية، واختلف الفقهاء من هذا الباب فيمن غسل. رجليه، ولبس خفيه ثم أتم وضوءه هل يمسح عليهما؟ فمن لم ير أن الترتيب واجب، ورأى أن الطهارة تصح لكل عضو قبل أن تكمل الطهارة لجميع الاعضاء قال بجواز ذلك، ومن رأى أن الترتيب واجب، وأنه لا تصح طهارة العضو إلا بعد طهارة جميع أعضاء الطهارة لم يجز ذلك، وبالقول الاول قال أبو حنيفة وبالقول الثاني قال الشافعي، ومالك. إلا أن مالكا لم يمنع ذلك من جهة الترتيب، وإنما منعه من جهة أنه يرى أن الطهارة لا توجد للعضو إلا بعد كمال جميع الطهارة، وقد قال عليه الصلاة والسلام: وهما طاهرتان فأخبر عن الطهارة الشرعية، وفي بعض روايات المغيرة: إذا أدخلت رجليك في الخف وهما طاهرتان فامسح عليهما. وعلى هذه الاصول يتفرع الجواب فيمن لبس أحد خفيه بعد أن غسل إحدى رجليه وقبل أن يغسل الاخرى. فقال مالك: لا
يمسح على الخفين، لانه لابس للخف قبل تمام الطهارة، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحق وقال أبو حنيفة، والثوري، والمزي، والطبري، وداود يجوز له المسح، وبه قال جماعة من أصحاب مالك منهم مطرف، وغيره. وكلهم أجمعوا أنه لو نزع الخف الاول بعد غسل الرجل الثانية، ثم لبسها، جاز له المسح، وهل من شرط المسح على الخف أن لا يكون على خف آخر؟ عن مالك فيه قولان. وسبب الخلاف: هل كما تنتقل طهارة القدم إلى الخف إذا ستره الخف، كذلك تنتقل طهارة الخف الاسفل الواجبة إلى الخف الاعلى؟ فمن شبه النقلة الثانية بالاولى، أجاز المسح على الخف الاعلى، ومن لم يشبهها بها، وظهر له الفرق، لم يجز ذلك. المسألة السابعة: فأما نواقض هذه الطهارة، فإنهم أجمعوا على أنها نواقض الوضوء بعينها، واختلفوا هل نزع الخف ناقض لهذه الطهارة أم لا؟ فقال قوم: إن نزعه وغسل، ما، وصلى، أعاد الصلاة بعد غسل قدميه، وممن قال بذلك مالك، وأصحابه، والشافعي وأبو حنيفة إلا أن مالك رأى أنه إن أخر ذلك، استأنف الوضوء على رأيه في وجوب الموالاة، على الشرط الذي تقدم. وقال قوم: طهارته باقية حتى يحدث حدثا ينقض الوضوء، وليس عليه غسل، وممن قال بهذا القول داود، وابن أبي ليلى. قال الحسن بن حي: إذا نزع خفيه فقد بطلت طهارته. وبكل واحد من هذه الاقوال الثلاثة، قالت طائفة من فقهاء التابعين، وهذه المسألة هي مسكوت عنها. وسبب اختلافهم: هل المسح على الخفين هو أصل بذاته في الطهارة، أو بدل من غسل القدمين عند غيبوبتهما في الخفين؟ فإن قلنا هو أصل بذاته، فالطهارة باقية وإن نزع الخفين، كمن قطعت رجلاه بعد غسلهما، وإن قلنا إنه بدل، فيحتمل أن يقال إذا نزع الخف بطلت
[ 23 ]
الطهارة، وإن كنا نشترط الفور، ويحتمل أن يقال إن غسلهما، أجزأت الطهارة، إذا لم يشترط الفور. وأما اشتراط الفور من حين نزع الخف فضعيف، وإنما هو شئ يتخيل. فهذا ما
رأينا أن نثبته في هذا الباب. الباب الثالث: في المياه والاصل في وجوب الطهارة بالمياه قوله تعالى: * (وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به) * وقوله: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) *. وأجمع العلماء على أن جميع أنواع المياه طاهرة في نفسها مطهرة لغيرها، إلا ماء البحر، فإن فيه خلافا في الصدر الاول شاذا. وهم محجوجون بتناول الماء المطلق له، وبالاثر الذي خرجه مالك وهو قوله عليه الصلاة والسلام في البحر: هو الطهور ماؤه الحل ميتته وهو وإن كان حديثا مختلفا في صحته، فظاهر الشر يعضده وكذلك أجمعوا على أن كل ما يغير الماء مما لا ينفك عنه غالبا أنه لا يسلب صفة الطهارة والتطهير إلا خلافا شاذا روى في الماء الآجن عن ابن سيرين، وهو أيضا محجوج يتناول اسم الماء المطلق له، واتفقوا على أن الماء الذي غيرت النجاسة، إما طعمه، أو لونه، أو ريحه أو أكثر من واحدة من هذه الاوصاف أنه لا يجوز به الوضوء ولا الطهور واتفقوا على أن الماء الكثير المستبحر لا تضره النجاسة التي لم تغير أحد أوصافه وأنه طاهر، فهذا ما أجمعوا عليه من هذا الباب. واختلفوا من ذلك في ست مسائل تجري مجرى القواعد والاصول لهذا الباب. المسألة الاولى: اختلفوا في الماء إذا خالطته نجاسة، ولم تغير أحد أوصافه. فقال قوم: هو طاهر سواء أكان كثيرا. أو قليلا، وهي إحدى الروايات عن مالك، وبه قال أهل الظاهر. وقال قوم: بالفرق بين القليل والكثير، فقالوا: إن كان قليلا كان نجسا، وإن كان كثيرا لم يكن نجسا وهؤلاء اختلفوا في الحد بين القليل، والكثير، فذهب أبو حنيفة، إلى أن الحد في هذا هو أن يكون الماء من الكثرة بحيث إذا حركه آدمي من أحد طرفيه لم تسر الحركة إلى الطرف الثاني منه وذهب الشافعي إلى أن الحد في ذلك هو قلتان من قلال هجر وذلك نحو من خمسمائة رطل. ومنهم من لم يحد في ذلك حدا، ولكن قال: إن النجاسة تفسد قليل الماء وإن لم تغير أحد أوصافه. وهذا أيضا مروي عن مالك وقد روي أيضا
أن هذا الماء مكروه، فيتحصل عن مالك في الماء اليسير تحله النجاسة اليسيرة ثلاثة أقوال: قول إن النجاسة تفسده، وقول إنها لا تفسده إلا أن يتغير أحد أوصافه، وقول إنه مكروه ويسبب اختلافهم. في ذلك: هو تعارض ظواهر الاحاديث الواردة في ذلك،
[ 24 ]
وذلك أن حديث أبي هريرة المتقدم وهو قوله عليه الصلاة والسلام: إذا استيقظ أحدكم من نومه الحديث يفهم من ظاهره أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء. وكذلك أيضا حديث أبي هرير الثابت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه فإنه يوهب ظاهره أيضا أن قليل النجاسة ينجس قليل الماء. وكذلك ما ورد من النهي عن اغتسال الجنب في الماء الدائم. وأما حديث أنس الثابت: أن أعرابيا قام إلى ناحية من المسجد فبال فيها، فصاح به الناس، فقال رسول الله (ص): دعوه. فلما فرغ أمر رسول الله (ص) بذنوب ماء فصب على بوله فظاهره أن قليل النجاسة لا يفسد قليل الماء. إذ معلوم أن ذلك الموضع قد طهر من ذلك الذنوب. وحديث أبي سعيد الخدري كذلك أيضا خرجه أبو داود قال: سمعت رسول الله (ص) يقال له: إنه يستقي من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها لحوم الكلاب، والمحائض، وعذرة االناس، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الماء لا ينجسه شئ. فرام العلماء الجمع بين هذه الاحاديث، واختلفوا في طريق الجمع، فاختلفت لذلك مذاهبهم: فمن ذهب إلى القول بظاهر حديث الاعرابي، وحديث أبي سعيد قال: إن حديثي أبي هريرة غير معقولي المعنى، وامتثال ما تضمناه عبادة، لا لان ذلك الماء بنجس، حتى أن الظاهرية أفرطت في ذلك، فقالت: لو صب البول إنسان في ذلك الماء من قدح، لما كره الغسل به والوضوء. فجمع بينهما على هذا الوجه من قال هذا القول ومن كره الماء القليل تحله النجاسة اليسيرة جمع بين الاحاديث، فإنه حمل حديثي أبي هريرة على الكراهية، وحمل حديث الاعرابي وحديث أبي سعيد على ظاهرهما أعني على الاجزاء. وأما الشافعي، وأبو حنيفة فجمعا بين حديثي
أبي هريرة، وحديث أبي سعيد الخدري بأن حملا حديثي أبي هريرة على الماء القليل، وحديث أبي سعيد على الماء الكثير. وذهب الشافعي إلى أن الحد في ذلك الذي يجمع الاحاديث هو ما ورد في حديث عبد اللهابن عمر عن أبيه وخرجه أبو داود والترمذي، وصححه أبو محمد بن حزم قال: سئل رسول الله (ص) عن الماء، وما ينوبه من السباع والدواب؟ فقا: إن كان الماء قلتين لم يحمل خبثا. وأما أبو حنيفة فذهب إلى أن الحد في ذلك من جهة القياس، وذلك أنه اعتبر سريان النجاسة في جميع الماء بسريان الحركة، فإذا كان الماء بحيث يظن أن النجاسة لا يمكن فيها أن تسري في جميعه، فالماء طاهر. لكن من ذهب هذين المذهبين فحديث الاعرابي المشهور معارض له ولا بد، فلذلك لجأت الشافعية إلى أن فرقت بين ورود الماء على النجاسة، وورودها على الماء، فقالوا: إن ورد عليها الماء كما في حديث الاعرابي لم ينجس، وإن ورد ت النجاسة على الماء كما في حديث أبي هريرة نجس. وقال جمهور الفقهاء: هذا تحكم، وله إذا تؤمل وجه من النظر، وذلك أنهم إنما صاروا إلى الاجماع على أن النجاسة اليسيرة لا تؤثر في الماء الكثير إذا
[ 25 ]
كان الماء الكثير بحيث يتوهم أن النجاسة لا تسري في جميع أجزائه، وأنه يستحيل عينها عن الماء الكثير، وإذا كان ذلك كذلك، فلا يبعد أن قدرا ما من الماء لوحله قدر ما من النجاسة، لسرت فيه، ولكان نجسا، فإذا ورد ذلك الماء على النجاسة جزءا فجزءا فمعلوم أنه تفنى عين تلك النجاسة، وتذهب قبل فناء ذلك الماء، وعلى هذا فيكون آخر جزء ورد من ذلك الماء قد طهر المحل، لان نسبته إلى ما ورد عليه مما بقى من النجاسة نسبة الماء الكثير إلى القليل من النجاسة، ولذلك كان العلم يقع في هذه الحال بذهاب عين النجاسة - أعني في وقوع الجزء الاخير الطاهر على آخر جزء يبقى من عين النجاسة - ولهذا أجمعوا على أن مقدار ما يتوضأ به يطهر قطرة البول الواقعة في الثوب، أو البدن، واختلفوا إذا وقعت القطرة من البول في ذلك القدر من الماء. وأولى المذاهب عندي، وأحسنها طريقة
في الجمع، هو أن يحمل حديث أبي هريرة وما في معناه على الكراهية. وحديث أبي سعيد، وأنس على الجواز، لان هذا التأويل يبقى مفهوم الاحاديث على ظاهرها - أعني حديثي أبي هريرة - من أن المقصود بها تأثير النجاسة في الماء. وحد الكراهية عندي هو ما تعافه النفس، وترى أنه ماء خبيث، وذلك أن ما يعاف الانسان شربه يجب أن يجتنب استعماله في القربة إلى الله تعالى، وأن يعاف وروده على ظاهر بدنه كما يعاف وروده على داخله. وأما من احتج بأنه لو كان قليل النجاسة ينجس قليل الماء، لما كان الماء يطهر أحدا أبدا، إذ كان يجب على هذا أن يكون المنفصل من الماء عن الشئ النجس المقصود تطهيره أبدا نجسا، فقول لا معنى له، لما بيناه من أن نسبة آخر جزء يرد من الماء على آخر جزء يبقى من النجاسة في المحل نسبة الماء الكثير إلى النجاسة القليلة، وإن كان يعجب به كثير من المتأخرين فإنا نعلم قطعا أن الماء الكثير يحيل النجاسة ويقلب عينها إلى الطهارة ولذلك أجمع العلماء على أن الماء الكثير لا تفسده النجاسة القليلة، فإذا تابع الغاسل صب الماء على المكان النجس، أو العضو النجس، فيحيل الماء ضرورة عين النجاسة بكثرته، ولا فرق بين الماء الكثير أن يرد على النجاسة الواحدة بعينها دفعة، أو يرد عليها جزءا بعد جزء، فإذن هؤلاء إنما احتجوا بموضع الاجماع على موضع الخلاف من حيث لم يشعروا بذلك، والموضعان في غاية التباين. لمسألة من سبب اختلاف الناس فيها، وترجيح أقوالهم فيها، ولوددنا لو أن سلكنا في كل مسألة هذا المسلك، لكن رأينا أن هذا يقتضي طولا، وربما عاق الزمان عنه، وأن الاحوط هو أن نؤم الغرض الاول الذي قصدناه، فإن يسر الله تعالى فيه، وكان لنا انفساح من العمر، فسيتم هذا الغرض. المسألة الثانية: الماء الذي خالطه زعفران، أو غيره من الاشياء الطاهرة التي تنفك منه غالبا متى غيرت أحد أوصافه، فإنه طاهر عند جميع العلماء غير مطهر عند مالك والشافعي ومطهر عند أبي حنيفة ما لم يكن التغير عن طبخ. وسبب اختلافهم: هو خفاء تناول اسم
[ 26 ]
الماء المطلق للماء الذي خالطه أمثال هذه الاشياء، أعني هل يتناوله، أو لا يتناوله؟ فمن رأى أنه لا يتناوله اسم الماء المطلق وإنما يضاف إلى الشئ الذي خالطه، فيقال ماء كذا، لا ماء مطلق لم يجز الوضوء به، إذ كان الوضوء إنما يكون بالماء المطلق، ومن رأى أنه يتناوله اسم الماء المطلق، أجاز به الوضوء. ولظهور عدم تناول اسم الماء للماء المطبوخ مع شئ طاهر اتفقوا على أنه لا يجوز الوضوء به، وكذلك في مياه النبات المستخرجة منه، إلا ما في كتاب ابن شعبان من إجازة طهر الجمعة بماء الورد. والحق أن الاختلاط يختلف بالكثرة، والقلة، فقد يبلغ من الكثرة إلى حد لا يتناوله اسم المطلق مثل ما يقال ماء الغسل، وقد لا يبلغ إلى ذلك الحد، وبخاصة متى تغيرت منه الريح فقط، ولذلك لم يعتبر الريح قوم ممن منعوا الماء المضاف، وقد قال عليه الصلاة والسلام لام عطية عند أمره أياها بغسل ابنته: اغسلنها بماء وسدر واجعلن في الاخيرة كافورا، أو شيئا من كافور. فهذا ماء مختلط، ولكنه لم يبلغ من الاختلاط بحيث يسلب عنه اسم الماء المطلق وقد روي عن مالك اعتبار الكثره في المخالطة والقلة والفرق بينهما، فأجازه مع القلة، وإن ظهرت الاوصا ف، ولم يجزه مع الكثرة. المسألة الثالثة: الماء المستعمل في الطهارة اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: فقوم لم يجيزوا الطهارة به على كل حال، وهو مذهب الشافعي، وأبي حنيفة وقوم كرهوه، ولم يجيزوا التيمم مع وجوده، وهو مذهب مالك وأصحابه وقوم لم يروا بينه، وبين الماء المطلق فرقا، وبه قال أبو ثور، وداود وأصحابه وشذ أبو يوسف فقال إنه نجس. وسبب الخلاف في هذا: أيضا ما يظن من أنه لا يتناوله اسم الماء المطلق، حتى إن بعضهم غلا، فظن أن اسم الغسالة أحق به من اسم الماء، وقد ثبت: أن النبي (ص) كان أصحابه يقتتلون على فضل وضوئه. ولابد أن يقع من الماء المستعمل في الاناء الذي بقى فيه الفضل، وبالجملة، فهو ماء مطلق، لانه في الاغلب ليس ينتهي إلى أن يتغير أحد أوصافه بدنس الاعضاء التي تغسل به، فإن انتهى إلى ذلك، فحكمه حكم الماء الذي تغير أحد أوصافه
بشئ طاهر، وإن كان هذا تعافه النفوس أكثر، وهذا لحظ من كرهه، وأما من زعم أنه نجس فلادليل معه. المسألة الرابعة: اتفق العلماء على طهارة أسآر المسلمين، وبهيمة الانعام واختلفوا فيما عدا ذلك اختلافا كثيرا، فمنهم من زعم أن كل حيوان طاهر السؤر، ومنهم من استثنى من ذلك الخنزير فقط، وهذان القولان مرويان عن مالك ومنهم من استثنى من ذلك الخنزير والكلب، وهو مذهب الشافعي، ومنهم من استثنى من ذلك السباع عامة وهو مذهب ابن القاسم، ومنهم من ذهب إلى أن الاسآر تابعة للحوم، فإن كانت اللحوم محرمة، فالاسآر نجسة، وإن كانت مكروهة فالاسآر مكروهة، وإن كانت مباحة
[ 27 ]
فالاسآر طاهرة. وأما سؤر المشرك: فقيل إنه نجس، وقيل إنه مكروه إذا كان يشرب الخمر، وهو مذهب ابن القاسم، وكذلك عنده جميع أسآر الحيوانات التي لا تتوقى النجاسة غالبا مثل الدجاج المخلاة والابل الجلالة والكلاب المخلاة. وسبب اختلافهم في ذلك هو ثلاثة أشياء: أحدها: معارضة القياس لظاهر الكتاب. والثاني: معارضتة لظاهر الاثار. والثالث: معارضة الاثار بعضها بعضا في ذلك. أما القياس فهو أنه لما كان الموت من غير ذكاة هو سبب نجاسة عين الحيوان بالشرع وجب أن تكون الحياة هي سبب طهارة عين الحيوان، وإذا كان ذلك كذلك، فكل حي طاهر العين، وكل طاهر العين فسؤره طاهر. وأما ظاهر الكتاب، فإنه عارض هذا القياس في الخنزير والمشرك، وذلك أن الله تعالى يقول في الخنزير: * (فإنه رجس) * وما هو رجس في عينه فهو نجس لعينه، ولذلك استثنى قوم من الحيوان الحي الخنزير فقط، ومن لم يستثنه حمل قوله * (رجس) * على جهة الذم له. وأما المشرك ففي قوله تعالى: * (إنما المشركون نجس) * فمن حمل هذا أيضا على ظاهره، استثنى من مقتضى ذلك في القياس المشركين، ومن أخرجه مخرج الذم لهم طرد قياسه. وأما الاثار فإنها عارضت هذا القياس في الكلب، والهر والسباع: أما الكلب
فحديث أبي هريرة المتفق على صحته، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، وليغسله سبع مرات وفي بعض طرقه أولاهن بالتراب وفي بعضها: وعفروه الثامنة بالتراب. وأما الهر فما رواه قرعن ابن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): طهور الاناء إذا ولغ في الهر أن يغسل مرة أو مرتين وقرة ثقة عند أهل الحديث. وأما السباع فحديث ابن عمر المتقدم عن أبيه قال: سئل رسول الله (ص) عن الماء، وما ينوبه من السباع والدواب؟ فقال: إن كان الماء قلتين لم يحمل خبثا. وأما تعارض الاثار في هذا الباب، فمنها أنه روي عنه: أنه سئل (ص) عن الحياض التي بين مكة، والمدينة تردها الكلاب والسباع؟ فقال: لها ما حملت في بطونها، ولكم ما غير شرابا، وطهورا. ونحو هذا حديث عمر الذي رواه مالك في موطئه، يا وهو قوله: يا صاحب الحوض لا تخبرنا، فإنا نرد على السباع، وترد علينا. وحديث أبي قتادة أيضا الذي خرجه مالك أن كبشة سكبت له وضوءا فجاءت هرة لتنشرب منه، فأصغى لها الاناء حتى شربت، ثم قال إن رسول الله (ص) قال: إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم، أو الطوافات. فاختلف العلماء في تأويل هذه الاثار، ووجه جمعها مع القياس المذكور، فذهب مالك بالامر بإراقة سؤر الكلب، وغسل الاناء منه إلى أن ذلك عبادة غير معللة، وأن الماء الذي يلغ فيه ليس بنجس، ولم ير إراقة ما عدا الماء من الاشياء التي يلغ فيها
[ 28 ]
الكلب في المشهور عنه، وذلك كما قلنا لمعارضة ذلك القياس له، ولانه ظن أيضا أنه إن فهم منه أن الكلب نجس العين عارضه ظاهر الكتاب وهو قوله تعالى: * (فكلوا مما أمسكن عليكم) * يريد أنه لو كان نجس العين لنجس الصيد بمماسته، وأيد هذا التأويل بما جاء في غسله من العدد والنجاسات ليس يشترط في غسلها العدد، فقال، إن هذا الغسل إنما هو عبادة، ولم يعرج على سائر تلك الاثار لضعفها عنده. وأما الشافعي فاستثنى الكلب من الحيوان الحي ورأى أن ظاهر هذا الحديث يوجب نجاسة سؤره، وأن
لعابه هو النجس لا عينه فيما أحسب، وأنه يجب أن يغسل الصيد منه وكذلك استثنى الخنزير لمكان الاية المذكورة وأما أبو حنيفة فإنه زعم أن المفهوم من تلك الاثار الواردة بنجاسة سؤر السباع، والهر، والكلب هو من قبل تحريم لحومها، وأن هذا من باب الخاص أريد به العام، فقال: الاسآر تابعة للحوم الحيوان وأما بعض الناس فاستثنى من ذلك الكلب والهر والسباع على ظاهر الاحاديث الواردة في ذلك. وأما بعضهم فحكم بطهارة سؤر الكلب والهر، فاستثنى من ذلك السباع فقط، وأما سؤر الكلب فللعدد المشترط في غسله، ولمعارضة ظاهر الكتاب له، ولمعارضة حديث أبي قتادة له، إذ علل عدم نجاسة الهرة من قبل أنها من الطوافين والكلب طواف. وأما الهرة فمصيرا إلى ترجيح حديث أبي قتادة على حديث قرة عن ابن سيرين وترجيح حديث ابن عمر على حديث عمر، وما ورد في معناه لمعارضة حديث أبي قتادة له بدليل الخطاب، وذلك أنه لما علل عدم النجاسة في الهرة بسبب الطواف، فهم منه أن ما ليس بطواف، وهي السباع، فأسآرها محرمة، وممن ذهب هذا المذهب ابن القاسم. وأما أبو حنيفة فقال كما قلنا بنجاسة سؤر الكلب، ولم ير العدد في غسله شرطا في طهارة الاناء الذي ولغ فيه لانه عارض ذلك عنده القياس في غسل النجاسات، أعني أن المعتبر فيها إنما هو إزالة العين فقط، وهذا على عادته في رد أخبار الاحاد لمكان معارضة الاصول لها. قال القاضي: فاستعمل من هذا الحديث بعضا - ولم يستعمل بعضا، أعني أنه استعمل منه ما لم تعارضه عنده الاصول، ولم يستعمل ما عارضته منه الاصول وعضد ذلك بأنه مذهب أبي هريرة الذي روى الحديث. فهذه هي الاشياء التي حركت الفقهاء إلى هذا الاختلاف الكثير في هذه المسألة، وقادتهم إلى الافتراق فيها. والمسألة اجتهادية محضة يعسر أن يوجد فيها ترجيح، ولعل الارجح أن يستثنى من طهارة آسار الحيوان الكلب، والخنزير والمشرك لصحة الاثار الواردة في الكلب، ولان ظاهر الكتاب أولى أن يتبع في القول بنجاسة عين الخنزير، والمشرك من القياس، وكذلك ظاهر الحديث، وعليه أكثر الفقهاء أعني على القول بنجاسة سؤر الكلب، فإن الامر بإراقة ما
[ 29 ]
ولغ فيه الكلب مخيل ومناسب في الشرع لنجاسة الماء الذي ولغ فيه، أعني أن المفهوم بالعادة في الشرع من الامر بإراقة الشئ، وغسل الاناء منه هو لنجاسة الشئ. وما اعترضوا به من أنه لو كان ذلك لنجاسة الاناء لما اشترط فيه العدد، فغير نكير أن يكون الشرع يخص نجاسة دون نجاسة بحكم دون حكم تغليظا لها. قال القاضي: وقد ذهب جدي - رحمة الله عليه - في كتاب المقدمات إلى أن هذا الحديث معلل معقول المعنى ليس من سبب النجاسة، بل من سبب ما يتوقع أن يكون الكلب الذي ولغ في الاناء كلبا، فيخاف منه السم قال: ولذلك جاء هذا العدد الذي هو السبع في غسله، فإن هذا العدد قد استعمل في الشرع في مواضع كثيرة في العلاج، والمداواة من الامراض. وهذا الذي قاله - رحمه الله - هو وجه حسن على طريقة المالكية، فإنه إذا قلنا إن ذلك الماء غير نجس، فالاولى أن يعطي علة في غسله من أن يقول إنه غير معلل وهذا طاهر بنفسه. وقد اعترض عليه فيما بلغني بعض الناس بأن قال: إن الكلب الكلب لا يقرب الماء في حين كلبه. وهذا الذي قالوه هو عند استحكام هذه العلة بالكلاب، لا في مباديها، وفي أول حدوثها فلا معنى لاعتراضهم. وأيضا فإنه ليس في الحديث ذكر الماء. وإنما فيه ذكر الاناء. ولعل في سؤره خاصية من هذا الوجه ضارة أعني قبل أن يستحكم به الكلب، ولا يستنكر ورود مثل هذا في الشرع. فيكون هذا من باب ما ورد في الذباب إذا وقع في الطعام أن يغمس. وتعليل ذلك أن في أحد جناحيه داء، وفي الاخر دواء. وأما ما قيل في المذهب من أن هذا الكلب هو الكلب المنهي عن اتخاذه أو الكلب الحضري، فضعيف، وبعيد من هذا التعليل، إلا أن يقول قائل: إن ذلك - أعني النهي - من باب التحريج في اتخاذه. المسألة الخامسة: اختلف العلماء في أسآر الطهر على خمسة أقوال: فذهب قوم إلى أن أسآر الطهر طاهرة بإطلاق، وهو مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة وذهب آخرون إلا أنه يجوز للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة، ويجوز للمرأة أن تتطهر بسؤر الرجل وذهب
آخرون إلى أنه يجوز للرجل أن يتطهر بسؤر المرأة ما لم تكن المرأة جنبا، أو حائضا وذهب آخرون إلى أنه لا يجوز لواحد منهما أن يتطهر بفضل صاحبه إلا أن يشرعا معا، وقال قوم: لا يجوز وإن شرعا معا، وهو مذهب أحمد بن حنبل وسبب اختلافهم في هذا اختلاف الاثار، وذلك أن في ذلك أربعة آثار: أحدها: أن النبي (ص) كان يغتسل من الجنابة هو وأزواجه من إناء واحد. والثاني: حديث ميمونة أنه اغتسل من فضلها. والثالث: حديث الحكم الغفاري أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يتوضأ الرجل بفضل المرأة أخرجه أبو داود والترمذي. والرابع: حديث عبد الله بن سرجس قال: نهى رسول الله (ص) أن يغتسل الرجل بفضل المرأة، والمرأة بفضل الرجل، ولكن يشرعان معا. فذهب العلماء في تأويل هذه الاحاديث مذهبين: مذهب الترجيح، ومذهب الجمع في بعض والترجيح في بعض. أما من رجح حديث اغتسال النبي (ص) مع أزواجه من إناء واحد على سائر الاحاديث، لانه
[ 30 ]
مما اتفق الصحاح على تخريجه، ولم يكن عنده فرق بين أن يغتسلا، لان المغتسلين معا كواحد منهما مغتسل بفضل صاحبه، وصحح حديث ميمونة مع هذا الحديث، ورجحه علحديث الغفاري، فقال: بطهر الاسآر على الاطلاق. وأما من رجح حديث الغفاري على حديث وحديث اغتسال النبي عليه الصلاة والسلام مع أزواجه من إناء واحد بأن فرق بين الاغتسال معا، وبين أن يغتسل أحدهما بفضل الاخر. وعمل على هذين الحديثين فقط، أجاز للرجل أن يتطهر مع المرأة من إناء واحد، ولم يجز أن يتطهر هو من فضل طهرها، وأجاز أن تتطهر هي من فضل طهره. وأما من ذهب مذهب الجمع بين الاحاديث كلها ما خلا حديث ميمونة، فإنه أخذ بحديث عبد الله بن سرجس. لانه يمكن أن يجتمع عليه حديث الغفاري، وحديث غسل النبي (ص) مع أزواجه من إناء واحد، ويكون فيه زيادة، وهي ألا تتوضأ المرأة أيضا بفضل الرجل. لكن يعارضه حديث ميمونة، وهو حديث خرجه مسلم، لكن قد علله كما قلنا بعض الناس من أن بعض رواته قال فيه: أكثر ظني، وأكثر علمي أن أبا الشعثاء حدثني. وأما من لم يجز لواحد منهما أن يتطهر بفضل
صاحبه ولا يشرعان معا، فلعله لم يبلغه من الاحاديث إلا حديث الحكم الغفاري، وقاس الرجل على المرأة، وأما من نهى عن سؤر المرأة الجنب، والحائض فقط، فلست أعلم له حجة، إلا أنه مروي عن بعض السلف أحسبه عن ابن عمر. المسألة السادسة: صار أبو حنيفة من بين معظم أصحابه، وفقهاء الامصار إلى إجازة الوضوء بنبيذ التمر في السفر لحديث ابن عباس: أن ابن مسعود خرج مع رسول الله (ص) ليلة الجن فسأله رسول الله (ص) فقال: هل معك من ماء؟ فقال: معي نبيذ في إداوتي، فقال رسول الله (ص): اصبب، فتوضأ به وقال شراب وطهور وحديث أبي رافع مولى ابن عمر عن عبد الله ابن مسعود بمثله، وفيه فقال رسول الله (ص): ثمرة طيبة وماء طهور وزعموا أنه منسوب إلى الصحابة علي وابن عباس، وأنه لا مخالف لهم من الصحابة فكان كالاجماع عندهم. ورد أهل الحديث هذا الخبر ولم يقبلوه لضعف رواته، ولانه قد روي من طرق أوثق من هذه الطرق أن ابن مسعود لم يكن مع رسول الله (ص) ليلة الجن. واحتج الجمهور لرد هذا الحديث بقوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) *. قال فلم يجعل ها هنا وسطا بين الماء والصعيد، وبقوله عليه الصلاة والسلام: الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء إلى عشر حجيج، فإذا وجد الماء،
[ 31 ]
فليمسه بشرته. ولهم أن يقولوا إن هذا قد أطلق عليه في الحديث اسم الماء، والزيادة لا تقتضي نسخا، فيعارضها الكتاب، لكن هذا مخالف لقولهم إن الزيادة نسخ. الباب الرابع: في نواقض الوضوء والاصل في هذا الباب قوله تعالى: * (أو جاء أحد منكمن الغائط أو لامستم النساء) * وقوله عليه الصلاة والسلام: لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ واتفقوا في هذا الباب على انتقاض الوضوء من البول والغائط، والريح، والمذي، والودي لصحة الاثار في ذلك، إذا كان خروجها على وجه الصحة.
ويتعلق بهذا الباب مما اختلفوا فيه سبع مسائل تجري منه مجرى القواعد لهذا الباب. المسألة الاولى: اختلف علماء الامصار في انتقاض الوضوء مما يخرج من الجسد من النجس على ثلاثة مذاهب، فاعتبر قوم في ذلك الخارج وحده من أي موضع خرج وعلى أي جهة خرج، وهو أبو حنيفة وأصحابه، والثوري وأحمد وجماعة ولهم من الصحابة السلف، فقالوا: كل نجاسة تسيل من الجسد، وتخرج منه يجب منها الوضوء كالدم، والرعاف الكثير والفصد، والحجامة والقئ إلا البلغم عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة: إنه إذا ملا الفم ففيه الوضوء، ولم يعتبر أحد من هؤلاء اليسير من الدم إلا مجاهد، واعتبر قوم آخرون المخرجين: الذكر والدبر فقالوا: كل ما خرج من هذين السبيلين، فهو ناقض للوضوء من أي شئ خرج من دم، أو حصا أو بلغم، وعلى أي وجه خرج، كان خروجه على سبيل الصحة، أو على سبيل المرض، وممن قال بهذا القول الشافعي وأصحابه، ومحمد بن الحكم من أصحا ب مالك، واعتبر قوم آخرون الخارج، والمخرج، وصفة الخروج، فقالوا: كل ما خرج من السبيلين مما هو معتاد خروجه، وهو البول والغائط، والمذي، والودي، والريح إذا كان خروجه على وجه الصحة، فهو ينقض الوضوء، فلم يروا في الدم، والحصاة، والبول وضوءا، ولا في السلس، وممن قال بهذا القول مالك، وجل أصحابه. والسبب في اختلافهم: أنه لما أجمع المسلمون على انتقاض الوضوء مما يخرج من السبيلين من غائط، وبول، وريح، ومذي لظاهر الكتاب، ولتظاهر الاثار بذلك، تطرق إلى ذلك ثلاثة احتمالات: أحدها: أن يكون الحكم إنما علق بأعيان هذه الاشياء فقط المتفق عليها على ما رآه مالك رحمه الله. الاحتمال الثاني: أن يكون الحكم إنما علق بهذه من جهة أنها أنجاس خارجة من البدن، لكون الوضوء طهارة والطهارة إنما يؤثر فيها
[ 32 ]
النجس. والاحتمال الثالث: أن يكون الحكم أيضا إنما علق بها من جهة أنها خارجة من
هذين السبيلين، فيكون على هذين القولين الاخير ورود الامر بالوضوء من تلك الاحداث المجمع عليها، إنما هو من باب الخاص أريد به العام، ويكون عند مالك وأصحابه إنما هو من باب الخاص المحمول على خصوصه. فالشافعي، وأبو حنيفة اتفقا على أن الامر بها هو من باب الخاص أريد به العام، واختلفا أي عام هو الذي قصد به؟ فمالك يرجح مذهبه بأن الاصل هو أن يحمل الخا ص على خصوصه حتى يدل الدليل على غير ذلك، والشافعي محتج بأن المراد به المخرج لا الخارج، باتفاقهم على إيجاب الوضوء من الريح الذي يخرج من أسفل، وعدم إيجاب الوضوء منه إذا خرج من فوق وكلاهما ذات واحدة والفرق بينهما اختلاف المخرجين. فكان هذا تنبيهما على أن الحكم للمخرج وهو ضعيف لان الريحين مختلفان في الصفة والرائحة. وأبو حنيفة يحتج لان المقصود بذلك هو الخارج النجس لكون النجاسة مؤثرة في الطهارة، وهذه الطهارة وإن كانت طهارة حكمية فإن فيها شبها من الطهارة المعنوية، أعني طهارة النجس، وبحديث ثوبان: أن رسول الله (ص) قاء، فتوضأ وبما روي عن عمر وابن عمر رضي الله عنهما من إيجابهما الوضوء من الرعاف، وبما روي من: أمره (ص) المستحاضة بالوضوء لكل صلاة فكان المفهوم من هذا كله عند أبي حنيفة الخارج النجس، وإنما اتفق الشافعي وأبو حنيفة على إيجاب الوضوء من الاحداث المتفق عليها وإن خرجت على جهة المرض لامره (ص) بالوضوء عند كل صلاة المستحاضة والاستحاضة مرض. وأما مالك: فرأى أن المرض له ها هنا تأثير في الرخصة قياسا أيضا على ما روي من أن المستحاضة، لم تؤمر إلا بالغسل فقط، وذلك أن حديث فاطمة بنت أبي حبيش هذا هو متفق على صحته ويختلف في هذه الزيادة فيه، أعني الامر بالوضوء لكل صلاة ولكن صححها أبو عمر بن عبد البر قياسا على من يغلبه الدم من جرح ولا ينقطع، مثل ما روي أن عمر رضي الله عنه صلى وجرحه يثغب دما. المسألة الثانية: اختلف العلماء في النوم على ثلاثة مذاهب: 1 - فقوم رأوا أنه حدث،
فأوجبوا من قليله وكثيره الوضوء. 2 - وقوم رأوا أنه ليس بحدث، فلم يوجبوا منه الوضوء إلا إذا تيقن بالحدث على مذهب من لا يعتبر الشك، وإذا شك على مذهب من يعتبر الشك، حتى إن بعض السلف كان يوكل بنفسه إذا نام من يتفقد حاله، أعني هل يكون منه حدث أم لا؟ 3 - وقوم فرقوا بين النوم القليل الخفيف، والكثير المستثقل فأوجبوا في الكثير المستنقل الوضوء دون القليل، وعلى هذا فقهاء الامصار، والجمهور. ولما كانت بعض الهيئات يعرض فيها الاستثقال من النوم أكثر من بعض وكذلك خروج الحدث، اختلف الفقهاء في ذلك فقال مالك: من نام مضطجعا أو ساجدا، فعليه الوضوء، طويلا كان النوم، أو قصيرا، ومن نام جالسا
[ 33 ]
فلا وضوء عليه إلا أن يطول ذلك به واختلف القول في مذهبه في الراكع فمرة قال حكمه حكم القائم، ومرة قال حكمه حكم الساجد. وأما الشافعي فقال: على كل نائم كيفما نام الوضوء إلا على من نام جالسا وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا وضوء إلا على من نام مضطجعا. وأصل اختلافهم في هذه المسألة: اختلاف الاثار الواردة في ذلك، وذلك أن هاهنا أحاديث يوجب ظاهرها أنه ليس في النوم وضوء أصلا، كحديث ابن عباس: أن النبي (ص) دخل على ميمونة، فنام عندها حتى سمعنا غطيطه، ثم صلى، ولم يتوضأ وقوله عليه الصلاة والسلام: إذا نعس أحدكم في الصلاة، فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإنه لعله يذهب أن يستغفر ربه، فيسب نفسه وما روي أيضا: أن أصحاب النبي (ص) كانوا ينامون في المسجد حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضأون وكلها آثار ثابتة، وها هنا أيضا أحاديث يوجب ظاهرها أن النوم حدث، وأبينها في ذلك حديث صفوان بن عسال، وذلك أنه قال: كنا في سفر مع النبي (ص) فأمرنا أن لا ننزع خفافنا من غائط، وبول، ونوم، ولا ننزعها إلا من جنابة فسوى بين البول، والغائط والنوم، صححه الترمذي. ومنها حديث أبي هريرة المتقدم وهو قوله عليه الصلاة والسلام: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده قبل أن يدخلها في وضوئه فإن ظاهره أن النوم يوجب الوضوء قليله وكثيره، وكذلك
يدل ظاهر آية الوضوء عند من كان عنده المعنى في قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) * أي إذا قمتم من النوم على ما روي عن زيد بن أسلم، وغيره من السلف، فلما تعارضت ظواهر هذه الاثار، ذهب العلماء فيها مذهبين: مذهب الترجيح، ومذهب الجمع. فمن ذهب مذهب الترجيح، إما أسقط وجوب الوضوء من النوم أصلا على ظاهر الاحاديث التي تسقطه، وإما أوجبه من قليله وكثيره على ظاهر الاحاديث التي تسقطه أيضا، أعني على حسب ما ترجح عنده من الاحاديث الموجبة، أو من الاحاديث المسقطة. ومن ذهب مذهب الجمع حمل الاحاديث الموجبة للوضوء منه على الكثير، والمسقطة للوضوء على القليل، وهو كما قلنا مذهب الجمهور، والجمع أولى من الترجيح ما أمكن الجمع عند أكثر الاصوليين. وأما الشافعي، فإنما حملها على أن المستثنى من هيئات النائم الجلوس فقط، لانه قد صح ذلك عن الصحابة، أعني أنهم كانوا ينامون جلوسا، ولا يتوضأون ويصلون، وإنما أوجبه أبو حنيفة في النوم في الاضطجاع فقط لان ذلك، ورد في حديث مرفوع، وهو أنه عليه الصلاة والسلام قال: إنما الوضوء على من نام مضطجعا والرواية بذلك ثابتة عن عمر. وأما مالك فلما كان النوم عنده إنما ينقض الوضوء من حيث كان غالبا سببا للحدث، راعى فيه ثلاثة أشياء: الاستثقال، أو الطول أو
[ 34 ]
الهيئة، فلم يشترط في الهيئة التي يكون منها خروج الحدث غالبا لا الطول ولا الاستثقال، واشترط ذلك في الهيئات التي لا يكون خروج الحدث منها غالبا. المسألة الثالثة: اختلف العلماء في إيجاب الوضوء من لمس النساء باليد، أو بغير ذلك من الاعضاء الحساسة، فذهب قوم إلى: أن من لمس امرأة بيده مفضيا إليها ليس بينها وبينه حجاب، ولا ستر، فعليه الوضوء، وكذلك من قبلها، لان القبلة عندهم لمس ما، سواء التذ أو لم يلتذ، وبهذا القول قال الشافعي وأصحابه إلا أنه مرة فرق بين اللامس والملموس، فأوجب الوضوء على اللامس دون الملموس، ومرة سوى بينهما،
ومرة فرق أيضا بين ذوات المحارم والزوجة فأوجب الوضوء على من لمس الزوجة دون ذوات المحارم ومرة سوى بينهما. وذهب آخرون إلى إيجاب الوضوء من اللمس إذا فارقته اللذة، أو قصد اللذة في تفصيل لهم في ذلك، وقع بحائل أو بغير حائل بأي عضو اتفق ما عدا القبلة، فإنهم لم يشترطوا لذة في ذلك وهو مذهب مالك وجمهور أصحابه ونفى قوم إيجاب الوضوء لمن لمس النساء، وهو مذهب أبي حنيفة ولكل سلف من الصحابة إلا اشتراط اللذة، فإني لا أذكر أحدا من الصحابة اشترطها. وسبب اختلافهم: في هذه المسألة اشتراك اسم اللمس في كلام العرب. فإن العرب تطلقه مرة على اللمس الذي هو باليد، ومرة تكني به عن الجماع فذهب قوم إلى أن اللمس الموجب للطهارة في آية الوضوء هو الجماع في قوله تعالى: * (أو لامستم النساء * وذهب آخرون إلى أنه اللمس باليد. ومن هؤلاء من رآه من باب العام، أريد به الخاص، فاشترط فيه اللذة، ومنهم من رآه من باب العام أريد به العام، فلم يشترط اللذة فيه ومن اشترط اللذة فإنما دعاه إلى ذلك ما عارض عموم الاية من أن النبي (ص) كان يلمس عائشة عند سجوده بيده، وربما لمسته، وخرج أهل الحديث حديث حبيب بن أبي ثابت عن عروة، عن عائشة، عن النبي (ص): أنه قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة، ولم يتوضأ، فقلت: من هي إلا أنت؟ فضحكت. قال أبو عمر هذا الحديث وهنه الحجازيون، وصححه الكوفيون، وإلى تصحيحه مال أبو عمر بن عبد البر قال: وروي هذا الحديث أيضا من طريق معبد بن نباتة، وقال الشافعي: إن ثبت حديث معبد بن نباتة في القبلة لم أر فيها، ولا في اللمس وضوءا. وقد اجتمع من أوجب الوضوء من اللمس باليد بأن اللمس ينطلق حقيقة على اللمس باليد. وينطلق مجازا على الجماع وأنه إذا تردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز، فالاولى أن يحمل على الحقيقة حتى يدل الدليل على المجاز، ولاولئك أن يقولوا: إن المجاز إذا كثر استعماله كان أدل على المجاز منه على الحقيقة كالحال في
[ 35 ]
اسم الغائط الذي هو أدل على الحدث الذي هو فيه مجاز، منه على المطمئن من الارض الذي هو فيه حقيقة، والذي أعتقده أن اللمس وإن كانت دلالته على المعنيين بالسواء، أو قريبا من السواء أنه أظهر عندي في الجماع، وإن كان مجازا، لان الله تبارك وتعالى قد كنى بالمباشرة والمس عن الجماع، وهما في معنى اللمس، وعلى هذا التأويل في الاية يحتج بها في إجازة التيمم للجنب دون تقدير تقديم فيها، ولا تأخير على ما سيأتي بعد، وترتفع المعارضة التي بين الاثار والاية على التأويل الاخر. وأما من فهم من الاية اللمسين معا فضعيف، فإن العرب إذا خاطبت بالاسم المشترك إنما تقصد به معنى واحدا من المعاني التي يدل عليها الاسم، لا جميع المعاني التي يدل عليها، وهذا بين بنفسه في كلامهم. المسألة الرابعة: مس الذكر: اختلف العلماء فيه على ثلاثة مذاهب: فمنهم من رأى الوضوء فيه كيفما مسه، وهو مذهب الشافعي وأصحابه، وأحمد، وداود ومنهم من لم ير فيه وضوءا أصلا، وهو أبو حنيفة وأصحابه ولكلا الفريقين سلف من الصحابة والتابعين. وقوم فرقوا بين أن يمسه بحال، أو لا يمسه بتلك الحال، وهؤلاء افترقوا فيه فرقا: فمنهم من فرق فيه بين أن يلتذ، أو لا يلتذ، ومنهم من فرق بين أن يمسه بباطن الكف، أو لا يمسه، فأوجبوا الوضوء مع اللذة، ولم يوجبوه مع عدمها، وكذلك أوجبه قوم مع المس بباطن الكف، ولم يوجبوه مع المس بظاهرها، وهذان الاعتبار ان مرويان عن أصحاب مالك، وكأن اعتبار باطن الكف راجع إلى اعتبار سبب اللذة. وفرق قوم في ذلك بين العمد، والنسيان، فأوجبوا الوضوء منه مع العمد، ولم يوجبوه مع النسيان. وهو مروي عن مالك وهو قول داود وأصحابه. ورأى قوم أن الوضوء من مسه سنة لا واجب. قال أبو عمر: وهذا الذي استقر من مذهب مالك عند أهل المغرب من أصحابه والرواية عنه فيه مضطربة. وسبب اختلافهم في ذلك: أن فيه حديثين متعارضين: احدهما الحديث الوارد عن طريق بسرة انها سمعت رسول الله (ص) يقول
إذا مس أحدكم ذكره، فليتوضأ وهو أشهر الاحاديث الواردة في إيجاب الوضوء من مس الذكر، خرجه مالك في الموطأ، وصححه يحيى بن معين وأحمد بن حنبل، وضعفه أهل الكوفة، وقد روي أيضا معناه من طريق أم حبيبة، وكان أحمد بن حنبل يصححه، وقد روي أيضا معناه من طريق أبي هريرة، وكان ابن السكن أيضا يصححه، ولم يخرجه البخاري ولا مسلم. والحديث الثاني المعارض له حديث طلق بن علي قال: قدمنا على رسول الله (ص) وعنده رجل كأنه بدوي، فقال: يا رسول الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد أن يتوضأ؟ فقال: وهل هو إلا بضعة منك؟ خرجه أبو داود والترمذي وصححه كثير من أهل العلم الكوفيون وغيرهم، فذهب العلماء في تأويل هذه الاحاديث
[ 36 ]
أحد مذهبين: إما مذهب الترجيح، أو النسخ، وإما مذهب الجمع، فمن رجح حديث بسرة، أو رآه ناسخا لحديث طلق بن علي، قال: بإيجاب الوضوء من مس الذكر، ومن رجح حديث طلق بن علي أسقط وجوب الوضوء من مسه، ومن رام أن يجمع بين الحديثين أوجب الوضوء منه في حال، ولم يوجبه في حال، أو حمل حديث بسر على الندب، وحديث طلق بن علي على نفي الوجوب، والاحتجاجات التي يحتج بها كل واحد من الفريقين في ترجيح الحديث الذي رجحه كثيرة يطول ذكرها، وهي موجودة في كتبهم، ولكن نكتة اختلافهم هو ما أشرنا إليه. المسألة الخامسة: اختلف الصدر الاول في إيجاب الوضوء من أكل ما مسته النار، لاختلاف الاثار الواردة في ذلك عن رسول الله (ص). واتفق جمهور فقهاء الامصار بعد الصدر الاول على سقوطه، إذ صح عندهم أنه كان آخر الامرين من رسول الله (ص) ترك الوضوء مما مست النار خرجه أبو داود. ولكن ذهب قوم من أهل الحديث أحمد وإسحاق، وطائفة غيرهم أن الوضوء يجب فقط من أكل لحم الجزور لثبوت الحديث الوارد بذلك عنه عليه الصلاة والسلام. المسألة السادسة: شذ أبو حنيفة، فأوجب الوضوء من الضحك في الصلاة لمرسل أبي
العالية، وهو أن قوما ضحكوا في الصلاة، فأمرهم النبي (ص) بإعادة الوضوء، والصلاة ورد الجمهور هذا الحديث، لكونه مرسلا، ولمخالفته للاصول، وهو أن يكون شئ ما ينقض الطهارة في الصلاة، ولا ينقضها في غير الصلاة، وهو مرسل صحيح. المسألة السابعة: وقد شذ قوم فأوجبوا الوضوء من حمل الميت وفيه أثر ضعيف: من غسل ميتا، فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ. وينبغي أن تعلم أن جمهور العلماء أوجبوا الوضوء من زوال العقل بأي نوع كان من قبل إغماء، أو جنون، أو سكر، وهؤلاء كلهم قاسوه على النوم، أعني أنهم رأوا أنه إذا كان النوم يوجب الوضوء في الحالة التي هي سبب للحدث غالبا، وهو الاستثقال، فأحرى أن يكون ذهاب العقل سببا لذلك، فهذه هي مسائل الباب المجمع عليها، والمشهورات من المختلف فيها، وينبغي أن نصير إلى الباب الخامس. الباب الخامس وهو معرفة الافعال التي تشترط هذه الطهارة في فعلها والاصل في هذا الباب قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) * الاية. وقوله عليه الصلاة والسلام: لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول.
[ 37 ]
فاتفق المسلمون على أن الطهارة شرط من شروط الصلاة لمكان هذا، وإن كانوا اختلفوا هل هي شرط من شروط الصحة، أو من شروط الوجوب ولم يختلفوا أن ذلك شرط في جميع الصلوات إلا في صلاة الجنازة وفي السجود، أعني سجود التلاوة، فإن فيه خلافا شاذا. والسبب في ذلك: الاحتمال العارض في انطلاق اسم الصلاة على الصلاة على الجنائز، وعلى السجود، فمن ذهب إلى أن اسم الصلاة ينطلق على صلاة الجنائز، وعلى السجود نفسه، وهم الجمهور اشترط هذه الطهارة فيهما ومن ذهب إلى أنه لا ينطلق عليهما إذ كانت صلاة الجنائز ليس فيها ركوع. ولا سجود وكان السجود أيضا ليس فيه قيام. ولا ركوع لم يشترط هذه الطهارة فيهما. ويتعلق بهذا الباب مع هذه المسألة أربع
مسائل: المسألة الاولى: هل هذه الطهارة شرط في مس المصحف أم لا؟ فذهب مالك وأبو حنيفة والشافعي إلى أنها شرط في مس المصحف وذهب أهل الظاهر إلى أنها ليست بشرط في ذلك. والسبب في اختلافهم: تردد مفهوم قوله تعالى: * (لا يمسه إلا المطهرون) * بين أن يكون المطهرون هم بني آدم، وبين أن يكونوا هم الملائكة، وبين أن يكون هذا الخبر مفهومه النهي، وبين أن يكون خبرا لا نهيا، فمن فهم من * (المطهرون) * بني آدم، وفهم من الخبر النهي قال: لا يجوز أن يمس المصحف إلا طاهر ومن فهم منه الخبر فقط، وفهم من لفظ * (المطهرون) * الملائكة قال: إنه ليس في الاية دليل على اشتراط هذه الطهارة في مس المصحف وإذا لم يكن هنالك دليل لا من كتاب، ولا من سنة ثابتة بقي الامر على البراءة الاصلية، وهي الاباحة. احتج الجمهور لمذهبهم بحديث عمرو بن حزم: أن النبي عليه الصلاة والسلام كتب: لا يمس القرآن إلا طاهر وأحاديث عمرو بن حزم اختلف الناس في وجوب العمل بها، لانها مصحفة، ورأيت ابن المفوز يصححها إذا روتها الثقات، لانها كتاب النبي عليه الصلاة والسلام، وكذلك أحاديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأهل الظاهر يردونها. ورخص مالك للصبيان في مس المصحف على غير طهر، لانهم غير مكلفين. المسألة الثانية: اختلف الناس في إيجاب الوضوء على الجنب في أحوال: أحدها: إذا أراد أن ينام وهو جنب، فذهب الجمهور إلى استحبابه دون وجوبه وذهب أهل الظاهر إلى وجوبه لثبوت ذلك عن النبي (ص) من حديث عمر أنه ذكر لرسول الله (ص) أنه تصيبه جنابة من الليل، فقال له رسول الله (ص): توضأ واغسل ذكرك، ثم نم وهو أيضا مروي عنه من طريق عائشة. وذهب الجمهور إلى حمل الامر بذلك على الندب والعدول به عن ظاهره
[ 38 ]
لمكان عدم مناسبته وجوب الطهارة لارادة النوم، أعني المناسبة الشرعية، وقد احتجوا
أيضا لذلك بأحاديث أثبتها حديث ابن عباس: أن رسول الله (ص) خرج من الخلاء، فأتي بطعام، فقالوا: ألا نأتيك بطهر؟ فقال: أأصلي فأتوضأ؟ وفي بعض رواياته: فقيل له: ألا تتوضأ؟ فقال: ما أردت الصلاة، فأتوضأ. والاستدلال به ضعيف، فإنه من باب مفهوم الخطاب من أضعف أنواعه، وقد احتجوا بحديث عائشة: أنه عليه الصلاة والسلام كان ينام وهو جنب لا يمس الماء إلا أنه حديث ضعيف. وكذلك اختلفوا في وجوب الوضوء على الجنب الذي يريد أن يأكل أو يشرب، وعلى الذي يريد أن يعاود أهله، فقال الجمهور في هذا كله بإسقاط الوجوب لعدم مناسبة الطهارة لهذه الاشياء، وذلك أن الطهارة إنما فرضت في الشرع لاحوال التعظيم كالصلاة. وأيضا لمكان تعارض الاثار في ذلك، وذلك أنه روي عنه عليه الصلاة والسلام: أنه أمر الجنب إذا أراد أن يعاود أهله أن يتوضأ وروي عنه: أنه كان يجامع، ثم يعاود، ولا يتوضأ وكذلك روي عنه منع الاكل، والشرب للجنب حتى يتوضأ. وروي عنه إباحة ذلك. المسألة الثالثة: ذهب مالك والشافعي إلى اشتراط الوضوء في الطواف وذهب أبو حنيفة إلى إسقاطه. وسبب اختلافهم: تردد الطواف بين أن يلحق حكمه بحكم الصلاة، أو لا يلحق، وذلك أنه ثبت: أن رسول الله (ص) منع الحائض الطواف، كما منعها الصلاة فأشبه الصلاة من هذه الجهة. وقد جاء في بعض الاثار تسمية الطواف صلاة وحجة أبي حنيفة أنه ليس كل شئ منعه الحيض، فالطهارة شرط في فعله إذا ارتفع الحيض كالصوم عند الجمهور. المسألة الرابعة: ذهب الجمهور إلى أنه يجوز لغير المتوضئ أن يقرأ القرآن ويذكر الله وقال قوم: لا يجوز ذلك له إلا أن يتوضأ. وسبب الخلاف: حديثان متعارضان ثابتان. أحدهما: حديث أبي جهم قال: أقبل رسول الله (ص) من نحو بئر جمل، فلقيه رجل، فسلم عليه فلم يرد عليه حتى أقبل على الجدار، فمسح بوجهه ويديه، ثم إنه رد عليه الصلاة والسلام السلام. والحديث الثاني: حديث علي: أن رسول الله (ص) كان لا يحجبه عن
قراءة القرآن شئ إلا الجنابة فصار الجمهور إلى أن الحديث الثاني ناسخ للاول، وصار من أوجب الوضوء لذكر الله إلى ترجيح الحديث الاول.
[ 39 ]
كتاب الغسل والاصل في هذه الطهارة قوله تعالى: * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) * والكلام المحيط بقواعدها ينحصر - بعد المعرفة بوجو. وعلى من تجب، ومعرفة ما به تفعل، وهو الماء المطلق - في ثلاثة أبواب: الباب الاول: في معرفة العمل في هذه الطهارة. والثاني: في معرفة نواقض هذه الطهارة. والباب الثالث: في معرفة أحكام نواقض هذه الطهارة. فأما على من تجب؟ فعلى كل من لزمته الصلاة ولا خلاف في ذلك، وكذلك لا خلاف في وجوبها، ودلائل ذلك هي دلائل الوضوء بعينها، وقد ذكرناها، وكذلك أحكام المياه وقد تقدم القول فيها. الباب الاول: في معرفة العمل في هذه الطهارة وهذا الباب يتعلق به أربع مسائل: المسألة الاولى: اختلف العلماء هل من شرط هذه الطهارة إمرار اليد على جميع الجسد كالحال في طهارة أعضاء الوضوء، أم يكفي فيها إفاضة الماء على جميع الجسد، وإن لم يمر يديه على بدنه؟ فأكثر العلماء على أن إفاضة الماء كافية في ذلك، وذهب مالك وجل أصحابه، والمزني من أصحاب الشافعي إلى أنه إن فات المتطهر موضع واحد من جسده، لم يمر يده عليه، أن طهره لم يكمل بعد. والسبب في اختلافهم: اشتراك اسم الغسل، ومعارضة ظاهر الاحاديث الواردة في، وذلك أن الاحاديث الثابتة التي وردت في صفة غسله عليه الصلاة والسلام من حديث عائشة وميمونة ليس فيها ذكر التدلك، وإنما فيها إفاضة الماء فقط. ففي حديث عائشة قالت: كان رسول الله (ص) إذا اغتسل من الجنابة يبدأ، فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه في أصول
الشعر، ثم يصب على رأسه ثلاث غرفات، ثم يفيض الماء على جلده كله. والصفة الواردة في حديث ميمونة قريبة من هذا، إلا أنه أخر غسل رجليه من أعضاء الوضوء إلى
[ 40 ]
آخر الطهر، وفي حديث أم سلمة أيضا، وقد سألته عليه الصلاة والسلام: هل تنقض ضفر رأسها لغسل الجنابة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك الماء ثلاث حثيات، ثم تفيضي عليك الماء فإذا أنت قد طهرت وهو أقوى في إسقاط التدلك، من تلك الاحاديث الاخر، لانه لا يمكن هنالك أن يكون الواصف لطهره قد ترك التدلك وأما هاهنا فإنما حصر لها شروط الطهارة، ولذلك أجمع العلماء على أن صفة الطهارة الواردة من حديث ميمونة وعائشة هي أكمل صفاتها، وأن ما ورد في حديث أم سلمة من ذلك، فهو من أركانها الواجبة، وأن الوضوء في أول الطهر ليس من شرط الطهر إلا خلافا شاذا، روي عن الشافعي، وفيه قوة من جهة ظواهر الاحاديث، وفي قول الجمهور قوة من جهة النظر، لان الطهارة ظاهر من أمرها أنها شرط في صحة الوضوء، لا أن الوضوء شرط في صحتها، فهو من باب معارضة القياس الاحاديث على القياس، فذهب قوم كما قلنا إلى ظاهر الاحاديث، وغلبوا ذلك على قياسها على الوضوء، فلم يوجبوا التدلك، وغلب آخرون قياس هذه الطهارة على الوضوء على ظاهر هذه الاحاديث، فأوجبوا التدلك كالحال في الوضوء. فمن رجح القياس صار إلى إيجاب التدلك، ومن رجح ظاهر الاحاديث على القياس صار إلى إسقاط التدلك، وأعني بالقياس، قياس الطهر على الوضوء. وأما الاحتجاج من طريق الاسم ففيه ضعف إذ كان اسم الطهر والغسل ينطلق في كلام العرب على المعنيين جميعا على حد سواء. المسألة الثانية: اختلفوا هل من شروط هذه الطهارة النية أم لا؟ كاختلافهم في الوضوء، فذهب مالك والشافعي، وأحمد، وأبو ثور وداود وأصحابه إلى أن النية من شروطها وذهب أبو حنيفة وأصحابه والثوري إلى أنها تجزئ بغير نية كالحال في الوضوء عندهم.
وسبب اختلافهم: في الطهر هو بعينه سبب اختلافهم في الوضوء، وقد تقدم ذلك. المسألة الثالثة: اختلفوا في المضمضة والاستنشاق في هذه الطهارة أيضا كاختلافهم فيهما في الوضوء، أعني هل هما واجبان فيها أم لا؟ فذهب قوم إلى أنهما غير واجبين فيها، وذهب قوم إلى وجوبهما، وممن ذهب إلى عدم وجوبهما مالك والشافعي وممن ذهب إلى وجوبهما أبو حنيفة وأصحابه. وسبب اختلافهم: معارضة ظاهر حديث أم سلمة للاحاديث التي نقلت من صفة وضوئه عليه الصلاة والسلام في طهره، وذلك أن الاحاديث التي نقلت من صفة وضوئه في الطهر فيها المضمضة والاستنشاق وحديث أم سلمة ليس فيه أمر لا بمضمضة، ولا باستنشاق. فمن جعل حديث عائشة وميمونة مفسرا لمجمل حديث أم سلمة، ولقوله تعالى: * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) * أوجب المضمضة
[ 41 ]
والاستنشاق ومن جعله معارضا، جمع بينهما بأن حمل حديثي عائشة، وميمونة على الندب، وحديث أم سلمة على الوجوب. ولهذا السبب بعينه اختلفوا في تخليل الرأس هل هو واجب في هذه الطهارة أم لا؟ ومذهب مالك أنه مستحب، ومذهب غيره أنه واجب وقد عضد مذهبه من أوجب التخليل بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: تحت كل شعرة جنابة، فأنقوا البشرة، وبلوا الشعر. المسألة الرابعة: اختلفوا هل من شرط هذه الطهارة الفور، والترتيب؟ أم ليسا من شروطها كاختلافهم من ذلك في الوضوء. وسبب اختلافهم في ذلك: هل فعله عليه الصلاة والسلام محمول على الوجوب أو على الندب؟ فإنه لم ينقل عنه عليه الصلاة والسلام أنه ما توضأ قط إلا مرتبا متواليا، وقد ذهب قوم إلى أن الترتيب في هذه الطهارة أبين منها في الوضوء، وذلك بين الرأس وسائر الجسد، لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث أم سلمة: إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضي الماء على جسدك وحرف ثم يقتضي الترتيب بلا خلاف بين أهل اللغة.
الباب الثاني: في معرفة نواقض هذه الطهارة والاصل في هذا الباب قوله تعالى: * (وإن كنتم جنبا فاطهروا) * وقوله: * (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) * الاية. واتفق العلماء على وجوب الطهارة من حدثين: أحدهما: خروج المني على وجه الصحة في النوم، أو في اليقظة من ذكر كان أو أنثى، إلا ما روي عن النخعي من أنه كان لا يرى على المرأة غسلا من الاحتلام، وإنما اتفق الجمهور على مساواة المرأة في الاحتلام للرجل لحديث أم سلمة الثابت أنها قالت: يا رسول الله المرأة ترى في المنام مثل ما يرى الرجل هل عليها غسل؟ قال: نعم إذا رأت الماء وأما الحديث الثاني الذي اتفقوا أيضا عليه، فهو دم الحيض، أعني إذا انقطع. وذلك أيضا لقوله تعالى: * (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى) * الاية، ولتعليمه الغسل من الحيض لعائشة وغيرها من النساء، واختلفوا في هذا الباب مما يجري مجرى الاصول في مسألتين مشهورتين. المسألة الاولى: اختلف الصحابة رضي الله عنهم في سبب إيجاب الطهر من الوطئ، فمنهم من رأى الطهر واجبا في التقاء الختانين أنزل أو لم ينزل، وعليه أكثر فقهاء الامصار: مالك وأصحابه و الشافعي وأصحابه وجماعة من أهل الظاهر وذهب قوم من أهل الظاهر إلى إيجاب الطهر مع الانزال فقط. والسبب في اختلافهم في ذلك: تعارض الاحاديث في ذلك، لانه ورد في ذلك حديثان ثابتان اتفق أهل الصحيح على تخريجهما.
[ 42 ]
قال القاضي رضي الله عنه: ومتى قلت ثابت، فإنما أعني به ما أخرجه البخاري أو مسلم، أو ما اجتمعا عليه. أحدهما: حديث أبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: إذا قعد بين شعبها الاربع، وألزق الختان بالختان، فقد وجب الغسل. والحديث الثاني: حديث عثمان أنه سئل فقيل له: أرأيت الرجل إذا جامع أهله ولم يمن؟ قال عثمان: يتوضأ كما يتوضأ للصلاة سمعته من رسول الله (ص). فذهب العلماء في هذين
الحديثين مذهبين: أحدهما: مذهب النسخ. والثاني: مذهب الرجوع إلى ما عليه الاتفاق عند التعارض الذي لا يمكن الجمع فيه، ولا الترجيح، فالجمهور رأوا أن حديث أبي هريرة ناسخ لحديث عثمان، ومن الحجة لهم على ذلك ما روى عن أبي بن كعب أنه قال: إن رسول الله (ص) إنما جعل ذلك رخصة في أول الاسلام، ثم أمر بالغسل خرجه أبو داود. وأما من رأى أن التعارض بين هذين الحديثين هو مما لا يمكن الجمع فيه بينهما، ولا الترجيح، فوجب الرجوع عنده إلى ما عليه الاتفاق، وهو وجوب الماء من الماء. وقد رجح الجمهور حديث أبي هريرة من جهة القياس، قالوا: وذلك أنه لما وقع الاجماع على أن مجاورة الختانين توجب الحد، وجب أن يكون هو الموجب للغسل، وحكوا أن هذا القياس مأخوذ عن الخلفاء الاربعة ورجح الجمهور ذلك أيضا من حديث عائشة لاخبارها ذلك عن رسول الله (ص)، خرجه مسلم. المسألة الثانية: اختلف العلماء في الصفة المعتبرة في كون خروج المني موجبا للطهر فذهب مالك إلى اعتبار اللذة في ذلك وذهب الشافعي إلى أن نفس خروجه هو الموجب للطهر سواء أخرج بلذة، أو بغير لذة. وسبب اختلافهم في ذلك: هو شيئان: أحدهما: هل اسم الجنب ينطلق على الذي أجنب على الجهة الغير المعتادة أم ليس ينطلق عليه؟ فمن رأى أنه إنما ينطلق على الذي أجنب على طريق العادة لم يوجب الطهر في خروجه من غير لذة، ومن رأى أنه ينطلق على خروج المني كيفما خرج أوجب منه الطهر، وإن لم يخرج من لذة. والسبب الثاني: تشبيه خروجه بغير لذة بدم الاستحاضة، واختلافهم في خروج الدم على جهة الاستحاضة هل يوجب طهرا، أم ليس يوجبه؟ فسنذكره في با ب الحيض وإن كان من هذا الباب، وفي المذهب في هذا الباب فرع، وهو إذا انتقل من أصل مجاريه بلذة، ثم خرج في وقت آخر بغير لذة، مثل أن يخرج من المجامع بعد أن يتطهر، هذا النوع من الخروج صحبته اللذة في بعض نقلته، ولم تصحبه في بعض، فمن غلب حال اللذة قال: يجب الطهر، ومن غلب
حال عدم اللذة قال: لا يجب عليه الطهر. الباب الثالث: في أحكام هذين الحدثين أعني الجنابة والحيض أما أحكام الحدث الذي هو الجنابة ففيه ثلاث مسائل:
[ 43 ]
المسألة الاولى: اختلف العلماء في دخول المسجد للجنب على ثلاثة أقوال: فقوم منعوا ذلك بإطلاق وهو مذهب مالك وأصحابه وقوم منعوا ذلك إلا لعابر فيه لا مقيم، ومنهم الشافعي وقوم أباحوا ذلك للجميع، ومنهم داود وأصحابه فيما أحسب. وسبب اختلاف الشافعي وأهل الظاهر هو تردد قوله تبارك وتعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى) * الاية. بين أن يكون في الاية مجاز حتى يكون هناك محذوف مقدر وهو موضع الصلاة: أي لا تقربوا موضع الصلاة، ويكون عابر السبيل استثناء من النهي عن قرب موضع الصلاة، وبين ألا يكون هنالك محذوف أصلا وتكون الاية على حقيقتها ويكون عابر السبيل هو المسافر الذي عدم الماء وهو جنب. فمن رأى أن في الاية محذوفا أجاز المرور للجنب في المسجد، ومن لم ير ذلك لم يكن عنده في الاية دليل على منع الجنب الاقامة في المسجد، وأما من منع العبور في المسجد، فلا أعلم له دليلا إلا ظاهر ما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ولا أحل المسجد لجنب ولا حائض وهو حديث غير ثابت عند أهل الحديث، واختلافهم في الحائض في هذا المعنى هو اختلافهم في الجنب. المسألة الثانية: مس الجنب المصحف: ذهب قوم إلى إجازته، وذهب الجمهور إلى منعه وهم الذين منعوا أن يمسه غير متوضئ. وسبب اختلافهم: هو سبب اختلافهم في منع غير المتوضئ أن يمسه أعني قوله تعالى: * (لا يمسه إلا المطهرون) * وقد ذكرنا سبب الاختلاف في الاية فيما تقدم، وهو بعينه سبب اختلافهم في منع الحائض مسه. المسألة الثالثة: قراءة القرآن للجنب. اختلف الناس في ذلك، فذهب الجمهور إلى
منع ذلك، وذهب قوم إلى إباحته. السبب في ذلك الاحتمال المتطرق إلى حديث على أنه قال: كان عليه الصلاة والسلام لا يمنعه من قراءة القرآن شئ إلا الجنابة وذلك أن قوما قالوا: إن هذا لا يوجب شيئا، لانه ظن من الراوي، ومن أين يعلم أحد أن ترك القراءة كان لموضع الجنابة إلا لو أخبره بذلك؟ والجمهور رأوا أنه لم يكن علي رضي الله عنه ليقول هذا عن توهم ولا ظن وإنما قاله عن تحقق. وقوم جعلوا الحائض في هذا الاختلاف بمنزلة الجنب، وقوم فرقوا بينهما، فأجازوا للحائض القراءة القليلة - استحسانا - لطول مقامها حائضا، وهو مذهب مالك. فهذه هي أحكام الجنابة. وأما أحكام الدماء الخارجة من الرحم: فالكلام المحيط بأصولها ينحصر في ثلاثة أبواب: الاول: معرفة أنواع الدماء الخارجة من الرحم. والثاني: معرفة العلامات التي تدل
[ 44 ]
على انتقال الطهر إلى الحيض، والحيض إلى الطهر، أو الاستحاضة، والاستحاضة أيضا إلى الطهر.. والثالث: معرفة أحكام الحيض والاستحاضة أعني موانعهما وموجباتهما. ونحن نذكر في كل باب من هذه الابواب الثلاثة من المسائل ما يجري مجرى القواعد، والاصول لجميع ما في هذا الباب على ما قصدنا إليه مما اتفقوا عليه، واختلفوا فيه. الباب الاول اتفق المسلمون على أن الدماء التي تخرج من الرحم ثلاثة: دم حيض وهو الخارج على جهة الصحة، ودم استحاضة، وهو الخارج على جهة المرض، وأنه غير دم الحيض لقوله عليه الصلاة والسلام، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة ودم نفاس وهو الخارج مع الولد. الباب الثاني أما معرفة علامات انتقال هذه الدماء بعضها إلى بعض، وانتقال وانتقال الطهر إلى الحيض، والحيض 5555 إلا لطهر، فإن معرفة ذلك في الاكثر تنبني على معرفة أيام الدماء المعتادة وأيام
الاطهار، ونحن نذكر منها ما يجري مجرى الاصول وهي سبع مسائل. المسألة الاولى: اختلف العلماء في أكثر أيام الحيض وأقلها، وأقل أيام الطهر فروي عن مالك أن أكثر أيام الحيض خمسة عشر يوما، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: أكثره عشرة أيام، وروي عنه ثمانية أيام، وروي خمسة عشر يوما، وإلى هذه الرواية مال البغداديون من أصحابه، وبها قال الشافعي وأبو حنيفة وقيل سبعة عشر يوما وهو أقصى ما انعقد عليه الاجماع فيما أحسب. وأما أكثر الطهر فليس له عندهم حد، وإذا كان هذا موضوعا من أقاويلهم فمن كان لاقل الحيض عنده قدر معلوم وجب أن يكون ما كان أقل من ذلك القدر إذا ورد في سن الحيض عنده استحاضة، ومن لم يكن لاقل الحيض عنده قدر محدود وجب أن تكون الدفعة عنده حيضا، ومن كان أيضا عنده أكثره محدودا وجب أن يكون ما زاد على ذلك القدر عنده استحاضة ومن لم يكن لاقل الحيض عنده قدر محدود وجب أن تكون الدفعة عنده حيضا، ومن كان أيضا عنده أكثره محدودا أوجب أن تكون ما زاد على ذلك القدر عنده استحاضة، ولكن محصل مذهب مالك في ذلك أن النساء على ضربين مبتدأة، ومعتادة: فالمبتدأة تترك الصلاة برؤية أول دم تراه إلى تمام خمسة عشر يوما، فإن لم ينقطع صلت وكانت مستحاضة، وبه قال الشافعي أن مالكا قال: تصلي من حين تتيقن الاستحاضة وعند الشافعي أنها تعيد صلاة ما سلف لها من الايام، إلا أقل الحيض عنده وهو يوم وليلة. وقيل عن مالك بل تعتد أيام ولادتها، ثم تستظهر بثلاثة أيام، فإن لم ينقطع الدم، فهي مستحاضة. وأما المعتادة ففيها روايتان عن مالك: إحداهما: بناؤها على عادتها وزيادة ثلاثة أيام ما لم تتجاوز أكثر مدة الحيض. والثانية: جلوسا إلى انقضاء أكثر مدة الحيض، أو تعمل على التمييز إن كانت من أهل التمييز. وقال الشافعي:
[ 45 ]
تعمل على أيام عادتها. وهذه الاقاويل كلها المختلف فيها عند الفقهاء في أقل الحيض، وأكثره، وأقل الطهر لا مستند لها إلا التجربة والعادة، وكل إنما قال من ذلك ما ظن أن التجربة أوقفته على ذلك، ولاختلاف ذلك في النساء عسر أن يعرف بالتجربة حدود هذه
الاشياء في أكثر النساء ووقع في ذلك هذا الخلاف الذي ذكرنا. وإنما أجمعوا بالجملة على أن الدم إذا تمادى أكثر من مدة الحيض أنه استحاضة لقول رسول الله (ص) الثابت لفاطمة بنت أبي حبيش: فإذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي والمتجاوزة لامد أكثر أيام الحيض قد ذهب عنها قدرها ضرورة، وإنما صار الشافعي، ومالك رحمه الله في المعتادة في إحدى الروايتين عنه إلى أنها تبني على عادتها لحديث أم سلمة الذي رواه في الموطأ: أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله (ص)، فاستفتت لها أم سلمة رسول الله (ص) فقال: لتنظر إلى عدد الليالي والايام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها، فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر فإذا خلفت ذلك، فلتغتسل، ثم لتستثفر بثوب، ثم لتصلي فألحقوا حكم الحائض التي تشك في الاستحاضة بحكم المستحاضة التي تشك في الحيض، وإنما رأى أيضا في المبتدأة أن يعتبر أيام ولادتها، لان أيام ولادتها هو شئ انفرد به مالك وأصحابه رحمهم الله، وخالفهم في ذلك جميع فقهاء الامصار ما عدا الاوزاعي، إذ لم يكن لذلك ذكر في الاحاديث الثابتة وقد روي في ذلك أثر ضعيف. المسألة الثانية: ذهب مالك وأصحابه في الحائض التي ينقطع حيضها - وذلك بأن تحيض يوما أو يومين، وتطهر يوما، أو يومين - إلى أنها تجمع أيام الدم بعضها إلى بعض، وتلغي أيام الطهر، وتغتسل في كل يوم ترى فيه الطهر أول ما تراه وتصلي، فإنها لا تدري لعل ذلك طهر، فإذا اجتمع لها من أيام الدم خمسة عشر يوما فهي مستحاضة وبهذا القول قال الشافعي وروي عن مالك أيضا أنها تلفق أيام الدم وتعتبر بذلك أيام عادتها، فإن ساوتها استظهرت بثلاثة أيام فإن انقطع الدم، وإلا فهي مستحاضة. وجعل الايام التي لا ترى فيها الدم غير معتبرة في العدد لا معنى له، فإنه لا تخلو تلك الايام أن تكون أيام حيض، أو أيام طهر، فإن كانت أيام حيض، فيجب أن تلفقها إلى أيام الدم، وإن كانت أيام طهر فليس يجب أن تلفق أيام الدم إذ كان قد تخللها طهر، والذي يجئ على أصوله أنها أيام حيض لا أيام
طهر، إذ أقل الطهر عنده محدود، وهو أكثر من اليوم واليومين فتدبر هذا فإنه بين إن شاء الله تعالى. والحق أن دم الحيض ودم النفاس يجري ثم ينقطع يوما أو يومين، ثم يعود حتى تنقضي أيام الحيض، أو النفاس كما تجري ساعة أو ساعتين من النهار ثم تنقطع. المسألة الثالثة: اختلفوا في أقل النفاس وأكثره، فذهب مالك إلى أنه لا حد لاقله،
[ 46 ]
وبه قال الشافعي وذهب أبو حنيفة وقوم إلى أنه محدود، فقال أبو حنيفة: هو خمسة وعشرون يوما، وقال أبو يوسف صاحبه: أحد عشر يوما، وقال الحسن البصري: عشرون يوما. وأما أكثره فقال مالك مرة: هو ستون يوما، ثم رجع عن ذلك، فقال: يسأل عن ذلك النساء، وأصحابه ثابتون على القول الاول، وبه قال الشافعي. وأكثر أهل العلم من الصحابة على أن أكثره أربعون يوما، وبه قال أبو حنيفة. وقد قيل تعتبر المرأة في ذلك أيام أشباهها من النساء، فإذا جاوزتها فهي مستحاضة، وفرق قوم بين ولادة الذكر وولادة الانثى، فقالوا: للذكر ثلاثون يوما، وللانثى أربعون يوما. وسبب الخلاف: عسر الوقوف على ذلك بالتجربة لاختلاف أحوال النساء في ذلك، ولانه ليس هناك سنة يعمل عليها كالحال في اختلافهم في أيام الحيض والطهر. المسألة الرابعة: اختلف الفقهاء قديما وحديثا هل الدم الذي ترى الحامل هو حيض أم استحاضة؟ فذهب مالك والشافعي في أصح قوليه وغيرهما إلى أن الحامل تحيض وذهب أبو حنيفة وأحمد والثوري وغيرهم إلى أن الحامل لا تحيض، وأن الدم الظاهر لها دم فساد، وعلة إلا أن يصيبها الطلق، فإنهم أجمعوا على أنه دم نفاس، وأن حكمه حكم الحيض في منعه الصلاة وغير ذلك من أحكامه. ولمالك وأصحابه في معرفة انتقال الحائض الحامل إذا تمادى بها الدم من حكم الحيض إلى حكم الاستحاضة أقوال مضطربة. أحدها: أن حكمها حكم الحائض نفسها أعني إما أن تقعد أكثر أيام الحيض ثم هي مستحاضة، وإما أن تستظهر على أيامها المعتادة بثلاثة أيام ما لم يكن مجموع ذلك
أكثر من خمسة عشر يوما. وقيل: إنها تقعد حائضا ضعف أكثر أيام الحيض. وقيل: إنها تضعف أكثر أيام الحيض بعدد الشهور التي مرت لها، ففي الشهر الثاني من حملها تضعف أيام أكثر الحيض مرتين، وفي الثالث ثلاث مرات، وفي الرابع أربع مرات، وكذلك ما زادت الاشهر. وسبب اختلافهم في ذلك: عسر الوقوف على ذلك بالتجربة واختلاط الامرين، فإنه مرة يكون الدم الذي تراه الحامل دم حيض، وذلك إذا كانت قوة المرأة وافرة والجنين صغيرا، وبذلك أمكن أن يكون حمل على حمل، على ما حكاه بقراط، وجالينوس وسائر الاطباء، ومرة يكون الدم الذي تراه الحامل لضعف الجنين، ومرضه التابع لضعفها ومرضها في الاكثر، فيكون دم علة ومرض، وهو في الاكثر دم علة المسألة الخامسة: اختلف الفقهاء في الصفرة والكدرة هل هي حيض أم لا؟ فرات جماعة أنها حيض في أيام الحيض، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة وروي مثل ذلك عن مالك وفي المدونة عنه: أن الصفرة والكدرة حيض في أيام الحيض، وفي غير أيام الحيض، رأت ذلك مع الدم، أو لم تره. وقال داود وأبو يوسف: إن الصفرة والكدرة لا تكون
[ 47 ]
حيضة إلا بأثر الدم. والسبب في اختلافهم: مخالفة ظاهر حديث أم عطية لحديث عائشة. وذلك أنه روي عن أم عطية أنها قالت: كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الغسل شيئا، وروى عن عائشة: أن النساء كن يبعثن إليها بالدرجفيها الكرسف فيه الصفرة والكدرة من دم الحيض يسألنها عن الصلاة؟ فتقول: تجعلن حتى ترين القصة البيضاء. فمن رجح حديث عائشة جعل الصفرة والكدرة حيضا سواء طهرت في أيام الحيض، أم في غير أيامه، مع الدم، أو بلا دم، فإن حكم الشئ الواحد في نفسه ليس يختلف، ومن رام الجمع بين الحديثين قال: إن حديث أم عطية هو بعد انقطاع الدم، وحديث عائشة في أثر انقطاعه، أو أن حديث عائشة هو في أيام الحيض، وحديث أم عطية في أيام الحيض. وقد
ذهب قوم إلى ظاهر حديث أم عطية، ولم يروا الصفرة والكدرة شيئا، لا في أيام حيض، ولا في غيرها، ولا بأثر الدم ولا بعد انقطاعه لقول رسول الله (ص): دم الحيض دم أسود يعرف ولان الصفرة والكدرة ليست بدم، وإنما هي من سائر الرطوبات التي ترخيها الرحم، وهو مذهب أبي محمد بن حزم. المسألة السادسة: اختلف الفقهاء في علامة الطهر، فرأى قوم أن علامة الطهر رؤية القصة البيضاء، أو الجفوف، وبه قال ابن حبيب من أصحاب مالك وسواء كانت المرأة ممن عادتها أن تطهر بالقصة البيضاء أو بالجفوف أي ذلك رأت طهرت به، وفرق قوم فقالوا: إن كانت المرأة ممن ترى القصة البيضاء فلا تطهر حتى تراها، وإن كانت ممن لا تراها فطهرها الجفوف، وذلك في المدونة عن مالك. وسبب اختلافهم: أن منهم من راعى العادة، ومنهم من راعى انقطاع الدم فقط، وقد قيل إن التي عادتها الجفوف تطهر بالقصة البيضاء ولا تطهر التي عادتها القصة البيضاء بالجفوف، وقد قيل بعكس هذا، وكله لاصحاب مالك. المسألة السابعة: اختلف الفقهاء في المستحاضة إذا تمادى بها الدم متى يكون حكمها حكم الحائض؟ كما اختلفوا في الحائض إذا تمادى بها الدم متى يكون حكمها حكم المستحاضة؟ وقد تقدم ذلك، فقال مالك في المستحاضة أبدا: حكمها حكم الطاهرة إلى أن يتغير الدم إلى صفة الحيض، وذلك إذا مضى لاستحاضتها من الايام ما هو أكثر من أقل أيام الطهر، فحينئذ تكون حائضا: أعني إذا اجتمع لها هذان الشيئان: تغير الدم، وأن يمر لها في الاستحاضة من الايام ما يمكن أن يكون طهرا، وإلا فهي مستحاضة أبدا وقال أبو حنيفة تقعد أيام عادتها إن كانت لها عادة، وإن كانت مبتدأة قعدت أكثر الحيض وذلك عنده عشرة أيام وقال الشافعي: تعمل على التمييز إن كانت من أهل التمييز، وإن كانت من أهل العادة عملت على العادة، وإن كانت من أهلهما معا، فله في ذلك قولان: أحدهما: تعمل على التمييز. والثاني: على العادة. والسبب في اختلافهم: أن في ذلك حديثين
[ 48 ]
مختلفين أحدهما حديث عائشة عن فاطمة بنت أبي حبيش: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرها - وكانت مستحاضة - أن تدع الصلاة قدر أيامها التي كانت تحيض فيها قبل أن يصيبها الذي أصابها ثم تغتسل وتصلي. وفي معناه أيضا حديث أم سلمة المتقدم الذي خرجه مالك، والحديث الثاني ما خرجه أبو داود من حديث فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت استحيضت، فقال لها رسول الله (ص): إن دم االحيضة أسود يعرف، فإذا كان ذلك فامكثي عن الصلاة وإذا كان الاخر فتوضئي وصلي فإنما هو عرق وهذا الحديث صححه أبو محمد بن حزم. فمن هؤلاء من ذهب مذهب الترجيح، ومنهم من ذهب مذهب الجمع، فمن ذهب مذهب ترجيح حديث أم سلمة وما ورد في معناه قال باعتبار الايام. ومالك رضي الله عنه اعتبر عدد الايام فقط في الحائض التي تشك في الحيض، أعني لا عددها، ولا موضعها من الشهر إذ كان عندها ذلك معلوما، والنص إنما جاء في المستحاضة التي تشك في الحيض، فاعتبر الحكم في الفرع، ولم يعتبره في الاصل، وهذا غريب فتأمله. ومن رجح حديث فاطمة بنت أبي حبيش قال باعتبار اللون، ومن هؤلاء من راعى مع اعتبار لون الدم مضي ما يمكن أن يكون طهرا من أيام الاستحاضة وهو قول مالك فيما حكاه عبد الوهاب، ومنهم من لم يراع ذلك. ومن جمع بين الحديثين قال: الحديث الاول هو في التي تعرف عدد أيامها من الشهر وموضعها، والثاني في التي لا تعرف عددها ولا موضعها، وتعرف لون الدم. ومنهم من رأى أنها إن لم تكن من أهل التمييز، ولا تعرف موضع أيامها من الشهر، وتعرف عددها، أو لا تعرف عددها أنها تتحرى على حديث حمنة بنت جحش - صححه الترمذي وفيه أن رسول الله (ص) قال لها: إنما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي. وسيأتي الحديث بكماله عند حكم المستحاضة في الطهر. فهذه هي مشهورات المسائل التي في هذا الباب، وهي بالجملة واقعة في أربعة مواضع أحدها: معرفة انتقال الطهر إلى الحيض. والثاني: معرفة انتقال الحيض إلى
الطهر. والثالث: معرفة انتقال الحيض إلى الاستحاضة. والرابع: معرفة انتقال الاستحاضة إلى الحيض، وهو الذي وردت فيه الاحاديث، وأما الثلاثة فمسكوت عنها: أعني عن تحديدها وكذلك الامر في انتقال النفاس إلى الاستحاضة. الباب الثالث وهو معرفة أحكام الحيض والاستحاضة والاصل في هذا الباب قوله تعالى: * (ويسألونك عن المحيض) * الاية والاحاديث الواردة في ذلك التي سنذكرها. واتفق المسلمون على أن الحيض يمنع أربعة
[ 49 ]
أشياء: أحدها: فعل الصلاة ووجوبها أعني أنه ليس يجب على الحائض قضاؤها بخلاف الصوم. والثاني: أنه يمنع فعل الصوم لا قضاؤه وذلك لحديث عائشة الثابت أنها قالت: كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة وإنما قال بوجوب القضاء عليها طائفة من الخوارج. والثالث: فيما أحسب الطواف لحديث عائشة الثابت: حين أمرها رسول الله (ص) أن تفعل كل ما يفعل الحاج غير الطواف بالبيت والرابع الجماع في الفرج لقوله تعالى: * (فاعتزلوا النساء في المحيض) * الاية. واختلفوا من أحكامها في مسائل، نذكر منها مشهوراتها وهي خمس: المسألة الاولى: اختلف الفقهاء في مباشرة الحائض وما يستباح منها، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: له منها ما فوق الازار فقط وقال سفيان الثوري وداود الظاهري: إنما يجب عليه أن يجتنب موضع الدم فقط. وسبب اختلافهم: ظواهر الاحاديث الواردة في ذلك، والاحتمال الذي في مفهوم الصلاة والسلام: كان يأمر إذا كانت إحداهن حائضا أن تشد عليها إزارها ثم يباشرها وورد أيضا من حديث ثابت بن قيس عن النبي (ص) أنه قال: اصنعوا كل شئ بالحائض إلا النكاح وذكر أبو داود عن عائشة أن رسول الله (ص) قال لها وهي حائض: اكشفي عن فخذك قالت: فكشفت، فوضع خده وصدره على فخذي، وحنيت عليه حتى دفئ، وكان قد أوجعه البرد. وأما الاحتمال
الذي في آية الحيض، فهو تردد قوله تعالى: * (قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) * بين أن يحمل على عمومه إلا ما خصصه الدليل، أو أن يكون من باب العام أريد به الخاص، بدليل قوله تعالى فيه: * (قل هو أذى) * والاذى إنما يكون في موضع الدم. فمن كان المفهوم منه عنده العموم أعني أنه إذا كان الواجب عنده أن يحمل هذا القول على عمومه حتى يخصصه الدليل، استثنى من ذلك ما فوق الازار بالسنة، إذ المشهور جواز تخصيص الكتاب بالسنة عند الاصوليين. ومن كان عنده من باب العام أريد به الخاص رجح هذه الاية على الاثار المانعة مما تحت الازار، وقوى ذلك عنده بالاثار المعارضة للاثار المانعة مما تحت الازار. الجمع بين هذه الاثار، وبين مفهوم الاية على هذا المعنى الذي نبه عليه الخطاب الوارد فيها، وهو كونه أذى فحمل أحاديث المنع لما تحت الازار على الكراهية، وأحاديث الاباحة ومفهوم الاية على الجواز، ورجحوا تأويلهم هذبأنه قد دلت السنة أنه ليس من جسم الحائض شئ نجس إلا موضع الدم، وذلك: أن رسول الله (ص) سأل عائشة أن تناوله
[ 50 ]
الخمرة وهي حائض، فقالت: إني حائض، فقال عليه الصلاة والسلام: إن حيضتك ليست في يدك وما ثبت أيضا من ترجيلها رأسه عليه الصلاة والسلام وهي حائض وقوله عليه الصلاة والسلام: إن المؤمن لا ينجس. المسألة الثانية: اختلفوا في وطئ الحائض في طهرها وقبل الاغتسال فذهب مالك والشافعي والجمهور إلى أن ذلك لا يجوز حتى تغتسل. وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن ذلك جائز إذا طهرت لاكثر أمد الحيض وهو حائض طهرت متى طهرت، وبه قال أبو محمد بن حزم. وسبب اختلافهم: الاحتمال الذي في قوله تعالى: * (فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله) * هل المراد به الطهر الذي هو انقطاع دم الحيض أم الطهر بالماء؟ ثم إن كان الطهر بالماء، فهل المراد به طهر جميع الجسد أم طهر الفرج؟ فإن الطهر في كلام
العرب، وعرف الشرع اسم مشترك يقال على هذه الثلاثة المعاني. وقد رجح الجمهور مذهبهم بأن صيغة التفعل إنما تنطلق على ما يكون من فعل المكلفين، لا على ما يكون من فعل غيرهم، فيكون قوله تعالى: * (فإذا تطهرن) * أظهر في معنى الغسل بالماء منه في الطهر الذي هو انقطاع الدم، والاظهر يجب المصير إليه حتى يدل الدليل على خلافه، ورجح أبو حنيفة مذهبه بأن لفظ يفعلن في قوله تعالى: * (حتى يطهرن) * هو أظهر في الطهر الذي هو انقطاع دم الحيض منه في التطهر بالماء. والمسألة كما ترى محتملة. ويجب على من فهم من لفظ الطهر في قوله تعالى: * (حتى يطهرن) * معنى واحدا من هذه المعاني الثلاثة أن يفهم ذلك المعنى بعينه من قوله تعالى: * (فإذا تطهرن) * لانه مما ليس يمكن، أو مما يعسر أن يجمع في الاية بين معنيين من هذه المعاني مختلفين حتى يفهم من لفظة يطهرن النقاء ويفهم من لفظ تطهرن الغسل بالماء على ما جرت به عادة المالكيين في الاحتجاج لمالك، فإنه ليس من عادة العرب أن يقولوا لا تعط فلانا درهما حتى يدخل الدار، فإذا دخل المسجد فأعطه درهما، بل إنما يقولون وإذا دخل الدار فأعطه درهما، لان الجملة الثانية هي مؤكدة لمفهوم الجملة الاولى. ومن تأول قوله تعالى: * (ولا تقربوهن حتى يطهرن) * على أنه النقاء، وقوله: * (فإذا تطهرن) * على أنه الغسل بالماء، فهو بمنزلة من قال لا تعط فلانا درهما حتى يدخل الدار فإذا دخل المسجد فأعطه درهما، وذلك غير مفهوم في كلام العرب، إلا أن يكون هنالك ك محذوف، ويكون تقدير الكلام: ولا تقربوهن حتى يطهرن ويتطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله، وفي تقدير هذا الحذف بعد أما ولا دليل عليه إلا أن يقوقائل: ظهور لفظ التطهر في
[ 51 ]
معنى الاغتسال هو الدليل عليه، لكن هذا يعارضه ظهور عدم الحذف في الاية، فإن الحذف مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أظهر من حمله على المجاز، وكذلك فرض المجتهد هاهنا إذا انتهى بنظره إلى مثل هذا الموضع أن يوازن بين الظاهرين، فما ترجح
عنده منهما على صاحبه عمل عليه، وأعني بالظاهرين أن يقايس بين ظهور لفظ فإذا تطهرن في الاغتسال بالماء وظهور عدم الحذف في الاية إن أحب أن يحمل لفظ يطهرن على ظاهره من النقاء، فأي الظاهرين كان عنده أرجح عمل عليه أعني: إما أن لا يقدر في الاية حذفا ويحمل لفظ فإذا تطهرن على الغسل بالماء، أو يقايس بين ظهور لفظ فإذا تطهرن في الاغتسال، وظهور لفظ يطهرن في النقاء. فأي كان عنده أظهر أيضا صرف تأويل اللفظ الثاني له، وعمل على أنهما يدلان في الاية على معنى واحد أعني: إما على معنى النقاء، وإما على معنى الاغتسال بالماء وليس في طباع النظر الفقهي أن ينتهي في هذه الاشياء إلى أكثر من هذا، فتأمله. وفي مثل هذه الحال يسوغ أن يقال: كل مجتهد مصيب. وأما اعتبار أبي حنيفة أكثر الحيض في هذه المسألة فضعيف. المسألة الثالثة: اختلف الفقهاء في الذي يأتي امرأته وهي حائض، فقال مالك والشافعي وأبو حنيفة: يستغفر الله ولا شئ عليه. وقال أحمد بن حنبل: يتصدق بدينار، أو بنصف دينار، وقالت فرقة من أهل الحديث: إن وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ في انقطاع الدم فنصف دينا. وسبب اختلافهم في ذلك: اختلافهم في صحة الاحاديث الواردة في ذلك، أو وهيها، وذلك أنه روي عن ابن عباس عن النبي (ص) في الذي يأتي امرأته وهي حائض: أنه يتصدق بدينار وروي عنه: بنصف دينار وكذلك روي أيضا في حديث ابن عباس هذا أنه إن وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ في انقطاع الدم فنصف دينار. وروي في هذا الحديث يتصدق بخمسي دينار وبه قال الاوزاعي، فمن صح عنده شئ من هذه الاحاديث صار إلى العمل بها. ومن لم يصح عنده شئ منها - وهم الجمهور - عمل على الاصل الذي هو سقوط الحكم حتى يثبت بدليل. المسألة الرابعة: اختلف العلماء فالمستحاضة، فقوم أوجبوا عليها طهرا واحدا فقط، وذلك عندما ترى أنه قد انقضت حيضتها بإحدى تلك العلامات التي تقدمت على
حسب مذهب هؤلاء في تلك العلامات وهؤلاء الذين أوجبوا عليها طهرا واحدا انقسموا قسمين: فقوم أوجبوا عليها أن تتوضأ لكل صلاة، وقوم استحبوا ذلك لها ولم يوجبوه عليها، والذين أوجبوا عليها طهرا واحدا فقط هم: مالك والشافعي وأبو حنيفة وأصحابهم
[ 52 ]
وأكثر فقهاء 1 الامصار، وأكثر هؤلاء أوجبوا عليها أن تتوضأ لكل صلاة، وبعضهم لم يوجب عليها إلا استحبابا وهو مذهب مالك وقوم آخرون غير هؤلاء رأوا أن على المستحاضة أن تتطهر لكل صلاة، وقوم رأوا أن الواجب أن تؤخر الظهر إلى أول العصر، ثم تتطهر وتجمع بين الصلاتين، وكذلك تؤخر المغرب إلى آخر وقتها وأول وقت العشاء، وتتطهر طهرا ثانيا وتجمع بينهما، ثم تتطهر طهرا ثالثا لصلاة الصبح، فأوجبوا عليها ثلاثة أطهار في اليوم والليلة. وقوم رأوا أن عليها طهرا واحدا في اليوم والليلة. ومن هؤلاء من لم يحد له وقتا، وهو مروي عن علي. ومنهم من رأى أن تتطهر من طهر إلى طهر، فيتحصل في المسألة بالجملة أربعة أقوال: قول إنه ليس عليها إلا طهر واحد فقط عند انقطاع دم الحيض، وقول: إن عليها الطهر لكل صلاة. وقول إن عليها ثلاثة أطهار في اليوم والليلة، وقول إن عليها طهرا واحدا في اليوم والليلة. والسبب في اختلافهم في هذه المسألة: هو اختلاف ظواهر الاحاديث الواردة في ذلك، وذلك أن الوارد في ذلك من الاحاديث المشهورة أربعة أحاديث واحد منها متفق على صحته، وثلاثة مختلف فيها. أما المتفق على صحته فحديث عائشة قالت: جاءت فاطمة ابنة أبي حبيش إلى رسول الله (ص) فقالت: يا رسول الله إني امرأة أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال لها عليه الصلاة والسلام: لا، إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي وفي بعض روايات هذا الحديث: وتوضئي لكل صلاة وهذه الزيادة لم يخرجها البخاري ولا مسلم، وخرجها أبو داود وصححها قوم من أهل الحديث. والحديث الثاني: حديث عائشة عن أم حبيبة بنت
جحش امرأة عبد الرحمن بن عوف: أنها استحاضت فأمرها رسول الله (ص) أن تغتسل لكل صلاة. أسنده إسحاق عن الزهري، وأما سائر أصحاب الزهري، فإنما رووا عنه: أنها استحيضت فسألت رسول الله (ص) فقال لها: إنما هو عرق وليست بالحيضة وأمرها أن تغتسل وتصلي، فكانت تغتسل لكل صلاة على أن ذلك هو الذي فهمت منه، لا أن ذلك منقول عن لفظه عليه الصلاة والسلام، ومن هذا الطريق خرجه البخاري. وأما الثالث: فحديث أسماء بنت عميس أنها قالت: يا رسول الله إن فاطمة ابنة أبي حبيش استحيضت، فقال رسول الله (ص): لتغسل للظهر والعصر غسلا واحدا وللمغرب والغشاء غسلا واحدا وتغتسل للفجر وتتوضأ فيمبين ذلك خرجه أبو داود وصححه أبو محمد بن حزم. وأما الرابع: فحديث حمنة ابنة جحش وفيه: أن رسول الله (ص) خيرها بين أن تصلي الصلوات بطهر واحد عندما ترى أنه قد انقطع دم الحيض، وبين أن تغتسل في اليوم والليلة ثلاث مرات علحديث أسماء بنت عميس، إلا أن هنالك ظاهره على الوجوب وهنا على التخيير، فلما اختلفت ظواهر هذه الاحاديث،
[ 53 ]
ذهب الفقهاء في تأويلها أربعة مذاهب: مذهب النسخ، ومذهب الترجيح، ومذهب الجمع ومذهب البناء، والفرق بين الجمع والبناء أن الباني ليس يرى أن هنالك تعارضا، فيجمع بين الحديثين، وأما الجامع فهو يرى أن هنالك تعارضا في الظاهر، فتأمل هذا، فإنه فرق بين. أما من ذهب مذهب الترجيح فمن أخذ بحديث فاطمة ابنة أبي حبيش لمكان الاتفاق على صحته عمل على ظاهره أعني: من أنه لم يأمرها (ص) أن تغتسل لكل صلاة، ولا أن تجمع بين الصلوات بغسل واحد ولا بشئ من تلك المذاهب، وإلى هذا ذهب مالك، وأبو حنيفة والشافعي وأصحاب هؤلاء وهم الجمهور، ومن صحت عن / ه من هؤلاء الزيادة الواردة فيه، وهو الامر بالوضوء لكل صلاة أوجب ذلك عليها، ومن لم تصح عنده لم يوجب ذلك عليها، وأما من ذهب مذهب البناء فقال: إنه ليس بين حديث فاطمة
وحديث أم حبيبة الذي من رواته ابن إسحاق تعارض أصلا، وأن الذي في حديث أم حبيبة من ذلك زيادة على ما في حديث فاطمة، فإن حديث فاطمة إنما وقع الجواب فيه عن السؤال، هل ذلك الدم حيض يمنع الصلاة أم لا؟ فأخبرها عليه الصلاة والسلام أنها ليست بحيضة تمنع الصلاة، ولم يخبرها بوجوب الطهر أصلا لكل صلاة إلا عند انقطاع دم الحيض، وفي حديث أم حبيبة أمرها بشئ واحد وهو التطهر لكل صلاة، لكن للجمهور أن يقولوا إن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، فلو كان واجبا عليها الطهر لكل صلاة لاخبرها بذلك، ويبعد أن يدعي مدع: أنها كانت تعرف ذلك مع أنها كانت تجهل الفرق بين الاستحاضة والحيض. وأما تركه عليه الصلاة والسلام إعلامها بالطهر الواجب عليها عند انقطاع دم الحيض، فمضمن في قوله: إنها ليست بالحيضة لانه كان معلوما من سنته عليه الصلاة والسلام أن انقطاع الحيض يوجب الغسل، فإذا إنما لم يخبرها بذلك لانها كانت عالمة به، وليس الامر كذلك في وجوب الطهر لكل صلاة إلا أن يدعي مدع أن هذه الزيادة لم تكن قبل ثابتة، وتثبت بعد فيتطرق إلى ذلك المسألة المشهورة؟ هل الزيادة نسخ أم لا؟ وقد روي في بعض طرق حديث فاطمة أمره عليه الصلاة والسلام لها بالغسل، فهذا هو حال من ذهب مذهب الترجيح ومذهب البناء. وأما من ذهب مذهب النسخ فقال: إن حديث أسماء بنت عميس ناسخ لحديث أم حبيبة، واستدل على ذلك بما روي عن عائشة: أن سهلة بنت سهيل استحيضت وأن رسول الله (ص) كان يأمرها بالغسل عند كل صلاة، فلما جهدها ذلك أمرها أن تجمع بين الظهر والعصر في غسل واحد، والمغرب والعشاء في غسل واحد، وتغتسل ثالثا للصبح. وأما الذين ذهبوا مذهب الجمع، فقالوا: إن حديث فاطمة ابنة أبي حبيش محمول على التي تعرف أيام الحيض من أيام الاستحاضة، وحديث أم حبيبة محمول على التي لا تعرف ذلك، فأمرت بالطهر في كل وقت احتياطا للصلاة، وذلك أن هذه إذا قامت إلى الصلاة يحتمل أن تكون طهرت، فيجب عليها أن
[ 54 ]
تغتسل لكل صلاة. وأما حديث أسماء ها أيام الحيض من أيام الاستحاضة، إلا أنه قد ينقطع عنها في أوقات، فهذه إذا انقطع عنها الدم وجب عليها أن تغتسل، وتصلي بذلك الغسل صلاتين، وهنا قوم ذهبوا مذهب التخيير بين حديثي أم حبيبة وأسماء واحتجوا لذلك بحديث حمنة بنت جحش وفيه: أن رسول الله (ص) خيرها وهؤلاء منهم من قال: إن المخيرة هي التي لا تعرف أيام حيضتها. ومنهم من قال: بل هي المستحاضة على الاطلاق عارفة كانت أو غير عارفة، وهذا هو قول خامس في المسألة، إلا أن الذي في حديث حمنة ابنة جحش إنما هو التخيير بين أن تصلي الصلوات كلها بطهر واحد، وبين أن تتطهر في اليوم والليلة ثلاث مرات. وأما من ذهب إلى أن الواجب أن تطهر في كل يوم مرة واحدة، فلعله إنما أوجب ذلك عليها لمكان الشك، ولست أعلم في ذلك أثرا. المسألة الخامسة: اختلف العلماء في جواز وطئ المستحاضة على ثلاثة أقوال. فقال قوم: يجوز وطؤها، وهو الذي عليه فقهاء الامصار، وهو مروي عن ابن عباس وسعيد بن المسيب، وجماعة من التابعين وقال قوم: ليس يجوز وطؤها، وهو مروي عن عائشة، وبه قالالنخعي والحكم. وقال قوم: لا يأتيها زوجها إلا أن يطول ذلك بها. وبهذا القول قال أحمد بن حنبل. وسبب اختلافهم: هل إباحة الصلاة لها هي رخصة لمكان تأكيد وجوب الصلاة، أم إنما أبيحت لها الصلاة، لان حكمها حكم الطاهر؟ فمن رأى أن ذلك رخصة لم يجز لزوجها أن يطأها، ومن رأى أن ذلك لان حكمها حكم الطاهر، أباح لها ذلك، وهي بالجملة مسألة مسكوت عنها. وأما التفريق بين الطول، ولا طول فاستحسان.
[ 55 ]
كتاب التيمم والقول المحيط بأصول هذا الكتاب يشتمل بالجملة على سبعة أبواب. الباب الاول: في معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بدل منها. الثاني: معرفة من تجوز له هذه الطهارة.
الثالث: في معرفة شروط جواز هذه الطهارة. الرابع: في صفة هذه الطهارة. الخامس: فيما تصنع به هذه الطهارة. السادس: في نواقض هذه الطهارة. السابع: في الاشياء التي هذه الطهارة شرط في صحتها، أو في استباحتها. الباب الاول: في معرفة الطهارة التي هذه الطهارة بدل منها اتفق العلماء على أن هذه الطهارة هي بدل من هذه الطهارة الصغرى، واختلفوا في الكبرى، فروي عن عمر وابن مسعود أنهما كانا لا يريانها بدلا من الكبرى، وكان علي وغيره من الصحابة يرون أن التيمم يكون بدلا من الطهارة الكبرى، وبه قال عامة الفقهاء. والسبب في اختلافهم: الاحتمال الوارد في آية التيمم، وأنه لم تصح عندهم الاثار الواردة بالتيمم للجنب. أما الاحتمال الوارد في الاية، فلان قوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * يحتمل أن يعود الضمير الذي فيه على المحدث حدثا أصغر فقط، ويحتمل أن يعود عليهما معا، لكن من كانت الملامسة عنده في الاية الجماع، فالاظهر أنه عائد عليهما معا، ومن كانت الملامسة عنده هي اللمس باليد، أعني في قوله تعالى: * (أو لامستم النساء) * فالاظهر أنه إنما يعود الضمير عنده على المحدث حدثا أصغر فقط، إذ كانت الضمائر إنما يحمل أبدا عودها على أقرب مذكور، إلا أن يقدر في الاية تقديما وتأخيرا حتى يكون تقديرها هكذا: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة، أو جاء أحد منكم من الغائط، أو لامستم النساء فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا نبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا. ومثل هذا ليس ينبغي أن يصار إليه إلا بدليل فإن
[ 56 ]
التقديم والتأخير مجاز، وحمل الكلام على الحقيقة أولى من حمله على المجاز، وقد يظن أن في الاية شيئا يقتضي تقديما وتأخيرا، وهو أن حملها على ترتيبها يوجب أن المرض والسفر حدثان، لكن هذا لا يحتاج إليه إذا قدرت أو هاهنا بمعنى الواو، وذلك موجود في
كلام العرب في مثل قول الشاعر: وكان سيان أن لا يسرحوا نعما أو يسرحوه بها واغبرت السرح فإنه إنما يقال: سيان زيد وعمرو، وهذا هو أحد الاسباب التي أوجبت الخلاف في هذه المسألة. وأما ارتيابهم في الاثار التي ورد ت في هذا المعنى، فبين مما خرجه البخاري ومسلم: أن رجلا أتى عمر رضي الله عنه فقال: أجنبت فلم أجد الماء، فقال: لا تصل، فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ أنا وأنت في سرية فأجنبنا، فلم نجد الماء، فأما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت في التراب فصليت، فقال النبي (ص): إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك، ثم تنفخ فيهما، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك؟ فقال عمر: اتق الله يا عمار، فقال: إن شئت لم أحدث به. وفي بعض الروايات: أنه قال له عمر: نوليك ما توليت. وخرج مسلم عن شقيق قال: كنت جالسا مع عبد الله بن مسعود وأبي موسى فقال أبو موسى: يا أبا عبد الرحمن أرأيت لو أن رجلا أجنب، فلم يجد الماء شهرا كيف يصنع بالصلاة؟ فقال عبد الله لابي موسى: لا يتيمم وإن لم يجد الماء شهرا، فقال أبو موسى فكيف بهذه الاية في سورة المائدة: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) * فقال عبد الله: لو رخص لهم في هذه الاية لاوشك إذا بردعليهم الماء أن يتيمموا بالصعيد، فقال أبو موسى لعبد الله: ألم تسمع لقول عما؟ وذكر له الحديث المتقدم، فقال له عبد الله: ألم تر عمر لم يقنع بقول عمار لكن الجمهور رأوا أن ذلك قد ثبت من حديث عمار وعمران بن الحصين، خرجهما البخاري، وإن نسيان عمر ليس مؤثرا في وجوب العمل بحديث عمار، وأيضا فإنهم استدلوا بجواز التيمم للجنب والحائض بعموم قوله عليخ الصلاة والسلام جعلت لي الارض مسجدا وطهورا. وأما حديث عمران بن الحصين فهو: أن رسول الله (ص) رأى رجلا معتزلا لم يصل مع القوم فقال: يا فلان أما يكفيك أن تصلي مع القوم؟ فقال يا رسول الله أصابتني جنابة ولا ماء، فقال عليه الصلاة والسلام: عليك بالصعيد
فإنه يكفيك ولموضع هذا الاحتمال اختلفوا هل لمن ليس عنده ماء أن يطأ أهله أم لا يطؤها؟ أعني من يجوز للجنب التيمم.
[ 57 ]
الباب الثاني: في معرفة من تجوز له هذه الطهارة وأما من تجوز له هذه الطهارة، فأجمع العلماء أنها تجوز لاثنين: للمريض وللمسافر إذا عدما الماء، واختلفوا في أربع: المريض يجد الماء ويخاف من استعماله، وفي الحاضر يعدم الماء وفي الصحيح المسافر يجد الماء، فيمنعه من الوصول إليه خوف، وفي الذي يخاف من استعماله من شدة البرد فأما المريض الذي يجد الماء ويخاف من استعماله، فقال الجمهور: يجوز التيمم له، وكذلك الصحيح الذي يخاف الهلاك، أو المرض الشديد من برد الماء، وكذلك الذي يخاف من الخروج إلى الماء، إلا أن معظمهم أوجب عليه الاعادة إذا وجد الماء. وقال عطاء: لا يتيمم المريض ولا غير المريض إذا وجد الماء، وأما الحاضر الصحيح الذي يعدم الماء، فذهب مالك والشافعي إلى جواز التيمم له وقال أبو حنيفة: لا يجوز التيمم للحاضر الصحيح وإن عدم الماء. وسبب اختلافهم: في هذه المسائل الاربع التي هي قواعد هذا الباب، أما في المريض الذي يخاف من استعمال الماء، فهو اختلافهم هل في الاية محذوف مقدر في قوله تعالى: * (وإن كنتم مرضى أو على سفر) * فمن رأى أن في الاية حذفا، وأن تقدير الكلام وإن كنتم مرضى لا تقدرون على استعمال الماء، وأن الضمير في قوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء) * إنما يعود على المسافر فقط أجاز التيمم للمريض الذي يخاف من استعمال الماء. ومن رأى أن الضمير في * (فلم تجدوا ماء) * يعود على المريض، والمسافر معا وأنه ليس في الاية حذف لم يجز للمريض إذا وجد الماء التيمم. وأما سبب اختلافهم في الحاضر الذي يعدم الماء فاحتمال الضمير الذي في قوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء) * أن يعود على أصناف المحدثين: أعني الحاضرين والمسافرين أو على المسافرين فقط فمن رآه عائدا على جميع أصناف المحدثين أجاز
التيمم للحاضرين ومن رآه عائدا على المسافرين فقط أو على المرضى والمسافرين لم يجز التيمم للحاضر الذي عدم الماء. وأما سبب اختلافهم في الخائف من الخروج إلى الماء فاختلافهم في قياسه على من عدم الماء. وكذلك اختلافهم في الصحيح يخاف من برد الماء، السبب فيه اختلافهم في قياسه على المريض الذي يخاف من استعمال الماء، وقد رجح مذهبهم القائلون بجواالتيمم للمريض بحديث جابر في المجروح الذي اغتسل فمات، فأجاز عليه الصلاة والسلام المسح له وقال: قتلوه قتلهم الله وكذلك رجحوا أيضا قياس الصحيح الذي يخاف من برد الماء على المريض بما روى أيضا في ذلك عن عمرو ابن العاص أنه أجنب في ليلة باردة، فتيمم، وتلا قول الله تعالى: * (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) * فذكر ذلك للنبي عليه الصلاة والسلام فلم يعنف.
[ 58 ]
الباب الثالث: في معرفة شروط جواز هذه الطهارة وأما معرفة شروط هذه الطهارة، فيتعلم بها ثلاث مسائل قواعد إحداها: هل النية من شرط هذه الطهارة أم لا؟ والثانية: هل الطلب شرط في جواز التيمم عند عدم الماء أم لا؟ والثالثة: هل دخول الوقت شرط في جواز التيمم أم لا؟ أما المسألة الاولى: فالجمهور على أن النية فيها شرط لكونها عبادة غير معقولة المعنى، وشذ زفر فقال: إن النية ليست بشرط فيها، وأنها لا تحتاج إلى نية، وقد روي ذلك أيضا عن الاوزاعي والحسن بن حي، وهو ضعيف. وأما المسألة الثانية: فإن مالكا رضي الله عنه اشترط الطلب، وكذلك الشافعي ولم يشترطه أبو حنيفة. وسبب اختلافهم في هذا هو: هل يسمى من لم يجد الماء دون طلب غير واجد للماء، أم ليس يسمى غير واجد للماء إلا إذا طلب الماء، فلم يجده؟ لكن الحق في هذا أن يعتقد أن المتيقن لعدم الماء، إما بطلب متقدم، وإما بغير ذلك هو عادم للماء، وأما الظان فليس بعادم للماء، ولذلك يضعف القول بتكرر الطلب الذي في المذهب في المكان
الواحد بعينه، ويقوى اشتراطه ابتداء إذا لم يكن هنالك علم قطعي بعدم الماء.
[ 59 ]
الباب الرابع: في صفة هذه الطهارة وأما صفة هذه الطهارة، فيتعلق بها ثلاث مسائل هي قواعد هذا الباب: المسألة الاولى: اختلف الفقهاء في حد الايدي التي أمر الله بمسحها في التيمم في قوله وامسحوا بجوهكم وأيديكم منه) * على أربعة أقوال: القول الاول: أن الحد الواجب في ذلك هو الحد الواجب بعينه في الوضوء وهو إلى المرافق، وهو مشهور المذهب، وبه قال فقهاء الامصار. والقول الثاني: أن الفرض هو مسح الكف فقط، وبه قال أهل الظاهر وأهل الحديث. والقول الثالث: الاستحباب إلى المرفقين، والفرض الكفان وهو مروي عن مالك. والقول الرابع: أن الفرض إلى المناكب، وهو شاذ، روي عن الزهري ومحمد بن مسلمة. والسبب في اختلافهم: اشتراك اسم اليد في لسان العرب: وذلك أن اليد في كلام العرب يقال على ثلاثة معان: على الكف فقط، وهو أظهرها استعمالا، ويقال على الكف والذراع، ويقال على الكف والساعد والعضد. والسبب الثاني: اختلاف الاثار في ذلك، وذلك أن حديث عمار المشهور فيه من طرقه الثابتة: إنما يكفيك أن تضرب بيدك، ثم تنفخ فيها، ثم تمسح بها وجهك وكفيك. وورد في بعض طرقه أنه قال له عليه الصلاة والسلام: وأن تمسح بيديك إلى المرفقين وروي أيضا عن ابن عمر أن النبي (ص) قال: التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين وروي أيضا من طريق ابن عباس، ومن طريق غيره، فذهب الجمهور إلى ترجيح هذه الاحاديث على حديث عمار الثابت من جهة عضد القياس لها:
[ 60 ]
أعني من جهة قياس التيمم على الوضوء وهو بعينه حملهم على أن عدلوا بلفظ اسم اليد عن الكف الذي هو فيه أظهر إلى الكف والساعد، ومن زعم أنه ينطلق عليهما بالسواء وأنه ليس في أحدهما أظهر منه في الثاني فقد أخطأ، فإن اليد وإن كانت اسما مشتركا، فهي
في الكف حقيقة، وفيما فوق الكف مجاز، وليس كل اسم مشترك هو مجمل، وإنما المشترك المجمل الذي وضع من أول أمره مشتركا. وفي هذا قال الفقهاء: إنه لا يصح الاستدلال به، ولذلك ما نقول: إن الصواب هو أن يعتقد أن الفرض إنما هو الكفان فقط، وذلك أن اسم اليد لا يخلو أن يكون في الكف أظهر منه في سائر الاجزاء، أو يكون دلالته على سائر أجزاء الذراع والعضد بالسواء، فإن كان أظهر فيجب المصير إليه على ما يجب المصير إلى الاخذ بالظاهر وإن لم يكن أظهر فيجب المصير إلى الاخذ بالاثر الثابت، فأما أن يغلب القياس هاهنا على الاثر فلا معنى له، ولا أن ترجح به أيضا أحاديث لم تثبت بعد، فالقول في هذه المسألة بين من الكتاب والسنة فتأمله. وأما من ذهب إلى الاباط، فإنما ذهب إلى ذلك لانه قد روي في بعض طرق حديث عمار أنه قال: تيممنا مع رسول الله (ص) فمسحنا بوجوهنا وأيدينا إلى المناكب. ومن ذهب إلى أن يحمل تلك الاحاديث على الندب وحديث عمار على الوجوب فهو مذهب حسن إذا كان الجمع أولى من الترجيح عند أهل الكلام الفقهي، إلا أن هذا إنما ينبغي أن يصار إليه إن صحت تلك الاحاديث. المسألة الثانية: اختلف العلماء في عدد الضربات على الصعيد للتيمم، فمنهم من قال واحدة، ومنهم من قال اثنتين، والذين قالوا اثنتين منهم من قال: ضربة للوجه وضربة لليدين، وهم الجمهور وإذا قلت الجمهور، فالفقهاء الثلاثة معدودون فيهم: أعني مالكا والشافعي وأبا حنيفة. ومنهم من قال: ضربتان لكل واحد منهما: أعني لليد ضربتان، وللوجه ضربتان. والسبب في اختلافهم: أن الاية مجملة في ذلك، والاحاديث متعارضة، وقياس التيمم على الوضوء في جميع أحواله غير متفق عليه، والذي في حديث عمار الثابت من ذلك إنما هو ضربة واحدة للوجه والكفين معا، لكن ها هنا أحاديث فيها ضربتان، فرجح الجمهور هذه الاحاديث لمكان قياس التيمم على الوضوء. المسألة الثالثة: اختلف الشافعي مع مالك وأبي حنيفة وغيرهما في وجوب توصيل التراب إلى أعضاء التيمم فلم ير ذلك أبو حنيفة واجبا ولا مالك ورأى ذلك الشافعي
واجبا. وسبب اختلافهم الاشتراك الذي في حرف من في قوله تعالى: * (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه) * وذلك أن من ترد للتبعيض، وقد ترد لتمييز الجنس، فمن ذهب إلى أنها هنا للتبعيض أوجب نقل التراب إلى أعضاء التيمم، ومن رأى أنها لتمييز
[ 61 ]
الجنس قال: ليس النقل واجبا. والشافعي إنما رجح حملها على التبعيض من جهة قياس التيمم على الوضوء لكن يعارضه حديث عمار المتقدم، لان فيه: ثم تنفخ فيها، وتيمم رسول الله (ص) على الحائط. وينبغي أن تعلم أن الاختلاف في وجوب الترتيب في التيمم ووجوب الفور فيه، هو بعينه اختلافهم في ذلك في الوضوء، وأسباب الخلاف هنالك هي أسبابه هنا، فلا معنى لاعادته. الباب الخامس: فيما تصنع به هذه الطهارة وفيه مسألة واحدة، وذلك أنهم اتفقوا على جوازها بتراب الحرث الطيب واختلفوا في جواز فعلها بما عدا التراب من أجزاء الارض المتولدة عنها كالحجارة، فذهب الشافعي إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بالتراب الخالص وذهب مالك وأصحابه إلى أنه يجوز التيمم بكل ما صعد على وجه الارض من أجزائها في المشهور عنه: الحصا والرمل والتراب وزاد أبو حنيفة فقال: وبكل ما يتولد من الارض من الحجارة مثل النورة والزرنيخ والجص والطين والرخام ومنهم من شرط أن يكون التراب على وجه الارض، وهم الجمهور وقال أحمد بن حنبل: يتيمم بغبار الثوب واللبد. والسبب في اختلافهم شيئان: أحدهما: اشتراك اسم الصعيد في لسان العرب، فإنه مرة يطلق على التراب الخالص، ومرة يطلق على جميع أجزاء الارض الظاهرة، حتى أن مالكا وأصحابه حملهم دلالة اشتقاق هذا الاسم - أعني الصعيد - أن يجيزوا في إحدى الروايات عنهم التيمم على الحشيش وعلى الثلج قالوا: لانه يسمى صعيدا في أصل التسمية، أعني من جهة صعوده على الارض، وهذا ضعيف. والسبب الثاني: إطلاق اسم الارض في جواز التيمم بها في بعض روايات
الحديث المشهور، وتقييدها بالتراب في بعضها، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: جعلت لي الارض مسجدا وطهورا فإن في بعض رواياته. جعلت لي الارض مسجدا وطهورا وفي بعضها جعلت لي الارض مسجدا وجعلت لي تربتها طهورا وقد اختلف أهل الكلام الفقهي: هل يقضى بالمطلق على المقيد، أو بالمقيد على المطلق؟ والمشهور عندهم أن يقضى بالمقيد على المطلق، وفيه نظر، ومذهب أبي محمد بن حزم أن يقضى بالمطلق على المقيد، لان المطلق فيه زيادة معنى، فمن كان رأيه القضاء بالمقيد على المطلق، وحمل اسم الصعيد الطيب على التراب لم يجز التيمم إلا بالتراب، ومن قضى بالمطلق على المقيد، وحمل اسم الصعيد على كل ما على وجه الارض من أجزائها، أجاز التيمم بالرمل والحصى. وأما إجازة التيمم بما يتولد منها، فضعيف إذ كان لا يتناوله اسم الصعيد، فإن أعم دلالة اسم الصعيد أن يدل على ما تدل عليه الارض، لا أن يدل على الزرنيخ والنورة، ولا على الثلج والحشيش. والله الموفق للصواب، والاشتراك الذي في اسم الطيب أيضا من أحد دواعي الخلاف.
[ 62 ]
الباب السادس: في نواقض هذه الطهارة وأما نواقض هذه الطهارة، فإنهم اتفقوا على أنه ينقضها مينقض الاصل الذي هو الوضوء، أو الطهر، واختلفوا من ذلك في مسألتين: إحداهما هل ينقضها إرادة صلاة أخرى مفروضة غير المفروضة التي تيمم لها؟ والمسألة الثانية هل ينقضها وجود الماء أم لا؟ أما المسألة الاولى: فذهب مالك فيها إلى أن إرادة الصلاة الثانية تنقض طهارة الاولى ومذهب غيره خلاف ذلك وأصل هذا الخلاف يدوعلى شيئين: أحدهما: هل في قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلا الصلاة) * محذوف مقدر: أعني إذا قمتم من النوم، أو قمتم محدثين أم ليس هنالك محذوف أصلا؟ فمن رأى أن لا محذوف هنالك قال: ظاهر الاية وجوب الوضوء، أو التيمم عند القيام لكل صلاة، لكن خصصت السنة من ذلك الوضوء، فبقي التيمم على أصله، لكن لا ينبغي أن يحتج بهذا لمالك، فإن مالكا يرى أن في الاية محذوفا على ما رواه عن زيد بن أسلم في موطأه. وأما
السبب الثاني فهو تكرار الطلب عند دخول وقت كل صلاة، وهذا هو ألزم لاصول مالك. أعني أن يحتج له بهذا، وقد تقدالقول في هذه المسألة، ومن لم يتكرر عنده الطلب وقدر في الاية محذوفا لم ير إرادة الصلاة الثانية مما ينقض التيمم. وأما المسألة الثانية: فإن الجمهور ذهبوا إلى أن وجود الماء ينقضها وذهب قوم إلى أن الناقض لها هو الحدث وأصل هذا الخلاف: هل وجود الماء يرفع استصحاب الطهارة التي كانت بالتراب، أو يرفع ابتداء الطهارة به؟ فمن رأى أنه يرفع ابتداء الطهارة به، قال: لا ينقضها إلا الحدث، ومن رأى أنه يرفع استصحاب الطهارة قال: إنه ينقضها، فإن حد الناقض هو الرافع للاستصحاب. وقد احتج الجمهور لمذهبهم بالحديث الثابت وهو قوله عليه الصلاة والسلام: جعلت لي الارض مسجدا وطهورا ما لم يجد الماء والحديث محتمل، فإنه يمكن أن يقال: إن قوله عليه الصلاة والسلام: ما لم يجد ا لماء يمكن أن يفهم منه: فإذا وجد الماء انقطعت هذه الطهارة، وارتفعت، ويمكن أن يفهمنه: فإذا وجد الماء لم تصح ابتداء هذه الطهارة، والاقوى في عضد الجمهور هو حديث أبي سعيد الخدري، وفيه أنه عليه الصلاة والسلام قال: فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك فإن الامر محمول عند جمهور المتكلمين على الفور وإن كان أيضا قد يتطرق إليه الاحتمال المتقدم فتأمل هذا. وقد حمل الشافعي تسليمه أن وجود الماء يرفع هذه الطهارة أن قال: إن التيمم ليس رافعا للحدث: أي ليس مفيدا للمتيمم الطهارة الرافعة للحدث، وإنما هو مبيح للصلاة فقط مع بقاء الحدث، وهذا لا معنى له، فإن الله قد سماه طهارة، وقد ذهب
[ 63 ]
قوم من أصحاب مالك هذا المذهب فقالوا: إن التيمم لا يرفع الحدث، لانه لو رفعه لم ينقضه إلا الحدث. والجواب أن هذه الطهارة وجود الماء في حقها هو حدث خاص بها على القول بأن الماء ينقضهما، واتفق القائلون بأن وجود الماء ينقضها على أنه ينقضها قبل الشروع في الصلاة وبعد الصلاة، واختلفوا هل ينقضها طروه في الصلاة؟ فذهب مالك
والشافعي وداود إلى أنه لا ينقض الطهارة في الصلاة وذهب أبو حنيفة وأحمد وغيرهما إلى أنه ينقض الطهارة في الصلاة وهم أحفظ للاصل، لانه أمر غير مناسب للشرع أن يوجد شئ واحد لا ينقض الطهارة في الصلاة وينقضها في غير الصلاة، وبمثل هذا شنعوا على مذهب أبي حنيفة فيما يراه من أن الضحك في الصلاة ينقض الوضوء، مع أنه مستند في ذلك إلى الاثر. فتأمل هذه المسألة فإنها بينة، ولا حجة في الظواهر التي يرام الاحتجاج بها لهذا المذهب من قوله تعالى: * (ولا تبطلوا أعمالكم) * فإن هذا لم يبطل الصلاة بإرادته، وإنما أبطلها طرو الماء كما لو أحدث. الباب السابع: في الاشياء التي هذه الطهارة شرط في صحتها، أو في استباحتها واتفق الجمهور على أن الافعال التي هذه الطهارة شرط في صحتها هي الافعال التي الوضوء شرط في صحتها من الصلاة ومس المصحف وغير ذلك. واختلفوا هل يستباح بها أكثر من صلاة واحدة فقط؟ فمشهور مذهب مالك أنه لا يستباح بها صلاتان مفروضتان أبدا واختلف قوله في الصلاتين المقضيتين، والمشهور عنه أنه إذا كانت إحدى الصلاتين فرضا والاخرى نفلا أنه إن قدم الفرض جمع بينهما، وإن قدم النفل لم يجمع بينهما. وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز الجمع بين صلوات مفروضة بتيمم واحد وأصل هذا الخلاف: هو هل التيمم لكل صلاة أم لا؟ إما من قبل ظاهر الاية كما تقدم، وإما من قبل وجوب تكرار الطلب، وإما من كليهما.
[ 64 ]
ئ ئ ئكتاب الطهارة من النجس والقول المحيط بأصوهذه الطهارة وقواعدها ينحصر في ستة أبواب: الباب الاول: في معرفة حكم هذه الطهارة: أعني في الوجوب، أو في الندب إما مطلقا، وإما من جهة أنها مشترطفي الصلاة. الباب الثاني: في معرفة أنواع النجاسات. الباب الثالث: في معرفة المحال التي يجب إزالتها عنها. الباب الرابع: في معرفة الشئ الذي به تزال. الباب
الخامس: في صفة إزالتها في محل محل. الباب السادس: في آداب الاحداث. الباب الاول: في معرفة حكم هذه الطهارة والاصل في هذا الباب أما من الكتاب، فقوله تعالى: * (وثيابك فطهر) * وأما من السنة. فآثار كثيرة ثابتة: منها قوله عليه الصلاة والسلام: من توضأ فليستنثر، ومن استجمر فليوتومنها: أمره (ص) بغسل دم الحيض من الثوب، وأمره بصب ذنوب من ماء علبول الاعرابي وقوله عليه الصلاة والسلام في صاحبي القبر: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما، فكان لا يستنزه من االبول. واتفق العلماء لمكان هذه المسموعات على أن إزالة النجاسة مأمور بها في الشرع، واختلفوا هل ذلك على الوجوب، أو على الندب المذكور، وهو الذي يعبر عنه بالسنة؟ فقال قوم: إن إزالة النجاسات واجبة، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال قوم: إزالتها سنة مؤكدة وليست بفرض. وقال قوم: هي فرض مع الذكر ساقطة مع النسيان، وكلا هذين القولين عن مالك وأصحابه. وسبب اختلافهم في هذه المسألة: راجع إلى ثلاثة أشياء: أحدها: اختلافهم في قوله تبارك وتعالى: * (وثيابك فطهر) * هل ذلك محمول على الحقيقة، أو محمول على المجاز. والسبب الثاني: تعارض ظواهر الاثار في وجوب ذلك. والسبب الثالث: اختلافهم في الامر والنهي الوارد لعلة معقولة المعنى، هل تلك العلة المفهومة من ذلك الامر، أو النهي قرينة تنقل الامر من الوجوب إلى الندب، والنهي من الحظر إلى الكراهة؟ أم ليست قرينة؟ وأنه لا فرق في ذلك بين العبادة المعقولة وغير المعقولة؟ وإنما صار من صار إلى الفرق
[ 65 ]
في ذلك، لان الاحكام المعقولة المعاني في الشرع أكثرها هي من باب محاسن الاخلاق، أو من باب المصالح وهذه في الاكثر هي مندوب إليها، فمن حمل قوله تعالى وثيابك فطهر) * على الثياب المحسوسة قال: الطهارة من النجاسة واجبة، ومن حملها على الكناية عن طهارة القلب لم ير فيها حجة، وأما الاثار المتعارضة في ذلك، فمنها حديث
صاحبي القبر المشهور، وقوله فيهما (ص): إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله فظاهر هذا الحديث يقتضي الوجوب، لان العذاب لا يتعلق إلا بالواجب، وأما المعارض لذلك فما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من: أنه رمي عليه، وهو في الصلاة سلا جزور بالدم والفرث، فلم يقطع الصلاة وظاهر هذا أنه لو كانت إزالة النجاسة واجبة كوجوب الطهارة من الحدث، لقطع الصلاة، ومنها ما روي: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان في صلاة من الصلوات يصلي في نعله. فطرح نعليه، فطرح الناس لطرحه نعليه، فأنكر ذلك عليهم عليه الصلاة والسلام وقال: إنما خلعتها، لان جبريل أخبرني أن فيها قذرا. فظاهر هذا أنه لو كانت واجبة لما بنى على ما مضى من الصلاة. فمن ذهب في هذه الاثار مذهب ترجيح الظواهر، قال: إما بالوجوب إن رجح ظاهر حديث الوجوب، أو بالندب إن رجح ظاهر حديثي الندب، أعني الحديثين اللذين يقتضيان أن إزالتها من باب الندب المؤكد، ومن ذهب مذهب الجمع، فمنهم من قال: هي فرض مع الذكر والقدرة ساقطة مع النسيان وعدم القدرة. ومنهم من قال: هي فرض مطلقا، وليست من شروط صحة الصلاة، وهي قول رابع في المسألة وهو ضعيف، لان النجاسة إنما تزال في الصلاة وكذلك من فرق بين العبادة المعقولة المعنى، وبين الغير معقولته أعني أنه جعل الغير معقولة آكد في باب الوجوب فرق بين الامر الوارد في الطهارة من الحدث، وبين الامر الوارد في الطهارة من النجس، لان الطهارة من النجس معلوم أن المقصود بها النظافة، وذلك من محاسن الاخلاق. وأما الطهارة من الحدث فغير معقولة المعنى مع ما اقترن من صلاتهم في النعال مع أنها لا تنفعك من أن يوطأ بها النجاسات غالبا، وما أجمعوا عليه من العفو عن اليسير في بعض النجاسات. الباب الثاني في معرفة أنواع النجاسات وأما أنواع النجاسات، فإن العلماء اتفقوا من أعيانها على أربعة: ميتة الحيوان ذي الدم الذي ليس بمائي، وعلى لحم الخنزير بأي سبب اتفق أن تذهب حياته، وعلى الدم
نفسه من الحيوان الذي ليس بملئي انفصل من الحي أو الميت إذا كان مسفوحا، أعني كثيرا، وعلى بول ابن آدم ورجيعه، وأكثرهم على نجاسة الخمر، وفي ذلك خلاف عن
[ 66 ]
بعض المحدثين، واختلفو في غير ذلك، والقواعد من ذلك سبع مسائل: المسألة الاولى: اختلفوا في ميتة الحيوان الذي لا دم له، وفي ميتة الحيوان البحري، فذهب قوم إلى أن ميتة ما لا دم له طاهرة، وكذلك ميتة البحر، وهو مذهب مالك وأصحابه وذهب قوم إلى التسوية بين ميتة ذوات الدم. والتي لا دم لها في النجاسة، واستثنوا من ذلك ميتة البحر، وهو مذهب الشافعي، إلا ما وقع الاتفاق على أنه ليس بميتة مثل دود الخل، وما يتولد في المطعومات، وسوى قوم بين ميتة البر والبحر، واستثنوا ميتة ما لا دم له، وهو مذهب أبي حنيفة. وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: * (حرمت عليكم الميتة) * وذلك أنهم - فيما أحسب - اتفقوا أنه من باب العام أريد به الخاص، واختلفوا أي خاص أريد به، فمنهم من استثنى من ذلك ميتة البحر. وما لا دم له، ومنهم من استثنى من ذلك ميتة البحر فقط، ومنهم من استثنى من ذلك ميتة ما لا دم له فقط. وسبب اختلافهم في هذه المستثنيات: هو سبب اختلافهم في الدليل المخصوص. أما من استثنى من ذلك ما لادم له، فحجته مفهوم الاثر الثابت عنه عليه الصلاة والسلام من أمره بمقل الذباب إذا وقع في الطعام. قالوا: فهذا يدل على طهارة الذباب، وليس لذلك علة إلا أنه غير ذي دم. وأما الشافعي فعذره أن هذا خاص بالذباب لقوله عليه الصلاة والسلام: فإن في إحدى جناحيه داء وفي الاخرى دواء ووهن الشافعي هذا المفهوم من الحديث بأن ظاهر الكتاب يقتضي أن الميتة والدم نوعان من أنواع المحرمات: أحدهما تعمل فيه التذكية، وهي الميتة، وذلك في الحيوان المباح الاكل باتفاق، والدم لا تعمل فيه التذكية، فحكمهما مفترق فكيف يجوز أن يجمع بينهما حتى يقال: إن الدم هو سبب تحريم الميتة؟ وهذا قوي كما ترى، فإنه لو كان الدم هو
السبب في تحريم الميتة، لما كانت ترتفع الحرمية عن الحيوان بالذكاة، وتبقى حرمية الدم الذي لم ينفصل بعد عن المذكاة، وكانت الحلية إنما توجد بعد انفصال الدم عنه، لانه إذا ارتفع السبب ارتفع المسبب الذي يقتضيه ضرورة، لانه إن وجد السبب والمسبب غير موجود، فليس هو سببا، ومثال ذلك أنه إذا ارتفع التحريم عن عصير العنب، وجب ضرورة أن يرتفع الاسكار إن كنا نعتقد أن الاسكار هو سبب التحريم. وأما من استثنى من ذلك ميتة البحر، فإنه ذهب إلى الاثر الثابت في ذلك من حديث جابر وفيه: أنهم أكلوا من الحوت الذي رماه البحر أياما، وتزودوا منه وأنهم أخبروا بذلك رسول الله (ص)، فاستحسن فعلهم وسألهم: هل بقي منه شئ؟ وهو دليل على أنه لم يجوز لهم لمكان ضرورة خروج الزاد عنهم. واحتجوا أيضا بقوله عليه الصلاة والسلام: هو
[ 67 ]
الطهور ماؤه الحل ميتته. وأما أبو حنيفة فرجح عموم الآية على هذا الاثر، إما لان الاية مقطوع بها، والاثر مظنون، وإما لانه رأى أن ذلك رخصة لهم - أعني حديث جابر أو لانه احتمل عنده أن يكون الحوت مات بسبب، وهو رمي البحر به إلى الساحل، لان الميتة هو ما مات من تلقاء نفسه من غير سبب خارج ولاختلافهم في هذا أيضا سبب آخر، وهو احتمال عودة الضمير في قوله تعالى: * (وطعامه متاعا لكم وللسيارة) * أعني أن يعود على البحر، أو على الصيد نفسه، فمن أعاده على البحر، قال طعامه هو الطافي، ومن أعاده على الصيد، قال هو الذي أحل فقط من صيد البحر، مع أن الكوفيين أيضا تمسكوا في ذلك بأثر ورد فيه تحريم الطافي من السمك، وهو عندهم ضعيف. المسألة الثانية: وكما اختلفوا في أنواع الميتات كذلك اختلفوا في أجزاء ما اتفقوا عليه أنه ميتة، وذلك أنهم اتفقوا على أن اللحم من أجزاء الميتة ميتة. واختلفوا في العظام والشعر، فذهب الشافعي إلى أن العظم والشعر ميتة، وذهب أبو حنيفة إلى أنهما ليسا بميتة، وذهب مالك للفرق بين الشعر والعظم فقال: إن العظم ميتة وليس الشعر ميتة.
وسبب اختلافهم: هو اختلافهم فيما ينطلق عليه اسم الحياة من أفعال الاعضاء. فمن رأى أن النمو والتغذي هو من أفعال الحياة قال: إن الشعر والعظام إذا فقدت النمو والتغذي فهي ميتة. ومن رأى أنه لا ينطلق اسم الحياة إلا على الحس قال: إن الشعر والعظام ليست بميتة، لانها لا حس لها. ومن فرق بينهما أوجب للعظام الحس، ولم يوجب للشعر. وفي حس العظام اختلاف، والامر مختلف فيه بين الاطباء. ومما يدل على أن التغذي، والنمو ليسا هما الحياة التي يطلق على عدمها اسم الميتة أن الجميع قد اتفقوا على أن ما قطع من البهيمة وهي حية أنه ميتة لورود ذلك في الحديث وهو قوله عليه الصلاة والسلام: ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة. واتفقوا على أن الشعر إذا قطع من الحي أنه طاهر، ولو انطلق اسم الميتة على من فقد التغذي، والنمو لقيل في النبات المقلوع إنه ميتة، وذلك أن النبات فيه التغذي الموت هو التغذي الموجود في الحساس. المسألة الثالثة: اختلفوا في الانتفاع بجلود الميتة، فذهب قوم إلى الانتفاع بجلودها مطلقا. دبغت أو لم تدبغ، وذهب قوم إلى خلاف هذا، وهو ألا ينتفع به أصلا، وإن دبغت وذهب قوم إلى الفرق بين أن تدبغ، وألا تدبغ، ورأوا أن الدباغ مطهر لها، وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: مثل قول الشافعي. والثانية: أن الدباغ لا يطهرها. ولكن تستعمل في اليابسات.
[ 68 ]
والذين ذهبوا إلى أن الدباغ مطهر اتفقوا على أنه مطهر لما تعمل فيه الذكاة من الحيوان: أعني المباح الاكل، واختلفوا فيما لا تعمل فيه الذكاة، فذهب الشافعي إلى أنه مطهر لما تعمل فيه الذكاة فقط وأنه بدل منها في إفادة الطهارة، وذهب أبو حنيفة إلى تأثير الدباغ في جميع ميتات الحيوان ما عدا الخنزير وقال داود تطهر حتى جلد الخنزير. وسبب اختلافهم: تعارض الاثار في ذلك، وذلك أنه ورد في حديث ميمونة إباحة الانتفاع بها مطلقا، وذلك أن فيه أنه مر بميتة، فقال عليه الصلاة والسلام:
هلا انتفعتم بجلدها؟ وفي حديث ابن عكيم منع الانتفاع بها مطلقا وذلك أن فيه: أن رسول الله (ص) كتب ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب، ولا عصب قال: وذلك قبل موته بعام. بعد الدباغ، والمنع قبل الدباغ. والثابت في هذا الباب هو حديث ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا دبغ الاها ب فقد طهر. فلمكان اختلاف هذه الاثار اختلف الناس في تأويلها، فذهب قوم مذهب الجمع على حديث ابن عباس، أعني أنهم فرقوا في الانتفاع بها بين المدبوغ وغير المدبوغ. وذهب قوم مذهب النسخ، فأخذوا بحديث ابن عكيم لقوله فيه: قبل موته بعام. وذهب قوم مذهب الترجيح لحديث ميمونة، ورأوا أنه يتضمن زيادة على ما في حديث ابن عباس، وأن تحريم الانتفاع ليس يخرج من حديث ابن عباس قبل الدباغ، لان الانتفاع غير الطهارة، أعني كل طاهر ينتفع به، وليس يلزم عكس هذا المعنى: أعني أن كل ما ينتفع به هو طاهر. المسألة الرابعة: اتفق العلماء على ان دم الحيوان البري نجس، واختلفوا في دم السمك وكذلك اختلفوا في الدم القليل من دم الحيوان غير البحري، فقال قوم: دم السمك طاهر، وهو أحد قولي مالك، ومذهب الشافعي وقال قوم: هو نجس على أصل الدماء، وهو قول مالك في المدونة وكذلك قال قوم: إن قليل الدماء معفو عنه. وقال قوم: بل القليل منها والكثير حكمه واحد، والاول عليه الجمهور. والسبب في اختلافهم: في دم السمك هو اختلافهم في ميتته، فمن جعل ميتته داخلة تحت عموم التحريم، جعل دمه كذلك، ومن أخرج ميتته، أخرج دمه قياسا على الميتة. وفي ذلك أثر ضعيف، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: أحلت لنا ميتتان، ودمان: الجراد، والحوت، والكبد والطحال. وأما اختلافهم في كثير الدم وقليله، فسببه اختلافهم في القضاء بالمقيد على المطلق، أو بالمطلق على المقيد، وذلك أنه ورد تحريم الدم مطلقا في قوله تعالى: * (حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) * وورد مقيدا في قوله تعالى: * (قل لا أجد فيما أوحي إلي
[ 69 ]
محرما) * إلى قوله: * (أو دما مسفوحا أو لحم خنزير) *. فمن قضى بالمقيد على المطلق، وهم الجمهور قال: المسفوح هو النجس المحرم فقط، ومن قضى بالمطلق على المقيد، لان فيه زيادة قال: المسفوح وهو الكثير وغير المسفوح، وهو القليل كل ذلك حرام، وأيد هذا بأن كل ما هو نجس لعينه، فلا يتبعض. المسألة الخامسة: اتفق العلماء على نجاسة بول ابن آدم، ورجيعه إلا بول الصبي الرضيع واختلفوا فيما سواه من الحيوان، فذهب الشافعي وأبو حنيفة إلى أنها كلها نجسة وذهب قوم إلى طهارتها بإطلاق، أعني فضلتي سائر الحيوان البول والرجيع وقال قوم: أبوالها، وأرواثها تابعة للحومها، فما كان منها لحومها محرمة فأبوالها وأرواثها نجسة محرمة، وما كان منها لحومها مأكولة فأبوالها وأرواثها طاهرة ما عدا التي تأكل النجاسة، وما كان منها مكروها، فأبوالها وأرواثها مكروهة، وبهذا قال مالك كما قال أبو حنيفة بذلك في الاسآر. وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما: اختلافهم في مفهوم الاباحة الواردة في الصلاة في مرابض الغنم، وإباحته عليه الصلاة والسلام للعرنيين شرب أبوال الابل وألبانها وفي مفهوم النهي عن الصلاة في أعطان الابل. والسبب الثاني: اختلافهم في قياس سائر الحيوان في ذلك على الانسان فمن قاس سائر الحيوان على الانسان، ورأى أنه من باب قياس الاولى والاخرى، ولم يفهم من إباحة الصلاة في مرابض الغنم طهارة أرواثها وأبوالها، جعل ذلك عبادة، ومن فهم من للعرنيين أبوال الابل لمكان المداواة على أصله في إجازة ذلك قال: كل رجيع وبول فهو نجس، ومن فهم من حديث إباحة الصلاة في مرابض الغنم طهارة أرواثها، وأبوالها وكذلك من حديث العرنيين، وجعل النهي عن الصلاة في أعطان الابل عبادة، أو لمعنى غير معنى النجاسة، وكان الفرق عنده بين الانسان وبهيمة الانعام أن فضلتي الانسان مستقذرة بالطبع، وفضلتي بهيمة الانعام ليست كذلك، جعل الفضلات تابعة للحوم. والله أعلم. ومن قاس على بهيمة الانعام غيرها جعل الفضلات كلها ما عدا فضلتي الانسان غير
نجسة، ولا محرمة، والمسألة محتملة. ولولا أنه لا يجوز إحداث قول لم يتقدم إليه أحد في المشهور - وإن كانت مسألة فيها خلاف - لقيل إن ما ينتن منها، ويستقذر بخلاف ما لا ينتن، ولا يستقذر، وبخاصة ما كان منها رائحته حسنة لاتفاقهم على إباحة العنبر، وهو عند أكثر الناس فضلة من فضلات حيوان البحر، وكذلك المسك، وهو فضلة دم الحيوان الذي يوجد المسك فيه فيما يذكر. المسألة السادسة: اختلف الناس في قليل النجاسات على ثلاثة أقوال: فقوم رأوا قليلها وكثيرها سواء، وممن قال بهذا القول الشافعي. وقوم رأوا أن قليل النجاسات معفو
[ 70 ]
عنه، وحددوه بقدر الدرهم البغلي، وممن قال بهذا القول أبو حنيفة وشذ محمد بن الحسن فقال: إن كانت النجاسة ربع الثوب فما دونه، جازت به الصلاة. وقال فريق ثالث: قليل النجاسات وكثيرها سواء إلا الدم على ما تقدم، وهو مذهب مالك وعنه في دم الحيض روايتان، والاشهر مساواته لسائر الدماء. وسبب اختلافهم: اختلافهم في قياس النجاسة على الرخصة الواردة في الاستجمار، للعلم بأن النجاسة هناك باقية، فمن أجاز القياس على ذلك استجاز قليل النجاسة، ولذلك حدده بالدرهم قياسا على قدر المخرج، ومن رأى أن تلك رخصة، والرخص لا يقاس عليها منع ذلك. وأما سبب استثناء مالك من ذلك الدماء فقد تقدم. وتفصيل مذهب أبي حنيفة أن النجاسات عنده تنقسم إلى مغلظة، ومخففة، وأن المغلظة هي التي يعفى منها عن قدر الدرهم، والمخففة هي التي يعفى منها عن ربع الثوب والمخففة عندهم (هي) مثل أرواث الدواب، وما لا تنفك منه الطرق غالبا. وتقسيمهم إياها إلى مغلظة، ومخففة حسن جدا المسألة السابعة: اختلفوا في المني هل هو نجس أم لا؟، فذهبت طائفة منهم مالك وأبو حنيفة إلى أنه نجس وذهبت طائفة إلى أنه طاهر، وبهذا قال الشافعي وأحمد وداود. وسبب اختلافهم فيه شيئان: أحدهما: اضطراب الرواية في حديث عائشة وذلك أن في بعضها: كنت
أغسل ثوب رسول الله (ص) من المني فيخرج إلى الصلاة، وإن فيه لبقع الماء وفي بعضها: كنت أفركه من ثوب رسول الله (ص) وفي بعضها فيصلي فيه خرج هذه الزيادة مسلم. والسبب الثاني: تردد المني بين أن يشبه بالاحداث الخارجة من البدن، وبين أن يشبه بخروج الفضلات الطاهرة كاللبن وغيره، فمن جمع الاحاديث كلها بأن حمل الغسل على باب النظافة، واستدل من الفرك على الطهارة على أصله في أن الفرك لا يطهر نجاسة، وقاسه على اللبن وغيره من الفضلات الشريفة، لم يره نجسا، ومن رجح حديث الغسل على الفرك، وفهم منه النجاسة، وكان بالاحداث عنده أشبه منه مما ليس بحدث قال: إنه نجس، وكذلك أيضا من اعتقد أن النجاسة تزول بالفرك، قال: الفرك يدل على نجاسه، كما يدل الغسل، وهو مذهب أبي حنيفة. وعلى هذا، فلا حجة لاولئك في قولها: فيصلي فيه، بل فيه حجة لابي حنيفة في أن النجاسة تزال بغير الماء، وهو خلاف قول المالكية. الباب الثالث: في معرفة المحال التي يجب إزالتها عنها وأما المحال التي تزال عنها النجاسات فثلاثة، ولا خلاف في ذلك: أحدها: الابدان، ثم الثياب، ثم المساجد، ومواضع الصلاة، وإنما اتفق العلماء على هذه الثلاثة لانها منطوق بها في الكتاب والسنة. أما الثياب ففي قوله تعالى وثيابك فطهر على مذهب من حملها
[ 71 ]
على الحقيقة، وفي الثابت من أمره عليه الصلاة والسلام بغسل الثوب من دم الحيض وصبه الماء على بول الصبي الذي بال عليه وأما المساجد، فلامره عليه الصلاة والسلام بصب ذنوب من ماء على بول الاعرابي الذي بال في المسجد وكذلك ثبت عنه عليه الصلاة والسلام: أنه أمر بغسل المذي من البدن وغسل النجاسات من المخرجين. واختلف الفقهاء: هل يغسل الذكر كله من المذي أم لا؟ لقوله عليه الصلاة والسلام في حديث علي المشهور، وقد سئل عن المذي، فقال: يغسل ذكره، ويتوضأ. وسبب الخلاف فيه: هل هو الواجب هو الاخذ بأوائل الاسماء، أبأواخرها؟ فمن رأى أنه بأواخرها: أعني بأكثر ما
ينطلق عليه الاسم، قال: بغسل الذكر كله، ومن رأى الاخذ بأقل ما ينطلق عليه، قال: إنما يغسل موضع الاذى فقط. قياسا على البول، والمذي. الباب الرابع في الشئ الذي تزال به وأما الشيئ الذي به تزال، فإن المسلمين اتفقوا على أن الماء الطاهر المطهر يزيلها من هذه الثلاثة المحال، واتفقوا أيضا على أن الحجارة تزيلها من المخرجين، واختلفوا فيما سوى ذلك من المائعات والجامدات التي تزيلها فذهب قوم إلى أن ما كان طاهرا يزيل عين النجاسة مائعا كان، أو جامدا في أي موضع كانت، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه وقال قوم: لا تزال النجاسة بما سوى الماء إلا في الاستجمار فقط المتفق عليه، وبه قال مالك والشافعي واختلفوا أيضا في إزالتها في الاستجمار بالعظم والروث فمنع ذلك قوم، أجازه بغير ذلك مما ينقي واستثنى مالك من ذلك ما هو مطعوم ذو حرمة كالخبز وقد قيل ذلك فيما في استعماله سرف كالذهب والياقوت. وقوم قصروا الانقاء على الاحجار فقط، وهو مذهب أهل الظاهر وقوم أجازوا الاستنجاء بالعظم دون الروث، وإن كان مكروها عندهم. وشذ الطبري، فأجاز الاستجمار بكل طاهر، ونجس. وسبب اختلافهم: في إزالة النجاسة بما عدا الماء فيما عدا المخرجين هو هل المقصود بإزالة النجاسة بالماء هو إتلاف عينها فقط، فيستوي في ذلك مع الماء كل ما يتلف عينها؟ أم للماء في ذلك مزيد خصوص ليس بغير الماء؟ فمن لم يظهر عنده للماء مزيد خصوص، قال بإزالتها بسائر المائعات والجامدا ت الطاهرة، وأيد هذا المفهوم بالاتفاق على إزالتها من المخرجين بغير الماء، وبما ورد من حديث أم سلمة أنها قالت: إني امرأة أطيل ذيلي، وأمشي في المكان القذر، فقال لها رسول الله (ص): يطهره ما بعده. وكذلك بالاثار التي خرجها أبو داود في هذا مثل قوله عليه الصلاة والسلام: إذا وطئ أحدكم الاذى بنعليه، فإن التراب له طهور إلى غير ذلك مما روي في هذا المعنى. ومن رأى أن الماء في ذلك مزيد خصوص منع ذلك إلا في موضع الرخصة فقط، وهو المخرجان. ولما طالبت الحنفية الشافعية بذلك
الخصوص المزيد الذي للماء لجأوا في ذلك إلى أنها عبادة، إذ لم يقدروا أن يعطوا في
[ 72 ]
ذلك سببا معقولا، حتى أنهم سلموا أن الماء، لا يزيل النجاسة بمعنى معقول، وإنما إزالته بمعنى شرعي حكمي، وطال الخطب، والبينهم: هل إزالة النجاسة بالماء عبادة، أو معنى معقول خلفا عن سلف؟ واضطرت الشافعية إلى أن تثبت أن في الماء قوة شرعية في رفع أحكام النجاسات، ليست في غيره، وإن استوى مع سائر الاشياء في إزالة العين، وأن المقصود إنما هو إزالة ذلك الحكم الذي اختص به الماء، لاذهاب عين النجاسة، بل قد يذهب العين ويبقى الحكم، فباعدوا المقصد، وقد كانوا اتفقوا قبل مع الحنفيين أن طهارة النجاسة، ليست طهارة حكمية أعني شرعية، ولذلك لم تحتج إلى نية، ولو راموا الانفصال عنهم بأنا نرى أن للماء قوة إحالة للانجاس والادناس، وقلعها من الثياب، والابدان ليست لغيره، ولذلك اعتمده الناس في تنظيف الابدان والثياب، لكان قولا جيدا، وغيره بعيد بل لعله واجب أن يعتقد أن الشرع إنما اعتمد في كل موضع غسل النجاسة بالماء لهذه الخاصية التي في الماء، ولو كانوا قالوا هذا لكانوا قد قالوا في ذلك قولا هو أدخل في المذهب الفقه الجاري على المعاني، وإنما يلجأ الفقيه إلى أن يقول عبادة إذا ضاق عليه المسلك مع الخصم، فتأمل ذلك، فإنه بين من أمرهم في أكثر المواضع. وأما اختلافهم في الروث فسببه اختلافهم في المفهوم من النهي الوارد في ذلك عنه عليه الصلاة والسلام، أعني أمره عليه الصلاة والسلام: أن لا يستنجى بعظم، ولا روث فمن دل عنده النهي على الفساد، لم يجز ذلك، ومن لم ير ذلك إذ كانت النجاسة معنى معقولا، حمل ذلك على الكراهية، ولم يعده إلى إبطال الاستنجاء بذلك، ومن فرق بين العظام، والروث فلان الروث نجس عنده. الباب الخامس: في صفخة إزالتها وأما الصفة التي تزول فاتفق العلماء على أنها غسل ومسح ونضح لورود ذلك في الشرع وثبوته في الآثار، واتفقوا على أت الغسل عام لجميع أنواع النجاسات ولجميع محال
النجاسات، وأن المسح بالاحجار يجوز في المخرجين ويجوز في الخفين وفي النعلين من العشب اليابس، وكذلك ذيل المرأة الطويل اتفقوا على أن طهارته هي على ظاهر حديث أم سلمة من العشب اليابس وكذلك ذيل المرأة الطويل اتفقوا على أن طهارته هي على ظاهر حديث أم سلمة من العشب اليابس، واختلفوا من ذلك في ثلاثة مواضع هي أصول هذا الباب: أحدها: في النضح لاي نجاسة هو. والثاني: في المسح لاي محل هو، ولاي نجاسة هو، بعد أن اتفقوا على ما ذكرناه. والثالث: اشتراط العدد في الغسل والمسح. أما النضح، فإن قوما قالوا: هذا خاص بإزالة بول الطفل الذي لم يأكل الطعام وقوم فرقوا بين بول الذكر في ذلك والانثى، فقالوا: ينضح بول الذكر ويغسل بول الانثى وقوم قالوا: الغسل طهارة ما يتيقن بنجاسته، والنضح طهارة ما شك فيه، وهو مذهب مالك بن أنس رضي الله عنه. وسبب اختلافهم: تعارض ظواهر الاحاديث في ذلك أعني اختلافهم في مفهومها وذلك أن هاهنا حديثين ثابتين في النضح: أحدهما: حديث عائشة: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤتى بالصبيان فيبرك عليهم ويحنكهم، فأتي بصبي، فبال عليه، فدعا بماء، فأتبعه بوله، ولم يغسله
[ 73 ]
وفي بعض رواياته: فنضحه ولم يغسله خرجه البخاري، والاخر حديث أنس المشهور حين وصف صلاة رسول الله (ص) في بيته قال: فقمت إلى حصير لنا قدأسود من طول ما لبث، فنصحته بالماء. فمن الناس من صار إلى العمل بمقتضى حديث عائشة، وقال: هذا خاص ببول الصبي، واستثناه من سائر البول. ومن الناس من رجح الاثار الواردة في الغسل على هذا الحديث، وهو مذهب مالك، ولم ير النضح إلا الذي في حديث أنس، وهو الثوب المشكوك فيه على ظاهر مفهومه. وأما الذي فرق في ذلك بين بول الذكر والانثى، فإنه اعتمد على ما رواه أبو داود عن أبي السمح من قوله عليه الصلاة والسلام: يغسل بول الجارية ويرش بول الصبي وأما من لم يفرق، فإنما اعتمد قياس الانثى على الذكر الذي ورد فيه الحديث الثابت. وأما المسح فإن قوما أجازوه في أي محل كانت النجاسة إذا ذهب عينها على مذهب أبي حنيفة وكذلك الفرك على قياس من يرى أن كل ما أزال
العين، فقد طهر، وقوم لم يجيزوه إلا في المتفق عليه، وهو المخرج، وفي ذيل المرأة، وفي الخف، وذلك من العشب اليابس، لا من الاذى غير اليابس، وهو مذهب مالك وهؤلاء لم يعدوا المسح إلى غير المواضع التي جاءت في الشرع، وأما الفريق الاخر، فإنهم عدوه. والسبب في اختلافهم في ذلك: هل ما ورد من ذلك رخصة، أو حكم؟ فمن قال: رخصة لم يعدها إلى غيرها: أعني لم يقس عليها، ومن قال: هو حكم من أحكام إزالة النجاسة كحكم الغسل، عداه. فإن قوما اشترطوا الانقاء فقط في الغسل والمسح، وقوم اشترطوا العدد في الاستجمار، وفي الغسل، والذين اشترطوه في الغسل منهم من اقتصر على المحل الذي ورد فيه العدد في الغسل بطريق السمع، ومنهم معداه إلى سائر النجاسات، أما من لم يشترط العدد لا في غسل، ولا في مسح، فمنهم مالك، وأبو حنيفة. وأما من اشترط في الاستجمار العدد: أعني ثلاثة أحجار، لا أقل من ذلك، فمنهم الشافعي، وأهل الظاهر وأما من اشترط العدد في الغسل، واقتصر به على محله الذي ورد فيه، وهو غسل الاناء سبعا من ولوغ الكلب، فالشافعي، ومن قال بقوله. وأما من عداه، واشترط السبع في غسل النجاسات، ففي أغلب ظني أن أحمد بن حنبل منهم. وأبو حنيفة يشترط الثلاثة في إزالة النجاسة الغير محسوسة العين أعني الحكمية. وسبب اختلافهم في هذا: تعارض المفهوم من هذه العبادة لظاهر اللفظ في الاحاديث التي ذكر فيها العدد، وذلك أن من كان المفهوم عنده من الامر بإزالة النجاسة إزالة عينها، لم يشترط العدد أصلا، وجعل العدد الوارد من ذلك في الاستجمار في حديث سلمان الثابت الذي فيه الامر أن لا يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار على سبيل الاستحباب، حتى يجمع بين المفهوم من الشرع، والمسموع من هذه الاحاديث، وجعل العدد المشترط في غسل الاناء من ولوغ الكلب عبادة، لا لنجاسة كما تقدم من مذهب مالك. وأما من صار إلى ظواهر هذه الاثار، واستثناها من المفهوم، فاقتصر
[ 74 ]
بالعدد على هذه المحال التي ورد العدد فيها. وأما من رجح الظاهر على المفهوم، فإنه عدى
ذلك إلى سائر النجاسات. وأما حجة أبي حنيفة في الثلاثة، فقوله عليه الصلاة والسلام: إذا استيقظ أحدكم من نومه، فليغسل يده ثلاث قبل أن يدخلها في إنائه الباب السادس في آداب الاستنجاء وأما آداب الاستنجاء ودخول الخلاء، فأكثرها محمولة عند الفقهاء على الندب، وهي معلومة من السنة، كالبعد في المذهب إذا أراد الحاجة، وترك الكلام عليها، والنهي عن الاستنجاء باليمين، وألا يمس ذكره بيمينه، وغير ذلك مما ورد في الاثار، وإنما اختلفوا من ذلك في مسألة واحدة مشهورة، وهي استقبال القبلة للغائط والبول، واستدبارها، فإن للعلماء فيها ثلاثة أقوال: إنه لا يجوز أن تستقبل القبلة لغائط، ولا بول أصلا، ولا في موضع من المواضع وقول: إن ذلك يجوز بإطلاق. وقول إنه يجوز في المباني، والمدن، ولا يجوز ذلك في الصحراء، وفي غير المباني والمدن. والسبب في اختلافهم هذا: حديثان متعارضان ثابتان: أحدهما: حديث أبي أيوب الانصاري أنه قال عليه الصلاة والسلام: إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة، ولا تستدبروها، ولكن شرقوا، أو غربوا. الحديث الثاني حديث عبد الله بن عمر أنه قال ارتقيت على ظهر بيت أختي حفصة، فرأيت رسول الله (ص) قاعدا لبيتين لحاجته على لبنتين مستقبل الشام مستدبر القبلة. فذهب الناس في هذين الحديثين ثلاثة مذاهب. أحدها: مذهب الجمع. والثاني: مذهب الترجيح. والثالث: مذهب الرجوع إلى البراءة الاصلية إذا وقع التعارض، وأعني بالبراءة الاصلية عدم الحكم. فمن ذهب مذهب الجمع حمل حديث أبي أيوب الانصاري على الصحارى، وحيث لا سترة، وحمل حديث ابن عمر على السترة، وهو مذهب مالك. ومن ذهب مذهب الترجيح، رجح حديث أبي أيوب، لانه إذا تعارض حديثان: أحدهما فيه شرع موضوع، والاخر موافق للاصل الذي هو عدم الحكم، ولم يعلم المتقدم منهما من المتأخر، وجب أن يصار إلى الحديث المثبت للشرع لانه وقد وجب العمل بنقله من طريق العدول، وتركه الذي ورد أيضا من طريق العدول، يمكن أن يكون ذلك قبل شرع ذلك الحكم، ويمكن أن يكون بعده، فلم يجز أن نترك شرعا وجب
العمل به بظن من لم نؤمر أن نوجب النسخ به، إلا لو نقل أنه كان بعده فإن الظنون التي تستند إليها الاحكام محدودة بالشرع: أعني التي توجب رفعها، أو إيجابها، وليست هي أي ظن اتفق، ولذلك يقولون إن العمل ما لم يجب بالظن، وإنما وجب بالاصل المقطوع به، يريدون بذلك الشرع المقطوع به الذي أوجب العمل بذلك النوع من الظن، وهذه الطريقة التي قلنا ها هي طريقة أبي محمد بن حزم الاندلسي، وهي طريقة جيدة مبنية على أصول أهل الكلام الفقهي، وهو راجع إلى أنه لا يرفع بالشك ما ثبت بالدليل الشرعي. وأما من ذهب مذهب الرجوع إلى الاصل عند التعارض، فهو مبني على أن الشك يسقط الحكم،
[ 75 ]
ويرفعه، وأنه كلا حكم، وهو مذهب داود الظاهري، ولكن خالفه أبو محمد بن حزم في هذا الاصل، مع أنه من أصحابه. قال القاضي: فهذا هو الذي رأينا أن نثبته في هذا الكتاب من المسائل التي ظننا أنها تجري مجرى الاصول، وهي التي نطق بها في الشرع أكثر ذلك، أعني أن أكثرها يتعلق بالمنطوق به، إما تعلقا قريبا، أو قريبا من القريب، وإن تذكرنا لشئ من هذا الجنس أثبتناه في هذا الباب، وأكثر ما عولت فيما نقلته من نسبة هذه المذاهب إلى أربابها هو كتاب الاستذكار. وأنا قد أبحت لمن وقع من ذلك على وهم لي أن يصلحه. والله المعين والموفق.
[ 76 ]
كتاب الصلاة (بسم الله الرحمن الرحيم) وصلى الله على سيدنا محمد واله وصحبه وسلم تسليما. الصلاة تنقسم أولا وبالجملة إلى فرض، وندب: والقول المحيط بأصول هذه العبادة ينحصر بالجملة في أربعة أجناس: أعني أر بجمل: الجملة الاولى: في معرفة الوجوب وما يتعلق به. والجملة الثانية: في معرفة شروطها الثلاث: أعني شروط الوجوب وشروط الصحة
وشروط التمام والكمال. والجملة الثالثة: في معرفة ما تشتمل عليه من أفعال وأقوال، وهي الاركان. والجملة الرابعة: في قضائها، ومعرفة إصلاح ما يقع فيها من الخلل، وجبره، لانه قضاء ما إذا كان استدراكا لما فات. الجملة الاولى وهذه الجملة فيها أربع مسائل، هي في معنى أصول هذا الباب: المسألة الاولى: في بيان وجوبها. الثانية: في بيان عدد الواجبات منها. الثالثة: في بيان على من تجب. الرابعة: ما الواجب على من تركها متعمدا؟ المسألة الاولى: أما وجوبها، فبين من الكتاب والسنة والاجماع، وشهرة ذلك تغني عن تكلف القول فيه. المسألة الثانية: وأما عدد الواجب منها ففيه قولان: أحدهما قول مالك والشافعي والاكثر، وهو أن الواجب هي الخمس صلوات فقط لا غير. والثاني: قول أبي حنيفة وأصحابه، وهو أن الوتر واجب مع الخمس واختلافهم هل يسمى ما ثبت بالسنة واجبا، أو فرضا لا معنى له. وسبب اختلافهم الاحاديث المتعارضة. أما الاحاديث التي مفهومها وجوب الخمس فقط، بل هي نص في ذلك فمشهورة، وثابتة، ومن أبينها في ذلك ما ورد في حديث الاسراء المشهور: أنه لما بلغ الفرض إلى خمس. قال له موسى: ارجع إلى ربك. فإن أمتك لا تطيق ذلك، قال: فراجعته فقال تعالى: هي خمس، وهي خمسون لا يبدل القول لدي وحديث الاعرابي المشهور الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الاسلام، فقال له: خمس صلوات في اليوم والليلة قال: هل علي غيرها؟ قال: لا، إلا أن تطوع. وأما الاحاديث التي مفهومها وجوب الوتر، فمنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن
[ 77 ]
رسول الله (ص) قال: إن الله قد زادكم صلاة، وهي الوتر فحافظوا عليها وحديث حارثة بن حذافة قال: خرج علينا رسول الله (ص)، فقال: إن الله أمركم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، وهي الوتر، وجعلها لكم فيما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وحديث بريدة
الاسلمي أن رسول الله (ص) قال: الوتر حق، فمن لم يؤثر فليس منا فمن رأى أن الزيادة هي نسخ ولم تقو عنده هذه الاحاديث قوة تبلغ بها أن تكون ناسخة لتلك الاحاديث الثابتة المشهورة رجح تلك الاحاديث، وأيضا فإنه ثبت من قوله تعالى في حديث الاسراء إنه لا يبدل القول لدي وظاهره أنه لا يزاد فيها ولا ينقص منها وإن كان هو في النقصان أظهر، والخبر ليس يدخله النسخ. ومن بلغت عنده قوة هذه الاخبار التي اقتضت الزيادة على الخمس إلى رتبة توجب العمل، أوجب المصير إلى هذه الزيادة، لا سيما إن كان ممن يرى أن الزيادة لا توجب نسخا، لكن ليس هذا من رأي أبي حنيفة. المسألة الثالثة: وأما على من تجب، فعلى المسلم البالغ، ولا خلاف في ذلك. المسألة الرابعة: وأما ما الواجب على من تركها عمدا، وأمر بها فأبى أن يصليها، لا جحودا لفرضها، فإن قوما قالوا: يقتل، وقوما قالوا: يعزر، ويحبس، والذين قالوا: يقتل منهم من أوجب قتله كفرا وهو مذهب أحمد وإسحاق وابن المبارك، ومنهم من أوجبه حدا وهو مالك والشافعي، وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الظاهر ممن رأى حبسه وتعزيره حتى يصلي. والسبب في هذا الاختلاف: اختلاف الاثار. وذلك أنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس. وروي عنه عليه الصلاة والسلام من حديث بريدة أنه قال: العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها، فقد كفر وحديث جابر عن النبي (ص) أنه قال: ليس بين العبد، وبين الكفر أو قال الشرك إلا ترك الصلاة. فمن فهم من الكفر هاهنا الكفر الحقيقي جعل هذا الحديث كأنه تفسير لقوله عليه الصلاة والسلام كفر بعد إيمان ومن فهم هاهنا التغليظ والتوبيخ أي أن أفعاله أفعال كافر، وأنه في صورة كافر، كما قال: لا يزني الزاني حين يزني، وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن لم ير قتله كفرا. وأما من قال: يقتل حدا، فضعيف ولا مستند له، إلا قياس شبه ضعيف إن أمكن، وهو تشبيه الصلاة بالقتل في كون الصلاة رأس المأمورات، والقتل رأس المنهيات. وعلى الجملة،
فاسم الكفر إنما يطلق بالحقيقة على التكذيب، وتار ك الصلاة معلوم أنه ليس بمكذب إلا أن يتركها معتقدا لتركها هكذا، فنحن إذن بين أحد أمرين: إما إن أردنا أن نفهم من الحديث الكفر الحقيقي، فيجب علينا أن نتأول أنه أراد عليه الصلاة والسلام من ترك الصلاة معتقدا لتركها، فقد كفر. وإما أن يحمل على أن اسم الكفر على غير موضوعه الاول، وذلك على أحد معنيين: إما على أن حكمه حكم الكافر: أعني في القتل، وسائر أحكام الكفار، وإن
[ 78 ]
لم يكن مكذبا وإما على أن أفعاله أفعال كافر على جهة التغليظ، والردع له أي أن فاعل هذا يشبه الكافر في الافعال، إذ كان الكافر لا يصلي كما قال عليه الصلاة والسلام: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وحمله على أن حكمه حكم الكافر في أحكامه، لا يجب المصير إليه إلا بدليل، لانه حكم لم يثبت بعد في الشرع من طريق يجب المصير إليه، فقد يجب إذا لم يدل عندنا على الكفر الحقيقي الذي هو التكذيب أن يدل على المعنى المجازي، لا على معنى يوجب حكما لم يثبت بعد في الشرع، بل يثبت ضده، الذين نص عليهم الشرع، فتأمل هذا، فإنه بين والله أعلم: أعني أنه يجب علينا أحد أمرين: إما أن نقدر في الكلام محذوفا إن أردنا حمله على المعنى الشرعي المفهوم من اسم الكفر، وإما أن نحمله على المعنى المستعار، وأما حمله على أن حكمه حكم الكافر في جميع أحكامه مع أنه مؤمن، فشئ مفارق للاصول، مع أن الحديث نص في حق من يجب قتله كفرا، أو حدا، ولذلك صار هذا القول مضاهيا لقول من يكفر بالذنوب. الجملة الثانية: في الشروط وهذه الجملة فيها ثمانية أبواب: الباب الاول: في معرفة الاوقات. الثاني: في معرفة الاذان والاقامة. الثالث: في معرفة القبلة. الرابع: في ستر العورة واللباس في الصلاة. الخامس: في اشتراط الطهارة من النجس في الصلاة. السادس: في تعيين المواضع التي يصلى فيها من المواضع التي لا يصلى فيها. السابع: في معرفة الشروط التي هي شروط في صحة الصلاة. الثامن: في معرفة النية وكيفية
اشتراطها في الصلاة. الباب الاول: في معرفة الاوقات وهذا الباب ينقسم أولا إلى فصلين: الاول: في معرفة الاوقات المأمور بها. الثاني: في معرفة الاوقات المنهي عنها. الفصل الاول: في معرفة الاوقات المأمور بها وهذا الفصل ينقسم إلى قسمين أيضا: القسم الاول: في الاوقات الموسعة والمختارة. والثاني: في أوقات أهل الضرورة. القسم الاول من الفصل الاول من الباب الاول من الجملة الثانية: والاصل في هذا الباب قوله تعالى: * (إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) *. اتفق المسلمون على أن للصلوات الخمس أوقاتا خمسا، هي شرط في صحة
[ 79 ]
الصلاة، وأن منها أوقات فضيلة، وأوقا ت توسعة، واختلفوا في حدود أوقات التوسعة، والفضيلة وفيه خمس مسائل: المسألة الاولى: اتفقوا على أن أول وقت الظهر الذي لا تجوز قبله هو الزوال، إلا خلافا شاذا روي عن ابن عباس، وإلا ما روي من الخلاف في صلاة الجمعة على ما سيأتي. واختلفوا منها في موضعين: في آخر وقتها الموسع، وفي وقتها المرغب فيه، فأما آخر وقتها الموسع، فقال مالك والشافعي وأبو ثور وداود، هو أن يكون ظل كل شئ مثله. وقال أبو حنيفة: آخر الوقت أن يكون ظل كل شئ مثليه في إحدى الروايتين عنه، وهو عنده أول وقت العصر، وقد روي عنه أن آخر وقت الظهر هو المثل، وأول وقت العصر المثلان، وأن ما بين المثل، والمثلين ليس يصلح لصلاة الظهر، وبه قال صاحباه: أبو يوسف ومحمد. وسبب الخلاف في ذلك: اختلاف الاحاديث، وذلك أنه ورد في إمامة جبريل: أنه صلى بالنبي (ص) الظهر في اليوم الاول حين زالت الشمس، وفي اليوم الثاني حين كان ظل
كل شئ مثله، ثم قال: الوقت ما بين هذين وروي عنه (ص): إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الامم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس. أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا حتى إذا انتصف النهار، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتي أهل الانجيل، فعملوا إلى صلاة العصر، ثم عجزوا، فأعطوا قيراطا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: أي ربنا أعطيت ونحن كنا أكثر عملا؟ قال الله تعالى: هل ظلمتكم من أجركم من شئ؟ قالوا لا. قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء. فذهب مالك والشافعي إلى حديث إمامة جبريل، وذهب أبو حنيفة إلى مفهوم ظاهر هذا. وهو أنه إذا كان من العصر إلى الغروب أقصر من أول الظهر إلى العصر على مفهوم هذا الحديث، فواجب أن يكون أول العصر أكثر من قامة، وأن يكون هذا، هو آخر وقت الظهر. قال أبو محمد بن حزم: وليس كما ظنوا، وقد امتحنت الامر، فوجدت القامة تنتهي من النهار إلى تسع ساعات وكسر. قال القاضي: أنا الشا ك في الكسر. وأظنه قال: وثلث. وحجة من قال باتصال الوقتين: أعني اتصالا، لا بفصل غير منقسم قوله عليه الصلاة والسلام: لا يخرج وقت صلاة حتى يدخل وقت أخرى وهو حديث ثابت. وأما وقتها المرغب فيه، والمختار، فذهب مالك إلى أنه للمنفرد أول الوقت ويستحب تأخيرها عن أول الوقت قليلا في مساجد الجماعات وقال الشافعي: أول الوقت أفضل إلا في شدة الحر وروي مثل ذلك عن مالك. وقالت طائفة: أول الوقت أفضل بإطلاق للمنفرد والجماعة وفي الحر والبرد. وإنما اختلفوا في ذلك لاختلاف الاحاديث، وذلك أن في ذلك حديثين ثابتين: أحدهما: قوله عليه الصلاة والسلام: إذا اشتد الحر، فأبردوا عن الصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم والثاني:
[ 80 ]
أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي الظهر بالهاجرة وفي حديث خباب أنهم شكوا حر الرمضاء، فلم يشكهم، خرجه مسلم، قال زهير راوي الحديث قلت لابي إسحاق -
شيخه - أفي الظهر؟ قال: نعم، قلت: أفي تعجيلها؟ قال نعم. فرجح قوم حديث الابراد، إذ هو نص، وتأولوا هذه الاحاديث إذ ليست بنص، وقوم رجحوا هذه الاحاديث لعموم ما روي من قوله عليه الصلاة والسلام: وقد سئل: أي الاعمال أفضل؟ قال: الصلاة لاول ميقاتها والحديث متفق عليه، وهذه الزيادة فيه، أعني لاول ميقاتها مختلف فيها. المسألة الثانية: اختلفوا من صلاة العصر في موضعين: أحدهما: في اشتراك أول وقتها مع آخر وقت صلاة الظهر. والثاني: في آخر وقتها، فأما اختلافهم في الاشتراك فإنه اتفق مالك والشافعي، وداود، وجماعة على أن أول وقت العصر هو بعينه آخر وقت الظهر وذلك إذا صار ظل كل شئ مثله، إلا أن مالكا يرى أن آخر وقت الظهر، وأول وقت العصر، هو وقت ركعات. وأما الشافعي وأبو ثور وداود، فآخر وقت الظهر عندهم، هو الان الذي هو أول وقت العصر، وهو زمان غير منقسم. وقال أبو حنيفة - كما قلنا - أول وقت العصر أن يصير ظل كل شئ مثليه. وقد تقدم سبب اختلاف أبي حنيفة معهم في ذلك. وأما سبب اختلاف مالك مع الشافعي، ومن قال بقوله في هذه فمعارضة حديث جبريل في هذا المعنى لحديث عبد الله بن عمر: وذلك أنه جاء في إمامة جبريل أنه صلى بالنبي عليه الصلاة والسلام الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في اليوم الاول. وفي حديث ابن عمر أنه قال عليه الصلاة والسلام: وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر خرجه مسلم. فمن رجح حديث جبريل، جعل الوقت مشتركا، ومن رجح حديث عبد الله، لم يجعل بينهما اشتراكا، وحديث جبريل أمكن أن يصرف إلى حديث عبد الله من حديث عبد الله إلى حديث جبريل، لانه يحتمل أن يكون الراوي تجوز في ذلك لقرب ما بين الوقتين. وحديث إمامة جبريل صححه الترمذي وحديث ابن عمر خرجه مسلم. وأما اختلافهم في آخر وقت العصر، فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أن آخر وقتها أن يصير ظل كل شئ مثليه، وبه قال الشافعي. والثانية: أن آخر وقتها ما لم تصفر الشمس، وهذا قول أحمد بن حنبل وقال أهل الظاهر: آخر وقتها
قبل غروب الشمس بركعة. والسبب في اختلافهم: أن في ذلك ثلاثة أحاديث متعارضة الظاهر. أحدها: حديث عبد الله بن عمر خرجه مسلم وفيه: فإذا صليتم العصر، فإنه وقت إلى أن تصفر الشمس وفي بعض رواياته: وقت العصر ما لم تصفر الشمس. والثاني: حديث ابن عباس في إمامة جبريل وفيه: أنه صلى به العصر في اليوم الثاني حين كان ظل كل شئ مثليه. والثالث حديث أبي هريرة المشهور من أدرك ركعة العصر قبل أن تغرب لاشمس، فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك
[ 81 ]
الصبح فمن صار إلى ترجيح حديث إمامة جبريل جعل اخر وقتها المختار المثلين، ومن صار إلى ترجيح حديث ابن عمر جعل آخر وقتها المختار اصفرار الشمس، ومن صار إلى ترجيح حديث أبي هريرة قال: وقت العصر إلى أن يبقى منها ركعة قبل غروب الشمس، وهم أهل الظاهر كما قلنا. وأما الجمهور فسلكوا في حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر مع حديث ابن عباس - إذ كان معارضا لهما كل التعارض - مسلك الجمع، لان حديثي ابن عباس وابن عمر تتقارب الحدود المذكورة فيهما ولذلك قال مالك مرة بهذا ومرة بذلك. وأما الذي في حديث أبي هريرة فبعيد منهما ومتفاوت، فقالوا: حديث أبي هريرة إنما خرج مخرج أهل الاعذار. المسألة الثالثة: اختلفوا في المغرب هل لها وقت موسع كسائر الصلوات أم لا؟ فذهب قوم إلى أن وقتها واحد غير موسع، وهذا هو أشهر الروايات عن مالك وعن الشافعي. وذهب قوم إلى أن وقتها موسع، وهو ما بين غروب الشمس إلى غروب الشفق وبه قال أبو حنيفة وأحمد وأبو ثور، وداود، وقد روي هذا القول عن مالك والشافعي. وسبب اختلافهم في ذلك: معارضة حديث إمامة جبريل في ذلك لحديث عبد الله بن عمر، وذلك أن في حديث إمامة جبريل: أنه صلى المغرب في اليومين في وقت واحد وفي حديث عبد الله ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق فمن رجح حديث إمامة جبريل جعل
لها وقتا واحدا. ومن رجح حديث عبد الله جعل لها وقتا موسعا، وحديث عبد الله خرجه مسلم. ولم يخرج الشيخان حديث إمامة جبريل أعني: حديث ابن عباس الذي فيه: أنه صلى بالنبي عليه الصلاة والسلام عشر صلوات مفسرة الاوقات، ثم قال له: الوقت ما بين هذين، والذي في حديث عبد الله من ذلك هو موجود أيضا في حديث بريدة الاسلمي، خرجه مسلم، وهو أصل في هذا الباب. قالوا: وحديث بريدة أولى لانه كان بالمدينة عند سؤال السائل له عن أوقات الصلوات، وحديث جبريل كان في أول الفرض بمكة. المسألة الرابعة: اختلفوا من وقت العشاء الاخرة في موضعين: أحدهما في أوله، والثاني في آخره. أما أوله، فذهب مالك والشافعي وجماعة إلى أنه مغيب الحمرة وذهب أبو حنيفة إلى أنه مغيب البياض الذي يكون بعد الحمرة. وسبب اختلافهم في هذه المسألة: اشتراك اسم الشفق في لسان العرب فإنه كما أن الفجر في لسانهم فجران، كذلك الشفق شفقان: أحمر وأبيض، ومغيب الشفق الابيض يلزم أن يكون بعده من أول الليل، إما بعد الفجر المستدق من آخر الليل: أعني الفجر الكاذب، وإما بعد الفجر الابيض المستطير،
[ 82 ]
وتكون الحمرة نظير الحمرة، فالطوالع إذن أربعة: الفجر الكاذب والفجر الصادق، والاحمر، والشمس، وكذلك يجب أن تكون الغوار ب ولذلك ما ذكر عن الخليل من أنه رصد الشفق الابيض، فوجده يبقى إلى ثلث الليل كذب بالقياس والتجربة، وذلك أنه لا خلاف بينهم أنه قد ثبت في حديث بريدة وحديث إمامة جبريل أنه صلى العشاء في اليوم الاول حين غاب الشفق، وقد رجح الجمهور مذهبهم بما ثبت: أن رسول الله (ص) كان يصلي العشاء عند مغيب القمر في الليلة الثالثة، ورجح أبو حنيفة مذهبه بما ورد في تأخير العشاء واستحباب تأخيره الصلاة إلى نصف الليل. وأما آخر وقتها فاختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: قول إنه ثلث الليل، وقول إنه نصف الليل، وقول إنه إلى طلوع الفجر، وبالاول: أعني ثلث الليل قال الشافعي، وأبو حنيفة، وهو المشهور من
مذهب مالك وروي عن مالك القول الثاني: أعني نصف الليل، وأما الثالث فقول داود. وسبب الخلاف في ذلك: تعارض الاثار، ففي حديث إمامة جبريل: أنه صلاها بالنبي عليه الصلاة والسلام في اليوم الثاني ثلث الليل وفي حديث أنس أنه قال: أخر النبي (ص) صلاة العشاء إلى نصف الليل خرجه البخاري. وروي أيضا من حديث أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لولا أن أشق على أمتي لاخرت العشاء إلى نصف الليل وفي حديث أبي قتادة: ليس التفريط في النوم إنما التفريط أن تؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الاخرى. فمن ذهب مذهب الترجيح لحديث إمامة جبريل قال: ثلث الليل، ومن ذهب مذهب الترجيح لحديث أنس قال: شطر الليل. وأما أهل الظاهر، فاعتمدوا حديث أبي قتادة، وقالوا: هو عام، وهو متأخر عن حديث إمامة جبريل، فهو ناسخ، ولو لم يكن ناسخا، لكان تعارض الاثار يسقط حكمها، فيجب أن يصار إلى استصحاب حال الاجماع وقد اتفقوا على أن الوقت يخرج لما بعد طلوع الفجر، واختلفوا فيما قبل فإنا روينا عن ابن عباس أن الوقت عنده إلى طلوع الفجر، فوجب أن يستصحب حكم الوقت، إلا حيث وقع الاتفاق على خروجه، وأحسب أن به، قال أبو حنيفة المسألة الخامسة: واتفقوا على أن أول وقت الصبح طلوع الفجر الصادق، وآخره طلوع الشمس إلا ما روي عن ابن القاسم، وعن بعض أصحاب الشافعي من أن آخر وقتها الاسفار. واختلفوا في وقتها المختار، فذهب الكوفيون، وأبو حنيفة وأصحابه و الثوري وأكثر العراقيين إلى أن الاسفار بها أفضل وذهب مالك والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل وأبو ثور وداود إلى أن التغليس بها أفضل. وسبب اختلافهم: اختلافهم في طريقة جمع الاحاديث المختلفة الظواهر في ذلك. وذلك أنه ورد عنه عليه الصلاة والسلام من طريق رافع بن
[ 83 ]
خديج أنه قال: أسفروا بالصبح، فكلما أسفرتم فهو أعظم للاجر وروي عنه عليه الصلاة والسلام: أنه قال - وقد سئل أي الاعمال أفضل؟ قال: الصلاة لاول ميقاتها وثبت عنه
عليه الصلاة والسلام: أنه كان يصلي الصبح، فتنصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس. وظاهر الحديث أنه كان عمله في الاغلب، فمن قال: إن حديث رافع خاص وقوله: الصلاة لاول ميقاتها عام. والمشهور أن الخاص يقضي عن العام إذا هو استثنى من هذا العموم صلاة الصبح، وجعل حديث عائشة محمولا على الجواز، وأنه إنما تضمن الاخبار بوقوع ذلك منه، لا بأنه كان ذلك غالب أحواله (ص) قال: الاسفار أفضل من التغليس، ومن رجح حديث العموم لموافقة حديث عائشة له، ولانه نص في ذلك، أو ظاهر، وحديث رافع بن خديج محتمل لانه يمكن أن يريد بذلك تبين الفجر، وتحققه، فلا تكون بينه وبين حديث عائشة، ولا العموم الوارد في ذلك تعارض قال: أفضل الوقت أوله. وأما من ذهب إلى أن آخر وقتها الاسفار، فإنه تأول الحديث في ذلك أنه لاهل الضرورات: أعني قوله عليه الصلاة والسلام: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح وهذا شبيه بما فعله الجمهور في العصر، والعجب أنهم عدلوا عن ذلك في هذا، ووافقوا أهل الظاهر. ولذلك لاهل الظاهر أن يطالبوهم بالفرق بين ذلك. القسم الثاني من الفصل الاول من الباب الاول فأما أوقات الضرورة والعذر فأثبتها كما قلنا فقهاء الامصار، ونفاها أهل الظاهر، وقد تقدم سبب اختلافهم في ذلك. اختلف هؤلاء الذين أثبتوها في ثلاثة مواضع: أحدها: لاي الصلوات توجد هذه الاوقات ولايها لا؟ والثاني: في حدود هذه الاوقات. والثالث: في من هم أهل العذر الذين رخص لهم في هذه الاوقات، وفي أحكامهم في ذلك: أعني من وجوب الصلاة، ومن سقوطها. المسألة الاولى: اتفق مالك والشافعي على أن هذا الوقت هو لاربع صلوات: للظهر والعصر مشتركا بينهما، والمغرب والعشاء كذلك. وإنما اختلفوا في جهة اشتراكهما على ما سيأتي بعد. وخالفهم أبو حنيفة، فقال: إن هذا الوقت إنما هو للعصر فقط، وإنه ليس هاهنا وقت مشترك. وسبب اختلافهم في ذلك: هو اختلافهم في جواز الجمع بين الصلاتين في
السفر في وقت إحداهما على ما سيأتي بعد، فمن تمسك بالنص الوارد في صلاة العصر، أعني الثابت من قوله عليه الصلاة والسلام من أدرك ركعة من صلاة العصر قبل مغيب الشمس، فقد أدرك العصر وفهم من هذا الرخصة، ولم يجز الاشتراك في الجمع لقوله عليه الصلاة والسلام: لا يفوت وقت صلاة حتى يدخل وقت الاخرى ولما سنذكره بعد في باب الجمع من حجج الفريقين قال: إنه لا يكون هذا الوقت إلا لصلاة العصر فقط. ومن أجاز الاشتراك في الجمع في السفر، قاس عليه أهل الضرورات، لان المسافر أيضا صاحب
[ 84 ]
ضرورة وعذر، فجعل هذا الوقت مشتركا للظهر والعصر، والمغرب والعشاء. المسألة الثانية: اختلف مالك والشافعي في آخر الوقت المشترك لهما، فقال مالك: هو للظهر والعصر من بعد الزوال بمقدار أربع ركعات للظهر للحاضر، وركعتين للمسافر إلى أن يبقى للنهار مقدار أربع ركعات للحاضر أو ركعتين للمسافر، وجعل الوقت الخاص للظهر إنما هو، مقدار أربع ركعات للحاضر بعد الزوال، وإما ركعتان للمسافر، وجعل الوقت الخاص بالعصر إما أربع ركعات قبل المغيب للحاضر، وإما ثنتان للمسافر: أعني أنه من أدرك الوقت الخاص فقط لم تلزمه إلا الصلاة الخاصة بذلك الوقت إن كان ممن لم تلزمه الصلاة قبل ذلك الوقت، ومن أدرك أكثر من ذلك أدرك الصلاتين معا، أو حكم ذلك الوقت وجعل آخر الوقت الخاص لصلاة العصر مقدار ركعة قبل الغرو ب، وكذلك فعل في اشتراك المغرب والعشاء، إلا أن الوقت الخاص مرة جعله للمغرب فقال: هو مقدار ثلاث ركعات قبل أن يطلع الفجر، ومرة جعله للصلاة الاخيرة كما فعل في العصر، فقال هو مقدار أربع ركعات - وهو القياس - وجعل آخر هذا الوقت مقدار ركعة قبل طلوع الفجر. وأما الشافعي فجعل حدود أواخر هذه الاوقات المشتركة حدا واحدا، وهو إدراك ركعة قبل غروب الشمس، وذلك للظهر والعصر معا، ومقدار ركعة أيضا قبل انصداع الفجر، وذلك للمغرب والعشاء معا. وقد قيل عنه بمقدار تكبيرة: أعني أنه من أدرك تكبيرة قبل غروب الشمس،
فقد لزمته صلاة الظهر، والعصر معا. وأما أبو حنيفة فوافق مالكا في أن آخر وقت العصر مقدار ركعة لاهل الضرورات عنده قبل الغروب، ولم يوافق في الاشتراك والاختصاص. وسبب اختلافهم: أعني مالكا والشافعي هل القول باشتراك الوقت للصلاتين معا يقتضي أن لهما وقتين: وقت خاص بهما ووقت مشترك، أم إنما يقتضي أن لهما وقتا مشتركا فقط؟ وحجة الشافعي أن الجمع إنما دل على الاشتراك فقط، لا على وقت خاص. وأما مالك فقاس الاشتراك عنده في وقت الضرورة على الاشتراك عنده في وقت التوسعة: أعني أنه لما كان لوقت الظهر والعصر الموسع وقتان، وقت مشترك، ووقت خاص، وجب أن يكون الامر كذلك في أوقات الضرورة، والشافعي لا يوافق على اشتراك الظهر والعصر في وقت التوسعة، فخلافهما في هذه المسألة إنما ينبني - والله أعلم - على اختلافهم في تلك الاولى. فتأمله، فإنه بين. والله أعلم. المسألة الثالثة: وأما هذه الاوقات أعني أوقات الضرورة، فاتفقوا على أنها لاربع: للحائض تطهر في هذه الاوقات، أو تحيض في هذه الاوقات وهي لم تصل، والمسافر يذكر الصلاة في هذه الاوقات، وهو حاضر، أو الحاضر يذكرها فيها وهو مسافر، والصبي يبلغ فيها والكافر يسلم. واختلفوا في المغمى عليه: فقال مالك والشافعي: هو كالحائض من أهل هذه الاوقات لانه لا يقضي عندهم الصلاة التي ذهب وقتها وعند أبي حنيفة أنه يقضي
[ 85 ]
الصلاة فيما دون الخمس، فإذا أفاق عنده من إغمائه متى ما أفاق قضى الصلاة وعند الاخر أنه إذا أفاق في أوقات الضرورة لزمته الصلاة التي أفاق في وقتها، وإذا لم يفق فيها لم تلزمه الصلاة، وستأتي مسألة المغمى عليه فيما بعد. واتفقوا على أن المرأة إذا طهرت في هذه الاوقات: إنما تجب عليها الصلاة التي طهرت في وقتها، فإن طهرت عند مالك وقد بقي من النهار أربع ركعات لغروب الشمس إلى ركعة، فالعصر فقط لازمة لها، وإن بقي خمس ركعات فالصلاتان معا. وعند الشافعي إن بقي ركعة للغروب فالصلاتان معا كما قلنا، أو
تكبيرة على القول الثاني له، وكذلك الامر عند مالك في المسافر الناسي يحضر في هذه الاوقات، أو الحاضر يسافر، وكذلك الكافر يسلم في هذه الاوقات: أعني أنه تلزمهم الصلاة وكذلك الصبي يبلغ. والسبب في أن جعل مالك الركعة جزءا لاخر الوقت، وجعل الشافعي جزء الركعة حدا مثل التكبيرة منها أن قوله عليه الصلاة والسلام: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر. وهو عند مالك من باب التنبيه بالاقل على الاكثر، وعند الشافعي من باب التنبيه بالاكثر على الاقل وأيد هذا بما روي: من أدرك سجدة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر فإنه فهم من السجدة هاهنا جزء من الركعة، وذلك على قوله الذي قال فيه: من أدرك منهم تكبيرة قبل الغروب أو الطلوع فقد أدرك الوقت. ومالك يرى أن الحائض إنما تعتد بهذا الوقت بعد الفراغ من طهرها، وكذلك الصبي يبلغ. وأما الكافر يسلم، فيعتد له بوقت الاسلام دون الفراغ من الطهر، وفيه خلاف، والمغمى عليه عند مالك كالحائض، وعند عبد الملك كالكافر يسلم. ومالك يرى أن الحائض إذا حاضت في هذه الاوقات، وهي لم تصل بعد أن القضاء ساقط عنها والشافعي يرى أن القضاء واجب عليها. وهو لازم لمن يرى أن الصلاة تجب بدخول أول الوقت، لانها إذا حاضت وقد مضى من الوقت ما يمكن أن تقع فيه الصلاة، فقد وجبت عليها الصلاة إلا أن يقال: إن الصلاة إنما تجب بآخر الوقت وهو مذهب أبي حنيفة، لا مذهب مالك، فهذا كما ترى لازم لقول أبي حنيفة أعني جاريا على أصوله لا على أصول قول مالك. الفصل الثاني من الباب الاول: في الاوقات المنهي عن الصلاة فيها وهذه الاوقات اختلف العلماء فيها في موضعين: أحدهما: في عددها. والثاني: في الصلوات التي يتعلق النهي عن فعلها فيها. المسألة الاولى: اتفق العلماء على أن ثلاثة من الاوقات منهي عن الصلاة فيها وهي: وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، ومن لدن تصلي صلاة الصبح حتى تطلع الشمس.
واختلفوا في وقتين: في وقت الزوال، وفي الصلاة بعد العصر، فذهب مالك وأصحابه إلى أن الاوقات المنهي عنها هي أربعة: الطلوع والغروب، وبعد الصبح وبعد العصر، وأجاز
[ 86 ]
الصلاة عند الزوال. أن هذه الاوقات الخمسة كلها منهي عنها إلا وقت الزوال يوم الجمعة، فإنه أجاز فيه الصلاة. واستثنى قوم من ذلك الصلاة بعد العصر. وسبب الخلاف في ذلك أحد شيئين: إما معارضة أثر لاثر، وإما معارضة الاثر للعمل عند من راعى العمل: أعني عمل أهل المدينة، وهو مالك بن أنس، فحيث ورد النهي ولم يكن هناك معارض لا من قول، ولا من عمل، اتفقوا عليه، وحيث ورد المعارض اختلفوا. أما اختلافهم في وقت الزوال، فلمعارضة العمل فيه للاثر وذلك أنه ثبت من حديث عقبة بن عامر الجهني أنه قال: ثلاث ساعات كان رسول الله (ص) ينهانا أن نصلي فيها وأن نقبر فيها موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تميل، وحين تضيف الشمس للغروب خرجه مسلم وحديث أبي عبد الله الصنابحي في معناه، ولكنه منقطع خرجه مالك في موطئه. فمن الناس من ذهب إلى منع الصلاة في هذه الاوقات الثلاثة كلها ومن الناس من استثنى من ذلك وقت الزوال، إما بإطلاق، وهو مالك، وإما في يوم الجمعة فقط، وهو الشافعي. أما مالك، فلان العمل عنده بالمدينة لما وجده على الوقتين فقط، ولم يجده على الوقت الثالث: أعني الزوال، أباح الصلاة فيه، واعتقد أن ذلك النهي منسوخ بالعمل. وأما من لم ير للعمل تأثيرا، فبقي على أصله في المنع. وقد تكلمنا في العمل وقوته في كتابنا في الكلام الفقهي، وهو الذي يدعى بأصول الفقه. وأما الشافعي، فلما صح عنده ما روى ابن شهاب عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي: أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب يصلون يوم الجمعة حتى يخرج عمر ومعلوم أن خروج عمر كان بعد زوال على ما صح ذلك من حديث الطنفسة التي كانت تطرح إلى جدار المسجد الغربي، فإذا غشي الطنفسة كلها ظل الجدار خرج عمر بن الخطاب، مع ما رواه أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله (ص) نهى عن الصلاة نصف النهار حتى تزول الشمس إلا يوم الجمعة استثنى
من ذلك النهي يوم الجمعة، وقوى هذا الاثر عنده العمل في أيام عمر بذلك، وإن كان الاثر عنده ضعيفا. وأما من رجح الاثر الثابت في ذلك. فبقي على أصله في النهي. وأما اختلافهم في الصلاة بعد صلاة العصر، فسببه تعارض الاثار الثابتة في ذلك، وذلك أن في ذلك حديثين متعارضين. أحدهما: حديث أبي هريرة المتفق على صحته: أن رسول الله (ص) نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس. والثاني: حديث عائشة قالت: ما ترك رسول الله (ص) صلاتين في بيتي قط سرا، ولا علانية: ركعتين قبل الفجر، وركعتين بعد العصر. فمن رجح حديث أبي هريرة قال بالمنع، ومن رجح حديث عائشة، أو رآه ناسخا، لانه العمل الذي مات عليه (ص) قال بالجواز. وحديث أم سلمة يعارض حديث عائشة، وفيه: أنها رأت رسول الله (ص) يصلي إنه أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، وهما هاتان. المسألة الثانية: اختلف العلماء في الصلاة التي لا تجوز في هذه الاوقات، فذهب أبو
[ 87 ]
حنيفة وأصحابه إلى أنها لا تجوز في هذه الاوقات صلاة بإطلاق، لا فريضة مقضية، ولا سنة، ولا نافلة إلا عصر يومه، قالوا: فإنه يجوز أن يقضيه عند غروب الشمس إذا نسيه. واتفق مالك والشافعي أنه يقضي الصلوات المفروضة في هذه الاوقات. وذهب الشافعي إلى أن الصلوات التي لا تجوز في هذه الاوقات، هي النوافل فقط التي تفعل لغير سبب، وأن السنن مثل صلاة الجنازة تجوز في هذه الاوقات، ووافقه مالك فذلك بعد العصر، وبعد الصبح: أعني في السنن، وخالفه في التي تفعل لسبب مثل ركعتي المسجد، فإن الشافعي يجيز هاتين الركعتين بعد العصر، وبعد الصبح، ولا يجيز ذلك مالك، واختلف قول مالك في جواز السنن عند الطلوع، والغروب. وقال الثوري في الصلوات التي لا تجوز في هذه الاوقات هي ما عدا الفرض، ولم يفرق سنة من نفل، فيتحصل في ذلك ثلاثة أقوال: قول هي الصلوات بإطلاق. وقول إنها ما عدا الفروض، سواء كانت سنة، أو نفلا. وقول: إنها
النفل دون السنن. وعلى الرواية التي منع مالك فيها صلاة الجنائز عند الغروب قول رابع، وهو أنها النفل فقط بعد الصبح والعصر، والنفل، والسنن معا عند الطلوع والغروب. وسبب الخلاف في ذلك: اختلافهم في الجمع بين العمومات المتعارضة في ذلك: أعني الواردة في السنة، وأي يخص بأي؟ وذلك أن عموم قوله عليه الصلاة والسلام: إذا نسي أحدكم الصلاة، فليصلها إذا ذكرها يقتضي استغراق جميع الاوقات وقوله في أحاديث النهي في هذه الاوقات: نهى رسول الله (ص) عن الصلاة فيها يقتضي أيضا عموم أجناس الصلوات المفروضات والسنن، والنوافل، فمتى حملنا الحديثين على العموم في ذلك، وقع بينهما تعارض، هو من جنس التعارض الذي يقع بين العام، والخاص، إما في الزمان، وإما في اسم الصلاة. فمن ذهب إلى الاستثناء في الزمان: أعني استثناء الخاص من العام، منع الصلوات بإطلاق في تلك الساعات، ومن ذهب إلى استثناء الصلاة المفروضة المنصوص عليها بالقضاء من عموم اسم الصلاة المنهي عنها، منع ما عدا الفرض في تلك الاوقات. وقد رجح مالك مذهبه من استثناء الصلوات المفروضة من عموم لفظ الصلاة بما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام: من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر ولذلك استثنى الكوفيون عصر اليوم من الصلوات المفروضة، لكن قد كان يجب عليهم أن يستثنوا من ذلك صلاة الصبح أيضا للنص الوارد فيها ولا يردوا ذلك برأيهم من أن المدرك لركعة قبل الطلوع يخرج للوقت المحظور، والمدرك لركعة قبل الغروب يخرج للوقت المباح. وأما الكوفيون فلهم أن يقولوا: إن هذا الحديث ليس يدل على استثناء الصلوات المفروضة من عموم اسم الصلاة التي تعلق النهي بها في تلك الايام، لان عصر اليوم ليس في معنى سائر الصلوات المفروضة، وكذلك كان لهم أن يقولوا في الصبح - لو سلموا أنه يقضي في الوقت المنهي عنه، فإذا الخلاف بينهم آيل إلى أن المستثنى الذي ورد به اللفظ
[ 88 ]
هل هو من باب الخاص، أريد به الخاص؟ أو من باب الخاص، أريد به العام؟ وذلك أن
من رأى أن المفهوم من ذلك هي صلاة العصر، والصبح فقط المنصوص عليهما، فهو عنده من باب الخاص أريد به الخاص، ومن رأى أن المفهوم من ذلك ليس هو صلاة العصر فقط، ولا الصبح، بل جميع الصلاة المفروض، فهو عنده من باب الخاص أريد به العام، وإذا كان ذلك كذلك، فليس هاهنا دليل قاطع على أن الصلوات المفروضة هي المستثناة من اسم الصلاة الفائتة، كما أنه ليس هاهنا دليل أصلا، لا قاطع، ولا غير قاطع على استثناء الزمان الخاص الوارد في أحاديث النهي من الزمان العام الوارد في أحاديث الامر دون استثناء الصلاة الخاصة المنطوق بها في أحاديث الامر من الصلاة العامة المنطوق بها في أحاديث النهي. وهذا بين، فإنه إذا تعارض حديثان في كل واحد منهما عام وخاص لم يجب أن ستثناء خاص هذا من عام ذاك، أو خاص ذاك من عام هذا، وذلك بين، والله أعلم. الباب الثاني: في معرفة الاذان والاقامة هذا الباب ينقسم أيضا إلى فصلين: الاول: في الاذان. والثاني: في الاقامة. الفصل الاول هذا الفصل ينحصر الكلام فيه في خمسة أقسام. الاول: في صفته. الثاني: في حكمه. الثالث: في وقته. الرابع: في شروطه. الخامس: فيما يقوله السامع له. القسم الاول من الفصل الاول من الباب الثاني: في صفة الاذان اختلف العلماء في الاذان على أربع صفات مشهورة: إحداها: تثنية التكبير فيه، وتربيع الشهادتين، وباقيه مثنى، وهو مذهب أهل المدينة مالك وغيره، واختار المتأخرين من أصحاب مالك الترجيع وهو أن يثني الشهادتين أولا خفيا، ثم يثنيهما مرة ثانية مرفوع الصوت. والصفة الثانية: أذان المكيين، وبه قال الشافعي، وهو تربيع التكبير الاول والشهادتين وتثنية باقي الاذان. والصفة الثالثة: أذان الكوفيين، وهو تربيع التكبير الاول، وتثنية باقي الاذان. وبه قال أبو حنيفة. والصفة الرابعة: أذان البصريين، وهو تربيع التكبير الاول، وتثليث الشهادتين وحي على الصلاة، وحي على الفلاح، يبدأ بأشهد أن لا إله إلا الله
حتى يصل إلى حي على الفلاح، ثم يعيد كذلك مرة ثانية: أعني الاربع كلمات تبعا، ثم يعيدهن ثالثة، وبه قال الحسن البصري، وابن سيرين. السبب في اختلاف كل واحد من هؤلاء الاربع: فرق اختلاف الاثار في ذلك، واختلاف اتصال العمل عند كل واحد منهم، وذلك أن المدنيين يحتجون لمذهبهم بالعمل المتصبذلك في المدينة، والمكيون كذلك أيضا يحتجون بالعمل المتصل عندهم بذاك، وكذلك الكوفيون والبصريون، ولكل واحد منهم آثار تشهد لقوله. أما تثنية التكبير في أوله على مذهب أهل الحجاز، فروي من طرق
[ 89 ]
صحاح عن أبي محذورة، وعبد الله بن زيد الانصاري، وتربيعه أيضا عن أبي محذورة من طرق أخر، وعن عبد البن زيد. قال الشافعي: وهي زيادات يجب قبولها مع اتصال العمل بذلك بمكة، وأما الترجيع الذي اختاره المتأخرون من أصحاب مالك، فروي من طريق أبي قدامة. قال أبو عمر: وأبو قدامة عندهم ضعيف. وأما الكوفيون فبحديث أبي ليلى، وفيه: أن عبد الله بن زيد رأى في المنام رجلا قام على خرم حائط، وعليه بردان أخضران، فأذن مثنى، وأقام مثنى، وأنه أخبر بذلك رسول الله (ص) فقام بلال، فأذن مثنى، وأقام مثنى والذي خرجه البخاري في هذا الباب إنما هو من حديث أنس فقط وهو: أن بلالا أمر أن يشفع الاذان، ويوتر الاقامة، إلا قد قامت الصلاة، فإنه يثنيها وخرج مسلم عن أبي محذورة على صفة أذان الحجازيين. ولمكان هذا التعارض الذي ورد في الاذان، رأى أحمد بن حنبل وداود أن هذه لا على إيجاب واحدة منها، وأن الانسان مخير فيها. واختلفوا في قول المؤذن في صلاة الصبح: الصلاة خير من النوم هل يقال فيها أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أنه يقال ذلك فيها وقال آخرون: إنه لا يقال لانه ليس من الاذان المسنون، وبه قال الشافعي. وسبب اختلافهم: اختلافهم هل قيل ذلك في زمان النبي (ص)؟ أو إنما قيل في زمان عمر؟ القسم الثاني من الفصل الاول من الباب الثاني
اختلف العلماء في حكم الاذان هل واجب، أو سنة مؤكدة؟ وإن كان واجبا فهل هو من فروض الاعيان، أو من فروض الكفاية؟ فقيل عن مالك: إن الاذان هو فرض على مساجد الجماعات، وقيل سنة مؤكدة، ولم يره على المنفرد، لا فرضا، ولا سنة وقال بعض أهل الظاهر واجب على وقال بعضهم: على الجماعة، كانت في سفر، أو في حضر، وقال بعضهم: في الاعيان السفر. واتفق الشافعي، وأبو حنيفة على أنه سنة للمنفرد، والجماعة، إلا أنه آكد في حق الجماعة. قال أبو عمر: واتفق الكل على أنه سنة مؤكدة، أو فرض على المصري، لما ثبت: أن رسول الله (ص) كان إذا سمع النداء لم يغر وإذا لم يسمعه أغار. والسبب في اختلافهم معارضة المفهوم من ذلك لظواهر الاثار، وذلك أنه ثبت أن رسول الله (ص) قال لمالك بن الحويرث، ولصاحبه: إذا كنتما في سفر، فأذنا، وأقيما، وليؤمكما أكبركما. وكذلك ما روى من اتصال عمله به (ص) في الجماعة. فمن فهم من هذا الوجوب مطلقا، قال: إنه فرض على الاعيان، أو على الجماعة، وهو الذحكاه ابن المفلس عن داود، ومن فهم منه الدعاء إلى الاجتماع للصلاة، قال: إنه سنة في المساجد، أو فرض في المواضع التي يجتمع إليها الجماعة. فسبب الخلاف: هو تردده بين أن يكون قولا من أقاويل الصلاة المختصة بها، أو يكون المقصود به هو الاجتماع.
[ 90 ]
القسم الثالث من الفصل الاول: في وقته وأما وقت الاذان، فاتفق الجميع على أنه لا يؤذن للصلاة قبل وقتها، ما عدا الصبح، فإنهم اختلفوا فيها، فذهب مالك، والشافعي إلى أنه يجوز أن يؤذن لها قبل الفجر ومنع ذلك أبو حنيفة وقال قوم: لا بد للصبح إذا أذن لها قبل الفجر من أذان بعد الفجر، لان الواجب عندهم هو الاذان بعد الفجر. وقال أبو محمد بن حزم: لا بد لها من أذان بعد الوقت، وإن أذن قبل الوقت جاز إذا كان بينهما زمان يسير قدر ما يهبط الاول، ويصعد الثاني. والسبب في اختلافهم: أنه ورد في ذلك حديثان متعارضان: أحدهما: الحديث
المشهور الثابت، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: إن بلالا ينادي بليل فكلوا، واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم وكان ابن أم مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له: أصبحت أصبحت. والثاني: ما روي عن ابن عمر رضي الله عنهما: أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبي (ص) أن يرجع، فينادي: ألا إن العبد قد نام وحديث الحجازيين أثبت، وحديث الكوفيين أيضا خرجه أبو داود، وصححه كثير من أهل العلم. فذهب الناس في هذين الحديثين، إما مذهب الجمع، وإما مذهب الترجيح. الترجيح، فالحجازيون، فإنهم قالوا: حديث بلال أثبت، والمصير إليه أوجب. وأما من ذهب مذهب الجمع، فالكوفيون، وذلك أنهم قالوا: يحتمل أن يكون نداء بلال في وقت يشك فيه في طلوع الفجر، لانه كان في بصره ضعف، ويكون نداء ابن أم مكتوم في وقت يتيقن فيه طلوع الفجر، ويدل على ذلك ما روي عن عائشة أنها قالت: لم يكن بين أذانيهما إلا بقدر ما يهبط هذا، ويصعد هذا وأما من قال إنه يجمع بينهما: أعني أن يؤذن قبل الفجر، وبعده، فعلى ظاهر ما روي من ذلك في صلاة الصبح خاصة، أعني أنه كان يؤذن لها في عهد رسول الله (ص) مؤذنا: بلال، وابن أم مكتوم. القسم الرابع من الفصل الاول: في الشروط وفي هذا القسم مسائل ثمانية: إحداها: هل من شروط من أذن أن يكون هو الذي يقيم أم لا؟ والثانية: هل من شروط الاذان ألا يتكلم في أثنائه أم لا؟ والثالثة: هل من شرطه أن يكون على طهارة أم لا؟ والرابعة: هل من شرطه أن يكون متوجها إلى القبلة أم لا؟ والخامسة: هل من شرطه أن يكون قائما أم لا؟ والسادسة: هل يكره أذان الراكب أم ليس يكره؟ والسابعة: هل من شرطه البلوغ أم لا؟ والثامنة: هل من شرطه ألا يأخذ على الاذان أجرا أم يجوز له أن يأخذه؟ فأما اختلافهم في الرجلين يؤذن أحدهما ويقيم ا خر، فأكثر فقهاء الامصار على إجازة ذلك، وذهب بعضهم إلى أن ذلك لا يجوز. والسبب في ذلك أنه ورد في هذا حديثان متعارضان: أحدهما حديث الصدائي قال أتيت رسول الله (ص) فلما كان أوان الصبح أمرني، فأذنت، ثم قام إلى الصلاة، فجاء بلال ليقيم، فقال رسول الله (ص):
إن أخا صداء أذن، ومن أذن، فهو يقيم. والحديث الثاني: ما روي أن عبد الله بن زيد حين
[ 91 ]
أري الاذان، أمر رسول الله (ص) بلالا، فأذن، ثم أمر عبد الله، فأقام. فمن ذهب مذهب النسخ، قال: حديث عبد الله بن زيد متقدم، وحديث الصدائي متأخر، ومن ذهب مذهب الترجيح، قال: حديث عبد الله بن زيد، أثبت لان حديث الصدائي انفرد به عبد الرحمن بن زياد الافريقي، وليس بحجة عندهم. وأما اختلافهم في الاجرة على الاذان: فلمكان اختلافهم في تصحيح الخبر الوارد في ذلك: أعني حديث عثمان بن أبي العاص أنه قال: إن من آخر ما عهد إلي رسول الله (ص) أن أتخذ مؤذنا، لا يأخذ على أذانه أجرا. ومن منعه، قاس الاذان في ذلك على الصلاة. وأما سائر الشروط الاخر، فسبب الخلاف فيها، هو قياسها على الصلاة، فمن قاسها على الصلاة، أوجب تلك الشروط الموجودة في الصلاة، ومن لم يقسها، لم يوجب ذلك. قال أبو عمر بن عبد البر: قد روينا عن أبي وائل بن حجر، قال: حق، وسنة مسنونة أن لا يؤذن إلا وهو قائم، ولا يؤذن إلا على طهر، قال: وأبو وائل هو من الصحابة، وقوله سنة يدخل في المسند، وهو أولى من القياس. قال القاضي: وقد خرج الترمذي عن ابي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال: لا يؤذن إلا متوضئ. القسم الخامس اختلف العلماء فيما يقوله السامع للمؤذن، فذهب قوم إلى أنه يقول ما يقول المؤذن كلمبكلمة إلى اخر النداء، وذهب اخرون إلى أنه يقول مثل ما يقول المؤذن، إلا إذا قال حي على الصلاة حي علة الفلاح، فإنه يقول لا حول ولا قوة إلا بالله. والسبب فالاختلاف في ذلك: تعارض الاثار، وذلك أنه قد روي من حديث أبي سعيد الخدري أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول وجاء من طريق عمر بن الخطاب، وحديث معاوية: أن السامع يقول عند حي على الصلاة حي على الفلاح: لا حول ولا قوة إلا بالله. فمن ذهب مذهب الترجيح، أخذ بعموم حديث أبي سعيد الخدري، ومن بنى العام في ذلك
على الخاص، جمع بين الحديثين، وهو مذهب مالك بن أنس. الفصل الثاني من الباب الثاني من الجملة الثانية: في الاقامة اختلفوا في الاقامة في موضعين: في حكمها، وفي صفتها. أما حكمها، فإنها عند فقهاء الامصار في حق الاعيان، والجماعات سنة مؤكدة أكثر من الاذان، وهي عند أهل الظاهر فرض ولا أدري هل هي فرض عندهم على الاطلاق أو فرض من فروض الصلاة؟ والفرق بينهما أن على القول الاول لا تبطل الصلاة بتركها وعلى الثاني تبطل. وقال ابن كنانة من أصحاب مالك: من تركها عامدا بطلت صلاته. وسبب هذا الاختلاف: اختلافهم هل هي من الافعال التي وردت بيانا لمجمل الامر بالصلاة، فيحمل على الوجوب لقوله عليه الصلاة والسلام: صلوا كما رأيتموني أصلي أم هي من الافعال التي تحمل على الندب؟ وظاهر
[ 92 ]
حديث مالك بن الحويرث يوجب كونها فرضا، إما في الجماعة، وإما على المنفرد. وأما صفة الاقامة، فإنها عند مالك، والشافعي: أما التكبير الذي في أولها فمثنى. وأما بعد ذلك، فمرة واحدة إلا قوله: قد قامت الصلاة، فإنها عند مالك مرة واحدة وعند الشافعي مرتين. وأما الحنفية، فإن الاقامة عندهم مثنى مثنى وخير أحمد بن حنبل بين الافراد، والتثنية على رأيه في التخيير في النداء. وسبب الاختلاف: تعارض حديث أنس في هذا المعنى، وحديث أبي ليلى المتقدم، وذلك أن في حديث أنس الثابت: أمر بلال أن يشفع الاذان، ويفرد الاقامة إلا قد قامت الصلاة، وفي حديث أبي ليلى: أنه (ص) أمر بلالا، فأذن مثنى، وأقام مثنى. والجمهور أنه ليس على النساء أذان، ولا إقامة. وقال مالك: إن أقمن، فحسن، وقال الشافعي: إن أذن وأقمن، فحسن، وقال إسحاق: إن عليهن الاذان والاقامة. وروي عن عائشة أنها كانت تؤذن، وتقيم - فيما ذكره ابن المنذر: والخلاف آيل إلى هل تؤم المرأة، أو لا تؤم؟ وقيل الاصل أنها في معنى الرجل في كل عبادة، إلا أن يقوم الدليل على تخصيصها، أم في بعضها، هي كذلك، وفي بعضها يطلب الدليل.
الباب الثالث من الجملة الثانية: في القبلة اتفق المسلمون على أن التوجه نحو البيت شرط من شروط صحة الصلاة لقوله تعالى: * (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) * أما إذا أبصر البيت، فالفرض عندهم هو التوجه إلى عين البيت، ولا خلاف في ذلك. أما إذا غابت الكعبة عن الابصار، فاختلفوا من ذلك في موضعين. أحدهما: هل الفرض هو العين، أو الجهة؟ والثاني: هل فرضه الاصابة أو الاجتهاد: أعني إصابة الجهة، أو العين عند من أوجب العين، فذهب قوم إلى أن الفرض هو العين. وذهب آخرون إلى أنه الجهة. والسبب في اختلافهم: هل في قوله تعالى: * (فول وجهك شطر المسجد الحرام) * محذوف، حتى يكون تقديره: ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام، أم ليس هاهنا محذوف أصلا، وأن الكلام على حقيقته؟ فمن قدر هنالك محذوفا، قال: الفرض الجهة، ومن لم يقدر هنالك محذوفا قال: الفرض العين. والواجب حمل الكلام على الحقيقة حتى يدل الدليل على حمله على المجاز. وقد يقال: إن الدليل على تقدير هذا المحذوف قوله عليه الصلاة والسلام: ما بين المشرق، والمغرب قبلة، إذا توجه نحو البيت. قالوا: واتفاق المسلمين على الصف الطويل خارج الكعبة، يدل على أن الفرض ليس هو العين، أعني إذا لم تكن الكعبة مبصرة، والذي أقوله: إنه لو كان واجبا قصد العين، لكان حرجا، وقد قال تعالى: * (وما جعل عليكم في الدين من حرج) * فإن إصابة العين
[ 93 ]
شئ لا يدرك إلا بتقريب وتسامح بطريق الهندسة، واستعمال الارصاد في ذلك، فكيف بغير ذلك من طرق الاجتهاد، ونحن لم نكلف الاجتهاد فيه بطريق الهندسة المبني على الارصاد المستنب منها طول البلاد، وعرضها. وأما المسألة الثانية: فهي هل فرض المجتهد في القبلة الاصابة، أو الاجتهاد فقط حتى يكون؟ إذا قلنا إن فرضه الاصابة، متى تبين له أنه أخطأ، أعاد الصلاة، ومتى قلنا: إن فرضه الاجتهاد، لم يجب أن يعيد، إذا تبين له الخطأ، وقد كان صلى قبل اجتهاده. أما الشافعي:
فزعم أن فرضه الاصابة، وأنه إذا تبين له أنه أخطأ، أعاد أبدا وقال قوم: لا يعيد، وقد مضت صلاته ما لم يتعمد أو صلى بغير اجتهاد، وبه قال مالك وأبو حنيفة، إلا أن مالكا استحب له الاعادة في الوقت. وسبب الخلاف في ذلك: معارضة الاثر للقياس مع الاختلاف أيضا في تصحيح أما القياس: فهو تشبيه الجهة بالوقت: أعني بوقت الصلاة، وذلك أنهم أجمعوا على أن الفرض فيه، هو الاصابة، وأنه إن انكشف للمكلف أنه صلى قبل الوقت، أعاد أبدا إلا خلافا شاذا في ذلك عن ابن عباس وعن الشعبي، وما روي عن مالك من أن المسافر إذا جهل، فصلى العشاء قبل غيبوبة الشفق، ثم انكشف له أنه صلاها قبل غيبوبة الشفق أنه قد مضت صلاته، ووجه الشبه بينهما أن هذا ميقات وقت، وهذا ميقات جهة. وأما الاثر فحديث عامر بن ربيعة قال: كنا مع رسول الله (ص) في ليلة ظلماء في سفر، فخفيت علينا القبلة، فصلى كل واحد منا إلى مراجعة وعلمنا، فلما أصبحنا، فإذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فسألنا رسول الله (ص)، فقال: مضت صلاتكم ونزلت: * (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) * وعلى هذا، فتكون هذه الاية محكمة، وتكون فيمن صلى، فانكشف له أنه صلى لغير القبلة والجمهور على أنها منسوخة بقوله تعالى: * (ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام) * فمن لم يصح عنده هذا الاثر قاس ميقات الجهة على ميقات الزمان، ومن ذهب مذهب الاثر، لم تبطل صلاته. وفي هذا الباب مسألة مشهورة، وهي جواز الصلاة في داخل الكعبة. وقد اختلفوا في ذلك، فمنهم من منعه على الاطلاق، ومنهم من أجازه على الاطلاق، ومنهمن فرق بين النفل في ذلك والفرض. وسبب اختلافهم: تعارض الاثار في ذلك، والاحتمال المتطرق لمن استقبل أحد حيطانها من داخل، هل يسمى مستقبلا للبيت، كما يسمى من استقبله من خارج أم لا؟ أما الاثر: فإنه ورد في ذلك حديثان متعارضان كلاهما ثابت. أحدهما: حديث ابن عباس قال: لما دخل رسول الله (ص) البيت دعا في نواحيه كلها، ولم يصل حتى خرج، فلما خرج ركع ركعتين في قبل الكعبة، وقال: هذه القبلة. والثاني حديث عبد الله بن عمر.
[ 94 ]
أن رسول الله (ص) دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة، وبلال بن رباح، فأغلقها عليه، ومفيها، فسألت بلالا حين خرج ماذا صنع رسول الله (ص)؟ فقال: جعل عمودا عن يساره وعمودا عن يمينه وثلاثة أعمدة وراءه ثم صلى. فمن ذهب مذهب الترجيح، أو النسخ قال: إما بمنع الصلاة مطلقا إن رجح حديث ابن عباس، وإما بإجازتها مطلقا، إن رجح حديث ابن عمر، ومن ذهب مذهب الجمع بينهما، حمل حديث ابن عباس على الفرض، وحديث ابن عمر على النفل، والجمع بينهما فيه عسر، فإن الركعتين اللتين صلاهما عليه الصلاة والسلام خارج الكعبة، وقال: هذه قبلة هي نفل. ومن ذهب مذهب سقوط الاثر عند التعارض، فإن كان ممن يقول باستصحاب حكم الاجماع، والاتفاق، لم يجز الصلاة داخل البيت أصلا، وإن كان ممن لا يرى استصحاب حكم الاجماع، عاد النظر في انطلاق اسم المستقبل للبيت على من صلى داخل الكعبة، فمن جوزه، أجاز الصلاة، ومن لم يجوزه، وهو الاظهر، لم يجز الصلاة في البيت. واتفق العلماء بأجمعهم على استحباب السترة بين المصلي، والقبلة، إذا صلى منفردا كان أو إماما، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرحل، فليصل واختلفوا في الخط، إذا لم يجد سترة، فقال الجمهور: ليس عليه أن يخط. وقال أحمد بن حنبل: يخط خطا بين يديه. وسبب اختلافهم: اختلافهم في تصحيح الاثر الوارد في الخط، والاثر رواه أبو هريرة: أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا صلى أحدكم، فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يكن، فلينصب عصا، فإن لم تكن معه عصا فليخط خطا، ولا يضره من مر بين يديه خرجه أبو داود. وكان أحمد بن حنبل يصححه، والشافعي لا يصححه، وقد روي: أنه (ص) صلى لغير سترة والحديث الثابت أنه كان يخرج له العنزة. فهذه جملة قواعد هذا الباب، وهي أربع مسائل. الباب الرابع من الجملة الثانية وهذا الباب ينقسم إلى فصلين: أحدهما: في ستر العورة. والثاني: فيما يجزئ من
اللباس في الصلاة. الفصل الاول اتفق العلماء على أن ستر العورة فرض بإطلاق، واختلفوا هل هو شرط من شروط صحة الصلاة أم لا؟ وكذلك اختلفوا في حد العورة من الرجل والمرأة، وظاهر مذهب مالك أنها من سنن الصلاة وذهب أبو حنيفة، والشافعي إلى أنها من فروض الصلاة. في ذلك: تعارض الاثار، واختلافهم في مفهوم قوله تعالى: * (يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد) * هل الامر بذلك على الوجوب، أو على الندب؟ فمن حمله على
[ 95 ]
الوجوب قال: المراد به ستر العورة. واحتج لذلك بأن سبب نزول هذه الاية كان أن المراه كانت تطوف بالبيت عريانة وتقول: اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدا منه، فلا أحله فنزلت هذه الاية، وأمر رسول الله (ص): ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان. ومن حمله على الندب قال: المراد بذلك الزينة الظاهرة من الرداء وغير ذلك من الملابس التي هي زينة، واحتج لذلك بما جاء في الحديث من: أنه كان رجال يصلون مع النبي (ص) عاقدي أزرهم على أعناقهم كهيئة الصبيان، ويقال للنساء: لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا قالوا: ولذلك من لم يجد ما به يستر عورته، لم يختلف في أنه يصلي، واختلف فيمن عدم الطهارة هل يصلي أم لا يصلي؟ وأما المسألة الثانية: وهو حد العورة من الرجل، فذهب مالك والشافعي إلى أن حد العورة منه ما بين السرة إلى الركبة، وكذلك قال أبو حنيفة وقال قوم: العورة هما السوأتان فقط من الرجل. وسبب الخلاف في ذلك: أثران متعارضان، كلاهما ثابت: أحدهما: حديث جرهد أن النبي (ص) قال: الفخذ عورة. والثاني حديث أنس: أن النبي (ص) حسر عن فخذه، وهو جالس مع أصحابه. قال البخاري: وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط وقد قال
بعضهم: العورة: الدبر، والفرج، والفخذ. وأما المسألة الثالثة: وهي حد العورة من المرأة، فأكثر العلماء على أن بدنها كله عورة، ما خلا الوجه، والكفين. وذهب أبو حنيفة إلى أن قدمها ليست بعورة. وذهب أبو بكر بن عبد الرحمن، وأحمد إلى أن المرأة كلها عورة. وسبب الخلاف في ذلك: احتمال قوله تعالى: * (ولا يبدين زينتهن إلاما ظهر منها) * هل هذا المستثنى المقصود منه أعضاء محدودة، أم إنما المقصود بما لا يملك ظهوره؟ فمن ذهب إلى أن المقصود من ذلك ما لا يملك ظهوره عند الحركة قال: بدنها كله عورة حتى ظهرها واحتج لذلك بعموم قوله تعالى: * (يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين) * الاية. ومن رأى أن المقصود من ذلك ما جرت به العادة بأنه لا يستر وهو الوجه، والكفان، ذهب إلى أنهما ليسا بعورة، واحتج لذلك بأن المرأة ليست تستر وجهها في الحج. الفصل الثاني من الباب الرابع: فيما يجزئ في اللباس في الصلاة أما اللباس فالاصل فيه قوله تعالى: * (خذوا زينتكم عند كل مسجد) * والنهي الوارد عن هيئات بعض الملابس في الصلاة، وذلك أنهم اتفقوا فيما أحسب على أن
[ 96 ]
الهيئات من اللباس التي لهن على الصلاة فيها مثل: اشتمال الصماء، وهو أن يحتبي الرجل في ثوب واحد، ليس على عاتقه منه شئ، وأن يحتبي الرجل في ثوب واحد ليس على فرجه منه شئ. وسائر ما ورد من ذلك أن ذلك كله سد ذريعة ألا تنكشف عورته، ولا أعلم أن أحدا قال: لا تجوز صلاة على إحدى هذه الهيئات إن لم تنكشف عورته، وقد كان على أصول أهل الظاهر يجب ذلك. واتفقوا على أنه يجزئ الرجل من اللباس في الصلاة الثوب الواحد، لقول النبي (ص): وقد سئل: أيصلي الرجل في الثوب الواحد؟ فقال: أو لكلكم ثوبان؟. واختلفوا في الرجل هل يصلي مكشوف الظهر والبطن، فالجمهور على جواز صلاته، لكون الظهر، والبطن من الرجل ليسا بعورة، وشذ قوم، فقالوا: لا تجوز صلاته لنهيه (ص): أن يصلي الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شئ وتمسك بوجوب قوله تعالى:
* (خذوا زينتكم عند كل مسجد) *. واتفق الجمهور على أن اللباس المجزئ للمرأة في الصلاة، هو درع وخمار، لما روي عن أم سلمة: أنها سألت رسول الله (ص) ماذا تصلي فيه المرأة؟ فقال: في الخمار والدرع السابغ، إذا غيبت ظهور قدميها ولما روي أيضا عن عائشة عن النبي (ص) أنه قال لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار وهو المروي عن عائشة، وميمونة، وأم سلمة أنهكانوا يفتون بذلك، وكل هؤلاء يقولون: إنها إن صلت مكشوفة أعادت في الوقت وبعده، إلا مالكا، فإنه قال: إنها تعيد في الوقت فقط. والجمهور على أن الخادم لها أن تصلي مكشوفة الرأس، والقدمين وكان الحسن البصري يوجب عليها الخمار، واستحبه عطاء. وسبب الخلاف: الخطاب المتوجه إلى الجنس الواحد هل يتناول الاحرار والعبيد معا، أم الاحرار فقط دون العبيد؟ واختلفوا في صلاة الرجل في الثوب الحرير، فقال قوم: تجوز صلاته فيه. وقال قوم: لا تجوز وقوم استحبوا له الاعادة في الوقت. وسبب اختلافهم في ذلك: هل الشئ المنهي عنه مطلقا اجتنابه شرط في صحة الصلاة أم لا؟ فمن ذهب إلى أنه شرط، قال: إن الصلاة لا تجوز به، ومن ذهب إلى أنه يكون بلباسه مأثوما، والصلاة جائزة، قال: ليس شرطا في صحة الصلاة، كالطهارة التي هي شرط. وهذه المسألة هي من نوع الصلاة في الدار المغصوبة، والخلاف فيها مشهور. الباب الخامس وأما الطهارة من النجس، فمن قال: إنها سنة مؤكدة، فيبعد أن يقول: إنها فرض في الصلاة، أي من شروط صحته. وأما من قال: إنها فرض بإطلاق، فيجوز أن يقول: إنها فرض في الصلاة ويجوز ألا يقول ذلك. وحكى عبد الوهاب عن المذهب في ذلك قولين: أحدهما: أن إزالة النجاسة شرط في صحة الصلاة في حال القدرة والذكر. والقول الاخر: إنها ليست شرطا
[ 97 ]
والذي حكاه من أنها شرط لا يتخرج على مشهور المذهب من أن غسل النجاسة سنة مؤكدة، وإنما يتخرج على القول بأنها فرض مع
كتاب الطهارة، وعرف هناك أسباب الخلاف فيها، وإنما الذي يتعلق به هاهنا الكلام من ذلك هل ما هو فرض مطلق مما يقع في الصلاة، يجب أن يكون فرضا في الصلاة أم لا؟ والحق أن الشئ المأمور به على الاطلاق، لا يجب أن يكون شرطا في صحة شئ ما (آخر مأمور به - وإن وقع فيه - إلا بأمر آخر، وكذلك الامر في الشئ المنهي عنه على الاطلاق، لا يجب أن يكون شرطا في صحة شئ ما) إلا بأمر آخر. الباب السادس وأما المواضع التي يصلي فيها: فإن من الناس، من أجاز الصلاة في كل موضع لا تكون فيه نجاسة ومنهم من استثنى من ذلك سبعة مواضع: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، والحمام، ومعاطن الابل، وفوق ظهر بيت الله ومنهم من استثنى من ذلك المقبرة فقط ومنهم من استثنى المقبرة والحمام ومنهم من كره الصلاة في هذه المواضع المنهي عنها، ولم يبطلها وهو أحد ما روي عن مالك، وقد روي عنه الجواز، وهذه رواية ابن القاسم. وسبب اختلافهم: تعارض ظواهر الاثار في هذا الباب، وذلك أن هاهنا حديثين متفق على صحتهما، وحديثين مختلف فيهما، فأما المتفق عليهما فقوله عليه الصلاة والسلام: أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، وذكر فيها: وجعلت لي الارض مسجدا، وطهورا، فأينما أدركتني الصلاة صليت. وقوله عليه الصلاة والسلام: اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورا وأما غير المتفق عليهما: روي: أنه عليه الصلاة والسلام نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الابل، وفوق ظهر بيت الله خرجه الترمذي. والثاني: ما روي أنه قال عليه الصلاة والسلام: صلوا في مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الابل. فذهب الناس في هذه الاحاديث ثلاثة مذاهب: أحدها: مذهب الترجيح، والنسخ. والثاني: مذهب البناء: أعني بناء الخاص على العام، والثالث: مذهب الجمع. فأما من ذهب مذهب الترجيح والنسخ، فأخذ بالحديث المشهور، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: جعلت
لي الارض مسجدا وطهورا وقال: هذا ناسخ لغيره، لان هذه هي فضائل له عليه الصلاة والسلام، وذلك مما لا يجوز نسخه. وأما من ذهب مذهب بناء الخاص على العام: فقال: حديث الاباحة عام وحديث النهي خاص، فيجب أن يبنى الخاص على العام، فمن هؤلاء
[ 98 ]
من استثنى السبعة مواضع. ومنهم من استثنى الحمام، والمقبرة، وقال: هذا هو الثابت عنه عليه الصلا والسلام، لانه قد روي أيضا النهي عنهما مفردين. ومنهم من استثنى المقبرة فقط للحديث المتقدم. وأما من ذهب مذهب الجمع، ولم يستثن خاصا من عام، فقال: أحاديث النهي محمولة على الكراهة، والاول علة الجواز. واختلفوا في الصلاة في البيع والكنائس، فكرهها قوم، وأجازها قوم، بين أن يكون فيها صور أو لا يكون، وهو مذهب ابن عباس لقول عمر: لا تدخل كنائسهم من أجل التماثيل، والعلة فيمن كرهها لا من أجل التصاوير، حملها على النجاسة واتفقوا على الصلاة على الارض، واختلفوا في الصلاة على الطنافس وغير ذلك مما يقعد عليه على الارض، والجمهور على إباحة السجود علة الحصير وما يشبهه مما تنبته الارض، والكراهية بعد ذلك، وهو مذهب مالك بن أنس في معرفة الشروط التي هي شروط في صحة الصلاة وأما الترو ك المشترطة في الصلاة: فاتفق المسلمون على أن منها قولا، ومنها فعلا، فأما الافعال: فجميع الافعال المباحة التي ليست من أفعال الصلاة إلا قتل العقرب، والحية في الصلاة، فإنهم اختلفوا في ذلك لمعارضة الاثر في ذلك للقياس واتفقوا فيما أحسب على جواز الفعل الخفيف. وأما الاقوال: فهي أيضا الاقوال التي ليست من أقاويل الصلاة، وهذه أيضا لم يختلفوا أنها تفسد الصلاة عمدا لقوله تعالى: * (وقوموا لله قانتين) * ولما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام: إن الله يحدث من أمره ما يشاء، ومما أحدث أن لا تكلموا في الصلاة، وهو حديث ابن مسعود، وحديث زيد بن أرقم أنه قال: كنا نتكلم في
الصلاة حتى نزلت * (وقوموا لله قانتين) * فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام إلا أنهم اختلفوا من ذلك في موضعين: أحدهما: إذا تكلم ساهيا. والاخر: إذا تكلم عامدا لاصلاح الصلاة، وشذ الاوزاعي فقال: من تكلم في الصلاة لاحياء نفس، أو لامر كبير، فإنه يبني. والمشهور من مذهب مالك أن التكلم عمدا على جهة الاصلاح لا يفسدها، وقال الشافعي: يفسدها التكلم كيف كان إلا مع النسيان. وقال أبو حنيفة يفسدها التكلم كيف كان. والسبب في اختلافهم: تعارض ظواهر الاحاديث في ذلك، وذلك أن الاحاديث المتقدمة تقتضي تحريم الكلام على العموم، وحديث أبي هريرة المشهور: أن رسول الله (ص) انصرف من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أقصرت الصلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال رسول الله (ص): أصدق
[ 99 ]
ذو اليدين؟ فقالوا: نعم، فقام رسول الله (ص)، فصلى ركعتين أخريين، ثم سلم. ظاهره أن النبي (ص) تكلم، والناس معه، وأنهم بنوا بعد التكلم، ولم يقطع ذلك التكلم صلاتهم. فمن أخذ بهذا الظاهر، ورأى أن هذا شئ يخص الكلام لاصلاح الصلاة، استثنى هذا من ذلك العموم، وهو مذهب مالك بن أنس. ومن ذهب إلى أنه ليس في الحديث دليل على أنهم تكلموا عمدا في الصلاة، وإنما يظهر منهم أنهم تكلموا، وهم يظنون أن الصلاة قد قصرت، وتكلم النبي عليه الصلاة والسلام، وهو يظن أن الصلاة قد تمت، ولم يصح عنده أن الناس قد تكلموا بعد قول رسول الله (ص): ما قصرت الصلاة، وما نسيت قال: إن المفهوم من الحديث، إنما هو إجازة الكلام لغير العامد. فإذن السبب في اختلاف مالك، والشافعي في المستثنى من ذلك العموم هو اختلافهم في مفهوم هذا الحديث، مع أن الشافعي اعتمد أيضا في ذلك أصلا عاما، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان. وأما أبو حنيفة، فحمل أحاديث النهي على عمومها، ورأى أنها ناسخة لحديث ذي اليدين، وأنه متقدم عليها.
الباب الثامن: في معرفة النية، وكيفية اشتراطها في الصلاة وأما النية: فاتفق العلماء على كونها شرطا في صحة الصلاة، لكون الصلاة هي رأس العبادات التي وردت في الشرع لغير مصلحة معقولة: أعني من المصالح المحسوسة. واختلفوا هل من شرط نية المأموم أن توافق نية الامام في تعيين الصلاة وفي الوجوب حتى لا يجوز أن يصلي المأموم ظهرا بإمام يصلي عصرا؟ ولا يجوز أن يصلي الامام ظهرا يكون في حقه نفلا، وفي حق المأموم فرضا؟ فذهب مالك وأبو حنيفة: إلى أنه يجب أن توافق نية المأموم نية الامام. وذهب الشافعي إلى أنه ليس يجب. والسبب في اختلافهم: معارضة مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: إنما جعل الامام ليؤتم به لما جاء في حديث معاذ من: أنه كان يصلي مع النبي (ص) ثم يصلي بقومه. فمن رأى ذلك خاصا لمعاذ وأن عموم قوله عليه الصلاة والسلام: إنما جعل الامام ليؤتم به يتناول النية، اشترط موافقة نية الامام للمأموم. ومن رأى أن الاباحة لمعاذ في ذلك، هي إباحة لغيره من سائر المكلفين - وهو الاصل - قال: لا يخلو الامر في ذلك الحديث الثاني من أحد أمرين: إما أن يكون ذلك العموم الذي فيه لا يتناول النية لان ظاهره إنما هو في الافعال، فلا يكون بهذا الوجه معارضا لحديث معاذ، وإما أن يكون يتناولها، فيكون حديث معاذ قد خصص في ذلك العموم. وفي النية مسائل ليس لها تعلق بالمنطوق به من الشرع رأينا تركها، إذ كان غرضنا على القصد الاول إنما هو الكلام في المسائل التي تتعلق بالمنطوق به من الشرع.
[ 100 ]
الجملة الثالثة: من كتاب الصلاة وهي معرفة ما تشتمل عليه من الاقوال، والافعال، وهي الاركان. والصلوات المفروضة تختلف في هذين بالزيادة، والنقصان، إما من قبل الانفراد والجماعة وإما من قبل الزمان، مثل مخالفة ظهر الجمعة لظهر سائر الايام، وإما من قبل الحضر والسفر، وإما من قبل الامن والخوف، وإما من قبل الصحة والمرض. فإذا
أريد أن يكون القول في هذه صناعيا، وجاريا على نظام، فيجب أن يقال أولا: فيما تشترك فيه هذه كلها، ثم يقال: فيما يخص واحدة واحدة منها، أو يقال في واحدة واحدة منها، وهو الاسهل، وإن كان هذا النوع من التعليم يعرض منه تكرار ما، وهو الذي سلكه الفقهاء، ونحن نتبعهم في ذلك فنجعل هذا الجملة مقسمة إلى ستة أبواب. الباب الاول: في صلاة المنفرد الآمن الصحيح. الباب الثاني: في صلاة الجماعة، أعني في أحكام الامام، والمأموم في الصلاة. الباب الثالث: في صلاة الجمعة. الباب الرابع: في صلاة السفر. الباب الخامس: في صلاة الخوف. الباب السادس: في صلاة المريض. الباب الاول: في صلاة المنفرد الحاضر الامن الصحيح وهذا الباب فيه فصلان: الفصل الاول: في أقوال الصلاة. والفصل الثاني: في أفعال الصلاة. الفصل الاول: في أقوال الصلاة وفي هذا الفصل من قواعد المسائل تسع مسائل: المسألة الاولى: اختلف العلماء في التكبير على ثلاثة مذاهب، فقوم قالوا: إن التكبير كله واجب في الصلاة وقوم قالوا: إنه كله ليس بواجب، وهو شاذ. وقوم أوجبوا تكبيرة الاحرام فقط، وهم الجمهور. وسبب اختلاف من أوجبه كله، ومن أوجب منه تكبيرة الاحرام فقط: معارضة ما نقل من قوله لما نقل من فعله عليه الصلاة والسلام. فأما ما نقل من قوله فحديث أبي هريرة المشهور أن النبي عليه الصلاة والسلام قال للرجل الذي علمه الصلاة: إذا أردت الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، ثم كبر ثم اقرأ. فمفهوم هذا هو أن التكبيرة الاولى، هي الفرض فقط، ولو كان ما عدا ذلك من التكبير فرضا لذكره له، كما ذكر سائر فروض الصلاة. وأما ما نقل مفعله فمنهما حديث أبي هريرة: أنه كان يصلي، فيكبر كلما خفض، ورفع، ثم يقول: إني لاشبهكم صلاة بصلاة رسول الله (ص) ومنها حديث مطرف بن عبد الله بن الشخير قال: صليت أنا وعمران بن الحصين خلف علي بن
أبي طالب رضي الله عنه، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه من الركوع كبر، فلما قضى صلاته، وانصرفنا، أخذ عمران بيده، فقال: أذكرني هذا صلاة محمد (ص). فالقائلون بإيجابه، تمسكوا بهذا العمل المنقول في هذه الاحاديث وقالوا: الاصل أن تكون كل أفعاله التي
[ 101 ]
أتت بيانا لواجب محمولة على الوجوب، كما قال (ص): صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم. وقالت الفرقة الاولى: ما في هذه الاثار يدل على أن العمل عند الصحابة، إنما كان على إتمام التكبير، ولذلك كان أبو هريرة يقول: إني لاشبهكم صلاة بصلاة رسول الله (ص). وقال عمران: أذكرني هذا بصلاته صلاة محمد (ص). وأما من جعل التكبير كله نفلا، فضعيف، ولعله قاسه على سائر الاذكار التي في حرام على سائر التكبيرات. قال أبو عمر بن عبد البر: ومما يؤيد مذهب الجمهور ما رواه شعبة بن الحجاج عن الحسن بن عمران عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبزى عن أبيه قال: صليت مع النبي (ص) فلم يتم التكبير وصليت مع عمر بن عبد العزيز، فلم يتم التكبير. وما رواه أحمد بن حنبل عن عمر رضي الله عنه: أنه كان لا يكبر إذا صلى وحده وكأن هؤلاء رأوا أن التكبير إنما هو لمكان إشعار الامام للمأمومين بقيامه، وقعوده ويشبه أن يكون إلى هذا ذهب من رآه كله نفلا. المسألة الثانية: قال مالك: لا يجزئ من لفظ التكبير إلا الله أكبر وقال الشافعي: الله أكبر، والله الاكبر، اللفظان كلاهما يجزئ وقال أبو حنيفة: يجزئ من لفظ التكبير كل لفظ في معناه مثل الله الاعظم والله الاجل. وسبب اختلافهم: هل اللفظ هو المتعبد به في الافتتاح، أو المعنى؟ وقد استدل المالكيون، والشافعيون بقوله عليه الصلاة والسلام: مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم قالوا: والالف واللام هاهنا للحصر، والحصر يدل على أن الحكم خاص بالمنطوق به وأنه لا يجوز بغيره، وليس يوافقهم أبو حنيفة على هذا الاصل، فإن هذا المفهوم هو عنده من باب دليل الخطاب، وهو أن يحكم
للمسكوت عنه بضد حكم المنطوق به، ودليل الخطاب، عند أبي حنيفة غير معمول به. المسألة الثالثة: ذهب قوم إلى أن التوجيه في الصلاة واجب، وهو أن يقول بعد التكبير: إما (وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض) وهو مذهب الشافعي وإما أن يسبح، وهو مذهب أبي حنيفة وإما أن يجمع بينهما وهو مذهب أبي يوسف صاحبه. وقال مالك: ليس التوجيه بواجب في الصلاة، ولا بسنة. وسبب الاختلاف: معارضة الاثار الواردة بالتوجيه للعمل عند مالك، أو الاختلاف في صحة الاثار الواردة بذلك. قال القاضي: قد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) كان يسكت بين التكبير، والقراءة إسكاتة، قال: فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي إسكاتك بين بين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من الخطايا كما ينقى الثوب الابيض من الدنس، اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج، والبرد. وقد ذهب قوم إلى استحسان سكتات كثيرة في الصلاة، منها حين يكبر، ومنها حين يفرغ من قراءة أم القرآن، وإذا فرغ من القراءة قبل الركوع، وممن قال بهذا القول الشافعي، وأبو ثور، والاوزاعي.
[ 102 ]
وأنكر ذلك مالك وأصحابه، وأبو حنيفة، وأصحابه. وسبب اختلافهم: اختلافهم في تصحيح حديث أبي هريرة أنه قال: كانت له عليه الصلا والسلام سكتات في صلاته حين يكبر ويفتتح الصلاة، وحين يقرأ فاتحة الكتاب، وإذا فرغ من القراءة قبل الركوع. المسألة الرابعة: اختلفوا في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في افتتاح القراءة في الصلاة، فمنع ذلك مالك في الصلاة المكتوبة جهرا كانت أو سرا، لا في استفتاح أم القرآن، ولا في غيرها من السور، وأجاز ذلك في النافلة وقال أبو حنيفة، والثوري، وأحمد يقرؤها مع أم القرآن في كل ركعة سرا وقال الشافعي: يقرؤها، ولا بد في الجهر جهرا، وفي السر سرا، وهي عنده آية من فاتحة الكتاب وبه قال أحمد وأبو ثور، وأبو عبيد. واختلف قول الشافعي هل هي آية من كل سورة؟ أم إنما هي من سورة النمل فقط، ومن فاتحة
الكتاب؟ فروي عنه القولان جميعا. وسبب الخلاف في هذا: آيل إلى شيئين: أحدهما: اختلاف الاثار في هذا الباب. والثاني: اختلافهم هل بسم الله الرحمن الرحيم آية من فاتحة الكتاب أم لا؟ فأما الاثار: التي احتج بها من أسقط ذلك، فمنها حديث ابن مغفل قال: سمعني أبي، وأنا أقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. فقال: يا بني: إياك والحدث، فإني صليت مع سمع رجلا منهم يقرؤها قال أبو عمر بن عبد البر: ابن مغفل رجل مجهول. ومنها ما رواه مالك من حديث أنس أنه قال: قمت وراء أبي بكر، وعمر وعثمان رضي الله عنهم، فكلهم كان لا يقرأ بسم الله إذا افتتحوا الصلاة. قال أبو عمر: وفي بعض الروايات أنه: قام خلف النبي (ص) فكان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. قال أبو عمر: إلا أن أهل الحديث قالوا في حديث أنس هذا: إن النقل فيه مضطرب اضطرابا لا تقوم به حجة، وذلك أن مرة روي عنه مرفوعا إلى النبي (ص)، ومرة لم يرفع، ومنهم من يذكر عثمان، ومن لا يذكره، ومنهم من يقول: فكانوا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم، ومنهم من يقول: فكانوا لا يقرأون بسم الله الرحمن الرحيم، ومنهم من يقول: فكانوا لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم. وأما الاحاديث المعارضة لهذا، فمنها حديث نعيم بن عبد الله المجمر قال: صليت خلف أبي هريرة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم قبل أم القرآن، وقبل السورة، وكبر في الخفض، والرفع، وقال: أنا أشبهكم بصلاة رسول الله (ص). ومنها حديث ابن عباس: أن النبي (ص) كان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم ومنها حديث أم سلمة أنها قالت كان رسول الله (ص) يقرأ ببسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين. فاختلاف هذه الاثار أحد ما أوجب اختلافهم في قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في الصلاة. والسبب الثاني: كما قلنا هو هل بسم الله الرحمن الرحيم آية من أم الكتاب وحدها أو من كل سورة، أم ليست آية لا من أم الكتاب، ولا من كل سورة؟ فمن رأى أنها آية من أم الكتاب، أوجب قراءتها بوجوب قراءة
[ 103 ]
أم الكتاب عنده في الصلاة، ومن رأى أنها آية من أول كل سورة، وجب عنده أن يقرأها مع السورة. وهذه المسألة قد كثر الاختلاف فيها والمسألة محتملة، ولكن من أعجب ما وقع في هذه المسألة أنهم يقولون: ربما اختلف فيه هل بسم الله الرحمن الرحيم آية من القرآن في غير سورة النمل؟ أم إنما هي آية من القرآن في سورة النمل فقط؟ ويحكون على جهة الرد على الشافعي أنها لو كانت من القرآن في غير سورة النمل، لبينه رسول الله (ص)، لان القرآن نقل تواترا، وهذا الذي قاله القاضي في الرد على الشافعي، وظن أنه قاطع. وأما أبو حامد فانتصر لهذا بأن قال: إنه أيضا لو كانت من غير القرآن، لوجب على رسول الله (ص) أن يبين ذلك، وهذا كله تخبط وشئ غير مفهوم، فإنه كيف يجوز في الاية الواحدة بعينها أن يقال فيها: إنها من القرآن في موضع، وإنها ليست من القرآن في موضع آخر، بل يقال: إن بسم الله الرحمن الرحيم قد ثبت أنها من القرآن حيثما ذكرت وأنها آية من سورة النمل، وهل هي آية من سورة أم القرآن، ومن كل سورة يستفتح بها؟ مختلف فيه، والمسألة محتملة، وذلك أنها في سائر السور فاتحة، وهي جزء من سورة النمل فتأمل هذا، فإنه بين، والله أعلم. المسألة الخامسة: اتفق العلماء على أنه لا تجوز صلاة بغير قراءة، لا عمدا، ولا سهوا إلا شيئا روي عن عمر رضي الله عنه أنه صلى، فنسي القراءة، فقيل له في ذلك، فقال: كيف كان الركوع، والسجود؟ فقيل حسن. فقال: لا بأس إذا، وهو حديث غريب عندهم أدخله مالك في موطئه في بعض الروايات، وإلا شيئا روي عن ابن عباس أنه لا يقرأ في صلاة السر، وأنه قال: قرأ رسول الله (ص) في صلوات، وسكت في أخرى، في الظهر، والعصر قراءة؟ فقال: لا. وأخذ الجمهور بحديث خباب: أنه (ص) كان يقرأ في الظهر والعصر قيل فبأي شئ كنتم تعرفون ذلك، قال: باضطراب لحيته. وتعلق الكوفيون بحديث ابن عباس في ترك وجوب القراءة في الركعتين الاخيرتين من الصلاة لاستواء صلاة الجهر، والسر في سكوت النبي (ص) في هاتين الركعتين. واختلفوا في القراءة الواجبة في الصلاة، فرأى بعضهم أن الواجب من
ذلك أم القرآن لمن حفظها، وأن ما عداها ليس فيه توقيت، ومن هؤلاء من أوجبها في كل ركعة، ومنهم من أوجبها في أكثر الصلاة، ومنهم من أوجبها في نصف الصلاة، ومنهم من أوجبها في ركعة من الصلاة، وبالاول قال الشافعي وهي أشهر الروايات عن مالك وقد روي عنه أنه إن قرأها في ركعتين من الرباعية، أجزأته. وأما من رأى أنها تجزئ في ركعة، فمنهم الحسن البصري، وكثير من فقهاء البصرة وأما أبو حنيفة فالواجب عنده إنما هو قراءة القرآن، أي آية اتفقت أن تقرأ، وحد أصحابه في ذلك ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة مثل آية الدين، وهذا في الركعتين الاوليين. وأما في الاخيرتين، فيستحب عنده التسبيح فيهما دون القراءة وبه قال الكوفيون. والجمهور يستحبون القراءة فيها كلها. والسبب في
[ 104 ]
هذا الاختلاف: تعارض الاثار في هذا الباب، ومعارضة ظاهر الكتاب للاثر: أما الاثار المتعارضة في ذلك، فأحدها: حديث أبي هريرة الثابت: أن رجلا دخل المسجد، فصلى ثم جاء فسلم على النبي (ص)، فرد عليه النبي (ص) السلام وقال: ارجع فصل، فإنك لم تصل، فصلى ثم، جاء فسلم فأمره بالرجوع، فعل ذلك ثلاث مرات، فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره، فقال عليه الصلاة والسلام: إذا قمت إلى الصلاة، فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة، فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تستوي قائما، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها. وأما المعارض لهذا، فحديثان ثابتان متفق عليهما: أحدهما حديث عبادة بن الصامت أنه عليه الصلاة والسلام قال: لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وحديث أبي هريرة أيضا أن رسول الله (ص) قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن، فهي خداج، فهي خداج فهي خداج ثلاثا. وحديث أبي هريرة المتقدم ظاهره أنه يجزئ من القراءة في الصلاة ما تيسر من القرآن، وحديث عبادة، وحديث أبي هريرة الثاني يقتضيان أن أم القرآن شرط في الصلاة، وظاهر قوله تعالى: * (فاقرؤوا ما تيسر منه) * يعضد حديث أبي هريرة المتقدم. والعلماء المختلفون
في هذه المسألة، إما أن يكونوا ذهبوا في تأويل هذه الاحاديث مذهب الجمع، وإما أن يكونوا ذهبوا مذهب الترجيح، وعلى كلا القولين يتصور هذا المعنى. وذلك أنه من ذهب مذهب من أوجب قراءة ما تيسر من القرآن له أن يقول: هذا أرجح، لان ظاهر الكتاب يوافقه، وله أن يقول على طريق الجمع إنه يمكن أن يكون حديث عبادة المقصود به نفي الكمال، لانفي الاجزاء، وحديث أبي هريرة المقصود منه الاعلام بالمجزئ من القراءة، إذا كان المقصود منه تعليم فرائض الصلاة، ولاولئك أيضا أن يذهبوا هذين المذهبين بأن يقولوا: هذه الاحاديث أوضح، لانها أكثر، وأيضا، فإن حديث أبي هريرة المشهور يعضده: وهو الحديث الذي فيه يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين: نصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل، يقول العبد: الحمد لله رب العالمين، يقول الله: حمدني عبدي... الحديث. ولهم أن يقولوا أيضا إن قوله عليه الصلاة والسلام: ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن مبهم، والاحاديث الاخر معينة، والمعين يقضي على المبهم، وهذا فيه عسر، فإن معنى حرف ما هاهنا إنما هو معنى أي شئ تيسر، وإنما يسوغ هذا إن دلت ما في كلام العرب على ما تدل عليه لام العهد، فكان يكون تقدير الكلام: اقرأ الذي تيسر معك من القرآن، ويكون المفهوم منه أم الكتاب، إذا كانت الالف واللام في
[ 105 ]
الذي في الظاهر تدل على العهد، فينبغي أن يتأمل هذا في كلام العرب، فإن وجدت العرب تفعل هذا، أعنى تتجوز في موطن ما، فتدل بما على شئ معين، فليسغ هذا التأويل، وإلا فلا وجه له، فالمسألة كما ترى محتملة، وإنما كان يرتفع الاحتمال لو ثبت النسخ. وأما اختلاف من أوجب أم الكتاب في الصلاة في كل ركعة أو في بعض الصلاة، فسببه احتمال عودة الضمير الذي في قوله عليه الصلاة والسلام: لم يقرأ فيها بأم القرآن على كل أجزاء الصلاة أو على بعضها، وذلك أن من قرأ في الكل منها، أو في الجزء: أعني في ركعة، أو ركعتين لم يدخل تحت قوله عليه الصلاة والسلام: لم يقرأ فيها وهذا الاحتمال بعينه هو
الذي أصار أبا حنيفة إلى أن يترك القراءة أيضا في بعض الصلاة: أعني في الركعتين الاخيرتين. واختار مالك أن يقرأ في الركعتين الاوليين من الرباعية بالحمد، وسورة، وفي الاخيرتين بالحمد فقط، فاختار الشافعي أن يقرأ في الاربع من الظهر بالحمد، وسورة، إلا أن السورة التي تقرأ في الاوليين تكون أطول فذهب مالك إلى حديث أبي قتادة الثابت: أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ في الاوليين من الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة، وفي الاخريين منها بفاتحة الكتاب فقط وذهب الشافعي إلى ظاهر حديث أبي سعيد الثابت أيضا: أنه كان يقرأ في الركعتين الاوليين من الظهر قدر ثلاثين آية، وفي الاخريين قدر خمس عشرة آية. ولم يختلفوا في العصر لاتفاق الحديثين فيها، وذلك أن في حديث أبي سعيد هذا: أنه كان يقرأ في الاوليين من العصر قدر خمس عشرة آية، وفي الاخريين قدر النصف من ذلك. المسألة السادسة: اتفق الجمهور على منع قراءة القرآن في الركوع والسجود لحديث علي في ذلك قال: نهاني جبريل (ص) أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا. قال الطبري: وهو حديث صحيح، وبه أخذ فقهاء الامصار. وصار قوم من التابعين إلى جواز ذلك، وهو مذهب البخاري، لانه لم يصح الحديث عنده. والله أعلم. واختلفوا هل الركوع، والسجود قول محدود يقوله المصلي، أم لا؟ فقال مالك: ليس في ذلك قول محدود، وذهب الشافعي، وأبو حنيفة وأحمد، وجماعة غيرهم إلى أن المصلي يقول في ركوعه سبحان ربي العظيم ثلاثا. وفي السجود سبحان ربي الاعلى ثلاثا على ما جاء في حديث عقبة بن عامر، وقال الثوري: أحب إلي أن يقولها الامام خمسا في صلاته حتى يدرك الذي خلفه ثلاث تسبيحات. والسبب في هذا الاختلاف: معارضة حديث ابن عباس في هذا الباب لحديث عقبة بن عامر: وذلك أن في حديث ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام قال: ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعا، أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء، فقمن أن يستجاب لكم وفي حديث عقبة بن عامر أنه قال: لما
نزلت * (فسبح باسم ربك العظيم) * قال لنا رسول الله (ص): اجعلوها في ركوعكم، ولما
[ 106 ]
نزلت * (سبح اسم ربك الاعلى) * قال: اجعلوها في سجودكم. وكذلك اختلفوا في الدعاء في الركوع بعد اتفاقهم على جواز الثناء على الله فكره ذلك مالك لحديث علي أنه قال عليه الصلاة والسلام: أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود، فاجتهدوا فيه في الدعاء. وقالت طائفة يجوز الدعاء في الركوع، واحتجوا بأحاديث جاء فيها: أنه عليه الصلاة والسلام دعا في الركوع وهو مذهب البخاري، واحتج بحديث عائشة قالت: كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول في ركوعه، وسجوده: سبحانك اللهم ربنا، وبحمدك، اللهم اغفر لي. وأبو حنيفة لا يجيز الدعاء في الصلاة بغير ألفاظ القرآن، ومالك والشافعي يجيزان ذلك. والسبب في ذلك: اختلافهم فيه، هل هو كلام أم لا؟ المسألة السابعة: اختلفوا في وجوب التشهد، وفي المختار منه، فذهب مالك، وأبو حنيفة وجماعة إلى أن التشهد ليس بواجب وذهبت طائفة إلى وجوبه، وبه قال الشافعي، وأحمد، وداود. وسبب اختلافهم معارضة القياس لظاهر الاثار، وذلك أن القياس يقتضي إلحاقه بسائر الاركان التي ليست بواجبة في الصلاة، لاتفاقهم على وجوب القرآن، وأن التشهد ليس بقرآن، فيجب. وحديث ابن عباس أنه قال: كان رسول الله (ص) يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن يقتضي وجوبه مع أن الاصل عند هؤلاء أن أفعاله، وأقواله في الصلاة يجب أن تكون محمولة على الوجوب حتى يدل الدليل على خلاف ذلك. والاصل عند غيرهم على خلاف هذا، وهو أن ما ثبت وجوبه في الصلاة مما اتفق عليه، أو صرح بوجوبه، فلا يجب أن يلحق به إلا ما صرح به، ونص عليه، فهما - كما ترى - أصلا متعارضان. وأما المختار من التشهد، فإن مالكا رحمه الله اختار تشهد عمر رضي الله عنه الذي كان يعلمه الناس على المنبر، وهو: التحيات لله، الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا، وعلى عباد الله
الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. واختار أهل الكوفة: أبو حنيفة، وغيره تشهد عبد الله بن مسعود، قال أبو عمر: وبه قال أحمد، وأكثر أهل الحديث، لثبوت نقله عن رسول الله (ص) وهو: التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشهد ألا إله إلا الله. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله واختار الشافعي ذي رواه عن النبي (ص) قال: كان رسول الله (ص) يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن. فكان: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله
[ 107 ]
الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. وسبب اختلافهم: اختلاف ظنونهم في الارجح منها، فمن غلب على ظنرجحان حديث ما من هذه الاحاديث الثلاثة مال إليه. وقد ذهب كثير من الفقهاء إلا أن هذا كله على التخيير كالاذان، والتكبير على الجنائز، وفي العيدين، وفي غيرذلك مما تواتر نقله. وهو الصواب. والله أعلم. وقد اشترط الشافعي الصلاة على النبي (ص) في التشهد وقال: إنها فرض لقوله تعالى: * (يأيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) * ذهب إلى أن هذا التسليم هو التسليم من الصلاة. وذهب الجمهور إلى أنه التسليم الذي يؤتى به عقب الصلاة عليه. وذهب قوم من أهل الظاهر إلى أنه واجب أن يتعوذ المتشهد من الاربع التي جاءت في الحديث من عذا ب القبر، ومن عذاب جهنم ومن فتنة المسيح الدجال، ومن فتنة المحيا والممات، لانه ثبت: أن رسول الله (ص) كان يتعوذ منها في آخر تشهده، وفي بعض طرقه: إذا فرغ أحدكم من التشهد الاخير، فليتعوذ من أربع الحديث خرجه مسلم. المسألة الثامنة: اختلفوا في التسليم من الصلاة، فقال الجمهور بوجوبه وقال أبو حنيفة وأصحابه: ليس بواجب، والذين أوجبوه منهم من قال: الواجب على المنفرد والامام
تسليمة واحدة ومنهم من قال: اثنتان، فذهب الجمهور مذهب ظاهر حديث علي، وهو قوله عليه الصلاة والسلام فيه: وتحليلها التسليم ومن ذهب إلى أن الواجب من ذلك تسليمتان، فلما ثبت من أنه عليه الصلاة والسلام كان يسلم تسليمتين وذلك عند من حمل فعله على الوجوب. واختار مالك للمأموم تسليمتين، وللامام واحدة، وقد قيل عنه إن المأموم يسلم ثلاثا الواحدة للتحليل، والثانية للامام، والثالثة لمن هو عن يساره وأما أبو حنيفة فذهب إلى ما رواه عبد الرحمن بن زياد الافريقي أن عبد الرحمن بن رافع، وبكر بن سوادة حدثاه عن عبد الله بن عمروا بن العاص قال: قال رسول الله (ص): إذا جلس الرجل في آخر صلاته فأحدث قبل أن يسلم، فقد تمت صلاته قال أبو عمر بن عبد البر: وحديث علي المتقدم أثبت عند أهل النقل، لان حديث عبد الله بن عمرو بن العاص انفرد به الافريقي، وهو عند أهل النقل ضعيف. قال القاضي: إن كان أثبت من طريق النقل، فإنه محتمل من طريق اللفظ، وذلك أنه ليس يدل على أن الخروج من الصلاة لا يكون بغير التسليم إلا بضرب من دليل الخطاب وهو مفهوم ضعيف عند الاكثر، ولكن للجمهور أن يقولوا: إن الالف واللام التي للحصر أقوى من دليل الخطاب في كون حكم المسكوت عنه بضد حكم المنطوق به. المسألة التاسعة: اختلفوا في القنوت، فذهب مالك إلى أن القنوت في صلاة الصبح
[ 108 ]
مستحب، وذهب الشافعي إلى أنه سنة وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يجوز القنوت في صلاة الصبح، وأن القنوت إنما موضعه الوتر وقال قوم: بيقنت في كل صلاة، وقال قوم: لا قنوت إلا في رمضان، وقال قوم: بل في النصف الاخير منه وقال قوم: بل في النصف الاول منه. والسبب في ذلك: اختلاف الاثار المنقولة في ذلك عن النبي (ص)، وقياس بعض الصلوات في ذلك على بعض: أعني التي قنت فيها على التي لم يقنت فيها قال أبو عمر بن عبد البر: والقنوت بلعن الكفرة في رمضان مستفيض في الصدر الاول اقتداء
برسول الله (ص) في دعائه على رعل وذكوان، والنفر الذين قتلوا أصحاب بئر معونة وقال الليث بن سعد: ما قنت منذ أربعين عاما، أو خمسة وأربعين عاما، إلا وراء إمام يقنت. قال الليث: وأخذت في ذلك بالحديث الذي جاء عن النبي (ص): أنه قنت شهرا، أو أربعين يدعو لقوم، ويدعو على آخرين حتى أنزل الله تبارك وتعالى عليه معاتبا * (ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون) * فترك رسول الله (ص) القنوت فما قنت بعدها حتى لقي الله قال: فمنذ حملت هذا الحديث لم أقنت، وهو مذهب يحيى بن يحيى. قال القاضي: ولقد حدثني الاشياخ أنه كان العمل عليه بمسجده عندنا بقرطبة، وأنه استمر إلى زماننا، أو قريب من زماننا. وخرج مسلم عن أبي هريرة: أن النبي (ص) قنت في صلاة الصبح، ثم بلغنا أنه ترك ذلك لما نزلت * (ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم) * وخرج عن أبي هريرة: أنه قنت في الظهر، والعشاء الاخيرة وصلاة الصبح وخرج عنه عليه الصلاة والسلام: أنه قنت شهرا في صلاة الصبح يدعو على بني عصية. واختلفوا فيما يقنت به، فاستحب مالك القنوت ب اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك ونستهديك، ونؤمن بك، ونخنع لك ونخلع، ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد وإليك نسعى ونحفد نرجو رحمتك ونخاف عذابك، إن عذابك بالكفار ملحق ويسميها أهل العراق السورتين، ويروى أنها في مصحف أبي بن كعب. وقال الشافعي، وإسحاق: بل يقنت به اللهم اهدنا فيمن هديت وعافنا فيمن عافيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، تباركت ربنا وتعاليت وهذا يرويه الحسن بن علي من طرق ثابتة أن النبي عليه الصلاة والسلام علمه هذا الدعاء يقنت به في الصلاة. وقال عبد الله بن داود: من لم يقنت بالسورتين، فلا يصلى خلفه، وقال قوم: ليس في القنوت شئ موقوت. الفصل الثاني: في الافعال التي هي أركان وفي هذا الفصل من قواعد المسائل ثمان مسائل: المسألة الاولى: اختلف العلماء في رفع اليدين في الصلاة في ثلاثة مواضع:
[ 109 ]
أحدها: في حكمه، والثاني: في المواضع التي ترفع فيها من الصلاة. والثالث: إلى أين ينتهي برفعها. فأما الحكم، فذهب الجمهور إلا أنه سنة في الصلاة وذهب داود، وجماعة من أصحابه إلى أن ذلك فرض وهؤلاء انقسمو أقساما فمنهم من أوجب ذلك في تكبيرة الاحرام فقط ومنهم من أوجب ذلك في الاستفتاح، وعند الركوع، أعني عند الانحطاط فيه، وعند الارتفاع منه ومنهم من أوجب ذلك في هذين الموضعين، وعند السجود، وذلك بحسب اختلافهم في المواضع التي يرفع فيها. وسبب اختلافهم: معارضة ظاهر حديث أبي هريرة الذي فيه تعليم فرائض الصلاة لفعله عليه الصلاة والسلام، وذلك أن حديث أبي هريرة إنما فيه أنه قال له: وكبر ولم يأمره برفع يديه وثبت عنه عليه الصلاة والسلام من حديث ابن عمر وغيره: أنه كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة. وأما اختلافهم في المواضع التي ترفع فيها: فذهب أهل الكوفة: أبو حنيفة وسفيان الثوري، وسائر فقهائهم إلى أنه لا يرفع المصلي يديه إلا عند تكبيرة الاحرام فقط، وهي رواية ابن القاسم عن مالك. وذهب الشافعي، وأحمد، وأبو عبيد، وأبو ثور وجمهور أهل الحديث، وأهل الظاهر إلى الرفع عند تكبيرة الاحرام، وعند الركوع، وعند الرفع من الركوع وهو مروي عن مالك، إلا أنه عند بعض أولئك فرض، وعند مالك سنة، وذهب بعض أهل الحديث إلى رفعها عند السجود، وعند الرفع منه. والسبب في هذا الاختلاف كله: اختلا ف الاثار الواردة في ذلك، ومخالفة العمل بالمدينة لبعضها، وذلك أن في ذلك أحاديث: أحدها: حديث عبد الله بن مسعود وحديث البراء بن عازب: أنه كان عليه الصلاة والسلام يرفع يديه عند الاحرام مرة واحدة لا يزيد عليها. والحديث الثاني: حديث سالم بن عبد الله ابن عمر عن أبيه: أن رسول الله (ص) كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما أيضا كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. وكان لا يفعل ذلك في السجود، وهو حديث متفق على صحته، وزعموا أنه روى ذلك عن النبي (ص) ثلاثة عشر رجلا من أصحابه. حديث وائل بن حجر وفيه زيادة على ما في حديث عبد الله بن
عمر: أنه كان يرفع يديه عند السجود. فمن حمل الرفع هاهنا على أنه ندب، أو فريضة فمنهم من اقتصر به على الاحرام فقط ترجيحا لحديث عبد الله بن مسعود وحديث البراء بن عازب وهو مذهب مالك لموافقة العمل به، ومنهم من رجح حديث عبد الله بن عمر، فرأى الرفع في الموضعين: أعني في الركوع، وفي الافتتاح لشهرته، واتفق الجميع عليه، ومن كان رأيه من هؤلاء أن الرفع فريضة، حمل ذلك على الفريضة، ومن كان رأيه أنه ندب، حمل ذلك على الندب. ومنهم من ذهب مذهب الجمع، وقال: إنه يجب أن تجمع هذه الزيادات بعضها إلى بعض على ما في حديث وائل بن حجر، فإذن العلماء ذهبوا في هذه الاثار مذهبين: إما مذهب الترجيح، وإما مذهب الجمع. والسبب في اختلافهم: في حمل رفع اليدين في الصلاة هل هو على الندب، أو على الفرض، هو السبب الذي قلناه
[ 110 ]
قبل من أن بعض الناس يرى أن الاصل في أفعاله (ص) أن تحمل على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك، ومنهم من يرى أن الاصل أن لا يزاد فيما صح بدليل واضح من قول ثابت، أو إجماع أنه من فرائض الصلاة إلا بدليل واضح. وقد تقدم هذا من قولنا، ولا معنى لتكرير الشئ الواحد مرات كثيرة. وأما الحد الذي ترفع إليه اليدان فذهب بعضهم إلى أنه المنكبان وبه قال مالك والشافعي وجماعة، وذهب بعضهم إلى رفعها إلى الاذنين وبه قال أبو حنيفة وذهب بعضهم إلى رفعها إلى الصدر. وكل ذلك مروي عن النبي (ص)، إلا أن أثبت ما في ذلك. أنه كان يرفعهما حذو منكبيه وعليه الجمهور والرفع إلى الاذنين أثبت من الرفع إلى الصدر، وأشهر. المسألة الثانية: ذهب أبو حنيفة إلى أن الاعتدال من الركوع، وفي الركوع، غير واجب وقال الشافعي: هو واجب واختلف أصحاب مالك هل ظاهر مذهبه يقتضي أن في ذلك. والسبب في اختلافهم: هل الواجب الاخذ ببعض ما ينطلق عليه الاسم أم بكل ذلك الشئ الذي ينطلق عليه الاسم، فمن كان الواجب عنده الاخذ ببعض ما ينطلق عليه الاسم: لم يشترط الاعتدال في الركوع، ومن كان
الواجب عنده الاخذ بالكل، اشترط الاعتدال. وقد صح عن النبي (ص) أنه قال في الحديث المتقدم للرجل الذي علمه فروض الصلاة: اركع حتى تطمئن راكعا، وارفع حتى تطمئن رافعا فالواجب اعتقاد كونه فرضا، وعلى هذا الحديث عول كل من رأى أن الاصل لا تحمل أفعاله عليه الصلاة والسلام في سائر أفعال الصلاة، مما لم ينص عليها في هذا الحديث على الوجوب حتى يدل الدليل على ذلك، ومن قبل هذا لم يروا رفع اليدين فرضا ولا ما عدا تكبيرة الاحرام والقراءة من الاقاويل التي في الصلاة فتأمل هذا، فإنه أصل مناقض للاصل الاول، وهو سبب الخلاف في أكثر هذه المسائل. المسألة الثالثة: اختلف الفقهاء في هيئة الجلوس فقال مالك وأصحابه ويفضي بأليتيه إلى الارض، وينصب رجله اليمنى ويثني اليسرى، وجلوس المرأة عنده كجلوس الرجل وقال أبو حنيفة وأصحابه: ينصب الرجل اليمنى، ويقعد على اليسرى وفرق الشافعي بين الجلسة الوسطى، والاخيرة، فقال في الوسطى بمثل قول أبي حنيفة وفي الاخيرة بمثل قول مالك. وسبب اختلافهم في ذلك: تعارض الاثار، وذلك أن في ذلك ثلاثة آثار: أحدها: وهو ثابت باتفاق حديث أبي حميد الساعدي الوارد في وصف صلاته عليه الصلاة والسلام. وفيه: وإذا جلس في الركعتين، جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وإذا جلس في الركعة الاخيرة قدم رجله اليسرى، ونصب اليمنى، وقعد على مقعدته. والثاني: حديث وائل بن حجر، وفيه أنه كان إذا قعد في الصلاة نصب اليمنى، , أنه قال: إنما سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى وهو يدخل في المسند لقوله فيه: إنما سنة
[ 111 ]
الصلاة. وفي روايته عن القاسم بن محمد أنه أراهم الجلوس في التشهد، فنصب رجله اليمنى، وثنى اليسرى، وجلس على وركه الايسر، ولم يجلس على قدمه، ثم قال: أراني هذا عبد الله بن عبد الله بن عمر، وحدثني أن أباه كان يفعل ذلك. فذهب مالك مذهب الترجيح لهذا الحديث. وذهب أبو حنيفة مذهب الترجيح لحديث وائل. وذهب الشافعي
مذهب الجمع على حديث أبي حميد. وذهب الطبري مذهب التخيير. وقال: هذه الهيئات كلها جائزة وحسن فعلها لثبوتها عن رسول الله (ص). وهو قول حسن فإن الافعال المختلفة أولى أن تحمل على التخيير منها على التعارض، وإنما يتصور ذلك التعارض أكثر في الفعل مع القول، أو في القول مع القول. المسألة الرابعة: اختلف العلماء في الجلسة الوسطى، والاخيرة، فذهب الاكثر في الوسطى إلى أنها سنة، وليست بفرض وشذ قوم، وقالوا: إنها فرض وكذلك ذهب الجمهور في الجلسة الاخيرة إلى أنها فرض وشذ قوم فقالوا: إنها ليست بفرض. والسبب في اختلافهم: هو تعارض مفهوم الاحاديث، وقياس إحدى الجلستين على الثانية، وذلك أن في حديث أبي هريرة المتقدم: اجلس حتى تطمئن جالسا فوجب الجلوس على ظاهر هذا الحديث في الصلاة كلها، فمن أخذ بهذا، قال: إن الجلوس كله فرض، ولما جاء في حديث ابن بحينة الثابت: أنه عليه الصلاة والسلام أسقط الجلسة الوسطى، ولم يجبرها، وسجد لها وثبت عنه أنه أسقط ركعتين، فجبرها، وكذلك ركعة. فهم الفقهاء من هذا الفرق بين حكم الجلسة الوسطى، وحكم الركعة، وكانت عندهم الركعة فرضا بإجماع، فوجب أن لا تكون الجلسة الوسطى فرضا. فهذا هو الذي أوجب أن فرق الفقهاء بين الجلستين، ورأوا أن سجود السهو إنما يكون للسنن دون الفروض، ومن رأى أنها فرض، قال: السجود للجلسة الوسطى شئ يخصها دون سائر الفرائض، وليس في ذلك دليل على أنها ليست بفرض. وأما من ذهب إلى أنهما كليهما سنة، فقاس الجلسة الاخيرة على الوسطى بعد أن اعتقد في الوسطى بالدليل الذي اعتقد به الجمهور أنها سنة. فإذن السبب في اختلافهم هو في الحقيقة آيل إلى معارضة الاستدلال لظاهر القول، أو ظاهر الفعل، فإن من الناس أيضا من اعتقد أن الجلستين كليهما فرض من جهة أن أفعاله عليه الصلاة والسلام عنده الاصل فيها أن تكون في الصلاة محمولة على الوجوب حتى يدل الدليل على غير ذلك على ما تقدم، فإذن الاصلان جميعا يقتضيان هاهنا أن الجلوس الاخير
فرض، ولذلك عليه أكثر الجمهور من غير أن يكون لمعارض إلا القياس، وأعني بالاصلين: القول والعمل، لذلك أضعف الاقاويل من رأى أن الجلستين سنة. والله أعلم. وثبت عنه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يضع كف اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه
[ 112 ]
اليسرى على ركبته اليسرى، ويشير بأصبعه. واتفق العلماء على أن هذه الهيئة من هيئات الجلوس المستحسنة في الصلاة، أنه كان يشير فقط. المسألة الخامسة: اختلف العلماء في وضع اليدين إحداهما على الاخرى في الصلاة، فكره ذلك مالك في الفرض، وأجازه في النفل ورأى قوم أن هذا الفعل من سنن الصلاة، وهم الجمهور. والسبب في اختلافهم: أنه قد جاءت آثار ثابتة نقلت فيها صفة صلاته عليه الصلاة والسلام، ولم ينقل فيها أنه كان يضع يده اليمنى على اليسرى، وثبت أيضا أن الناس كانوا يؤمرون بذلك. وورد ذلك أيضا من صفة صلاته عليه الصلاة والسلام في حديث أبي حميد فرأى قوم أن الاثار التي أثبتت ذلك، اقتضت زيادة على الاثار التي لم تنقل فيها هذه الزيادة، وأن الزيادة يجب أن يصار إليها. ورأى قوم أن الاوجب المصير إلى الاثار التي ليست فيها هذه الزيادة، لانها أكثر، ولكون هذه ليست مناسبة لافعال الصلاة، وإنما هي من باب الاستعانة، ولذلك أجازها مالك في النفل، ولم يجزها في الفرض، وقد يظهر من أمرها أنها هيئة تقتضي الخضوع، وهو الاولى بها. المسألة السادسة: اختار قوم إذا كان الرجل في وتر من صلاته أن لا ينهض حتى يستوي قاعدا، واختار آخرون أن ينهض من سجود نفسه، وبالاول قال الشافعي، وجماعة وبالثاني قال مالك، وجماعة. وسبب الخلاف: أن في ذلك حديثين مختلفين: أحدهما حديث مالك بن الحويرث الثابت: أنه رأى رسول الله (ص) يصلي فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا. وفي حديث أبي حميد في صفة صلاته عليه الصلاة والسلام: أنه لما رفع رأسه من السجدة الثانية من الركعة الاولى، قام، ولم يتورك. فأخذ بالحديث
الاول الشافعي، جدهل يضع يديه قبل ركبتيه، أو ركبتيه قبل يديه؟ ومذهب مالك وضع الركبتين قبل اليدين. وسبب اختلافهم: أن في حديث ابن حجر قال: رأيت رسول الله (ص) إذا سجد، وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه وعن أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضيديه قبل ركبتيه. وكان عبد الله بن عمر يضع يديه قبل ركبتيه. وقال بعض أهل الحديث حديث وائل بن حجر أثبت من حديث أبي هريرة. المسألة السابعة: اتفق العلماء على أن السجود يكون على سبعة أعضاء: الوجه، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين لقوله عليه الصلاة والسلام: أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء واختلفوا فيمن سجد على وجهه، ونقصه السجود على عضو من تلك الاعضاء هل تبطل صلاته أم لا؟ فقال قوم: لا تبطل صلاته لان اسم السجود إنما
[ 113 ]
يتناول ضاء للحديث الثابت ولم يختلفوا أن من سجد على جبهته وأنفه فقد سجد على وجهه، واختلفوا فيمن سجد على أحدهما، فقال مالك: إن سجد على جبهته دون أنفه جاز، وإن سجد على أنفه دون جبهته لم يجز، وقال أبو حنيفة: بل يجوز ذلك: وقال الشافعي: لا يجوز إلا أن يسجد عليهما جميعا. وسبب اختلافهم: هل الواجب هو امتثال بعض ما ينطلق عليه الاسم أم كله؟ وذلك أن في حديث النبي عليه الصلاة والسلام الثابت عن ابن عباس قال أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء فذكر منها الوجه، فمن رأى أن الواجب هو بعض ما ينطلق عليه الاسم قال: إن سجد على الجبهة، أو الانف أجزأه، ومن رأى أن اسم السجود يتناول من سجد على الجبهة، ولا يتناول من سجد على الانف أجاز السجود على الجبهة دون الانف. وهذا كأنه تحديد البعض الذي هو امتثاله هو الواجب مما ينطلق عليه الاسم، وكان هذا
على مذهب من يفرق بين أبعاض الشئ، فرأى أن بعضها يقوم في امتثاله مقام الوجوب، وبعضها لا يقوم مقامه، فتأمل هذا، فإنه أصل في هذا الباب، وإلا جاز لقائل أن يقول: إنه إن مس من أنفه الارض مثقال خردلة تم سجوده. وأما من رأى أن الواجب هو امتثال كل ما ينطلق عليه الاسم، فالواجب عنده أن يسجد على الجبهة، والانف، والشافعي يقول: إن هذا الاحتمال الذي من قبل اللفظ قد أزاله فعله عليه الصلاة والسلام، وبينه فإنه كان يسجد على الانف، والجبهة لما جاء من: أنه انصرف من صلاة من الصلوات وعلى جبهته وأنفه أثر الطين، والماء فوجب أن يكون فعله مفسرا للحديث المجمل. قال أبو عمر بن عبد البر وقد ذكر جماعة من الحفاظ حديث ابن عباس، فذكروا فيه الانف والجبهة. قال القاضي أبو الوليد: وذكر بعضهم الجبهة فقط، وكلا الروايتين في كتاب مسلم، وذلك حجة لمالك، واختلفوا أيضا هل من شرط السجود أن تكون يد الساجد بارزة، وموضوعة على الذي يوضع عليه الوجه، أم ليس ذلك من شرطه؟ شرط السجود. أحسبه شرط تمامه. وقالت جماعة، ليس ذلك من شرط السجود. ومن هذا الباب اختلافهم في السجود على طاقات العمامة. وللناس فيه ثلاثة مذاهب: قول بالمنع وقول بالجواز وقول بالفرق بين أن يسجد على طاقات يسيرة من العمامة، أو كثيرة، وقول بالفرق بين أن يمس من جبهته الارض شئ، أو لا يمس منها شئ، وهذا الاختلاف كلموجود في المذهب وعند فقهاء الامصار، وفي البخاري: كانوا يسجدون على القلانس والعمائم. واحتج من لم ير إبراز اليدين في السجود بقول ابن عباس: أمر النبي ص) أن نسجد على سبعة أعضاء، ولا نكفت ثوبا، ولا شعرا وقياسا على الركبتين، وعلى الصلاة في الخفين، ويمكن أن يحتج بهذا العموم في السجود على العمامة. المسألة الثامنة: اتفق العلماء على كراهية الاقعاء في الصلاة لما جاء في الحديث من
[ 114 ]
النهي: أن يقعي الرجل في صلاته، كما يقعي الكلب إلا أنهم اختلفوا فيما يدل عليه
الاسم، فبعضهم رأى أن الاقعاء المنهي عنه هو جلوس الرجل على أليتيه في الصلاة ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب، والسبع، ولا خلاف بينهم أن هذه الهيئة ليست من هيئات الصلاة. وقوم رأوا أن معنى الاقعاء الذي نهي عنه هو أن يجعل أليتيه على عقبيه بين السجدتين، وهو أن يجلس على صدور قدميه، وهو مذهب مالك، لما روي عن ابن عمر أنه ذكر أنه إنما كان يفعل ذلك، لانه كان يشتكي قدميه، وأما ابن عباس فكان يقول: الاقعاء على القدمين في السجود على هذه الصفة هو سنة نبيكم سبب اختلافهم: هو تردد اسم الاقعاء المنهي عنه في الصلاة بين أن يدل على المعنى اللغوي، أو يدل على معنى شرعي: أعني على هيئة خصها الشرع بهذا الاسم، فمن رأى أنه يدل على المعنى اللغوي قال: هو إقعاء الكلب. ومن رأى أنه يدل على معنى شرعي قال: إنما أريد بذلك إحدى هيئات الصلاة المنهي عنها، ولما ثبت عن ابن عمر أن قعود الرجل على صدور قدميه ليس من سنة الصلاة سبق إلى اعتقاده أن هذه الهيئة هي التي أريد بالاقعاء المنهي عنه، وهذا ضعيف، فإن الاسماء التي لم تثبت لها معان شرعية يجب أن تحمل على المعنى اللغوي، حتى يثبت لها معنى شرعي، بخلاف الامر في الاسماء التي تثبت لها معان شرعية: أعني أنه يجب أن يحمل على المعاني الشرعية حتى يدل الدليل على المعنى اللغوي مع أنه قد عارض حديث ابن عمر في ذلك حديث ابن عباس. الباب الثاني من الجملة الثالثة وهذا الباب الكلام المحيط بقواعده فيه فصول سبعة: أحدها: في معرفة حكم صلاة الجماعة. والثاني: في معرفة شروط الامامة، ومن أولى بالتقديم، وأحكام الامام الخاصة به. الثالث: في مقام المأموم من الامام، والاحكام الخاصة بالمأمومين. الرابع: في معرفة ما يتبع فيه المأموم الامام مما ليس يتبعه. الخامس: في صفة الاتباع. السادس: فيما يحمله الامام عن المأمومين. السابع: في الاشياء التي إذا فسدت لها صلاة الامام يتعدى الفساد إلى المأمومين.
الفصل الاول: في معرفة حكم صلاة الجماعة في هذا الفصل مسألتان: إحداهما: هل صلاة الجماعة واجبة على من سمع النداء أم ليست بواجبة؟ المسألة الثانية: إذا دخل الرجل المسجد، وقد صلي هل يجب عليه أن يصلى مع الجماعة الصلاة التي قد صلاها، أم لا؟: أما المسألة الاولى: فإن العلماء اختلفوا فيها، فذهب الجمهور إلى أنها سنة أو فرض على الكفاية وذهبت الظاهرية إلى أن صلاة الجماعة فرض متعين على كل مكلف.
[ 115 ]
والسبب في اختلافهم: تعارض مفهومات الاثار في ذلك، وذلك أن ظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة، أو بسبع وعشرين درجة يعني أن الصلاة في جماعات من جنس المندوب إليه، وكأنها كمال زائد على الصلاة الواجبة، فكأنه قال عليه الصلاة والسلام: صلاة الجماعة أكمل من صلاة المنفرد. والكمال إنما هو شئ زائد على الاجزاء، وحديث الاعمى المشهور حين استأذنه في التخلف عن صلاة الجماعة، لانه لا قائد له، فرخص له في ذلك، ثم قال له عليه الصلاة والسلام: أتسمع النداء؟ قال: نعم، قال: لا أجد لك رخصة هو كالنص في وجوبها مع عدم العذر. خرجه مسلم. ومما يقوي هذا حديث أبي هريرة المتفق على صحته، وهو أن رسول الله (ص) قال: والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر بحطب، فيحطب ثم آمر بالصلاة، فيؤذن لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال فأحرق عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده لو يعلم أحدهم أنه يجد عظما سمينا، أو مرماتين حسنتين لشهد العشاء وحديث ابن مسعود وقال فيه إن رسول الله (ص) علمنا سنن الهدى، وإن من سنن الهدى الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه وفي بعض رواياته: ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. فسلك كل واحد من هذين الفريقين مسلك الجمع بتأويل حديث مخالفه. وصرفه إلى ظاهر الحديث الذي تمسك به. فأما أهل الظاهر، فإنهم قالوا: إن المفاضلة لا يمنع
أن تقع في الواجبات أنفسها: أي أن صلاة الجماعة في حق من فرضه صلاة الجماعة، تفضل صلاة المنفرد في حق من سقط عنه وجوب صلاة الجماعة، لكان العذر بتلك الدرجات المذكورة. قالوا: وعلى هذا فلا تعارض بين الحديثين، واحتجوا لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام: صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم. وأما أولئك، فزعموا أنه يمكن أن يحمل حديث الاعمى على نداء يوم الجمعة، إذ ذلك هو النداء الذي يجب على من سمعه الاتيان إليه باتفاق، وهذا فيه بعد. والله أعلم، لان نص الحديث هو أن أبا هريرة قال: أتى النبي (ص) رجل أعمى. فقال: يا رسول الله إنه ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله (ص) أن يرخص له، فيصلي في بيته، فرخص له، فلما ولى دعاه، فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ فقال: نعم، قال: فأجب. وظاهر هذا يبعد أن يفهم منه نداء الجمعة، مع أن الاتيان إلى صلاة الجمعة واجب على كل من كان في المصر، وإن لم يسمع النداء، ولا أعرف في ذلك خلافا. وعارض هذا الحديث أيضا حديث عتبان بن مالك المذكور في الموطأ، وفيه أن عتبان بن مالك كان يأم وهو أعمى، وأنه قال لرسول الله (ص) إنه تكون الظلمة والمطر والسيل وأنل رجل ضرير البصر فصل يا رسول الله في بيتي مكانا، أتخذه مصلى فجاءه رسول الله (ص)، فقال: أين تحب أن أصلي، فأشار له إلى مكان من البيت فصلى فيه رسول الله (ص).
[ 116 ]
وأما المسألة الثانية: فإن الذي دخل المسجد، وقد صلى لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون صلى منفردا، وإما أن يكون صلى في جماعة. فإن كان صلى منفردا، فقال قوم: يعيد معهم كل الصلوات إلا المغرب فقط وممن قال بهذا القول: مالك وأصحابه، وقال أبو حنيفة: يعيد الصلوات كلها إلا المغرب والعصر، وقال الاوزاعي: إلا المغرب والصبح، وقال أبو ثور: إلا العصر والفجر، وقال الشافعي: يعيد الصلوات كلها. وإنما اتفقوا على إيجاب إعادة الصلاة عليه بالجملة لحديث بشر بن محمد عن أبيه: أن
رسول الله (ص) قال له حين دخل المسجد، ولم يصل معه: ما لك لم تصل مع الناس، ألست برجل مسلم؟ فقال: بلى يا رسول الله، ولكني صليت في أهلي، فقال عليه الصلاة والسلام إذا جئت فصل مع الناس وإن كنت قد صليت. فاختلف الناس لاحتمال تخصيص هذا العموم بالقياس أو بالدليل، فمن حمله على عمومه، أوجب عليه إعادة الصلوات كلها، وهو مذهب الشافعي وأما من استثنى من ذلك صلاة المغرب فقط، فإنه خصص العموم بقياس الشبه، وهو مالك رحمه الله، وذلك أنه زعم أن صلاة المغرب هي وتر، فلو أعيدت، لاشبهت صلاة الشفع التي ليست بوتر، لانها كانت تكون بمجموع ذلك ست ركعات، فكأنها كانت تنتقل من جنسها إلى جنس صلاة أخرى، وذلك مبطل لها، وهذا القياس فيه ضعف، لان السلام قد فصل بين الاوتار والتمسك بالعموم أقوى من الاستثناء بهذا النوع من القياس. وأقوى من هذا ما قاله الكوفيون من أنه إذا أعادها يكون قد أوتر مرتين، وقد جاء في الاثر: لا وتران في ية تكون له نفلا، فإن أعاد العصر يكون قد تنفل بعد العصر. وقد جاء النهي عن ذلك، فخصص العصر بهذا القياس، والمغرب بأنهاوتر والوتر لا يعاد، وهذا قياس جيد إن سلم لهم الشافعية أن الصلاة الاخيرة لهنفل. وأما من فرق بين العصر، والصبح في ذلك، فلانه لم تختلف الاثار في النهي عن الصلاة بعد الصبح، واختلف في الصلاة بعد العصر كما تقدم، وهو قول الاوزاعي. وأما إذا صلى في جماعة، فهل يعيد في جماعة أخرى؟ فأكثر الفقهاء على أنه لا يعيد، منهم مالك، وأبو حنيفة. وقال بعضهم: بل يعيد، وممن قال بهذا القول أحمد، وداود، وأهل الظاهر. والسبب في اختلافهم: تعارض مفهوم الاثار في ذلك. وذلك أنه ورد عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا تصلى صلاة في يوم مرتين وروي عنه: أنه أمر الذين صلوا في جماعة أن يعيدوا مع الجماعة الثانية وأيضا فإن ظاهر حديث بسر يوجب الاعادة على كل مصل إذا جاء المسجد، فإن قوته قوة العموم، والاكثر على أنه إذا ورد العام على سبب خاص لا يقتصر به على سببه، وصلاة معاذ مع النبي عليه الصلاة والسلام، ثم كان يؤم قومه في تلك الصلاة فيه دليل على جواز إعادة الصلاة في الجماعة.
فذهب الناس في هذه الاثار مذهب الجمع، ومذهب الترجيح، أما من ذهب مذهب
[ 117 ]
الترجيح، فإنه أخذ بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: لا تصلى صلاة واحدة في يوم مرتين ولم يستثن من ذلك إلا صلاة المنفرد فقط لوقوع الاتفاق عليها وأما من ذهب لصلاة والسلام: لا تصلى صلاة واحدة في يوم مرتين إنما ذلك أن لا يصلي الرجل الصلاة الواحدة بعينها مرتين، يعتقد في كل واحدة منهما أنها فرض بل يعتقد في الثانية أنها زائدة على الفرض، ولكنه مأمور بها، وقال قوم: بل معنى هذا الحديث إنما هو للمنفرد أعني ألا يصلي الرجل المنفرد صلاة واحدة بعينها مرتين. الفصل الثاني في معرفة شروط الامامة، ومن أولى بالتقديم، وأحكام الامام الخاصة به وفي هذا الفصل مسائل أربع: المسألة الاولى: اختلفوا فيمن أولى بالامامة، فقال مالك: يؤم القوم أفقههم، لا أقرؤهم وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة والثوري وأحمد يؤم القوم أقرؤهم. والسبب في هذا الاختلاف: اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم إسلاما، ولا يؤم الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه. وهو حديث متفق على صحته، لكن اختلف العلماء في مفهومه، فمنهم من حمله على ظاهره، وهو أبو حنيفة، ومنهم من فهم من الاقرأ هاهنا الافقه، لانه زعم أن الحاجة إلى الفقه في الامامة أمس من الحاجة إلى القراءة، وأيضا فإن الاقرأ من الصحابة كان هو الافقه ضرورة، وذلك بخلاف ما عليه الناس اليوم. المسألة الثانية: اختلف الناس في إمامة الصبي الذي لم يبلغ الحلم إذا كان قارئا،
فأجاز ذلك قوم لعموم هذا الاثر، ولحديث عمرو بن سلمة أنه كان يؤم قومه، وهو صبي، ومنع ذلك قوم مطلقا، وأجازه قوم في النفل. ولم يجيزوه في الفريضة، وهو مروي عن مالك. وسبب الخلاف في ذلك هل يؤم أحد في صلاة غير واجبة عليه من وجبت عليه، وذلك لاختلاف نية الامام، والمأموم. المسألة الثالثة: اختلفوا في إمامة الفاسق، فردها قوم بإطلاق، وأجازها قوم بإطلاق، وفرق قوم بين أن يكون فسقه مقطوعا به، أو غير مقطوع به، فقالوا: إن كان فسقه مقطوعا به، أعاد الصلاة المصلي وراءه أبدا، وإن كان مظنونا استحبت له الاعادة في الوقت، وهذا
[ 118 ]
الذي اختاره الابهري تأولا على المذهب. ومنهم من فرق بين أن يكون فسقه بتأويل، أو يكون بغير تأويل مثل الذي يشرب النبيذ، ويتأول أقوال أهل العراق، فأجازوا الصلاة وراء المتأول، ولم يجيزوها وراء غير المتأول. وسبب اختلافهم في هذا: أنه شئ مسكوت عنه في الشرع، والقياس فيه متعارض، فمن رأى أن الفسق لما كان لا يبطل صحة الصلاة، ولم يكن يحتاج المأموم من إمامه إلا صحة صلاته فقط على قول من يرى أن الامام يحمل عن المأموم، أجاز إمامة الفاسق، ومن قاس الامامة على الشهادة، واتهم الفاسق أن يكون يصلي صلاة فاسدة كما يتهم في الشهادة أن يكذب، لم يجز إمامته، ولذلك فرق قوم بين أن يكون فسقه بتأويل أو بغير تأويل، وإلى قريب من هذا يرجع من فرق بين أن يكون فسقه مقطوعا به، أو غير مقطوع به، لانه إذا كان مقطوعا به، فكأنه غير معذور في تأويله. وقد رام أهل الظاهر أن يجيزوا إمامة الفاسق بعموم قوله عليه الصلاة والسلام: يؤم القوم أقرؤهم قالوا: فلم يستثن من ذلك فاسقا من غير فاسق، والاحتجاج بالعموم في غير المقصود ضعيف. ومنهم من فرق بين أن يكون فسقه في شروط صحة الصلاة، أو في أمور خارجة عن الصلاة بناء على أن الامام، إنما يشترط فيه وقوع صلاته صحيحة. المسألة الرابعة: اختلفوا في إمامة المرأة، فالجمهور على أنه لا يجوز أن تؤم
الرجال، واختلفوا في إمامتها النساء، فأجاز ذلك الشافعي ومنع ذلك مالك وشذ أبو ثور والطبري، فأجازا إمامتها على الاطلاق، وإنما اتفق الجمهور على منعها أن تؤم الرجال، لانه لو كان جائزا لنقل ذلك عن الصدر الاول، ولانه أيضا لما كانت سنتهن في الصلاة التأخير عن الرجال علم أنه ليس يجوز لهن التقدم عليهم لقوله عليه الصلاة والسلام: أخروهن حيث أخرهن الله ولذلك أجاز بعضهم إمامتها النساء إذ كن متساويات في المرتبة في الصلاة، مع أنه أيضا نقل ذلك عن بعض الصدر الاول. ومن أجاز إمامتها، فإنما ذهب إلى ما رواه أبو داود من حديث أم ورقة: أن رسول الله (ص) كان يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنا يؤذن لها، وأمرها أن تؤم أهل دارها. وفي هذا الباب مسائل كثيرة: أعني من اختلافهم في الصفات المشترطة في الامام تركنا ذكرها، لكونها مسكوتا عنها في الشرع. قال القاضي: وقصدنا في هذا الكتاب إنما هذكر المسائل المسموعة، أو ما له تعلق قريب بالمسموع. وأما أحكام الامام الخاصة به فإن في ذلك أربع مسائل متعلقة بالسمع: إحداها: هل يؤمن الامام إذا فرغ من قراءة أم القرآن؟ أم المأموم هو الذي يؤمن فقط؟ والثانية: متى يكبر تكبيرة الاحرام؟. والثالثة: إذا ارتج عليه هل يفتح عليه أم لا؟ والرابعة: هل يجوز أن يكون موضعه أرفع من موضع المأمومين؟ فأما هل يؤمن الامام إذا فرغ من قراءة أم الكتاب؟ فإن مالكا ذهب في رواية ابن القاسم عنه والمصريين أنه لا يؤمن. وذهب جمهور
[ 119 ]
الفقهاء إلى أنه يؤمن كالمأموم سواء وهي رواية المدنيين عن مالك. وسبب اختلافهم: أن في ذلك حديثين متعارضي الظاهر: أحدهما: حديث أبي هريرة المتفق عليه في الصحيح أنه قال: قال رسول الله (ص): إذا أمن الامام فأمنوا والحديث الثاني ما خرجه مالك عن أبي هريرة أيضا أنه قال عليه الصلاة والسلام: إذا قال الامام غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا آمين. فأما الحديث الاول، فهو نص في تأمين الامام. وأما الحديث الثاني،
فيستدل منه على أن الامام لا يؤمن، وذلك أنه لو كان يؤمن لما أمر المأموم بالتأمين عند الفراغ من أم الكتاب قبل أن يؤمن الامام، لان الامام كما قال عليه الصلاة والسلام: إنما جعل الامام ليؤتم به إلا أن يخص هذا من أقوال الامام: أعني أن يكون للمأموم أن يؤمن معه، أو قبله، فلا يكون فيه دليل على حكم الامام في التأمين، ويكون إنما تضمن حكم المأموم فقط، ولكن الذي يظهر أن مالكا ذهب مذهب الترجيح للحديث الذي رواه لكون السامع هو المؤمن لا الداعي، وذهب الجمهور لترجيح الحديث الاول، لكونه نصا، ولانه ليس فيه شئ من حكم الامام، وإنما الخلاف بينه، وبين الحديث الاخر في موضع تأمين المأموم فقط، لا في هل يؤمن الامام، أو لا يؤمن فتأمل هذا. ويمكن أيضا أن يتأول الحديث الاول بأن يقال: إن معنى قوله فإذا أمن الامام فأمنوا أي فإذا بلغ موضع التأمين. وقد قيل: إن التأمين هو الدعاء، وهذا عدول عن الظاهر لشئ غير مفهوم من الحديث إلا بقياس: أعني أن يفهم من قوله: فإذا قال: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فأمنوا، أنه لا يؤمن الامام. وأما متى يكبر الامام، فإن قوما قالوا: لا يكبر إلا بعد تمام الاقامة واستواء الصفوف، وهو مذهب مالك والشافعي وجماعة وقوم قالوا: إن موضع التكبير هو قبل أن يتم الاقامة، واستحسنوا تكبيره عند قول المؤذن قد قامت الصلاة، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري، وزفر. وسبب الخلاف في ذلك: تعارض ظاهر حديث أنس وحديث بلال: أما حديث أنس، فقال: أقبل علينا رسول الله (ص) قبل أن يكبر في الصلاة فقال: أقيموا صفوفكم، وتراصوا، فإني أراكم من وراء ظهري وظاهر هذا أن الكلام منه كان بعد الفراغ من تمت الاقامة، واستوت الصفوف حينئذ يكبر. وأما حديث بلال، فإنه روى: أنه كان يقيم للنبي (ص)، فكان يقول له: يا رسول الله لا تسبقني بآمين خرجه الطحاوي قالوا فهذا يدل على أن رسول الله (ص) كان يكبر، والاقامة لم تتم. وأما اختلافهم في الفتح على الامام إذا ارتج عليه، فإن مالكا والشافعي وأكثر العلماء أجازوا الفتح عليه ومنع ذلك الكوفيون. وسبب
الخلاف في ذلك: اختلاف الاثار، وذلك أنه روي: أن رسول الله (ص) تردد في آية، فلما انصرف قال: أين أبي ألم يكن في القوم؟ أي يريد الفتح عليه، وروي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يفتح على الامام. والخلاف في ذلك في الصدر الاول، والمنع
[ 120 ]
مشهور عن علي، والجواز عن ابن عمر مشهور. وأما موضع الامام، فإن قوما أجازوا أن يكون أرفع من موضع المأمومين، وقوم منعوا ذلك، وقوم استحبوا من ذلك اليسير، وهو مذهب مالك. وسبب الخلاف في ذلك: حديثان متعارضان: أحدهما: الحديث الثابت: أنه عليه الصلاة والسلام أم الناس على المنبر ليعلمهم الصلاة، وأنه كان إذا أراد أن يسجد نزل من على المنبر. والثاني: ما رواه أبو داود أن حذيفة أم الناس على دكان، فأخذ ابن مسعود بقميصه فجذبه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك أو ينهى عن ذلك. وقد اختلفوا هل يجب على الامام أن ينوي الامامة أم لا؟ فذهب قوم إلى أنه ليس ذلك بواجب عليه لحديث ابن عباس: أنه قام إلى جنب رسول الله (ص) بعد دخوله في الصلاة. ورأى قوم أن هذا محتمل، وأنه لا بد من ذلك إذا كان يحمل بعض أفعال الصلاة عن المأمومين، وهذا على مذهب من يرى أن الامام يحمل فرضا، أو نفلا عن المأمومين. الفصل الثالث: في مقام المأموم من الامام والاحكام الخاصة بالمأمومين وفي هذا الفصل خمس مسائل: المسألة الاولى: اتفق جمهور العلماء على أن سنة الواحد المنفرد أن يقوم عن يمين الامام لثبوت ذلك من حديث ابن عباس، وغيره، وأنهم إن كانوا ثلاثة سوى الامام قاموا وراءه، واختلفوا إذا كانا اثنين سوى الامام، فذهب مالك والشافعي إلى أنهما يقومان خلف الامام وقال أبو حنيفة وأصحابه والكوفيون: بل يقوم الامام بينهما. والسبب في اختلافهم: أن في ذلك حديثين متعارضين: أحدهما: حديث جابر بن عبد الله قال: قمت
عن يسار رسول الله (ص)، فأخذ بيدي، فأدارني حتى أقامني عن يمينه، ثم جاء جبار بن صخر فتوضأ، ثم جاء فقام عن يسار رسول الله (ص)، فأخذ بأيدينا خلفه. والحديث الثاني: حديث ابن مسعود: أنه صلى بعلقمة والاسود، فقام وسطهما وأسنده إلى النبي (ص). قال أبو عمر: واختلف رواة هذا الحديث، فبعضهم أوقفه، وبعضهم أسنده والصحيح أنه موقوف، وأما أن سنة المرأة أن تقف خلف الرجل أو الرجال إن كان هنالك رجل سوى الامام، أو خلف الامام إن كانت وحدها، فلا أعلم في ذلك خلافا لثبوت ذلك من حديث أنس الذي خرجه البخاري: أن النبي (ص) صلى به، وبأمه، أو خالته، قال: فأقامني عن يمينه، وأقام المرأة خلفنا والذي خرجه عنه أيضا مالك أنه قال: فصففت أنا واليتيم وراءه عليه الصلاة والسلام، والعجوز من ورائنا. وسنة الواحد عند الجمهور أن يقف عن يمين الامام لحديث ابن عباس حين بات عند ميمونة. وقال قوم: بل عن يساره، ولا خلاف في أن المرأة الواحدة تصلي خلف الامام، وأنها إن كانت مع الرجل صلى إلى جانب الامام، والمرأة خلفه.
[ 121 ]
المسألة الثانية: أجمع العلماء على أن الصف ف الاول مرغب فيه، وكذلك تراص الصفوف وتسويتها لثبوت الامر بذلك عن رسول الله (ص)، واختلفوا إذا صلى إنسان خلف الصف وحده، فالجمهور على أن صلاته تجزئ وقال أحمد، وأبو ثور وجماعة: صلاته فاسدة. يقول: ليس في ذلك حجة، لان سنة النساء هي القيام خلف الرجال. وكان أحمد كما قلنا يصحح حديث وابصة. وقال غيره: هو من مضطرب الاسناد لا تقوم به حجة. واحتج الجمهور بحديث أبي بكرة أنه ركع دون الصف فلم يأمره رسول الله (ص) بالاعادة، وقال له: زادك الله حرصا، ولا تعد ولو حمل هذا على الندب، لم يكن تعارض: أعني بين حديث وابصة، وحديث أبي بكرة. المسألة الثالثة: اختلف الصدر الاول في الرجل يريد الصلاة، فيسمع الاقامة هل
يسرع المشي إلى المسجد أم لا، مخافة أن يفوته جزء من الصلاة؟ فروي عن عمر وابن عمر وابن مسعود أنهم كانوا يسرعون المشي إذا سمعوا الاقامة. وروي عن زيد بن ثابت وأبي ذر وغيرهم من الصحابة أنهم كانوا لا يرون السعي، بل أن تؤتى الصلاة بوقار وسكينة، وبهذا القول قال فقهاء الامصار لحديث أبي هريرة الثابت: إذا ثوب بالصلاة فلا تأتوها، وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة. الخلاف في ذلك أنه لم يبلغهم هذا الحديث، أو رأوا أن الكتاب يعارضه لقوله تعالى: * (فاستبقوا الخيرات) * وقوله: * (والسابقون السابقونئ أولئك المقربون) * وقوله: * (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم) * وبالجملة فأصول الشرع تشهد بالمبادرة إلى الخير، ولكن إذا صح الحديث، وجب أن تستثنى الصلاة من بين سائر أعمال القرب. المسألة الرابعة: متى يستحب أن يقام إلى الصلاة، فبعض استحسن البدء في أول الاقامة على الاصل في الترغيب في المسارعة، وبعض عند قوله: قد قامت الصلاة، وبعضهم عند حي على الفلاح، وبعضهم قال: حتى يروا الامام، وبعضهم لم يحد في ذلك حدا كمالك رضي الله عنه، فإنه وكل ذلك إلى قدر طاقة الناس، وليس في هذا شرع مسموع إلا حديث أبي قتادة أنه قال عليه الصلاة والسلام: إذا أقيمت الصلاة، فلا تقوموا
[ 122 ]
حتى تروني فإن صح هذا وجب العمل به، وإلا فالمسألة باقية على أصلها المعفو عنه: أعني أنه ليس فيها شرع، وأنه متى قام كل فحسن. المسألة الخامسة: ذهب مالك وكثير من العلماء إلى أن الداخل وراء الامام إذا خاف فوات الركعة بأن يرفع الامام رأسه منها إن تمادى حتى يصل إلى الصف الاول أن له أن يركع دون الصف الاول، ثم يدب راكعا. وكره ذلك الشافعي وفرق أبو حنيفة بين الجماعة والواحد فكرهه للواحد، وأجازه للجماعة وما ذهب إليه مالك مروي عن زيد بن ثابت وابن مسعود. وسبب اختلافهم: اختلافهم في تصحيح حديث أبي بكرة، وهو: أنه دخل
هم ركوع، فركع ثم سعى إلى الصف، فلما انصر ف رسول الله (ص) قال: من الساعي؟ قال أبو بكرة: أنا قال: زادك الله حرصا، ولا تعد. الفصل الرابع: في معرفة ما يجب على المأموم أن يتبع فيه الامام وأجمع العلماء على أنه يجب على المأموم أن يتبع الامام في جميع أقواله وأفعاله إلا في قوله سمع الله لمن حمده، وفي جلوسه إذا صلى جالسا لمرض عند من أجاز إمامة الجالس. وأما اختلافهم في قوله سمع الله لمن حمده، فإن طائفة ذهبت إلى أن الامام يقول إذا رفع رأسه من الركوع سمع الله لمن حمده فقط، ويقول المأموم: ربنا ولك الحمد فقط، وممن قال بهذا القول مالك، وأبو حنيفة، وغيرهما وذهبت طائفة أخرى إلى أن الامام، والمأموم يقولان جميعا سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد، وأن المأموم يتبع فيهما معا الامام كسائر التكبير سواء وقد روي عن أبي حنيفة أن المنفرد، والامام يقول انهما جميعا، ولا خلاف في المنفرد: أعني أنه يقولهما جميعا. وسبب الاختلاف في ذلك: حديثان متعارضان: أحدهما: حديث أنس أن النبي (ص) قال: إنما جعل الامام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا وإذا رفع، فارفعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا ربنا ولك الحمد والحديث الثاني: حديث ابن عمر: أنه (ص) كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك أيضا، وقال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد. فمن رجح مفهوم حديث أنس قال: لا يقول المأموم سمع الله لمن حمده، ولا الامام ربنا ولك الحمد، وهو من باب دليل الخطاب، لانه جعل حكم المسكوت عنه خلاف حكم المنطوق به. ومن رجح حديث ابن عمر قال: يقول الامام ربنا ولك الحمد، ويجب على المأموم أن يتبع الامام في قوله سمع الله لمن حمده لعموم قوله: إنما جعل الامام ليؤتم به ومن جمع بين الحديثين فرق في ذلك بين الامام والمأموم. والحق في ذلك أن حديث أنس يقتضي بدليل الخطاب أن الامام لا يقول ربنا ولك الحمد، وأن المأموم لا يقول سمع الله لمن حمده وحديث ابن عمر يقتضي نصا أن
[ 123 ]
الامام يقول ربنا ولك الحمد، فلا يجب أن يترك النص بدليل الخطاب، فإن النص أقوى من دليل الخطاب، وحديث أنس يقتضي بعمومه أن المأموم يقول: سمع الله لمن حمده بعموم قوله: إنما جعل الامام ليؤتم به وبدليل خطابه ألا يقولها، فوج أن يرجح بين العموم، ودليل الخطاب، ولا خلاف أن العموم أقوى من دليل الخطاب، لكن العموم يختلف أيضا في القوة، والضعف، ولذلك ليس يبعد أن يكون بعض أدلة الخطاب أقوم من بعض أدلة العموم، فالمسألة لعمري اجتهادية: أعني في المأموم. وأما المسألة الثانية: وهي صلاة القائم خلف القاعد، فإن حاصل القول فيها أن العلماء اتفقوا على أنه ليس للصحيح أن يصلي فرضا قاعدا إذا كان منفردا، أو إماما لقوله تعالى: * (وقوموا لله قانتين) * واختلفوا إذا كان المأموم صحيحا فصلى خلف إمام مريض يصلي قاعدا على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المأموم يصلي خلفه قاعدا، وممن قال بهذا القول أحمد، وإسحاق. والقول الثاني: أنهم يصلون خلفه قياما. قال أبو عمر بن عبد البر: وعلى هذا جماعة فقهاء الامصار: الشافعي، وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه وأهل الظاهر، وأبو ثور، وغيرهم، وزاد هؤلاء، فقالوا: يصلون وراءه قياما، وإن كان لا يقوى على الركوع، والسجود، بل يومئ إيماء. وروى ابن القاسم أنه لا تجوز إمامة القاعد، وأنه إن صلوا خلفه قياما أو قعودا بطلت صلاتهم. وقد روي عن مالك أنهم يعيدون الصلاة في الوقت، وهذا إنما بني على الكراهة، لا على المنع، والاول هو المشهور عنه. وسبب الاختلاف: تعارض الاثار في ذلك، ومعارضة العمل للاثار: أعني عمل أهل المدينة عند مالك، وذلك أن في ذلك حديثين متعارضين: أحدهما: حديث أنس، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا وحديث عائشة في في معناه، وهو أنه (ص) وهو شاك جالسا وصل وراءه قوم قياما، فأشار إليهم أن اجلسوا، فلما انصرف قال: إنما جعل الامام ليؤتم به، فإذا ركع، فاركعوا، وإذا رفع فارفعو، وإذا صلى جالسا، فصلوا
جلوسا. والحديث الثاني: حديث عائشة: أن رسول الله (ص) خرج في مرضه الذي توفي منه، فأتى المسجد، فوجد أبا بكر، وهو قائم يصلي بالناس، فاستأخر أبو بكر، فأشار إليه رسول الله (ص) أن كما أنت فجلس رسول الله (ص) إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله (ص) وكان الناس يصلون بصلاة أبي بكر. فذهب الناس في هذين الحديثين مذهبين: مذهب النسخ، ومذهب الترجيح. فأما من ذهب مذهب النسخ، فإنهم قالوا: إن ظاهر حديث عائشة، وهو: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يؤم الناس، وأن أبا بكر كان مسمعا لانه لا يجوز أن يكون إمامان في صلاة واحدة، وإن الناس كانوا
[ 124 ]
قياما وإن النبي عليه الصلاة والسلام كان جالسا، فوجب أن يكون هذا من فعله عليه الصلاة والسلام، إذ كان آخر فعله ناسخا لقوله وفعله المتقدم. وأما من ذهب مذهب الترجيح، فإنهم رجحوا حديث أنس بأن قالوا: إن هذا الحديث قد اضطربت الرواية عن عائشة فيه فيمن كان الامام هل رسول الله (ص) أو أبو بكر؟ وأما مالك فليس له مستند من السماع، لان كلا الحديثين اتفقا على جواز إمامة القاعد، وإنما اختلفا في قيام المأموم أو قعوده حتى إنه لقد قال أبو محمد بن حزم إنه ليس في حديث عائشة أن الناس صلوا، لا قياما، ولا قعودا، وليس يجب أن يترك المنصوص عليه لشئ لم ينص عليه. قال أبو عمر: وقد ذكر أبو المصعب في مختصره عن مالك أنه قال: لا يؤم الناس أحد قاعدا، فإن أمهم قاعدا فسدت صلاتهم وصلاته، لان النبي (ص) قال: لا يؤمن بعدي قاعدا. قال أبو عمر: وهذا حديث لا يصح عند أهل العلم بالحديث لانه يرويه جابر الجعفي مرسلا، وليس بحجة فيما أسند، فكيف فيما أرسل؟ وقد روى ابن القاسم عن مالك أنه كان يحتج بمارواه ربيعة بن أبي عبد الرحمن: أن رسول الله (ص) خرج وهو مريض، فكان أبو بكر هو الامام، وكان رسول الله (ص) يصلي بصلاة أبي بكر، وقال: ما مات نبي حتى يؤمه رجل من أمته. وهذا ليس فيه حجة إلا أن يتوهم أنه ائتم بأبي بكر لانه لا تجوز
صلاة الامام القاعد، وهذا ظن لا يجب أن يترك له النص مع ضعف هذا الحديث. الفصل الخامس: في صفة الاتباع وفيه مسألتان: إحداهما: في وقت تكبيرة الاحرام للمأموم، والثانية: في حكم من رفع رأسه قبل الامام. أما اختلافهم في وقت تكبيرة المأموم، فإن مالكا استحسن أن يكبر بعد فراغ الامام من تكبيرة الاحرام، قال: وإن كبر معه، أجزأه، وقد قيل إنه لا يجزئه، وأما إن كبر قبله، فلا يجزئه. وقال أبو حنيفة وغيره: يكبر مع تكبيرة الامام، فإن فرغ قبله، لم يجزه. وأما الشافعي فعنه في ذلك روايتان: إحداهما مثل قول مالك، وهو الاشهر، والثانية أن المأموم إن كبر قبل الامام أجزأه. وسبب الخلاف: أن في ذلك حديثين متعارضين: أحدهما: قوله عليه الصلاة والسلام: فإذا كبر، فكبروا، والثاني: ما روي: أنه عليه الصلاة والسلام كبر في صلاة من الصلوات، ثم أشار إليهم أن امكثوا، فذهب ثم رجع، وعلى رأسه أثر الماء فظاهر هذا أن تكبيره وقع بعد تكبيرهم، لانه لم يكن له تكبير أولا لمكان عدم الطهارة، وهو أيضا مبني على أصله في أن صلاة المأموم غير مرتبطة بصلاة الامام، نفوه، فليس ينبغي أن يحمل على أحدهما إلا بتوقيف والاصل هو الاتباع، وذلك لا يكون إلا بعد أن يتقدم الامام، إما بالتكبير وإما بافتتاحه. وأما من رفع رأسه قبل الامام، فإن الجمهور يرون أنه أساء، ولكن صلاته جائزة، وأنه يجب عليه أن يرجع، فيتبع الامام
[ 125 ]
وذهب قوم إلى أن صلاته تبطل للوعيد الذي جاء في ذلك، وهو قوله عليه الصلاة والسلام أما يخاف الذي يرفع رأسه قبل الامام أن يحول الله رأسه رأس حمار؟. الفصل السادس: فيما حمله الامام عن المأمومين واتفقوا على أنه لا يحمل الامام عن المأموم شيئا من فرائض الصلاة ما عدا القراءة، فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: أحدها: أن المأموم يقرأ مع الامام فيما أسر فيه، ولا يقرأ معه فيما جهر به. والثاني: أنه لا يقرأ معه أصلا. والثالث: أنه يقرأ فيما أسر أم
الكتاب وغيرها، وفيما جهر أم الكتاب فقط. وبعضهم فرق في الجهر بين أن يسمع قراءة الامام، أو لا يسمع، فأوجب عليه القراءة إذا لم يسمع ونهاه عنها إذا سمع، وبالاول قال مالك، إلا أنه يستحسن له القراءة فيما أسر فيه الامام وبالثاني قال أبو حنيفة وبالثالث قال الشافعي والتفرقة بين أن يسمع، أو لا يسمع هو قول أحمد بن حنبل. والسبب في اختلافهم: اختلاف الاحاديث في هذا الباب، وبناء بعضها على بعض. وذلك أن في ذلك أربعة أحاديث: أحدها: قوله عليه الصلاة والسلام: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وما ورد من الاحاديث في هذا المعنى مما قد ذكرناه في باب وجوب القراءة. والثاني ماروى مالك عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي منكم أحد آنفا؟ فقال رجل: نعم أنا يا رسول الله، فقال رسول الله: إني أقول ما لي أنازع القرآن فانتهى الناس عن القراءة فيما جهر فيه رسول الله (ص). والثالث حديث عبادة بن الصامت قال: صلى بنا رسول الله (ص) صلاة الغداة، فثقلت عليه القراءة، فلما انصرف قال: إني لاراكم تقرأون وراء الامام، قلنا: نعم، قال: فلا تفعلوا إلا بأم القرآن قال أبو عمر، وحديث عبادة بن الصامت هنا من رواية مكحول، وغيره متصل السند صحيح. الحديث الرابع: حديث جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام قال: من كان له إمام فقراءته له قراءة. وفي هذا حديث خامس صححه أحمد بن حنبل، وهو ما روي أنه قال عليه الصلاة والسلام: إذا قرأ الامام فأنصتوا. فاختلف الناس في وجه جمع هذه الاحاديث، فمن الناس من استثنى من النهي عن القراءة فيما جهر فيه الامام قراءة أم القرآن فقط على حديث عبادة بن الصامت. ومنهم من استثنى من عموم قوله عليه الصلاة والسلام: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب المأموم فقط في صلاة الجهر لمكان النهي الوارد عن القراءة فيما جهر فيه الامام في حديث أبي هريرة وأكد ذلك بظاهر قوله تعالى: * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) *. قالوا: وهذا إنما ورد في الصلاة. ومنهم من استثنى القراءة الواجبة على المصلى للمأموم فقط سرا كانت الصلاة أو جهرا، وجعل
[ 126 ]
الوجوب الوارد في القراءة في حق الامام والمنفرد فقط مصيرا إلى حديث جابر، وهو مذهب أبي حنيفة، فصار عنده حديث جابر مخصصا لقوله عليه الصلاة والسلام: واقرأ ما تيسر معك فقط لانه لا يرى وجوب قراءة أم القرآن في الصلاة، وإنما يرى وجوب القراءة مطلقا على ما تقدم. وحديث جابر لم يروه مرفوعا إلا جابر الجعفي، ولا حجة في شئ مما ينفرد به. قال أبو عمر: وهو حديث لا يصح إلا مرفوعا عن جابر. الفصل السابع: في الاشياء التي إذا فسدت لها صلاة الامام يتعدى الفساد إلى المأمومين واتفقوا على أنه إذا طرأ عليه الحدث في الصلاة، فقطع، أن صلاة المأمومين ليست تفسد، واختلفوا إذا صلى بهم وهو جنب وعلموا بذلك بعد الصلاة، فقال قوم: صلاتهم صحيحة، وقال قوم: صلاتهم فاسدة، وفرق قوم بين أن يكون الامام عالما بجنابته، أو ناسيا لها، فقالوا إن كان عالما فسدت صلاتهم، وإن كان ناسيا لم تفسد صلاتهم، وبالاول قال الشافعي وبالثاني قال أبو حنيفة وبالثالث قاما لك. وسبب اختلافهم: هل صحة انعقاد صلاة المأموم مرتبطة بصحة صلاة الامام أم ليست مرتبطة؟ فمن لم يرها مرتبطة قال: صلاتهم جائزة، ومن رآها مرتبطة قال: صلاتهم فاسدة، ومن فرق بين السهو، والعمد قصد إلى ظاهر الاثر المتقدم وهو: أنه عليه الصلاة والسلام كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار إليهم أن امكثوا، فذهب ثم رجع وعلى جسمه أثر الماء. فإن ظاهر هذا أنهم بنوا على صلاتهم، والشافعي يرى أنه لو كانت الصلاة مرتبطة للزم أن يبدؤوا بالصلاة مرة ثانية. الباب الثالث من الجملة الثالثة والكلام المحيط بقواعد هذا الباب منحصر في أربعة فصول. الفصل الاول: في وجوب الجمعة، وعلى من تجب. الثاني: في شروط الجمعة. الثالث: في أركان الجمعة. الرابع: في أحكام الجمعة.
الفصل الاول: في وجوب الجمعة ومن تجب عليه أما وجوب صلاة الجمعة على الاعيان، فهو الذي عليه الجمهور، لكونها بدلا من واجب، وهو الظهر، ولظاهر قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) *. والامر على الوجوب، ولقوله عليه الصلاة والسلام: لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم وذهب قوم إلى أنها من فروض الكفاية وعن مالك رواية شاذة أنها سنة. والسبب في هذا
[ 127 ]
الاختلاف: تشبيهها بصلاة العيد لقوله عليه الصلاة والسلام: إن هذا يوم جعله الله عيدا وأما على من تجب فعلى من وجدت فيه شرووجوب الصلاة المتقدمة، ووجد فيها زائدا عليها أربعة شروط اثنان باتفاق واثنان مختلف فيهما. أما المتفق عليهما فالذكورة والصحة، فلا تجب على امرأة ولا على مريض باتفاق، ولكن إن حضروا كانوا من أهل الجمعة. وأما المختلف فيهما فهما المسافر، والعبد، فالجمهور على أنه لا تجب عليهما الجمعة، وداود وأصحابه على أنه تجب عليهما الجمعة. وسبب اختلافهم: اختلافهم في صحة الاثر الوارد في ذلك، وهو قوله عليه الصلاة والسلام الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: عبد مملوك، أو امرأة، أو صبي، أو مريض وفي أخرى إلا خمسة وفيه أو مسافر والحديث لم يصح عند أكثر العلماء. الفصل الثاني: في شروط الجمعة وأما شروط الجمعة، فاتفقوا على أنها شروط الصلاة المفروضة بعينها: أعني الثمانية المتقدمة، ما عدا الوقت والاذان، فإنهم اختلفوا فيهما، وكذلك اختلفوا في شروطها المختصة بها. أما الوقت فإن الجمهور على أن وقتها وقت الظهر بعينه: أعني وقت الزوال، وأنها لا تجوز قبل الزوال، وذهب قوم إلى أنه يجوز أن تصلى قبل الزوال، وهو
قول أحمد بن حنبل. والسبب في هذا الاختلاف: الاختلاف في مفهوم الاثار الواردة في تعجيل الجمعة مثل ما خرجه البخاري عن سهل بن سعد أنه قال: ما كنا نتغدى على عهد رسول الله (ص)، ولا نقيل إلا بعد الجمعة. ومثل ما روى أنهم كانوا يصلون، وينصرفون وما للجدران أظلال. فمن فهم من هذه الاثار الصلاة قبل الزوال أجاز ذلك، ومن لم يفهم منها إلا التبكير فقط لم يجز ذلك، لئلا تتعارض الاصول في هذا الباب وذلك أنه قد ثبت من حديث أنس بن مالك: أن النبي (ص) كان يصلي الجمعة حين تميل الشمس وأيضا فإنها لما كانت بدلا من الظهر، وجب أن يكون وقتها وقت الظهر، فوجب من طريق الجمع بين هذه الاثار أن تحمل تلك على التبكير، إذ ليست نصا في الصلاة قبل الزوال، وهو الذي عليه الجمهور. وأما الاذان فإن جمهور الفقهاء اتفقوا على أن وقته هو إذا جلس الامام على المنبر، واختلفوا هل يؤذن بين يدي الامام مؤذن واحد فقط أو أكثر من واحد؟ فذهب بعضهم إلى أنه إنما يؤذن بين يدي الامام مؤذن واحد فقط، وهو الذي يحرم به البيع والشراء. وقال آخرون: بل يؤذن اثنان فقط. وقال قوم: بل إنما يؤذن ثلاثة. والسبب في اختلافهم: اختلاف الاثار في ذلك، وذلك أنه روى البخاري عن السائب بن يزيد أنه قال: كان النداء يوم الجمعة إذا جلس الامام على المنبر على عهد، وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء وروي أيضا عن
[ 128 ]
السائب بن يزيد أنه قال: لم يكن يوم الجمعة لرسول الله (ص) إلا مؤذن واحد وروي أيضا عن سعيد بن المسيب أنه قال: كان الاذان يوم الجمعة على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر وعمر أذانا واحدا حين يخرج الامام، فلما كان زمان عثمان، وكثر الناس، فزاد الاذان الاول ليتهيأ الناس للجمعة وروى ابن حبيب: أن المؤذنين كانوا يوم الجمعة على عهد رسول الله (ص) ثلاثة. فذهب قوم إلى ظاهر ما رواه البخاري، وقالوا: يؤذن يوم الجمعة مؤذنان وذهب آخرون إلى أن المؤذن واحد، فقالوا: إن معنى قوله: فلما كان زمان عثمان، وكثر الناس، زاد النداء الثالث أن النداء الثاني هو الاقامة، وأخذ آخرون بما رواه ابن
حبيب، وأحاديث ابن حبيب عند أهل الحديث ضعيفة ولا سيما فيما انفرد به. وأما شروط الوجوب والصحة المختصة بيوم الجمعة، فاتفق الكل على أن من شرطها الجماعة، واختلفوا في مقدار الجماعة، فمنهم من قال: واحد مع الامام، وهو الطبري، ومنهم من قال: اثنان سوى الامام. ومنهم من قا: ثلاثة دون الامام، وهو قول أبي حنيفة، ومنهم من اشترط أربعين: وهو قول الشافعي، وأحمد وقال قوم ثلاثين. ومنهم من لم يشترط عددا، ولكن رأى أنه يجوز بما دون الاربعين ولا يجوز بالثلاثة، والاربعة، وهو مذهب مالك، وحدهم بأنهم الذين يمكن أن تتقرى بهم قرية. وسبب اختلافهم في هذا: اختلافهم في أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع هل ذلك ثلاثة، أو أربعة، أو اثنان، وهل الامام داخل فيهم أليس بداخل فيهم؟ وهل الجمع المشترط في هذه الصلاة هو أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع في غالب الاحوال؟ وذلك هو أكثر من الثلاثة والاربعة. فمن ذهب إلى أن الشرط في ذلك هو أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع، وكان عنده أن أقل ما ينطلق عليه اسم الجمع اثنان، فإن كان ممن يعد الامام في الجمع المشترط في ذلك، قال تقوم الجمعة باثنين: الامام، وواحد ثان، وإن كان ممن لا يرى أن يعد الامام في الجمع، قال: تقوم باثنين سوى الامام، ومن كان أيضا عنده أن أقل الجمع ثلاثة، ثة سوى الامام، وإن كان ممن يعد الامام في جملتهم وافق قول من قال: أقل الجمع اثنان، ولم يعد الامام في جملتهم. وأما من راعى ما ينطلق عليه في الاكثر، والعرف المستعمل اسم الجمع، قال: لا تنعقد بالاثنين، ولا بالاربعة، ولم يحد في ذلك حدا. ولما كان من شرط الجمعة الاستيطان عنده حد هذا الجمع بالقدر من الناس الذين يمكنهم أن يسكنوا على حدة من الناس، وهو مالك رحمه الله. وأما من اشترط الاربعين، فمصيرا إلى ما روي أن هذا العدد كان في أول جمعة صليت بالناس، فهذا هو أحد شروط صلاة الجمعة: أعني شروط الوجوب وشروط الصحة، فإن من الشروط ما هي شروط وجوب فقط، ومنها ما يجمع الامرين جميعا: أعني أنها شروط وجوب، وشروط صحة. وأما الشرط الثاني، وهو الاستيطان، فإن فقهاء الامصار اتفقوا عليه، لاتفاقهم على أن الجمعة لا تجب على المسافر
وخالف في ذلك أهل الظاهر لايجابهم الجمعة على المسافر، واشترط أبو حنيفة المصر
[ 129 ]
والسلطان مع هذا، ولم يشترط العدد. وسبب اختلافهم في هذا الباب: هو الاحتمال المتطرق إلى الاحوال الراتبة التى اقترنت بهذه الصلاة عند فعله إياها (ص) هل هي شرط في صحتها، أو وجوبها، أليست بشرط؟ وذلك أنه لم يصلها (ص) إلا في جماعة، ومصر، ومسجد جامع، فمن رأى أن اقتران هذه الاشياء بصلاته مما يوجب كونها شرطا في صلاة الجمعة، اشترطها، ومن رأى بعضها دون بعض، اشترط ذلك البعض دون غيره كاشتراط مالك المسجد وتركه اشتراط المصر والسلطان. ومن هذا الموضوع اختلفوا في مسائل كثيرة من هذا الباب مثل اختلافهم هل تقام جمعتان في مصر واحد، أو لا تقام؟ والسبب في اختلافهم في اشتراط الاحوال والافعال المقترنة بها: هو كون بعض تلك الاحوال أشد مناسبة لافعال الصلاة من بعض، ولذلك اتفقوا على اشتراط الجماعة، إذ كان معلوما من الشرع أنها حال من الاحوال الموجودة في الصلاة، ولم ير مالك المصر ولا السلطان شرطا في ذلك لكونه غير مناسب لاحوال الصلاة، ورأى المسجد شرطا لكونه أقرب مناسبة حتى لقد اختلف المتأخرون من أصحابه هل من شرط المسجد السقف أم لا؟ وهل من شرطه أن تكون الجمعة راتبة فيه أم لا؟ وهذا كله لعله تعمق في هذا الباب ودين الله يسر، ولقائل أن يقول: إن هذه لو كانت شروطا في صحة الصلاة، لما جاز أيسكت عنها عليه الصلاة والسلام، ولا أن يترك بيانها لقوله تعالى: * (لتبين للناس ما نزل إليهم) * ولقوله تعالى: * (لتبين لهم الذي اختلفوا فيه) *. والله المرشد للصواب. الفصل الثالث: في الاركان اتفق المسلمون على أنها خطبة، وركعتان بعد الخطبة، واختلفوا من ذلك في خمس مسائل هي قواعد هذا الباب المسألة الاولى: في الخطبة، هل هي شرط في صحة الصلاة، وركن من أركانها أم لا؟
فذهب الجمهور إلى أنها شرط، وركن وقال أقوام: إنها ليست بفرض، وجمهور أصحاب مالك على أنها فرض إلا ابن الماجشون. وسبب اختلافهم: هو هل الاصل المتقدم من احتمال كل ما اقترن بهذه الصلاة أن يكون من شروطها، أو لا يكون؟ فمن رأى أن الخطبة حال من الاحوال المختصة بهذه الصلاة، وبخاصة إذا توهم أنها عوض من الركعتين اللتين نقصتا من هذه الصلاة قال: إنها ركن من أركان هذه الصلاة وشرط في صحتها، ومن رأى أن المقصود منها هو الموعظة المقصودة من سائر الخطب، رأى أنهليست شرطا من شروط الصلاة، وإنما وقع الخلاف في هذه الخطبة هل هي فرض أم لا؟ لكونها راتبة من سائر الخطب، وقد
[ 130 ]
احتج قوم لوجوبها بقوله تعالى: * (فاسعوا إلى ذكر الله) * وقالوا: هو الخطبة. المسألة الثانية: واختلف الذين قالوا بوجوبها في القدر المجزئ منها، فقال ابن القاسم: هو أقل ما ينطلق عليه اسم خطبة في كلام العرب من الكلام المؤلف المبدوء بحمد الله. وقال الشافعي: أقل ما يجزئ من ذلك خطبتان اثنتان يكون في كل واحدة منهما قائما يفصل إحداهما من الاخر بجلسة خفيفة يحمد الله في كل واحدة منهما في أولها، ويصلي على النبي (ص) ويوصي بتقوى الله ويقرأ شيئا من القرآن في الاولى، ويدعو في الاخرة. والسبب في اختلافهم: هو هل يجزئ من ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم اللغوي، أو الاسم الشرعي فمن رأى أن المجزئ أقل ما ينطلق عليه الاسم اللغوي لم يشترط فيها شيئا من الاقوال التي نقلت عنه (ص) فيها. ومن رأى أن المجزئ من ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم الشرعي اشترط فيها أصول الاقوال التي نقلت من خطبه (ص): أعني الاقوال الراتبة غير المتبدلة. والسبب في هذا الاختلاف: أن الخطبة التي نقلت عنه فيها أقوال راتبة وغير راتبة، فمن اعتبر الاقوال الغير راتبة، وغلب حكمها، قال: يكفي من ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم اللغوي، أعني اسم خطبة عند العرب. ومن اعتبر الاقوال الراتبة، وغلب حكمها قال: لا يجزئ من ذلك إلا أقل ما ينطلق عليه اسم الخطبة في عرف
الشرع واستعماله. وليس من شرط الخطبة عند مالك الجلوس، وهو شرط كما قلنا عند الشافعي، وذلك أنه من اعتبر المعنى المعقول منه من كونه استراحة للخطيب، لم يجعله شرطا، ومن جعل ذلك عبادة، جعله شرطا. المسألة الثالثة: اختلفوا في الانصات يوم الجمعة والامام يخطب على ثلاثة أقوال: منهم من رأى أن الانصات واجب على كل حال، وأنه حكم لازم من أحكام الخطبة، وهم الجمهور ومالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد بن حنبل، وجميع فقهاء الامصار. وهؤلاء انقسموا ثلاثة أقسام: فبعضهم أجاز التشميت، ورد السلام في وقت الخطبة، وبه قال الثوري، والاوزاعي، وغيرهم، وبعضهم لم يجز رد السلام، ولا التشميت، وبعضهم فرق بين السلام، والتشميت، فقالوا: يرد السلام ولا يشمت، والقول الثاني: مقابل القول الاول، وهو أن الكلام في حال الخطبة جائز إلا في حين قراءة القرآن فيها، وهو مروي عن الشعبي، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي. والقول الثالث: الفرق بين أن يسمع الخطبة، أو لا يسمعها، فإن سمعها أنصت، وإن لم يسمع جاز له أن يسبح، أو يتكلم في مسألة من العلم، وبه قال أحمد وعطاء، وجماعة، والجمهور على أنه إن تكلم لم تفسد صلاته، وروي عن ابن وهب أنه قال: من لغا، فصلاته ظهر أربع. وإنما صار الجمهور لوجوب الانصات
[ 131 ]
لحديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والامام يخط ب فقد لغوت. وأما من لم يوجبه، فلا أعلم لهم شبهة إلا أن يكونوا يرون أن هذا الامة قد عارضه دليل الخطاب في قوله تعالى: * (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) * أي أن ما عدا القرآن، فليس يجب له الانصات، وهذا فيه ضعف والله أعلم. والاشبه أن يكون هذا الحديث لم يصلهم. وأما اختلافهم في رد السلام وتشميت العاطس: فالسبب فيه تعارض عموم الامر بذلك لعموم الامر بالانصات، واحتمال أن يكون كل واحد منهما مستثنى من صاحبه، فمن استثنى من عموم الامر
بالصمت يوم الجمعة الامر بالسلام وتشميت العاطس أجازهما، ومن استثنى من عموم الامر برد السلام والتشميت الامر بالصمت في حين الخطبة لم يجز ذلك، ومن فرق، فإنه استثنى رد السلام من النهي عن التكلم في الخطبة، واستثنى من عموم الامر التشميت وقت الخطبة، وإنما ذهب واحد واحد من هؤلاء إلى واحد واحد من هذه المستثنيات لما غلب على ظنه من قوة العموم في أحدها، وضعفه في الاخر، وذلك أن الامر بالصمت هو عام في الكلام خاص في الوقت، والامر برد السلام، والتشميت هو عام في الوقت خاص في الكلام، فمن استثنى الزمن الخاص من الكلام العام لم يجز رد السلام، ولا التشميت في وقت الخطبة، ومن استثنى الكلام الخاص من النهي عن الكلام العام، أجاز ذلك. والصواب ألا يصار لاستثناء أحد العمومين بأحد الخصوصين إلا بدليل، فإن عسر ذلك فبالنظر في ترجيح العمومات والخصوصات، وترجيح تأكيد الاوامر بها، والقول از أنه إن كانت الاوامر قوتها واحدة، والعمومات والخصوصات قوتها واحدة ولم يكن هناك دليل على أي يستثنى من أي وقع التمانع ضرورة، وهذا يقل وجوده، وإن لم يكن فوجه الترجيح في العمومات والخصوصات الواقعة في أمثال هذه المواضع هو النظر إلى جميع أقسام النسب الواقعة بين الخصوصين والعمومين، وهي أربع: عمومان في مرتبة واحدة من القوة، وخصوصان في مرتبة واحدة من القوة، فهذا لا يصار لاستثناء أحدهما إلا بدليل. الثاني: مقابل هذا، وهو خصوص في نهاية القوة، وعموم في نهاية الضعف فهذا يجب أن يصار إليه، ولا بد، أعني أن يستثنى من العموم الخصوص. الثالث: خصوصان في مرتبة واحدة، وأحد العمومين أضعف من الثاني، فهذا ينبغي أن يخصص فيه العموم الضعيف. الرابع: عمومان في مرتبة واحدة، وأحد الخصوصين أقوى من الثاني، فهذا يجب أن يكون الحكم فيه للخصوص القوي، وهذا كله إذا تساوت الاوامر فيها في مفهوم التأكيد، فإن اختلفت، حدثت من ذلك تراكيب مختلفة
[ 132 ]
ووجبت المقايسة أيضا بين قوة الالفاظ، وقوة الاوامر، ولعسر انضباط هذه الاشياء قيل:
إن كل مجتهد مصيب، أو أقل ذلك غير مأثوم. المسألة الرابعة: اختلفوا فيمن جاء يوم الجمعة والامام على المنبر هل يركع أم لا؟ فذهب بعض إلى أنه لا يركع، وهو مذهب مالك وذهب بعضهم إلى أنه يركع. والسبب في اختلافهم: معارضة القياس لعموم الاثر، وذلك أن عموم قوله عليه الصلاة والسلام: إذا جاء أحدك المسجد، فليركع ركعتين يوجب أن يركع الداخل في المسجد يوم الجمعة وإن كان الامام يخطب، والامر بالانصات إلى الخطيب يوجب دليله أن لا يشتغل بشئ مما يشغل عن الانصات وإن كان عبادة. ويؤيد عموم هذا الاثر ما ثبت من قوله عليه الصلاة والسلام: إذا جاء أحدكم المسجد والامام يخطب، فليركع ركعتين خفيفتين خرجه مسلم، وفي بعض رواياته، وأكثر رواياته: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر الرجل الداخل أن يركع ولم يقل: إذا جاء أحدكم الحديث. فيتطرق إلى هذا الخلاف في: هل تقبل زيادة الراوي الواحد إذا خالفه أصحابه عن الشيخ الاول الذي اجتمعوا في الرواية عنه أم لا؟ فإن صحت الزيادة وجب العمل بها، فإنها نص في موضوع الخلاف، والنص لا يجب أن يعارض بالقياس لكن يشبه أن يكون الذي راعاه مالك في هذا هو العمل. المسألة الخامسة: أكثر الفقهاء على أن من سنة القراءة في صلاة الجمعة قراءة سورة الجمعة في الركعة الاولى لما تكرر ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام، وذلك أنه خرج مسلم عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) كان يقرأ في الركعة الاولى بالجمعة، وفي الثانية بإذا جاءك المنافقون وروى مالك: أن الضحاك بن قيس سأل النعمان بن بشير ماذا كان يقرأ به رسول الله (ص) يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة؟ قال: كان يقرأ ب * (هل أتاك حديث الغاشية) *. واستحب مالك العمل على هذا الحديث وإن قرأ عنده بسبح اسم ربك الاعلى كان حسنا، لانه مروي عن عمر بن عبد العزيز، وأما أبو حنيفة فلم يقف فيها شيئا. والسبب في اختلافهم: معارضة حال الفعل للقياس، وذلك أن القياس يوجب أن لا يكون لها سورة راتبة كالحال في سائر الصلوات، ودليل الفعل يقتضي
أن يكون لها النعمان بن بشير: أن رسول الله (ص) كان يقرأ في العيدين وفي الجمعة بسبح اسم ربك الاعلى، وهل أتاك حديث الغاشية. قال: فإذا اجتمع العيد، والجمعة فيوم واحد قرأ بهما في الصلاتين، وهذا يدل على أنه ليس هناك سورة راتبة، وأن الجمعة ليس كان يقرأ بها دائما.
[ 133 ]
الفصل الرابع: في أحكام الجمعة وفي هذا الباب أربع مسائل الاولى: في حكم طهر الجمعة. الثانية: على من تجب ممن خارالمصر. الثالثة: في وقت الرواح المرغب فيه إلى الجمعة. الرابعة: في جواز البيع يوم الجمعة بعد النداء. المسألة الاولى: اختلفوا في طهر الجمعة، فذهب الجمهور إلى أنه سنة وذهب أهل الظاهر إلى أنه فرض، ولا خلاف فيما أعلم أنه ليس شرطا في صحة الصلاة. والسبب في اختلافهم: تعارض الاثار، وذلك أن في هذا لباب حديث أبي سعيد الخدري، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: طهر يوم الجمعة واجب على كل محتلم كطهر الجنابة وفيه حديث عائشة قالت: كان الناس عمال أنفسهم، فيروحون إلى الجمعة بهيئتهم، فقيل لو اغتسلتم؟ والاول صحيح باتفاق، والثاني خرجه أبو داود، ومسلم. وظاهر حديث أبي سعيد يقتضي وجوب الغسل، وظاهر حديث عائشة أن ذلك كان لموضع النظافة، وأنه ليس عبادة، وقد روي: من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل، فالغسل أفضل وهو نص في سقوط فرضيته إلا أنه حديث ضعيف. المسألة الثانية: وأما وجوب الجمعة على من هو خارج المصر، فإن قوما قالوا: لا تجب على من خارج المصر، وقوم قالوا: بل تجب، وهؤلاء اختلفوا اختلافا كثيرا فمنهم من قال: من كان بينه، وبين الجمعة مسيرة يوم وجب عليه الاتيان إليها، وهو شاذ، ومنهم من قال: يجب عليه الاتيان إليها على ثلاثة أميال، ومنهم من قال: يجب عليه الاتيان من حيث يسمع النداء، في الاغلب، وذلك من
ثلاثة أميال من موضع النداء، وهذان القولان عن مالك. وهذه المسألة ثبتت في شروط الوجوب. وسبب اختلافهم في هذا الباب: اختلاف الاثار، وذلك أنه ورد أن الناس كانوا يأتون الجمعة من العوالي في زمان النبي (ص)، وذلك ثلاثة أميال من المدينة. وروى أبو داود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: الجمعة على من سمع النداء وروي: الجمعة على من آواه الليل إلى أهله وهو أثر ضعيف. المسألة الثالثة: وأما اختلافهم في الساعات التي وردت في فضل الرواح، وهو قوله عليه الصلاة والسلام: من راح في الساعة الاولى، فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة. فإن الشافعي وجماعة من العلماء اعتقدوا أن هذه الساعات هي ساعات النهار فندبوا إلى الرواح من أول النهار، وذهب مالك إلى أنها أجزاء ساعة واحدة قبل الزوال، وبعده. وقال قوم: هي أجزاء ساعة قبل الزوال، وهو الاظهر لوجوب السعي بعد الزوال إلا على مذهب من يرى أن الواجب يدخله الفضيلة. المسألة الرابعة: وأما اختلافهم في البيع والشراء وقت النداء، فإن قوما قالوا: يفسخ البيع إذا وقع النداء، وقوم قالوا: لا يفسخ.
[ 134 ]
وسبب اختلافهم: هل النهي عن الشئ الذي أصله مباح إذا تقيد النهي بصفة، يعود بفساد المنهي عنه أم لا؟ وآداب الجمعة ثلاثة: الطيب، والسواك، واللباس الحسن، ولا خلاف فيه لورود الاثار بذلك. الباب الرابع: في صلاة السفر وهذا الباب فيه فصلان: الفصل الاول: في القصر، الفصل الثاني: في الجمع. الفصل الاول: في القصر والسفر له تأثير في القصر باتفاق، وفي الجمع باختلاف. أما القصر، فإنه اتفق العلماء على جواز قصر الصلاة للمسافر إلا قول شاذ وهو قول عائشة، وهو أن القصر
لا يجوز إلا للخائف لقوله تعالى: * (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) *. وقالوا: إن النبي عليه الصلاة والسلام إنما قصر لانه كان خائفا. واختلفوا من ذلك في خمسة مواضع: أحدها: في حكم القصر، والثاني: في المسافة التي يجب فيها القصر، والثالث: في السفر الذي يجب فيه القصر، والرابع في الموضع الذي يبدأ منه المسافر بالتقصير والخامس في مقدار الزمان الذي يجوز للمسافر فيه إذا أقام في موضع أن يقصر الصلاة. فأما حكم القصر، فإنهم اختلفوا فيه على أربعة أقوال: فمنهم من رأى أن القصر هو فرض المسافر المتعين عليه، ومنهم من رأى أن القصر والاتمام، كلاهما فرض مخير له كالخيار في واجب الكفارة، ومنهم من رأى أن القصر سنة، ومنهم من رأى أنه رخصة، وأن الاتمام أفضل. وبالقول الاول قال أبو حنيفة، وأصحابه والكوفيون بأسرهم: أعني أنه فرض متعين وبالثاني قال بعض أصحاب الشافعي وبالثالث - أعني أنه سنة - قال مالك في أشهر الروايات عنه، وبالرابع أعني أنه رخصة قال الشافعي في أشهر الروايات عنه، وهو المنصور عند أصحابه. والسبب في اختلافهم: معارضة المعنى المعقول لصيغة اللفظ المنقول. ومعارضة دليل الفعل أيضا للمعنى المعقول، ولصيغة اللفظ المنقول. وذلك أن المفهوم من قصر الصلاة للمسافر إنما هو الرخصة لموضع المشقة، كما رخص له في الفطر، وفي أشياء كثيرة، ويؤيد هذا حديث يعلى بن أمية قال: قلت لعمر: إنما قال الله: * (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) * يريد في قصر الصلاة في السفر، فقال عمر: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله (ص) عما سألتني عنه، فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته فمفهوم هذا الرخصة. وحديث أبي قلابة عن رجل من بني عامر أنه أتى النبي (ص)، فقال له النبي (ص): إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وهما في
[ 135 ]
الصحيح. التخفيف والرخصة، ورفع الحرج، لا أن القصر هو الواجب، ولا أنه سنة. وأما الاثر الذي يعارض بصيغته المعنى المعقول ومفهوم هذه الاثار، فحديث
عائشة الثابت باتفاق قالت: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر. وأما دليل الفعل الذي يعارض المعنى المعقول، ومفهوم الاثر المنقول فإنه ما نقل عنه عليه الصلاة والسلام من قصر الصلاة في كل أسفاره، وأنه لم يصح عنه عليه الصلاة والسلام أنه أتم الصلاة قط. فمن ذهب إلى أنه سنة، أو واجب مخير، فإنما حمله على ذلك أنه لم يصح عنده أن النبي عليه الصلاة والسلام، أتم الصلاة، وما هذا شأنه فقد يجب أن يكون أحد الوجهين: أعني إما واجبا مخيرا، وإما أن يكون سنة، وإما أن يكون فرضا معينا، لكن كونه فرضا معينا يعارضه المعنى المعقول، وكونه رخصة يعارضه اللفظ المنقول، فوجب أن يكون واجبا مخيرا، أو سنة وكان هذا نوعا من طريق الجمع، وقد اعتلوا لحديث عائشة بالمشهور عنها من أنها كانت تتم، وروى عطاء عنها: أن النبي (ص) كان يتم الصلاة في السفر، ويقصر، ويصوم ويفطر، ويؤخر الظهر، ويعجل العصر، ويؤخر المغرب، ويعجل العشاء. ومما يعارضه أيضا حديث أنس، وأبي نجيح المكي قال: اصطحبت أصحاب محمد (ص)، فكان بعضهم يتم، وبعضهم يقصر، وبعضهم يصوم، وبعضهم يفطر، فلا يعيب هؤلاء على هؤلاء، ولا هؤلاء على هؤلاء. ولم يختلف في إتمام الصلاة عن عثمان وعائشة، فهذا هو اختلافهم في الموضع الاول. أما اختلافهم في الموضع الثاني: وهي المسافة التي يجوز فيها القصر، فإن العلماء اختلفوا في ذلك أيضا اختلافا كثيرا فذهب مالك والشافعي وأحمد وجماعة كثيرة إلى أن الصلاة تقصر في أربعة برد وذلك مسيرة يوم بالسير الوسط، وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والكوفيون: أقل ما تقصر فيه الصلاة ثلاثة أيام، وإن القصر إنما هو لمن سار من أفق إلى أفق، وقال أهل الظاهر: القصر في كل سفر قريبا أو بعيدا. والسبب في اختلافهم: معارضة المعنى المعقول من ذلك اللفظ. وذلك أن المعقول من تأثير السفر في القصر أنه لمكان المشقة الموجودة فيه مثل تأثيره في الصوم، وإذا كان الامر على ذلك، فيجب القصر حيث المشقة. وأما من لا يراعي في ذلك إلا اللفظ فقط فقال قد قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الله وضع
عن المسافر الصوم، وشطر الصلاة فكل من انطلق عليه اسم مسافر جاز له القصر، والفطر، وأيدوا ذلك بمارواه مسلم عن عمر بن الخطاب: أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقصر في نحو السبعة عشر ميلا وذهب قوم إلى خامس كما قلنا، وهو أن القصر لا يجوز إلا للخائف، لقوله تعالى: * (إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا) * وقد قيل إنه مذهب
[ 136 ]
عائشة، وقالوا: إن النبي (ص) إنما قصر لانه كان خائفا. الذين اعتبروا المشقة فسببه اختلاف الصحابة في ذلك، وذلك أن مذهب الاربعة برد روي عن ابن عمر، وابن عباس ورواه مالك، ومذهب الثلاثة أيام مروي أيضا عن ابن مسعود، وعثمان وغيرهما. وأما الموضع الثالث، وهو اختلافهم في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة، فرأى بعضهم أن ذلك مقصور على السفر المتقرب به كالحج والعمرة والجهاد، وممن قال بهذا القول أحمد ومنهم من أجازه في السفر المباح دون سفر المعصية، وبهذا القول قال مالك والشافعي ومنهم من أجازه في كل سفر قربة كان أو مباحا، أو معصية، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه والثوري وأبو ثور. والسبب في اختلافهم: معارضة المعنى المعقول، أو ظاهر اللفظ لدليل الفعل وذلك أن من اعتبر المشقة، أو ظاهر لفظ السفر لم يفرق بين سفر، وسفر. وأما من اعتبر دليل الفعل قال: إنه لا يجوز إلا في السفر المتقرب به، لان النبي عليه الصلاة والسلام لم يقصر قط إلا فسفر متقرب به. وأما من فرق بين المباح، والمعصية فعلى جهة التغليظ، والاصل فيه هل تجوز الرخصة للعصاة أم لا؟ وهذه مسألة عارض فيها اللفظ المعنى، فاختلف الناس فيها لذلك. وأما الموضع الرابع وهو اختلافهم في الموضع الذي منه يبدأ المسافر بقصر الصلاة فإن مالكا قال في الموطأ: لا يقصر الصلاة الذي يريد السفر حتى يخرج من بيوت القرية ولا يتم حتى يدخل أول بيوتها وقد روي عنه أنه لا يقصر إذا كانت قرية جامعة حتى يكون منها بنحو ثلاثة أميال، وذلك عنده أقصى ما تجب في الجمعة على من كان خارج المصر في إحدى الروايتين
عنه. وبالقول الاول قال الجمهو. والسبب في هذا الاختلاف: معارضة مفهوم الاسم لدليل الفعل، وذلك أنه إذا شرع في السفر، فقد انطلق عليه اسم مسافر، فمن راعى مفهوم الاسم قال: إذا خرج من بيوت القرية قصر. ومن راعى دليل الفعل: أعني فعله عليه الصلاة والسلام قال: لا يقصر إلا إذا خرج من بيوت القرية بثلاثة أميال، لما صح من حديث أنس قال: كان النبي (ص) إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ - شعبة الشاك - صلى ركعتين. الذي يجوز للمسافر إذا أقام فيه في بلد أن يقصر فاختلاف كثير حكى فيه أبو عمر نحوا من أحد عشر قولا. إلا أن الاشهر منها هو ما عليه فقهاء الامصار، ولهم في ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: مذهب مالك والشافعي أنه إذا أزمع المسافر على إقامة أربعة أيام أتم، والثاني: مذهب أبي حنيفة وسفيان الثوري أنه إذا أزمع على إقامة خمسة عشر يوما أتم، والثالث: مذهب أحمد وداود أنه إذا أزمع على أكثر من أربعة أيام أتم. وسبب الخلاف: أنه أمر مسكوت عنه في الشرع، والقياس على التحديد ضعيف عند الجميع، ولذلك رام هؤلاء كلهم أن يستدلوا لمذهبهم من الاحوال
[ 137 ]
التي نقلت عنه عليه الصلاة والسلام أنه أقام فيها مقصرا، أو أنه جعل لها حكم المسافر. فالفريق الاول احتجوا بمذهبهم بما روي: أنه عليه الصلاة والسلام أقام بمكة ثلاثا يقصر في عمرته وهذا ليس فيه حجة على أنه النهاية للتقصير، وإنما فيه حجة على أنه يقصر في الثلاثة فما دونها. والفريق الثاني احتجوا لمذهبهم بما روي: أنه أقام بمكة عام الفتح مقصرا، وذلك نحوا من خمسة عشر يوما في بعض الروايات، وقد روي سبعة عشر يوما وثمانية عشر يوما، وتسعة عشر يوما. رواه البخاري عن ابن عباس وبكل قال فريق. والفريق الثالث احتجوا بمقامه في حجه بمكة مقصرا أربعة أيام وقد احتجت المالكية لمذهبها: أن رسول الله (ص) جعل للمهاجر مقام (ثلاثة أيام بمكة مقاما) بعد قضاء نسكه فدل هذا عندهم على أن إقامة ثلاثة أيام ليست تسلب عن المقيم فيها اسم السفر، وهي النكتة
التي ذهب الجميع إليها، وراموا استنباطها من فعله عليه الصلاة والسلام: أعني متى يرتفع عنه بقصد الاقامة اسم السفر، ولذلك اتفقوا على أنه إن كانت الاقامة مدة لا يرتفع فيها عنه اسم السفر بحسب رأي واحد منهم في تلك المدة، وعاقه عائق عن السفر أنه يقصر أبدا، وإن أقام ما شاء الله. ومن راعى الزمان الاقل من مقامه تأول مقامه في الزمان الاكثر مما ادعاه خصمه على هذه الجهة، فقالت المالكية مثلا: إن الخمسة عشر يوما التي أقامها عليه الصلاة والسلام عام الفتح إنما أقامها، وهو أبدا ينوي أنه لا يقيم أربعة أيام، وهذا بعينه يلزمهم في الزمان الذي حدوه. والاشبه في المجتهد في هذا أن يسلك أحد أمرين: إما أن يجعل الحكم لاكثر الزمان الذي روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه أقام فيه مقصرا، ويجعل ذلك حدا من جهة أن الاصل هو الاتمام فوجب ألا يزاد على هذا الزمان إلا بدليل، أو يقول: إن الاصل في هذا هو أقل الزمان الذي وقع عليه الاجماع، وما ورد من أنه عليه الصلاة والسلام أقام مقصرا أكثر من ذلك الزمان، فيحتمل أن يكون أقامه لانه جائز للمسافر، ويحتمل أن يكون أقامه بنية الزمان الذي تجوز إقامته فيه مقصرا باتفاق، فعرض له أن أقام أكثر من ذلك، وإذا كان الاحتمال، وجب التمسك بالاصل، وأقل ما قيل في ذلك يوم وليلة، وهو قول ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وروي عن الحسن البصري أن المسافر يقصر أبدا إلا أن يقدم مصرا من الامصار، وهذا بناء على أن اسم السفر واقع عليه حتى يقدم مصرا من الامصار، فهذه أمهات المسائل التي تتعلق بالقصر. الفصل الثاني: في الجمع وأما الجمع، فإنه يتعلق به ثلاث مسائل: إحداها: جوازه. والثانية: في صفة الجمع. والثالثة في مبيحات الجمع. المسألة الاولى: أما جوازه فإنهم أجمعوا على أن الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر بعرفة سنة، وبين المغرب والعشاء بالمزدلفة أيضا في وقت العشاء سنة أيضا.
[ 138 ]
واختلفوا في الجمع في غير هذين المكانين، فأجازه الجمهور على اختلاف بينهم في المواضع التي يجوز فيها من التي لا يجوز، ومنع أبو حنيفة، وأصحابه بإطلاق. وسبب اختلافهم: أولا: اختلافهم في تأويل الاثار التي رويت في الجمع والاستدلال منها على جواز الجمع لانها كلها أفعال، وليست أقوالا، والافعال يتطرق إليها الاحتمال كثيرا أكثر من تطرقه إلى اللفظ، وثانيا: اختلافهم أيضا في تصحيح بعضها، وثالثا: اختلافهم أيضا في إجازة القياس في ذلك فهي ثلاثة أسباب كما ترى. أما الاثار التي اختلفوا في تأويلها، فمنها حديث أنس الثابت باتفاق أخرجه البخاري ومسلم قال: كان رسول الله (ص) إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل، فجمع بينهما، فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب ومنها حديث ابن عمر أخرجه الشيخان أيضا قال: رأيت رسول الله (ص) إذا عجل به السير في السفر يؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء والحديث الثالث حديث ابن عباس خرجه مالك ومسلم قال: صلى رسول الله (ص) الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا في غير خوف، ولا سفر فذهب القائلون بجواز الجمع في تأويل هذه الاحاديث إلى أنه أخر الظهر إلى وقت العصر المختص بها، وجمع بينهما، وذهب الكوفيون إلى أنه إنما أوقع صلاة الظهر في آخر وقتها، وصلاة العصر في أول وقتها على ما جاء في حديث إمامة جبريل. قالوا: وعلى هذا يصح حمل حديث ابن عباس، لانه قد انعقد الاجماع أنه لا يجوز هذا في الحضر لغير عذر أعني: أن تصلى الصلاتان معا في وقت إحداهما، واحتجوا لتأويلهم أيضا بحديث ابن مسعود قال: والذي لا إله غيره ما صلى رسول الله (ص) صلاة قط إلا في وقتها إلا صلاتين جمع بين الظهر والعصر بعرفة، وبين المغرب والعشاء بجمع قالوا: وأيضا فهذه الاثار محتملة أن تكون على ما تأولناه نحن، أو تأولتموه أنتم، وقد صح توقيت الصلاة وتبيانها في الاوقات، فلا يجوز أن تنتقل عن أصل ثابت بأمر محتمل. أما الاثر الذي اختلفوا في تصحيحه، فما رواه مالك من حديث معاذ بن جبل: أنهم خرجوا
مع رسول الله (ص) عام تبوك، فكان رسول الله (ص) يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، قال: فأخر الصلاة يوما ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل، ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعا. وهذا الحديث لو صح، لكان أظهر من تلك الاحاديث في إجازة الجمع لان ظاهره أنه قدم العشاء إلى وقت المغرب، وإن كان لهم أن يقولوا: إنه أخر المغرب إلى آخر وقتها، وصلى العشاء في أول وقتها، لانه ليس في الحديث أمر مقطوع به على ذلك، بل لفظ الراوي محتمل. وأما اختلافهم في إجازة القياس في ذلك: فهو أن يلحق سائر الصلوات في السفر بصلاة عرفة، والمزدلفة، أعني أن يجاز الجمع قياسا على تلك، فيقال مثلا: صلاة وجبت في سفر، فجاز أن تجمع، أصله جمع الناس بعرفة،
[ 139 ]
والمزدلفة، وهو مذهب سالم بن عبد الله: أعني جواز هذا القياس، لكن القياس في العبادات يضعف. فهذه هي أسباب الخلاف الواقع في جواز الجمع. وأما المسألة الثانية: وهي صورة الجمع، فاختلف فيه أيضا القائلون بالجمع أعني في السفر. فمنهم من رأى أن الاختيار أن تؤخر الصلاة الاولى وتصلى مع الثانية، وإن جمعتا معا في أول وقت الاولى جاز، وهي إحدى الروايتين عن مالك، ومنهم من سوى بين الامرين: أعني أن يقدم الاخرة إلى وقت الاولى، أو يعكس الامر، وهو مذهب الشافعي وهي رواية أهل المدينة عن مالك، والاولى رواية ابن القاسم عنه، وإنما كان الاختيار عند مالك هذا النوع من الجمع، لانه الثابت من حديث أنس، ومن سوى بينهما فمصيرا إلى أنه لا يرجح بالعدالة: أعني أنه لا تفضل عدالة عدالة في وجوب العمل بها، ومعنى هذا أنه إذا صح حديث معاذ، وجب العمل به كما وجب بحديث أنس إذ كان رواة الحديثين عدولا، وإن كان رواة أحد الحديثين أعدل. وأما المسألة الثالثة: وهي الاسباب المبيحة للجمع، فاتفق القائلون بجواز الجمع على أن السفر منها، واختلفوا في الجمع في الحضر، وفي شروط السفر المبيح له، وذلك
أن السفر منهم من جعله سببا مبيحا للجمع أي سفر كان، وبأي صفة كان ومنهم من اشترط فيه ضربا من السير ونوعا من أنواع السفر. فأما الذي اشترط فيه ضربا من السير، فهو مالك في رواية ابن القاسم عنه، وذلك أنه قال: لا يجمع المسافر إلا أن يجد به السير ومنهم من لم يشترط ذلك، وهو الشافعي وهي إحدى الروايتين عن مالك. ومن ذهب هذا المذهب، فإنما راعى قول ابن عمر: كان رسول الله (ص) إذا عجل به السير راعى ظاهر حديث أنس وغيره. وكذلك اختلفوا كما قلنا في نوع السفر الذي يجوز فيه الجمع. فمنهم من قال: هو سفر القربة كالحج والغزو، وهو ظاهر رواية ابن القاسم. ومنهم من قال: هو السفر المباح دون سفر المعصية، وهو قول الشافعي وظاهر رواية المدنيين عن مالك. والسبب في اختلافهم في هذا: هو السبب في اختلافهم في السفر الذي تقصر فيه الصلاة، وإن كان هنالك التعميم، لان القصر نقل قولا وفعلا، والجمع إنما نقل فعلا فقط، فمن اقتصر به على نوع السفر الذي جمع فيه رسول الله (ص) لم يجزه في غيره، ومن فهم منه الرخصة للمسافر عداه إلى غيره من الاسفار. وأما الجمع في الحضر لغير عذر، فإن مالكا، وأكثر الفقهاء لا يجيزونه وأجاز ذلك جماعة من أهل الظاهر، وأشهب من أصحاب مالك. وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم حديث ابن عباس، فمنهم من تأوله على أنه كان في مطر كما قال مالك. ومنهم من أخذ بعمومه مطلقا. وقد خرج مسلم زيادة في حديثه، وهو قوله عليه الصلاة والسلام في غير خوف، ولا سفر، ولا مطر وبهذا تمسك أهل الظاهر. وأما الجمع في الحضر
[ 140 ]
لعذر المطر، فأجازه الشافعي ليلا كان أو نهاراومنعه مالك في النهار، وأجازه في الليل وأجازه أيضا في الطين دون المطر في الليل وقد عدل الشافعي مالكا في تفريقه من صلاة النهار في ذلك، وصلاة الليل لانه روى الحديث، وتأوله: أعني خصص عمومه من جهة القياس، وذلك أنه قال في قوابن عباس جمع رسول الله (ص) بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء في غير خوف ولا سفر أرى ذلك كان في مطر، قال: فلم يأخذ
بعموم الحديث، ولا بتأويله: أعني تخصيصه، بل رد بعضه، وتأول بعضه، وذلك شئ لا يجوز بإجماع، وذلك أنه لم يأخذ بقوله فيه جمع بين الظهر والعصر، وأخذ بقوله، والمغرب والعشاء، وتأوله، وأحسب أن مالكا رحمه الله إنما رد بعض هذا الحديث، لانه عارضه العمل، فأخذ منه بالبعض الذي لم يعارضه العمل، وهو الجمع في الحضر بين المغرب والعشاء على ما روي أن ابن عمر كان إذا جمع الامراء بين المغرب والعشاء جمع معهم لكن النظر في هذا الاصل لذي هو العمل كيف يكون دليلا شرعيا؟ فيه نظر، فإن متقدمي شيوخ المالكية كانوا يقولون: إنه من باب الاجماع، وذلك لا وجه له فإن إجماع البعض لا يحتج به، وكان متأخروهم يقولون: إنه من باب نقل التواتر، ويحتجون في ذلك بالصاع، وغيره مما نقله أهل المدينة خلفا عن سلف، والعمل إنما هو فعل والفعل لا يفيد التواتر إلا أن يقترن بالقول، فإن التواتر طريقه الخبر، لا العمل وبأن جعل الافعال تفيد التواتر عسير، بل لعله ممنوع، والاشبه عندي أن يكون من باب عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة، وذلك أنه لا يجوز أن يكون أمثال هذه السنن مع تكررها، وتكرر وقوعها أسبابها غير منسوخة، ويذهب العمل بها على أهل المدينة الذين تلقوا العمل بالسنن خلفا عن سلف، وهو أقوى من عموم البلوى الذي يذهب إليه أبو حنيفة، لان أهل المدينة أحرى أن لا يذهب عليهم ذلك من غيرهم من الناس الذين يعتبرهم أبو حنيفة في طريق النقل، وبالجملة العمل لا يشك أنه قرينة إذا اقترنت بالشئ المنقول إن وافقته، أفادت به غلبة الظن، وإن خالفته أفادت به ضعف الظن. فأما هل تبلغ هذه القرينة مبلغا ترد به أخبار الاحاد الثابتة؟ ففيه نظر. وعسى أنها تبلغ في بعض، ولا تبلغ في بعض لتفاضل الاشياء في شدة عموم البلوى بها، وذلك أنه كلما كانت السنة الحاجة إليها أمس، وهي كثيرة التكرار على المكلفين كان نقلها من طريق الاحاد من غير أن ينتشر قولا، أو عملا فيه ضعف، وذلك أنه يوجب ذلك أحد أمرين: إما أنها منسوخة، وإما أن النقل فيه اختلال، وقد بين ذلك المتكلمون كأبي المعالي وغيره. وأما الجمع في الحضر للمريض، فإن مالكا أباحه له إذا خاف أن يغمى عليه،
أو كان به بطن ومنع ذلك الشافعي. والسبب في اختلافهم: هو اختلافهم في تعدي علة الجمع في السفر أعني المشقة، فمن طرد العلة رأى أن هذا من باب الاولى، والاحرى، وذلك أن المشقة على المريض في إفراد الصلوات أشد منها على المسافر، ولم يعد هذه
[ 141 ]
العلو جعلها كما يقولون - قاصرة: أي خاصة بذلك الحكم دون غيره، لم يجز ذلك. الباب الخامس من الجملة ثالثة: وهو القول في صلاة الخوف اختلف العلماء في جواز صلاة الخوف بعد النبي عليه الصلاة والسلام، وفي صفتها فأكثر العلماء على أن صلاة الخوف جائزة لعموم قوله تعالى: * (وإذا ضربتم في الارض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة) * الاية. ولما ثبت ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام، وعمل الائمة والخلفاء بعده بذلك. وشذ أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة فقال: لا تصلى صلاة الخوف بعد النبي (ص) بإمام واحد، وإنما تصلى بعده بإمامين، يصلي واحد منهما بطائفة ركعتين، ثم يصلي الاخر بطائفة أخرى، وهي الحارسة ركعتين أيضا، وتحرس التي قد صلت. والسبب في اختلافهم: هل صلاة النبي (ص) بأصحابه صلاة الخوف هي عبادة، أو هي لمكان فضل النبي (ص)؟ فمن رأى أنها عبادة لم ير أنها خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، ومن رآها لمكان فضل النبي عليه الصلاة والسلام رآها خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، وإلا فقد كان يمكننا أن ينقسم الناس على إمامين، وإنما كان ضرورة اجتماعهم على إمام واحد خاصة من خواص النبي عليه الصلاة والسلام، وتأيد عنده هذا التأويل بدليل الخطاب المفهوم من قوله تعالى: * (وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة) * الاية ومفهوم الخطاب أنه إذا لم يكن فيهم، فالحكم غير هذا الحكم. وقد ذهبت طائفة من فقهاء الشام إلى أن صلاة الخوف تؤخر عن وقت الخوف إلى وقت الامن، كما فعل رسول الله (ص) يوم الخندق، والجمهور على أن ذلك الفعل يوم الخندق كان قبل نزول صلاة الخوف، وأنه منسوخ بها. وأما صفة صلاة الخوف، فإن العلماء اختلفوا فيها اختلافا كثيرا، لاختلاف
الاثار في هذا الباب: أعني المنقولة من فعله (ص) في صلاة الخوف، والمشهور من ذلك سبع صفات، فمن ذلك ما أخرجه مالك ومسلم من حديث صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله (ص) يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: أن طائفة صفت معه، وصفت طائفة وجاه العدو، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا لانفسهم، ثم انصرفوا وجاه العدو، وجاءت الطائفة الاخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاتهم، ثم ثبت هم، وبهذا الحديث قال الشافعي. وروى مالك هذا الحديث بعينه عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات موقوفا كمثل حديث يزيد بن رومان أنه لما قضى الركعة بالطائفة الثانية سلم، ولم ينتظرهم حتى يفرغوا من الصلاة، واختار مالك هذه الصفة. فالشافعي آثر المسند على الموقوف، ومالك آثر الموقوف، لانه أشبه بالاصول:
[ 142 ]
أعني أن لا يجلس الامام حتى تفرغ الطائفة الثانية من صلاتها، لان الامام متبوع، لا متبع وغير مختلف عليه. والصفة الثالثة: ما ورد في حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه رواه الثوري، وجماعة، وخرجه أبو داود قال: صلى رسول الله (ص) صلاة الخوف بطائفة، وطائفة مستقبلو العدو، فصلى بالذين معه ركعة، وسجد سجدتين، وانصرفوا، ولم يسلموا، فوقفوا بإزاء العدو ثم جاء الاخرون، فقاموا معه فصلى بهم ركعة، ثم سلم، فقام هؤلاء فصلوا لانفسهم ركعة، ثم سلموا وذهبوا فقاموا مقام أولئك مستقبلي العدو، ورجع أولئك إلى مراتبهم فصلوا لانفسهم ركعة ثم سلموا وبهذه الصفة قال أبو حنيفة، وأصحابه ما خلا أبا يوسف على ما تقدم. والصفة الرابعة: الواردة في حديث أبي عياش الزرقي قال: كنا مع رسول الله (ص) بعسفان وعلى المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال المشركون: لقد أصبنا غفلة لو كنا حملنا عليهم، وهم في الصلاة، فأنزل الله آية القصر بين الظهر والعصر، فلما حضرت العصر، قام رسول الله (ص) مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فصلى خلف رسول الله (ص) صف واحد، وصف بعد ذلك صف آخر، فركع رسول الله (ص)، وركعوا جميعا، ثم سجدوا سجد الصف الذي يليه، وقام الاخر يحرسونهم، فلما صلى هؤلاء سجدتين،
وقاموا سجد الاخرون الذين كانوا خلفه، ثم تأخر الصف الذي يليه إلى مقام الاخرين، وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الاول ثم ركع رسول الله (ص)، وركعوا جميعا، ثم سجد، وسجد الصف الذي يليه، وقام الاخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول الله (ص) والصف الذي يليه سجد الاخرون، ثم جلسوا جميعا، فسلم بهم جميعا وهذه الصلاة صلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم. قال أبو داود: وروي هذا عن جابر، وعن ابن عباس، وعن مجاهد، وعن أبي موسى، وعن هشام بن عروة عن أبيه عن النبي (ص). قال: وهو قول الثوري، وهو أحوطها يريد أنه ليس في هذه الصفة كبير عمل مخالف لافعال الصلاة المعروفة، وقال بهذه الصفة جملة من أصحاب مالك، وأصحاب الشافعي، وخرجها مسلم عن جابر، وقال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائكم. والصفة الخامسة: الواردة في حديث حذيفة قال ثعلبة بن زهدم: كنا مع سعيد بن العاصي بطبرستان فقام فقال: أيكم صلى مع رسول الله (ص) صلاة الخوف قال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا شيئا وهذا مخالف للاصل مخالفة كثيرة. وخرج أيضا عن ابن عباس في معناه أنه قال: الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربع، وفي السفر ركعتان، وفي الخوف ركعة واحدة وأجاز هذه الصفة الثوري. والصفة السادسة: الواردة في حديث أبي بكرة وحديث جابر عن النبي (ص): أنه صلى بكل طائفة من الطائفتين ركعتين ركعتين، وبه
[ 143 ]
كان يفتي الحسن وفيه دليل على اختلاف نية الامام والمأموم لكونه متما وهم مقصرون. خرجه مسلم عن جابر. والصفة السابعة: الواردة في حديث ابن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف قال: يتقدم الامام وطائفة من الناس، فيصلي بهم ركعة، وتكون طائفة منهم بينه وبين العدو لم يصلوا، فإذا صلى الذين معه ركعة استأخروا مكان الذين لم يصلوا معه، ولا يسلمون، ويتقدم الذين لم يصلوا، فيصلون معه ركعة، ثم ينصرف الامام وقد صلى ركعتين تتقدم كل واحدة من الطائفتين
فيصلون لانفسهم ركعة ركعة بعد أن ينصرف الامام، فتكون كل واحدة من الطائفتين قد صلت ركعتين فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم، أو ركبانا مستقبلي القبلة، أو غير مستقبليها. وممن قال بهذه الصفة أشهب عن مالك وجماعة. وقال أبو عمر: الحجة لمن قال بحديث ابن عمر هذا أنه ورد بنقل الائمة أهل المدينة، وهم الحجة في النقل على من خالفهم، وهي أيضا مع هذا أشبه بالاصول، لان الطائفة الاولى والثانية لم يقضوا الركعة إلا بعد خروج رسول الله (ص) من الصلاة وهو المعروف من سنة القضاء المجتمع عليها في سائر الصلوات، وأكثر العلماء على ما جاء في هذا الحديث من أنه إذا اشتد الخوف جاز أن يصلوا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، وإيماء من غير ركوع، ولا سجود. وخالف في ذلك أبو حنيفة قال: لا يصلي الخائف إلا إلى القبلة، ولا يصلي أحد في حال المسايفة. وسبب الخلاف في ذلك: مخالفة هذا الفعل للاصول، وقد رأى قوم أن هذه الصفات كلها جائزة، وأن للمكلف أن يصلي أيتها أحب، وقد قيل إن هذا الاختلاف إنما كان بحسب اختلاف المواطن. الباب السادس من الجملة الثالثة في صلاة المريض وأجمع العلماء على أن المريض مخاطب بأداء الصلاة، وأنه يسقط عنه فرض القيام إذا لم يستطعه، ويصلي جالسا، وكذلك يسقط عنه فرض الركوع والسجود إذا لم يستطعهما أو أحدهما، ويومئ مكانهما. واختلفوا فيمن له أن يصلي جالسا، وفي هيئة الجلوس، وفي هيئة الذي لا يقدر على الجلوس، ولا على القيام، فأما من له أن يصلي جالسا، فإن قوما قالوا: هذا الذي لا يستطيع القيام أصلا، وقوم قالوا: هو الذي يشق عليه القيام من المرض، وهو مذهب مالك. وسبب اختلافهم: هو هل يسقط فرض القيا مع المشقة، أو مع عدم القدرة؟ وليس في ذلك نص. وأما صفة الجلوس فإن قوما قالوا: يجلس متربعا: أعني الجلوس الذي هو بدل من القيام، وكره ابن مسعود الجلوس متربعا، فمن ذهب إلى التربيع فلا فرق بينه وبين جلوس التشهد، ومن كرهه فلانه ليس من جلوس الصلاة. وأما
صفة صلاة الذي لا يقدر على القيام، ولا على الجلوس، فإن قوما قالوا: يصلي مضطجعا، وقوم قالوا: يصلي كيفما تيسر له وقوم قالوا: يصلي مستقبلا رجلاه إلى الكعبة، وقوم
[ 144 ]
قالوا: إن لم يستطع الجلوس صلى على جنبه، فإن لم يستطع على جنبه صلى مستلقيا ورجلاه إلى القبلة على قدر طاقته، وهو الذي اختاره ابن المنذر. الجملة الرابعة وهذه الجملة تشتمل من أفعال الصلاة على التي ليست أداء، وهذه هي إما إعادة، وإما قضاء، وإما جبر لما زاد، أو نقص بالسجود، ففي هذه الجملة إذا ثلاثة أبواب. الباب الاول: في الاعادة. الباب الثاني: في القضاء. الباب الثالث: في الجبران الذي يكون بالسجود. الباب الاول: في الاعادة وهذا الباب الكلام فيه في الاسباب التي تقتضي الاعادة، وهي مفسدات الصلاة. واتفقوا على أن من صلى بغير طهارة أنه يجب عليه الاعادة عمدا كان أو نسيانا، وكذلك من صلى لغير القبلة عمدا كان ذلك أو نسيانا. وبالجملة فكل من أخل بشرط من شروط صحة الصلاة وجبت عليه الاعادة وإنما يختلفون من أجل اختلافهم في الشروط المصححة. وهاهنا مسائل تتعلق بهذا الباب خارجة عما ذكر من فروض الصلاة اختلفوا فيها فمنها أنهم اتفقوا على أن الحدث يقطع الصلاة، واختلفوا هل يقتضي الاعادة من أولها إذا كان قد ذهب منها ركعة أو ركعتان قبل طروالحدث، أم يبنى على ما قد مضى من الصلاة؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يبنى لا في حدث، ولا في غيره، مما يقطع الصلاة إلا في الرعاف فقط ومنهم من رأى أنه لا يبنى لا في الحدث ولا في الرعاف، وهو الشافعي وذهب الكوفيون إلى أنه يبنى في الاحداث كلها. وسبب اختلافهم: أنه لم يرد في جواز ذلك أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما صح عن ابن عمر أنه رعف في الصلاة، فبنى ولم يتوضأ، فمن رأى أن هذا الفعل من الصحابي يجري
مجرى التوقيف إذ ليس يمكن أن يفعل مثل هذا بقياس أجاز هذا الفعل، ومن كان عنده من هؤلاء أن الرعاف ليس بحدث أجاز البناء في الرعاف فقط، ولم يعده لغيره، وهو مذهب مالك. ومن كان عنده أنه حدث أجاز البناء في سائر الاحداث قياسا على الرعاف، ومن رأى أن مثل هذا لا يجب أن يصار إليه إلا بتوقيف من النبي عليه الصلاة والسلام، إذ قد انعقد الاجماع على أن المصلي إذا انصرف إلى غير القبلة أنه قد خرج من الصلاة، وكذلك إذا فعل فيها فعلا كثيرا لم يجز البناء لا في الحدث ولا في الرعاف. المسألة الثانية: اختلف العلماء هل يقطع الصلاة مرور شئ بين يدي المصلي إذا صلى لغير سترة، أو مربينه وبين السترة؟ فذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع الصلاة شئ وأنه ليس عليه إعاد، وذهبت طائفة إلى أنه يقطع الصلاة المرأة والحمار، والكلب الاسود. وسبب هذا الخلاف: معارضة القول للفعل، وذلك أنه خرج مسلم عن أبي ذر أنه عليه الصلاة والسلام قال: يقطع الصلاة المرأة والحمار، والكلب الاسود وخرج مسلم
[ 145 ]
والبخاري عن عائشة أنها قالت: لقد رأيتني بين يدي رسول الله (ص) معترضة كاعتراض الجنازة وهو يصلي وروي مثل قول الجمهور عن علي، وعن أبي. ولا خلاف بينهم في كراهية المرور بين يدي المنفرد، والامام إذا صلى لغير سترة، أو مر بينه وبين السترة، ولم يروا بأسا أن يمر خلف السترة، وكذلك لم يروا بأسا أن يمر بين يدي المأموم لثبوت حديث ابن عباس وغيره قال: أقبلت راكبا على أتان وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ورسول الله (ص) يصلي بالناس، فمررت بين يدي بعض الصفوف، فنزلت، وأرسلت الاتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد وهذا عندهم يجري مجرى المسند، وفيه نظر، وإنما اتفق الجمهور على كراهية المرور بين يدي المصلي لما جاء فيه من الوعيد في ذلك، ولقوله عليه الصلاة والسلام فيه: فليقاتله، فإنما هو شيطان. المسألة الثالثة: اختلفوا في النفخ في الصلاة على ثلاثة أقوال: فقوم كرهوه، ولم يروا
الاعادة على من فعله وقوم أوجبوا الاعادة على من نفخ وقوم فرقوا بين أن يسمع أو لا يسمع. وسبب اختلافهم: تردد النفخ بين أن يكون كلاما، أو لا يكون كلاما. المسألة الرابعة: اتفقوا على أن الضحك يقطع الصلاة، واختلفوا في التبسم. وسبب اختلافهم: تردد التبسم بين أن يلحق بالضحك، أو لا يلحق به. المسألة الخامسة: اختلفوا في صلاة الحاقن، فأكثر العلماء يكرهون أن يصلي الرجل وهو حاقن لما روي من حديث زيد بن أرقم قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: إذا أراد أحدكم الغائط، فليبدأ به قبل الصلاة ولما روي عن عائشة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: لا يصلي أحدكم بحضرة الطعام، ولا هو يدافعه الاخبثان يعني الغائط والبول. ولما ورد من النهي عن ذلك عن عمر أيضا، وذهب قوم إلى أن صلاته فاسدة، وأنه يعيد، وروى ابن القاسم عن مالك ما يدل على أن صلاته فاسدة، وأنه يعيد، وروى ابن القاسم عن مالك ما يدل على أن صلاة الحاقن فاسدة، وذلك أنه روى عنه أنه أمره بالاعادة في الوقت وبعد الوقت. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في النهي هل يدل على فساد المنهي عنه أم ليس يدل على فساده وإنما يدل على تأثيم من فعله فقط إذا كان أصل الفعل الذي تعلق النهي به واجبا أو جائزا؟ وقد تمسك القائلون بفساد صلاته بحديث رواه الشاميون منهم من يجعله عن ثوبان، ومنهم من يجعله عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: لا يحل لمؤمن أن يصلي وهو حاقن جدا قال أبو عمر بن عبد البر: هو حديث ضعيف السند لا حجة فيه. المسألة السادسة: اختلفوا في رد سلام المصلي على من سلم عليه، فرخصت فيه طائفة منهم سعيد بن المسيب والحسن بن أبي الحسن البصري وقتادة ومنع ذلك قوم بالقول، وأجازوا الرد بالاشارة، وهو مذهب مالك والشافعي ومنع آخرون رده بالقول
[ 146 ]
والاشارة وهو مذهب النعمان، وأجاز قوم الرد في نفسه، وقوم قالوا يرد إذا فرغ من الصلاة. والسبب في اختلافهم: هل رد السلام من نوع التفي الصلاة المنهي عنه أم
لا؟ فمن رأى أنه من نوع الكلام المنهي عنه، وخصص الامر برد السلام في قوله تعالى: * (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها) * الاية بأحاديث النهي عن الكلام في الصلاة قال: لا يجوز الرد في الصلاة، ومن رأى أنه ليس داخلا في الكلام المنهي عنه، أو خصص أحاديث النهي بالامر برد السلام أجازه في الصلاة. قال أبو بكر بن المنذر: ومن قال: لا يرد ولا يشير، فقد خالف السنة فإنه قد أخبر خبيب: أن النبي عليه الصلاة والسلام رد على الذين سلموا عليه وهو في الصلاة بإشارة. الباب الثاني: في القضاء والكلام في هذا الباب على من يجب القضاء، وفي صفة أنواع القضاء، وفي شروطه. فأما على من يجب القضاء، فاتفق المسلمون على أنه يجب على الناسي والنائم، واختلفوا في العامد، والمغمى عليه. وإنما اتفق المسلمون على وجوب القضاء على الناسي والنائم لثبوت قوله عليه الصلاة والسلام وفعله: وأعني بقوله عليه الصلاة والسلام رفع القلم عن ثلاث فذكر النائم، وقوله: إذا نام أحدكم عن الصلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها وما روي: أنه نام عن الصلاة حتى خرج وقتها فقضاها. وأما تاركها عمدا حتى يخرج الوقت، فإن الجمهور على أنه آثم وأن القضاء عليه واجب وذهب بعض أهل الظاهر إلى أنه لا يقضي وأنه آثم، وأحد من ذهب إلى ذلك أبو محمد بن حزم. وسبب اختلافهم: اختلافهم في شيئين: أحدهما: في جواز القياس في الشرع. والثاني: في قياس العامد على الناسي إذا سلم جواز القياس، فمن رأى أنه إذا وجب القضاء على الناسي الذي قد عذره الشرع في أشياء كثيرة فالمتعمد أحرى أن يجب عليه، لانه غير معذور، أوجب القضاء عليه، ومن رأى أن الناسي والعامد ضدان، والاضداد لا يقاس بعضها على بعض، إذ أحكامها مختلفة، وإنما تقاس الاشباه، لم يجز قيا س العامد على الناسي. والحق في هذا أنه إذا جعل الوجوب من باب التغليظ كان القياس سائغا. وأما إن جعل من باب الرفق بالناسي والعذر له، وأن لا يفوته ذلك الخير، فالعامد في هذا ضد الناسي، والقياس غير سائغ لان
الناسي معذور، والعامد غير معذور. والاصل أن القضاء لا يجب بأمر الاداء، وإنما يجب بأمر محدد على ما قال المتكلمون، لان القاضي قد فاته، وهو الوقت إذ كان شرطا من شروط الصحة، والتأخير عن الوقت في قياس التقديم عليه، لكن قد ورد الاثر بالناسي والنائم، وتردد العامد بين أن يكون شبيها، أو غير
[ 147 ]
شبيه، والله الموفق للحق. وأما المغمى عليه، فإن قوما أسقطوا عنه القضاء فيما ذهب وقته، وقوم أوجبوا عليه القضاء. ومن هؤلاء من اشترط القضاء في عدد معلوم، وقالوا يقضي في الخمس فما دونها. والسبب في اختلافهم: تردده بين النائم والمجنون، فمن شبهه بالنائم أوجب عليه القضاء، ومن شبهه بالمجنون أسقط عنه الوجوب. وأما صفة القضاء: فإن القضاء نوعان: قضاء لجملة الصلاة، وقضاء لبعضها: أما قضاء الجملة، فالنظر فيه في صفة القضاء وشروطه ووقته. فأما صفة القضاء، فهي بعينها صفة الاداء إذا كانت الصلاتان في صفة واحدة من الفرضية، وأما إذا كانت في أحوال مختلفة مثل أن يذكر صلاة حضرية في سفر، أو صلاة سفرية في حضر، فاختلفوا في ذلك على ثلاثة أقوال: فقوم قالوا: إنما يقضي مثل الذي عليه ولم يراعوا الوقت الحاضر، وهو مذهب مالك، وأصحابه وقوم قالوا: إنما يقضي أبدا أربعا، سفرية كانت المنسية أو حضرية، فعلى رأي هؤلاء إن ذكر في السفر حضرية صلاها حضرية، وإن ذكر في الحضر سفرية صلاها حضرية، وهو مذهب الشافعي وقال قوم: إنما يقضي أبدا فرض الحال التي هو فيها فيقضي الحضرية في السفر سفرية، والسفرية في الحضر حضرية فمن شبه القضاء بالاداء راعى الحال الحاضرة، وجعل الحكم لها قياسا على المريض يتذكر صلاة نسيها في الصحة، أو الصحيح يتذكر صلاة نسيها في المرض: أعني أن فرضه هو فر ض الصلاة في الحال الحاضرة، ومن شبه القضاء بالديون أوجب للمقضية صفة المنسية. وأما من أوجب أن يقضي أبدا حضرية فراعى الصفة في إحداهما، والحال في الاخرى، أعني أنه إذا ذكر الحضرية في السفر راعى صفة المقضية، وإذا ذكر السفرية في الحضر راعى الحال، وذلك
اضطراب جار على غير قياس إلا أن يذهب مذهب الاحتياط، وذلك يتصور فيمن يرى القصر رخصة. وأما شروط القضاء ووقته: فإن من شروطه الذي اختلفوا فيه الترتيب وذلك أنهم اختلفوا في وجوب الترتيب في قضاء المنسيات: أعني بوجوب ترتيب المنسيات مع الصلاة الحاضرة الوقت، وترتيب المنسيات بعضها مع بعض إذا كانت أكثر من صلاة واحدة، فذهب مالك إلى أن الترتيب واجب فيها في الخمس الصلوات فما دونها، وأنه يبدا أنه قال: إن ذكر المنسية وهو في الحاضرة فسدت الحاضرة عليه، وبمثل ذلك قال أبو حنيفة والثوري إلا أنهم رأوا الترتيب واجبا مع اتساع وقت الحاضرة. واتفق هؤلاء على سقوط وجو ب الترتيب مع النسيان. وقال الشافعي: لا يجب الترتيب، وإن فعل ذلك - إذا كافي الوقت متسع - فحسن يعني في وقت الحاضرة. والسبب في اختلافهم: اختلاف الاثار في هذا الباب واختلافهم في تشبيه القضاء بالاداء، فأما الاثار فإنه ورد في ذلك حديثان متعارضان: أحدهما: ما روي عنه
[ 148 ]
عليه الصلاة والسلام أنه قال: من نسي صلاة وهو مع الامام في أخرى فليصل مع الامام فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي، ثم ليعد الصلاة التي صلى مع الامام وأصحاب الشافعي يضعفون هذا الحديث، ويصححون حديث ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها، وهو في صلاة مكتوبة، فليتم التي هو فيها، فإذا فرغ منها قضى التي نسي. والحديث الصحيح في هذا الباب هو ما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام: إذا نام أحدكم عن الصلاة أو نسيها الحديث. وأما اختلافهم في جهة تشبيه القضاء بالاداء فإن من رأى أن الترتيب في الاداء إنما لزم من أجل أن أوقاتها المختصة بصلاة منها هي مرتبة في نفسها إذ كان الزمان لا يعقل إلا مرتبا لم يلحق بها القضاء، لانه ليس للقضاء وقت مخصوص، ومن رأى أن الترتيب في الصلوات المؤداة هو
في الفعل، وإن كان الزمان واحدا مثل الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما شبه القضاء بالاداء. وقد رأت المالكية أن توجب الترتيب للمقضية من جهة الوقت، لا من جهة الفعل لقوله عليه الصلاة والسلام: فليصلها إذا ذكرها قالوا: فوقت المنسية هو وقت الذكر ولذلك وجب أن تفسد عليه الصلاة التي هو فيها في ذلك الوقت، وهذا لا معنى له، لانه إن كان وقت الذكر وقتا للمنسية، فهو بعينه أيضا وقت للحاضرة، أو وقت للمنسيات إذا كانت أكثر من صلاة واحدة، وإذا كان الوقت واحدا، من قبل الترتيب بينها كالترتيب الذي يوجد في أجزاء الصلاة الواحدة، فإنه ليس إحدى الصلاتين أحق بالوقت من صاحبتها إذ كان وقتا لكليهما إلا أن يقوم دليل الترتيب، وليس هاهنا عندي شئ يمكن أن يجعل أصلا في هذا الباب لترتيب المنسيات إلا الجمع عند من سلمه، فإن الصلوات المؤداة أوقاتها مختلفة والترتيب في القضاء إنما يتصور في الوقت الواحد بعينه للصلاتين معا، فافهم هذا فإن فيه غموضا. وأظن مالكا رحمه الله إنما قاس ذلك على الجمع. وإنما صار الجميع إلى استحسان الترتيب في المنسيات إذا لم يخف فوات الحاضرة لصلاته عليه الصلاة والسلام الصلوات الخمس يوم الخندق مرتبة. وقد احتج بهذا من أوجب القضاء على العامد، ولا معنى لهذا، فإن هذا منسوخ، وأيضا فإنه كان تركا لعذر. وأما التحديد في الخمس فما دونها، فليس له وجه إلا أن يقال: إنه إجماع، فهذا حكم القضاء الذي يكون في فوات جملة الصلاة. وأما القضاء الذي يكون في فوات بعض الصلوات فمنه ما يكون سببه النسيان، ومنه ما يكون سببه سبق الامام للمأموم: أعني أن يفوت المأموم بعض صلاة الامام، فأما إذا فات المأموم بعض الصلاة فإن فيه مسائل ثلاثا: إحداها: متى تفوت الركعة؟ والثانية: هل إتيانه بما فاته بعد صلاة الامام أداء، أو قضاء؟ والثالث: متى يلزمه حكم صلاة الامام ومتى لا يلزمه ذلك؟ أما متى تفوته الركعة، فإن في ذلك مسألتين: إحداهما: إذا دخل والامام قد أهوى إلى
[ 149 ]
الركوع، والثانية: إذا كان مع الامام في الصلاة، فسها أن يتبعه في الركوع، أو منعه ذلك ما
وقع من زحام أو غيره. أما المسألة الاولى: فإن فيها ثلاثة أقوال: أحدها: وهو الذي عليه الجمهور أنه إذا أدرك الامام قبل أن يرفع رأسه من الركوع، وركع معه فهو مدرك للركعة، وليس عليه قضاؤها وهؤلاء اختلفوا هل من شرط هذا الداخل أن يكبر تكبيرتين تكبيرة للاحرام، وتكبيرة للركوع، أو يجزيه تكبيرة الركوع؟ وإن كانت تجزيه فهل من شرطها أن ينوي بها تكبيرة الاحرام، أم ليس ذلك من شرطها؟ فقال بعضهم: بل تكبيرة واحدة تجزئه إذا نوى بها تكبيرة الافتتاح، وهو مذهب مالك والشافعي، والاختيار عندهم تكبيرتان وقال قوم: لا بد من تكبيرتين وقال قوم: تجزئ واحدة وإن لم ينو بها تكبيرة الافتتاح. والقول الثاني: أنه إذا ركع الامام فقد فاتته الركعة، وأنه لا يدركها ما لم يدركه قائما، وهو منسوب الى ابي هريره الثالث: أنه إذا انتهى إلى الصف الاخر وقد رفع الامام رأسه، ولم يرفع بعضهم فأدرك ذلك أنه يجزيه، لان بعضهم أئمة لبعض وبه قال الشعبي وسبب هذا الاختلاف: تردد اسم الركعة بين أن يدل على الفعل نفسه الذي هو الانحناء فقط. أو على الانحناء والوقوف معا، وذلك أنه قال عليه الصلاة والسلام: من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة قال ابن المنذر: ثبت ذلك عن رسول الله (ص). فمن كان اسم الركعة ينطلق عنده على القيام والانحناء معا قال: إذا فاته قيام الامام فقد فاتته الركعة، ومن كان اسم الركعة ينطلق عنده على الانحناء نفسه جعل إدراك الانحناء إدراكا للركعة. والاشتراك الذي عرض لهذا الاسم إنما هو من قبل تردده بين المعنى اللغوي، والمعنى الشرعي، وذلك أن اسم الركعة ينطلق لغة على الانحناء، وينطلق شرعا على القيام والركوع والسجود، فمن رأى أن اسم الركعة ينطلق في قوله عليه الصلاة والسلام: من أدرك ركعة على الركعة الشرعية ولم يذهب مذهب الاخذ ببعض ما تدل عليه الاسماء قال: لا بد أن يدرك مع الامام الثلاثة الاحوال أعني القيام والانحناء والسجود. ويحتمل أن يكون من ذهب إلى اعتبار الانحناء فقط أن يكون اعتبر أكثر ما يدل عليه الاسم هاهنا، لان من أدرك الانحناء
فقد أدرك منها جزأين، ومن فاته الانحناء إنما أدرك منها جزءا واحدا فقط، فعلى هذا يكون الخلاف آيلا إلى اختلافهم في الاخذ ببعض دلالة الاسماء، أو بكلها، فالخلاف يتصور فيها من الوجهين جميعا. وأما من اعتبر ركوع من في الصف من المأمومين، فلان الركعة من الصلاة قد تضاف إلى الامام فقط، وقد تضاف إلى الامام والمأمومين. فسبب الاختلاف: هو الاحتمال في هذه الاضافة: أعني قوله عليه الصلاة والسلام: من أدرك ركعة من الصلاة وما عليه الجمهور أظهر. وأما اختلافهم في هل تجزيه تكبيرة واحدة أو تكبيرتان: أعني المأموم إذا دخل في الصلاة والامام راكع، فسببه هل من شرط تكبيرة الاحرام أن
[ 150 ]
يأتي بها واقفا أم لا؟ فمن رأى أن من شرطها الموضع الذي تفعل فيه تعلقا بالفعل أعني بفعله عليه الصلاة والسلام، وكان يرى أن التكبير كله فرض، قال: لا بد من تكبيرتين. ومن رأى أنه ليس الصلاة والسلام: وتحريمها التكبير وكان عنده أن تكبيرة الاحرام هي فقط الفرض قال: يجزيه أن يأتي بها وحدها، وأما من أجاز أن يأتي بتكبيرة واحدة، ولم ينو بها تكبيرة الاحرام، فقيل يبنى على مذهب من يرى أن تكبيرة الاحرام ليست بفرض، وقيل: إنما يبنى على مذهب من يجوز تأخير نية الصلاة عن تكبيرة الاحرام، لانه ليس معنى أن ينوي تكبيرة الاحرام إلا مقارنة النية للدخول في الصلاة، لان تكبيرة الاحرام لها وصفان: النية المقارنة والاولية أعني: وقوعها في أول الصلاة، فمن اشترط الوصفين قال: لابد من النية المقارنة ومن اكتفى بالصفة الواحدة اكتفى بتكبيرة واحدة، ولم تقارنها النية. وأما المسألة الثانية: وهي إذا سها عن اتباع الامام في الركوع حتى سجد الامام، فإن قوما قالوا: إذا فاته إدراك الركوع معه، فقد فاتته الركعة ووجب عليه قضاؤها، وقوم قالوا: يعتد بالركعة إذا أمكنه أن يتم من الركوع قبل أن يقوم الامام إلى الركعة الثانية، وقوم قالوا: يتبعه ويعتد بالركعة ما لم يرفع الامام رأسه من الانحناء في الركعة الثانية، وهذا الاختلاف موجود
لاصحاب مالك، وفيه تفصيل واختلاف بينهم بين أن يكون عن نسيان، أو أن يكون عن زحام، وبين أن يكون في جمعة، أو في غير جمعة، وبين اعتبار أن يكون المأموم عرض له هذا في الركعة الاولى، أو في الركعة الثانية وليس قصدنا تفصيل المذهب، ولا تخريجه، وإنما الغرض الاشارة إلى قواعد المسائل وأصولها، فنقول: إن سبب الاختلاف في هذه المسألة: هو هل من شرط فعل المأموم أن يقارن فعل الامام أو ليس من شرطه ذلك؟ وهل هذا الشرط هو في جميع أجزاء الركعة الثلاثة؟ أعنى القيام والانحناء والسجود، أم إنما هو شرط في بعضها؟ ومتى يكون إذا لم يقارن فعله فعل الامام اختلافا عليه، أعني أن يفعل هو فعلا والامام فعلا ثانيا؟ فمن رأى أنه شرط في كل جزء من أجزاء الركعة الواحدة أعني: أن يقارن فعل المأموم فعل الامام، وإلا كان اختلافا عليه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: فلا تختلفوا عليه قال: متى لم لم يعتد بالركعة، ومن اعتبره في بعضها قال: هو مدرك للركعة إذا أدرك فعل الركعة قبل أن يقوم إلى الركعة الثانية، وليس ذلك اختلافا عليه، فإذا قام إلى الركعة الثانية فإن اتبعه فقد اختلف عليه في الركعة الاولى. وأما من قال إنه يتبعه ما لم ينحن في الركعة الثانية، فإنه رأى أنه ليس من شرط فعل المأموم أن يقارن بعضه، بعض فعل الامام، ولا كله، وإنما من شرطه أن يكون بعده فقط، وإنما اتفقوا على أنه إذا قام من الانحناء في الركعة الثانية أنه لا يعتد بتلك الركعة إن اتبعه فيها، لانه يكون في حكم الاولى، والامام في حكم الثانية، وذلك غاية الاختلاف عليه.
[ 151 ]
وأما المسألة الثانية: من المسائل الثلاث الاول التي هي أصول هذا الباب وهي هل إتيان المأموم بما فاته من الصلاة مع الامام أداء، أو قضاء، فإن في ذلك ثلاثة مذاهب: قوم قالوا: إن ما يأتي به بعد سلام الامام هو قضاء وإن ما أدرك ليس هو أول صلاته وقوم قالوا: إن الذي يأتي به بعد سلام الامام هو أداء، وإن ما أدرك هو أول صلاته وقوم فرقوا بين الاقوال والافعال، فقالوا: يقضي في الاقوال يعنون في القراءة، ويبني في الافعال يعنون الاداء، فمن أدرك ركعة من صلاة المغرب - على المذهب الاول: أعني
مذهب القضاء - قام إذا سلم الامام إلى ركعتين يقرأ فيهما بأم القرآن وسورة من غير أن يجلس بينهما. وعلى المذهب الثاني: أعني على البناء قام إلى ركعة واحدة يقرأ فيها بأم القرآن وسورة ويجلس، ثم يقوم إلى ركعة يقرأ فيها بأم القرآن فقط. وعلى المذهب الثالث يقوم إلى ركعة، فيقرأ فيها بأم القرآن وسورة ثم يجلس ثم يقوم إلى ركعة ثانية يقرأ فيها أيضا بأم القرآن وسورة. وقد نسبت الاقاويل الثلاثة إلى المذهب، والصحيح عن مالك أنه يقضى في الاقوال، ويبنى في الافعال، لانه لم يختلف قوله في المغرب أنه إذا أدرك منها ركعة أن يقوم إلى الركعة الثانية ثم يجلس، ولا اختلاف في قوله إنه يقضي بأم القرآن وسورة. وسبب اختلافهم: أنه ورد في بعض روايات الحديث المشهور: فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا والاتمام يقتضي أن يكون ما أدرك هو أول صلاته، وفي بعض فاقضوا والقضاء يوجب أن ما أدرك هو آخر صلاته، فمن ذهب مذهب الاتمام قال: ما أدرك هو أول صلاته، ومن ذهب مذهب القضاء قال: ما أدرك هو آخر صلاته، ومن ذهب مذهب الجمع جعل القضاء في الاقوال، والاداء في الافعال، وهو ضعيف: أعني أن يكون بعض الصلاة أداء وبعضها قضاء. واتفاقهم على وجوب الترتيب في أجزاء الصلاة، وعلى أن موضع تكبيرة الاحرام هو افتتاح الصلاة، ففيه دليل واضح على أن ما أدرك هو أول صلاته، لكن تختلف نية المأموم والامام في الترتيب، فتأمل هذا. ويشبه أن يكون هذا هو أحد ما راعاه من قال: ما أدرك فهو آخر صلاته. وأما المسألة الثالثة: من المسائل الاول، وهي متى يلزم المأموم حكم صلاة الامام في الاتباع، فإن فيها مسائل. إحداها: متى يكون مدركا لصلاة الجمعة. والثانية: متى يكون مدركا معه لحكم سجود السهو: أعني سهو الامام. والثالثة: متى يلزم المسافر الداخل وراء إمام يتم الاتمام إذا أدرك من صلاة الامام بعضها؟ فأما المسألة الاولى: فإن قوما قالوا: إذا أدرك ركعة من الجمعة، فقد أدرك الجمعة
ويقضي ركعة ثانية، وهو مذهب مالك والشافعي فإن أدرك أقل صلى ظهرا أربعا. وقوم قالوا: بل يقضي ركعتين أدرك منها ما أدرك، وهو مذهب أبي حنيفة. وسبب الخلاف في
[ 152 ]
هذا: هو ما يظن من التعارض بين عموم قوله عليه الصلاة والسلام: ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا وبين مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة فإنه من صار إلى عموم قوله عليه الصلاة والسلام: وما فاتكم فأتموا أوجب أن يقضي ركعتين، وإن أدرك منها أقل من ركعتين، ومن كان المحذوف عنده في قوله عليه الصلاة والسلام: فقد أدرك الصلاة أي فقد أدرك حكم الصلاة، وقال: دليل الخطاب يقتضي أن من أدرك أقل من ركعة، فلم يدرك حكم الصلاة. والمحذوف في هذا القول محتمل فإنه يمكن أن يراد به فضل الصلاة، ويمكن أن يراد به وقت الصلاة، ويمكن أن يراد به حكم الصلاة، ولعله ليس هذا المجاز في أحدهما أظهر منه في الثاني، فإن كان الامر كذلك كان من باب المجمل الذي لا يقتضي حكما، وكان الاخر بالعموم أولى، وإن سلمنا أنه أظهر في أحد هذه يرى ذلك، لم يكن هذا الظاهر معارضا للعموم، إلا مباب دليل الخطاب والعموم أقوى من دليل الخطاب عند الجميع، ولا سيما الدليل المبني على المحتمل أو الظاهر. وأما من يرى أن قوله عليه الصلاة والسلام: فقد أدرك الصلاة أنه يتضمن جميع هذه المحذوفات فضعيف، وغير معلوم من لغة العرب، إلا أن يتقرر أن هناك اصطلاحا عرفيا أو شرعيا. وأما مسألة اتباع المأموم للامام في السجود: أعني في سجود السهو، فإن قوما اعتبروا في ذلك الركعة: أعني أن يدرك من الصلاة معه ركعة وقوم لم يعتبروا في ذلك فمن لم يعتبر ذلك فمصيرا إلى عموم قوله عليه الصلاة والسلام: إنما جعل الامام ليؤتم به. ومن اعتبر ذلك فمصيرا إلى مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: فقد أدرك الصلاة ولذلك اختلفوا في المسألة الثالثة، فقال قوم: إن المسافر إذا أدرك من صلاة الامام الحاضر أقل من ركعة لم يتم وإذا أدرك ركعة لزمه الاتمام. فهذا حكم القضاء الذي يكون
لبعض الصلاة من قبل سبق الامام له. وأما حكم القضاء لبعض الصلاة الذي يكون للامام، والمنفرد من قبل النسيان، فإنهم اتفقوا على أن ما كان منها ركنا فهو يقضى: أعني فريضة، وأنه ليس يجزي منه إلا الاتيان به، وفيه مسائل اختلفوا فيها، بعضهم أوجب فيها القضاء، وبعضهم أوجب فيها الاعادة مثل من نسي أربع سجدات من أربع ركعات: سجدة من كل ركعة، فإن قوما قالوا: يصلح الرابعة بأن يسجد لها ويبطل ما قبلها من الركعات، ثم يأتي بها، وهو قول مالك وقوم قالوا: تبطل الصلاة بأسرها، ويلزمه الاعادة، وهي إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل، وقوم قالوا: يأتي بأربع سجدات متوالية وتكمل بها صلاته وبه قال أبو حنيفة، والثوري، والاوزاعي، وقوم قالوا: يصلح الرابعة، ويعتد بسجدتين، وهو مذهب الشافعي. وسبب الخلاف في هذا: مراعاة الترتيب، فمن راعاه في الركعات والسجدات أبطل الصلاة، ومن راعاه في السجدات أبطل الركعات ما عدا الاخيرة قياسا
[ 153 ]
على قضاء ما الترتيب أجاز سجودها معا في ركعة واحدة لا سيما إذا اعتقد أن الترتيب ليس هو واجبا في الفعل المكرر في كل ركعة: أعني السجود، وذلك أن كل ركعة تشتمل على قيام وانحناء وسجود، والسجود مكرر: فزعم أصحاب أبي حنيفة أن السجود لما كان مكررا لم يجب أن يراعى فيه التكرير في الترتيب. ومن هذا الجنس اختلاف أصحاب مالك فيمن نسي قراءة أم القرآن من الركعة الاولى، فقيل لا يعتد بالركعة ويقضيها، وقيل يعيد الصلاة، وقيل يسجد للسهو وصلاته تامة. وفروع هذا الباب كثيرة، وكلها غير منطوق به، وليس قصدنا هاهنا إلا ما يجري مجرى الاصول. الباب الثالث من الجملة الرابعة في سجود السهو والسجود المنقول في الشريعة في أحد موضعين: إما عند الزيادة أو النقصان اللذين يقعان في أفعال الصلاة، وأقوالها من قبل النسيان، من قبل العمد، وإما عند الشك في أفعال الصلاة. فأما السجود الذي يكون من قبل النسيان لا من قبل الشك، فالكلام فيه
ينحصر في ستة فصول: الفصل الاول: في معرفة حكم السجود. الثاني: في معرفة مواضعه من الصلاة، الثالث: في معرفة الجنس من الافعال، والافعال التي يسجد لها. الرابع: في صفة سجود السهو. الخامس: في معرفة من يجب عليه سجود السهو. السادس: بماذا ينبه المأموم الامام الساهي على سهوه. الفصل الاول اختلفوا في سجود السهو هل هو فرض، أو سنة؟ فذهب الشافعي إلى أنه سنة وذهب أبو حنيفة إلى أنه فرض، لكن من شروط صحة الصلاة، وفرق مالك بين السجود للسهو في الافعال، وبين السجود للسهو في الاقوال، وبين الزيادة والنقصان، فقال: سجود السهو الذي يكون للافعال الناقصة واجب، وهو عنده من شروط صحة الصلاة هذا في المشهور، وعنه أن سجود السهو للنقصان واجب، وسجود الزيادة مندوب. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في حمل أفعاله عليه الصلاة والسلام في ذلك على الوجوب أو على الندب فأما أبو حنيفة فحمل أفعاله عليه الصلاة والسلام في السجود على الوجوب إذا كان هو الاصل عندهم، إذ جاء بيانا لواجب كما قال عليه الصلاة والسلام: صلوا كما رأيتموني أصلي وأما الشافعي فحمل أفعاله في ذلك على الندب وأخرجها عن الاصل بالقياس: وذلك أنه لما كان السجود عند الجمهور ليس ينوب عن فرض، وإنما ينوب عن ندب رأى أن البدل عما ليس بواجب ليس هو بواجب، وأما مالك فتأكدت عنده الافعال أكثر من الاقوال لكونها من صلب الصلاة أكثر من الاقوال: أعني أن الفروض التي هي أفعال هي أكثر من فروض الاقوال، فكأنه رأى أن الافعال آكد من الاقوال، وإن كان ليس
[ 154 ]
ينوب سجود السهو إلا عما كان منها ليس بفرض، وتفريقه أيضا بين سجود النقصان، والزيادة على الرواية الثانية، ليكون سجود النقصان شرع بدلا مما سقط من أجزاء الصلاة وسجود الزيادة كأنه استغفار لا بدل.
الفصل الثاني اختلفوا في مواضع سجود السهو على خمسة أقوال: فذهبت الشافعية إلى أن سجود السهو موضعه أبدا قبل السلام وذهبت الحنفية إلى أن موضعه أبدا بعد السلام وفرقت المالكية، فقالت: إن كان السجود لنقصان كان قبل السلام، وإن كان لزيادة كان بعد السلام وقال أحمد بن حنبل: يسجد قبل السلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله (ص) قبل السلام. ويسجد بعد السلام في المواضع التي سجد فيها رسول الله (ص) بعد السلام فما كان من سجود في غير تلك المواضع يسجد له أبدا قبل السلام وقال أهل الظاهر: لا يسجد للسهو إلا في المواضع الخمسة التي سجد فيها رسول الله (ص) فقط، وغير ذلك إن كان فرضا أتى به وإن كان ندبا فليس عليه شئ. والسبب في اختلافهم: أنه عليه الصلاة والسلام ثبت عنه أنه سجد قبل السلام، وسجد بعد السلام وذلك أنه ثبت من حديث ابن بحينة أنه قال: صلى لنا رسول الله (ص) ركعتين، ثم قام فلم يجلس، فقام الناس معه فلما قضى صلاته سجد سجدتين وهو جالس. وثبت أيضا أنه سجد بعد السلام في حديث ذي اليدين المتقدم. إذ سلم من اثنتين، فذهب الذين جوزوا القياس في سجود السهو أعني الذين رأوا تعدية الحكم في المواضع التي سجد فيها عليه الصلاة والسلام إلى أشباهها في هذه الاثار الصحيحة ثلاثة مذاهب: أحدها مذهب الترجيح، والثاني مذهب الجمع، والثالث مذهب الجمع والترجيح: فمن رجح حديث ابن بحينة قال: السجود قبل السلام، واحتج لذلك بحديث أبي سعيد الخدري الثابت أنه عليه الصلاة والسلام قال: إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى أثلاثا، أم أربعا، فليصل ركعة، وليسجد سجدتين وهو جالس قبل التسليم، فإن كانت الركعة التي صلاها خامسة شفعها بهاتين السجدتين وإن كانت رابعة فالسجدتان ترغيم للشيطان. قالوا: ففيه السجود للزيادة قبل السلام، لانها ممكنة الوقوع خامسة واحتجوا لذلك أيضا بما روي عن ابن شهاب أنه قال: كان آخر الامرين من رسول الله (ص) السجود قبل السلام. وأما من
رجح حديث ذي اليدين فقال السجود بعد السلام. واحتجوا لترجيح هذا الحديث بأن حديث ابن بحينة قد عارضه حديث المغيرة بن شعبة: أنه عليه الصلاة والسلام قام من اثنتين، ولم يجلس، ثم سجد بعد السلام قال أبو عمر: ليس مثله في النقل، فيعارض به، واحتجوا أيضا لذلك بحديث ابن مسعود الثابت: أن رسول الله (ص) صلى خمسا ساهيا، وسجد لسهوه بعد السلام. وأما من ذهب مذهب الجمع، فإنهم قالوا: إن هذه الاحاديث
[ 155 ]
لا تتناقض، وذلك أن السجود فيها بعد السلام إنما هو في الزيادة، والسجود قبل السلام في النقصان، فوجب أن يكون حكم السجود في سائر المواضع، كما هو في هذا الموضع، قالوا: وهو أولى من حمل الاحاديث على الجمع، والترجيح، فقال: يسجد في المواضع التي سجد فيها رسول الله (التعارض ص) على النحو الذي سجد فيها رسول الله (ص)، فإن ذلك هو حكم تلك المواضع، وأما المواضع التي لم يسجد فيها رسول الله (ص)، فالحكم فيها السجود قبل السلام، فكأنه قاس على المواضع التي سجد فيها عليه الصلاة والسلام قبل السلام، ولم يقس على المواضع التي سجد فيها بعد السلام، وأبقى سجود المواضع التي سجد فيها على ما سجد فيها، فمن جهة أنه أبقى حكم هذه المواضع على ما وردت عليه وجعلها متغايرة الاحكام هو ضرب من الجمع، ورفع للتعارض بين مفهومها، ومن جهة أنه عدى مفهوم بعضها دون بعض، وألحق به المسكوت عنه، فذلك ضرب من الترجيح: أعني أنه قاس على السجود الذي قبل السلام، ولم يقس على الذي بعده، وأما من لم يفهم من هذه الافعال حكما خارجا عنها، وقصر حكمها على أنفسها، وهم أهل الظاهر، فاقتصروا بالسجود على هذه المواضع فقط. وأما أحمد بن حنبل فجاء نظره مختلطا من نظر أهل الظاهر، ونظر أهل القياس، وذلك أنه اقتصر بالسجود كما قلنا بعد السلام على المواضع التي ورد فيها الاثر ولم يعده، وعدى السجود الذي ورد في المواضع التي قبل السلام، ولكل واحد من هؤلاء أدلة يرجح بها مذهبه من جهة القياس: أعني لاصحاب القياس. وليس قصدنا في هذا الكتاب في الاكثر ذكر الخلاف الذي يوجبه القياس، كما ليس قصدنا ذكر المسائل المسكوت عنها في الشرع إلا
في الاقل، وذلك إما من حيث هي مشهورة، وأصل لغيرها، وإما من حيث هي كثيرة الوقوع. والمواضع الخمسة التي سها فيها رسول الله (ص): أحدها: أنه قام من اثنتين على ما جاء في حديث ابن بحينة، والثاني: أنه سلم من اثنتين على ما جاء في حديث ذي اليدين، والثالث: أنه صلى خمسا على ما في حديث ابن عمر خرجه مسلم والبخاري. والرابع: أنه سلم من ثلاث على ما في حديث عمران بن الحصين، والخامس السجود عن الشك على ما جاء في حديث أبي سعيد الخدري. وسيأتي بعد، واختلفوا لماذا يجب سجود السهو؟ فقيل يجب للزيادة والنقصان، وهو الاشهر وقيل للسهو نفسه، وبه قال أهل الظاهر والشافعي. الفصل الثالث وأما الاقوال والافعال التي يسجد لها، فإن القائلين بسجود السهو لكل نقصان، أو زيادة وقعت في الصلاة على طريق السهو اتفقوا على أن السجود يكون عن سنن الصلاة دون الفرائض، ودون الرغائب فالرغائب لا شئ عندهم فيها: أعني إذا سها عنها في الصلاة ما لم يكن أكثر من رغيبة واحدة، مثل ما يرى مالك أنه لا يجب سجود من نسيان
[ 156 ]
تكبيرة واحدة، ويجب من أكثر من واحدة. وأما الفرائض فلا يجزئ عنها إلا الاتيان بها وجبرها إذا كان السهو عنها مما لا يوجب إعادة الصلاة بأسرها على ما تقدم فيما يوجب الاعادة وما يوجب القضاء أعني على من ترك بعض أركان الصلاة. وأما سجود السهو للزيادة، فإنه يقع عند الزيادة في الفرائض والسنن جميعا فهذه الجملة لا اختلاف بينهم فيها، وإنما يختلفون من قبل اختلافهم فيما هو منها فرض، أو ليس بفرض، وفيما هو منها سنة، أو ليس بسنة، وفيما هو منها سنة، أو رغيبة: مثال ذلك أن عند مالك ليس يسجد لترك القنوت لانه عنده مستحب ويسجد له عند الشافعي، لانه عنده سنة، وليس يخفى عليك هذا مما تقدم القول فيه من اختلافهم بين ما هو سنة، أو فريضة، أو رغيبة، وعند مالك
وأصحابه سجود السهو للزيادة اليسيرة في الصلاة، وإن كانت من غير جنس الصلاة، وينبغي أن تعلم أن السنة والرغيبة هي عندهم من باب الندب، وإنما تختلفان عندهم بالاقل والاكثر: أعني في تأكيد الامر بها، وذلك راجع إلى قرائن أحوال تلك العبادة، ولذلك يكثر اختلافهم في هذا الجنس كثيرا حتى إن بعضهم يرى أن في بعض السنن ما إذا تركت عمدا إن كانت فعلا، أو فعلت عمدا إن كانت تركا أن حكمها حكم الواجب أعني في تعلق الاثم بها، وهذا موجود كثيرا لاصحاب مالك، وكذلك تجدهم قد اتفقوا ما خلا أهل الظاهر على أن تارك السنن المتكررة بالجملة آثم، مثل ما لو ترك إنسان الوتر، أو ركعتي الفجر دائما لكان مفسقا آثما. فكأن العبادات بحسب هذا النظر منها ما هي فرض بعينها وجنسها مثل الصلوات الخمس، ومنها ما هي سنة بعينها فرض بجنسها مثل الوتر، وركعتي الفجر وما أشبه ذلك من السنن، وكذلك قد تكون عند بعضهم الرغائب رغائب بعينها سنن بجنسها مثل ما حكيناه عن مالك من إيجاب السجود لاكثر من تكبيرة واحدة: أعني للسهو عنها، ولا تكون فيما أحسب عند هؤلاء سنة بعينها وجنسها. وأما أهل الظاهر فالسنن عندهم هي سنن بعينها لقوله عليه الصلاة والسلام للاعرابي الذي سأله عن فروض الاسلام: أفلح إن صدق، دخل الجنة إن صدق وذلك بعد أن قال له: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه: يعني الفرائض، وقد تقدم هذا الحديث. واتفقوا من هذا الباب على سجود السهو لترك الجلسة الوسطى، واختلفوا فيها هل هي فرض، أو سنة وكذلك اختلفوا هل يرجع الامام إذا سبح به إليها، أو ليس يرجع؟ وإن رجع فمتى يرجع؟ قال الجمهور: يرجع ما لم يستو قائما، وقال قوم: يرجع ما لم يعقد الركعة الثالثة، وقال قوم: لا يرجع إن فارق الارض قيد شبر، وإذا رجع عند الذين لا يرون رجوعه، فالجمهور على أن صلاته جائزة، وقال قوم: تبطل صلاته.
[ 157 ]
الفصل الرابع وأما صفة سجود السهو، فإنهم اختلفوا في ذلك، فرأى مالك أن حكم سجدتي
السهو إذا كانت بعد السلام أن يتشهد فيها ويسلم منها، وبه قال أبو حنيفة، لان السجود كله عنده بعد السلام وإذا كانت قبل السلام أن يتشهد لها فقط، وأن السلام من الصلاة هو سلام منها، وبه قا الشافعي إذ كان السجود كله عنده قبل السلام، وقد روي عن مالك أنه لا يتشهد للتي قبل السلام، وبه قال جماعة. قال أبو عمر: أما السلام من التي بعد السلام، فثابت عن النبي (ص). وأما التشهد فلا أحفظه من وجه ثابت. وسبب هذا الاختلاف: هو اختلافهم في تصحيح ما ورد من ذلك في حديث ابن مسعود أعني من أنه عليه الصلاة والسلام: تشهد ثم سلم وتشبيه سجدتي السهو بالسجدتين الاخيرتين من الصلاة، فمن شبهها بها، لم يوجب لها التشهد، وبخاصة إذا كانت في نفس الصلاة، وقال أبو بكر بن المنذر: اختلف العلماء في هذه المسألة على ستة أقوال: فقالت طائفة: لا تشهد فيها ولا تسليم، وبه قال أنس بن مالك، والحسن، وعطاء، وقال قوم: مقابل هذا، وهو أن فيها تشهدا وتسليما، وقال قوم: فيها تشهد فقط بدون تسليم، وبه قال الحكم وحماد والنخعي، وقال قوم مقابل هذا وهو أن فيها تسليما، وليس فيها تشهد، وهو قول ابن سيرين، والقول الخامس: إن شاء تشهد وسلم، وإن شاء لم يفعل، وروي ذلك عن عطاء، والسادس: قول أحمد بن حنبل أنه إن سجد بعد السلام تشهد، وإن سجد قبل السلام لم يتشهد، وهو الذي حكيناه نحن عن مالك، قال أبو بكر: قد ثبت أنه (ص) كبر فيها أربع تكبيرات وأنه سلم، وفي ثبوت تشهده فيها نظر. الفصل الخامس اتفقوا على أن سجود السهو من سنة المنفرد والامام، واختلفوا في المأموم يسهو وراء الامام هل عليه سجود، أم لا؟ فذهب الجمهور إلى أن الامام يحمل عنه السهو وشذ مكحول، فألزمه السجود في خاصة نفسه. وسبب اختلافهم: اختلافهم فيما يحمل الامام من الاركان عن المأموم، وما لا يحمله. واتفقوا على أن الامام إذا سها أن المأموم يتبعه في سجود السهو، وإن لم يتبعه في سهوه واختلفوا متى يسجد المأموم إذا فاته مع الامام
بعض الصلاة، وعلى الامام سجوسهو، فقال قوم: يسجد مع الامام ثم يقوم لقضاء ما عليه، وسواء أكان سجوده قبل السلام، أم بعده، وبه قال عطاء، والحسن، والنخعي، والشعبي، وأحمد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال قوم: يقضي ثم يسجد، وبه قال ابن سيرين وإسحاق. وقال قوم: إذا سجد قبل التسليم سجدهما معه، وإن سجد بعد التسليم سجدهما بعد أن يقضي، وبه قال مالك والليث والاوزاعي. وقال قوم: يسجدهما مع الامام، ثم يسجدهم ثانية بعد القضاء، وبه قال الشافعي. وسبب اختلافهم: اختلافهم أي أولى، وأخلق
[ 158 ]
أن يتبعه في السجود مصاحبا له، أو باع واجب لقوله عليه الصلاة والسلام: إنما جعل الامام ليؤتم به. واختلفوا هل موضعها للمأموم هو موضع السجود أعني في آخر الصلاة؟ أو موضعها هو وقت سجود الامام؟ فمن آثر مقارنة فعله لفعل الامام على موضع السجود، ورأى ذلك شرطا في الاتباع، أعني أن يكون فعلهما واحدا حقا، قال: يسجد مع الامام، وإن لم يأت بها في موضع السجود، ومن آثر موضع السجود، قال: يؤخرها إلى آخر الصلاة. ومن أوجب عليه الامرين، أوجب عليه السجود مرتين، وهو ضعيف. الفصل السادس واتفقوا على أن السنة لمن سها في صلاته أن يسبح له، وذلك للرجل لما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: ما لي أراكم أكثرتم من التصفيق، من نابه شئ في صلاته، فليسبح، فإنه إذا سبح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء. فقال مالك وجماعة: إن التسبيح للرجال والنساء وقال الشافعي وجماعة: للرجال التسبيح، وللنساء التصفيق. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: وإنما التصفيق للنساء فمن ذهب إلى أن معنى ذلك أن التصفيق هو حكم النساء يصفقن، ولا يسبحن، ومن فهم من ذلك الذم للتصفيق، قال: الرجال والنساء، في التسبيح سواء، وفيه ضعف، لانه خروج عن الظاهر بغير دليل، إلا أن تقاس
المرأة في ذلك على الرجل، والمرأة كثيرا ما يخالف حكمها في الصلاة حكم الرجل، ولذلك يضعف القياس. وأما سجود السهو الذي هو لموضع الشك، فإن الفقهاء اختلفوا فيمن شك في صلاته، فلم يدر كم صلى واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثا، أو أربعا على ثلاثة مذاهب؟ فقال قوم: يبني على اليقين، وهو الاقل، ولا يجزيه التحري، ويسجد سجدتي السهو وهو قول مالك، والشافعي، وداود وقال أبو حنيفة: إن كان أول أمره، فسدت صلاته، وإن تكرر ذلك منه، تحرى وعمل على غلبة الظن، ثم يسجد سجدتين بعد السلام. وقالت طائفة: إنه ليس عليه إذا شك لا رجوع إلى يقين ولا تحر، وإنما عليه السجود فقط إذا شك. والسبب في اختلافهم: تعارض ظواهر الاثار الواردة في هذا الباب وذلك أن في هذا الباب ثلاثة آثار: أحدها: حديث بالبناء على اليقين، وهو حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله (ص): إذا شك أحدكم في صلاته، فلم يدر كم صلى أثلاثا أم أربعا، فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماما لاربع كانتا ترغيما للشيطان خرجه مسلم. والثاني: حديث ابن مسعود أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: إذا سهاأحدكم في صلاته، فليتحر،
[ 159 ]
وليسجد سجدتين وفي رواية أخرى عنه: فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب ثم ليسلم ثم ليسجد سجدتي السهو، ويتشهد ويسلم. والثالث: حديث أبي هريرة خرجه مالك، والبخاري أن رسول الله (ص) قال: إن أحدكم إذا قام يصلي جاءه الشيطان، فلبس عليه حتى لا يدري كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم، فليسجد سجدتين، وهو جالس وفي هذا المعنى أيضا حديث عبد الله بن جعفر خرجه أبو داود أن رسول الله (ص) قال: من شك في صلاته، فليسجد سجدتين بعدها ويسلم. الاحاديث مذهب الجمع، ومذهب الترجيح، والذين ذهبوا مذهب الترجيح منهم من لم يلتفت إلى المعارض
ومنهم من رام تأويل المعارض، وصرفه إلى الذي رجح، ومنهم من جمع الامرين أعني جمع بعضها ورجح بعضها وأول غير المرجح إلى معنى المرجح ومن من جمع بين بعضها، وأسقط حكم البعض. فأما من ذهب مذهب الجمع في بعض، والترجيح في بعض مع تأويل غير المرجح، وصرفه إلى المرجح، فمالك بن أنس، فإنه حمل حديث أبي سعيد الخدري على الذي لم يستنكحه الشك، وحمل حديث أبي هريرة على الذي يغلب عليه الشك، ويستنكحه، وذلك من باب الجمع، وتأول حديث ابن مسعود على أن المراد بالتحري هنالك هو الرجوع إلى اليقين، فأثبت على مذهبه الاحاديث كلها. وأما من ذهب مذهب الجمع بين بعضها، وإسقاط البعض، وهو الترجيح من غير تأويل المرجح عليه، فأبو حنيفة، فإنه قال: إن حديث أبي سعيد إنما هو حكم من لم يكن عنده ظن غالب يعمل عليه، وحديث ابن مسعود على الذي عنده ظن غالب، وأسقط حكم حديث أبي هريرة وذلك أنه قال ما في حديث أبي سعيد وابن مسعود زيادة، والزيادة يجب قبولها، والاخذ بها، وهذا أيضا كأنه ضرب من الجمع. وأما الذي رجح بعضها، وأسقط حكم البعض، فالذين قالوا: إنما عليه السجود فقط، وذلك أن هؤلاء رجحوا حديث أبي هريرة وأسقطوا حديث أبي سعيد، وابن مسعود، ولذلك كان أضعف الاقوال. فهذا ما رأينا أن نثبته في هذا القسم من قسمي كتاب الصلاة، وهو القول في الصلاة المفروضة، فلنصر بعد إلى القول في القسم الثاني من الصلاة الشرعية، وهي الصلوات التي ليست فروض عين.
[ 160 ]
كتاب الصلاة الثاني ولان الصلاة التي ليست بمفروضة على الاعيان، منها ما هي سنة، ومنهما هي نفل، ومنها ما هي فرض على الكفاية، وكانت هذه الاحكام منها ما هو مق عليه، ومنها ما هو مختلف فيه، رأينا أن نفرد القول في واحدة، واحدة من هذه الصلوات، وهي بالجملة عشر: ركعتا الفجر، والوتر، والنفل، وركعتا دخول المسجد، والقيام في رمضان، والكسوف، والاستسقاء، والعيدان، وسجود القرآن، فإنه صلاة، فيشتمل هذا الكتاب على عشرة
أبواب. والصلاة على الميت نذكرها على حدة في باب أحكام الميت على ما جرت به عادة الفقهاء وهو الذي يترجمونه بكتا ب الجنائز. الباب الاول: القول في الوتر واختلفوا في الوتر في خمسة مواضع: منهفي حكمه، ومنها في صفته، ومنها في وقته، ومنها في القنوت فيه، ومنها في صلاته على الراحلة. أما حكمه: فقد تقدم القول فيه عند بيان عدد الصلوات المفروضة. وأما صفته: فإن مالكا رحمه الله استحب أن يوتر بثلاث يفصل بينها بسلام وقال أبو حنيفة: الوتر ثلاث ركعات من غير أن يفصل بينها بسلام وقال الشافعي: الوتر ركعة واحدة ولكل قول من هذه الاقوال سلف من الصحابة والتابعين. والسبب في اختلافهم: اختلاف الاثار في هذا الباب، وذلك أنه ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من حديث عائشة: أنه كان يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة وثبت عن ابن عمر أن رسولاالله (ص) قال: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا رأيت أن الصبح يدركك، فأوتر بواحدة وخرج مسلم عن عائشة: أنه عليه الصلاة والسلام كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، ويوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شئ إلا في آخرها وخرج أبو داود عن أبي أيوب الانصاري أنه عليه الصلاة والسلام قال: الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة، فليفعل وخرج أبو داود: أنه كان يوتر بسبع، وتسع، وخمس وخرج عن عبد الله بن قيس قال: قلت لعائشة بكم كان رسول الله (ص) يوتر؟ قالت: كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص
[ 161 ]
من سبع، ولا بأكثر من ثلاث عشرة وحديث ابن عمر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: المغرب وتر صلاة النهار. فذهب العلماء في هذه الاحاديث مذهب الترجيح: فمن ذهب إلى أن الوتر ركعة واحدة، فمصيرا إلى قوله عليه الصلا والسلام: فإذا خشيت
الصبح، فأوتر بواحدة وإلى حديث عائشة: أنه كان يوتر بواحدة. ومن ذهب إلى أن الوتر ثلاث من غير أن يفصل بينها، وقصر حكم الوتر على الثلاث فقط، فليس يصح له أن يحتج بشئ مما في هذا الباب، لانها كلها تقتضي التخيير ما عدا حديث ابن عمر أنه قال عليه الصلاة والسلام: المغرب وتر صلاة النهار فإن لابي حنيفة أن يقول: إنه إذا شبه شئ بشئ، وجعل حكمهما واحدا، كان المشبه به أحرى أن يكون بتلك الصفة، ولما شبهت المغرب بوتر صلاة النهار وكانت ثلاثا، وجب أن يكون وتر صلاة الليل ثلاثا، وأما مالك، فإنه تمسك في هذا الباب بأنه عليه الصلاة والسلام لم يوتر قط إلا في أثر شفع، فرأى أن ذلك من سنة الوتر، وأن أقل ذلك ركعتان فالوتر عنده على الحقيقة، إما إن يكون ركعة واحدة ولكن من شرطها أن يتقدمها شفع، وإما أن يرى أن الوتر المأمور به، هو يشتمل على شفع، ووتر، فإنه إذا زيد على الشفع وتر صار الكل وترا. ويشهد لهذا المذهب حديث عبد الله بن قيس المتقدم، فإنه سمى الوتر فيه العدد المركب من شفع، ووتر، ويشهد لاعتقاده أن الوتر هو الركعة الواحدة أنه كان يقول: كيف يوتر بواحدة ليس قبلها شئ، وأي شئ يوتر له؟ وقد قال رسول الله (ص): توتر له ما قد صلى فإن ظاهر هذا القول أنه كان يرى أن الوتر الشرعي هو عدد الوتر بنفسه: أعني الغير مركب من الشفع والوتر، ذلك أن هذا هو وتر لغيره وهذا التأويل عليه أولى. والحق في هذا أن ظاهر هذه الاحاديث يقتضي التخيير في صفة الوتر من الواحدة إلى التسع على ما روي ذلك من فعل رسول الله (ص). والنظر إنما هو في هل من شرط الوتر أن يتقدمه شفع منفصل، أم ليس ذلك من شرطه، فيشبه أن يقال ذلك من شرطه؟ لانه هكذا كان وتر رسول الله (ص)، ويشبه أن يقال ليس ذلك من شرطه لان مسلما قد خرج: أنه عليه الصلاة والسلام، كان إذا انتهى إلى الوتر، أيقظ عائشة فأوترت وظاهره أنها كانت توتر دون أن تقدم على وترها شفعا، وأيضا، فإنه خرج من طريق عائشة: أن رسول الله (ص) كان يوتر بتسع ركعات يجلس في الثامنة، والتاسعة، ولا يسلم إلا في
التاسعة، ثم يصلي ركعتين، وهو جالس فتلك إحدى عشرة ركعة، فلما أسن، وأخذ اللحم، أوتر بسبع ركعات، لم يجلس إلا في السادسة، والسابعة، ولم يسلم إلا في السابعة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فتلك تسع ركعات، وهذا الحديث الوتر فيه متقدم على الشفع ففيه حجة على أنه ليس من شرط الوتر أن يتقدمه شفع، وأن الوتر ينطلق على الثلاث، ومن الحجة في ذلك ما روى أبو داود عن أبي بن كعب قال: كان
[ 162 ]
رسول الله (ص) يوتر ب * (سبح اسم ربك الاعلى) * و * (قل يا أيها الكافرون) * و * (قل هو الله أحد) * وعن عائشة مثله، وقالت في الثالثة ب * (قل هو الله أحد) *، والمعوذتين. وأما وقته: فإن العلماء اتفقوا على أن وقته من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر لورود ذلك من طرق شتى عنه عليه الصلاة والسلام، ومن أثبت ما في ذلك ما خرج مسلم عن أبي نضرة العوفي أن أبا سعيد أخبرهم أنهم سألوا النبي (ص) عن الوتر، فقال: الوتر قبل الصبح. واختلفوا في جواز صلاته بعد الفجر، فقوم منعوا ذلك، وقوم أجازوه ما لم يصلي الصبح، وبالقول الاول قال أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة، وسفيان الثوري، وبالثاني قال الشافعي ومالك وأحمد. وسبب اختلافهم: معارضة عمل الصحابة في ذلك بالاثار، وذلك أن ظاهر الاثار الواردة في ذلك أن لا يجوز أن يصلى بعد الصبح كحديث أبي نضرة المتقدم، وحديث أبي حذيفة العدوي في هذا خرجه أبو داود وفيه: وجعلها لكم ما بين صلاة العشاء إلى أن يطلع الفجر ولا خلاف بين أهل الاصول أن ما بعد إلى بخلاف ما قبلها إذا كانت غاية، وأن هذا، وإن كان من باب دليل الخطاب، فهو من أنواعه المتفق عليها، مثل قوله: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * وقوله: * (إلى المرافق) * لا خلاف بين العلماء أن ما بعد الغاية بخلاف ما قبل الغاية. وأما العمل المخالف في ذلك للاثر، فإنه روي عن ابن مسعود، وابن عباس، وعباده بن الصامت، وحذيفة، وأبي الدرداء وعائشة أنهم كانوا يوترون بعد الفجر، وقبل صلاة
الصبح، ولم يرو عن غيرهم من الصحابة خلاف هذا وقد رأى قوم أن مثل هذا هو داخل في باب الاجماع ولا معنى لهذا، فإنه ليس ينسب إلى ساكت قول قائل: أعني أنه ليس ينسب إلى الاجماع من لم يعرف له قول في المسألة. وأما هذه المسألة فكيف يصح أن يقال إنه لم يرو في ذلك خلاف عن الصحابة، وأي خلاف أعظم من خلاف الصحابة الذين رووا هذه الاحاديث، أعني خلافهم لهؤلاء الذين أجازوا صلاة الوتر بعد الفجر؟ والذي عندي في هذا أن هذا من فعلهم ليس مخالفا الاثار الواردة في ذلك، أعني في إجازتهم الوتر بعد الفجر بل إجازتهم ذلك هو من باب القضاء، لا من باب الاداء، وإنما يكون قولهم خلاف الاثار لو جعلوا صلاته بعد الفجر من باب الاداء، فتأمل هذا، وإنما يتطرق الخلاف لهذه المسألة من باب اختلافهم في هل القضاء في العبادة المؤقتة يحتاج إلى أمر جديد أم لا؟ أعني غير أمر الاداء، وهذا التأويل بهم أليق، فإن أكثر ما الوتر قبل الصلاة، وبعد الفجر، وإن كان
[ 163 ]
الذي نقل عن ابن مسعود في ذلك قول. أعني أنه كان يقول: إن وقت الوتر من بعد العشاء الاخرة إلى صلاة الصبح، فليس يجب لمكان هذا أن يظن بجميع من ذكرناه من الصحابة، أنه يذهب هذا المذهب من قبل أنه أبصر يصلي الوتر بعد الفجر، فينبغي أن تتأمل صفة النقل في ذلك عنهم. وقد حكى ابن المنذر في وقت الوتر عن الناس خمسة أقوال: منها القولان المشهوران اللذان ذكرتهما، والقول الثالث أنه يصلي الوتر وإن صلى الصبح، وهو قول طاوو س. والرابع أنه يصليها وإن طلعت الشمس، وبه قال أبو ثور والاوزاعي، والخامس أنه يوتر من الليلة القابلة، وهو قول سعيد بن جبير. وهذا الاختلاف إنما سببه اختلافهم في تأكيده، وقربه من درجة الفرض، فمن رآه أقرب أوجب القضاء في زمان أبعد من الزمان المختص به، ومن رآه أبعد أوجب القضاء في زمان أقرب، ومن رآه سنة كسائر السنن ضعف عنده القضاء، إذ القضاء إنما يجب في
الواجبات، وعلى هذا يجئ اختلافهم في قضاء صلاة العيد لمن فاتته، وينبغي أن لا يفرق في هذا بين الندب، والواجب: أعني أن من رأى أن القضاء في الواجب يكون بأمر متجدد أن يعتقد مثل ذلك في الندب، ومن رأى أنه يجب بالامر الاول أن يعتقد مثل ذلك في الندب. وأما اختلافهم في القنوت فيه، فذهب أبو حنيفة، وأصحابه إلى أنه يقنت فيه، ومنعه مالك وأجازه الشافعي في أحد قوليه في النصف الاخر من رمضان وأجازه قوم في النصف الاول من رمضان، وقوم في رمضان كله. والسبب في اختلافهم في ذلك: اختلاف الاثار، وذلك أنه روي عنه (ص) القنوت مطلقا، وروي عنه القنوت شهرا، وروي عنه أنه آخر أمره لم يكن يقنت في شئ من الصلاة، وأنه نهى عن ذلك. وقد تقدمت هذه المسألة. وأما صلاة الوتر على الراحلة حيث توجهت به، فإن الجمهور على جواز ذلك لثبوت ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام أعني أنه كان يوتر على الراحلة، وهو ما يعتمدونه في الحجة على أنها ليست بفرض، إذ كان قد صح عنه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يتنفل على الراحلة ولم يصح عنه أنه صلى قط مفروضة على الراحلة، وأما الحنفية فلمكان اتفاقهم معهم على هذه المقدمة، وهو أن كل صلاة مفروضة لا تصلى على الراحلة واعتقادهم أن الوتر فرض، وجب عندهم من ذلك أن لا تصلى على الراحلة وردوا الخبر بالقياس. وذلك ضعيف. وذهب أكثر العلماء إلى أن المرء إذا أوتر، ثم نام، فقام يتنفل أنه لا يوتر ثانية، لقوله عليه الصلاة والسلام: لا وتران في ليلة خرج ذلك أبو داود. وذهب بعضهم إلى أنه يشفع الوتر الاول بأن يضيف إليه ركعة ثانية ويوتر أخرى بعد التنفل شفعا وهي المسألة التي يعرفونها بنقض الوتر، وفيه ضعف من وجهين: أحدهما: أن الوتر ليس ينقلب إلى النفل بتشفيعه، والثاني: أن التنفل بواحدة غير معروف من الشرع. وتجويز هذا، ولا تجويزه، هو سبب الخلاف في ذلك،
[ 164 ]
فمن راعى من الوتر المعنى المعقول، وهو ضد الشفع، قال: ينقلب شفعا إذا أضيف إليه
ركعة ثانية، ومن راعى منه المعنى الشرعي، قال: ليس ينقلب شفعا، لان الشفع نفل، والوتر سنة مؤكدة، أو واجبة. الباب الثاني: في ركعتي الفجر واتفقوا على أن ركعتي الفجر سنة لمعاهدته عليه الصلاة، والسلام على فعلها أكثر منه على سائر النوافل، ولترغيبه فيها، ولانه قضاها بعد طلوع الشمس حين نام عن الصلاة. واختلفوا من ذلك في مسائل: إحداها: في المستحب من القراءة فيهما، فعند مالك المستحب أن يقرأ فيهما بأم القرآن فقط، وقال الشافعي: لا بأس أن يقرأ فيهما بأم القرآن مع سورة قصيرة، وقال أبو حنيفة لا توقيف فيهما في القراءة يستحب، وأنه يجوز أن يقرأ فيهما المرء حزبه من الليل. والسبب في اختلافهم: اختلاف قراءته عليه الصلاة والسلام في هذه الصلاة، واختلافهم في تعيين القراءة في الصلاة، وذلك أنه روي عنه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يخفف ركعتي الفجر على ما روته عائشة قالت: حتى أني أقول أقرأ فيهما بأم القرآن أم لا؟. فظاهر هذا أنه كان يقرأ فيهما بأم القرآن فقط. وروي عنه من طريق أبي هريرة خرجه أبو داود: أنه كان يقرأ فيهما ب * (قل هو الله أحد) *، و * (قل يا أيها الكافرون) * فمن ذهب مذهب حديث عائشة، اختار قراءة أم القرآن فقط، ومن ذهب مذهب الحديث الثاني اختار أم القرآن وسورة قصيرة، ومن كان على أصله في أنه لا تتعين القراءة في الصلاة لقوله تعالى: * (فاقرءوا ما تيسر منه) * قال يقرأ فيهما ما أحب. والثانية: في صفة القراءة المستحبة فيهما، فذهب مالك، والشافعي، وأكثر العلماء إلى أن المستحب فيهما هو الاسرار وذهب قوم إلى أن المستحب فيهما هو الجهر وخير قوم في ذلك بين الاسرار والجهر. والسبب في ذلك: تعارض مفهوم الاثار، وذلك أن حديث عائشة المتقدم المفهوم من ظاهره: أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ فيهما سرا ولولا ذلك لم تشك عائشة هل قرأ فيهما بأم القرآن، أم لا؟ وظاهر ما روى أبو هريرة: أنه كان يقرأ فيهما ب * (قل يا أيها الكافرون) *، و * (قل هو الله أحد) * أن قراءته عليه الصلاة والسلام
فيهما كانت جهرا، ولولا ذلك ما علم أبو هريرة ما كان يقرأ فيهما. فمن ذهب مذهب الترجيح بين هذين الاثرين، قال: إما باختيار الجهر إن رجح حديث أبي هريرة، وإما باختيار الاسرار إن رجح حديث عائشة، ومن ذهب مذهب ي الفجر، وأدرك الامام في الصلاة، أو دخل المسجد ليصليهما،
[ 165 ]
فأقيمت الصلاة، فقال مالك: إذا كان قد دخل المسجد فأقيمت الصلاة، فليدخل مع الامام في الصلاة، ولا يركعهما في المسجد والامام يصلي الفرض، وإن كان لم يدخل المسجد، فإن لم يخف أن يفوته الامام بركعة، فليركعهما خارج المسجد، وإن خاف فوات الركعة، فليدخل مع الامام، ثم يصليهما إذا طلعت الشمس. ووافق أبو حنيفة مالكا في الفرق بين أن يدخل المسجد، أو لا يدخله، وخالفه في الحد في ذلك، فقال: يركعهما خارج المسجد ما ظن أنه يدرك ركعة من الصبح مع الامام وقال الشافعي: إذا أقيمت الصلاة المكتوبة، فلا يركعهما أصلا، لا داخل المسجد ولا خارجه، وحكى ابن المنذر أن قوما جوزوا ركوعهما في المسجد، والامام يصلي، وهو شاذ. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة فمن حمل هذا على عمومه، لم يجز صلاة ركعتي الفجر إذا أقيمت الصلاة المكتوبة لا خارج المسجد، ولا داخله، ومن قصره على المسجد، فقد أجاز ذلك خارج المسجد، ما لم تفته الفريضة، أو لم يفته منها جزء، ومن ذهب مذهب العموم، فالعلة عنده في النهي، إنما هو الاشتغال بالنفل عن الفريضة، ومقصر ذلك على المسجد، فالعلة عنده إنما هو أن تكون صلاتان معا في موضع واحد لمكان الاختلاف على الامام. كما روي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: سمع قوم الاقامة، فقاموا يصلون فخرج عليهم رسول الله (ص)، فقال: أصلاتان معا أصلاتان معا قال: وذلك في صلاة الصبح، والركعتين اللتين قبل الصبح. وإنما اختلف مالك وأبو حنيفة في القدر الذي يراعى من فوات صلاة الفريضة من لجماعة للمشتغل بركعتي الفجر، إذا كان فضل صلاة الجماعة عندهم أفضل من ركعتي الفجر فمن رأى أنه بفوات ركعة منها يفوته فضل صلاة
الجماعة قال يتشاغل بها ما لم تفته ركعة من الصلاة المفروضة، ومن رأى أنه يدرك الفضل إذا أدرك ركعة من الصلاة لقوله عليه الصلاة والسلام: من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدرك الصلاة أي قد أدرك فضلها وحمل ذلك على عمومه في تارك ذلك قصدا، أو بغير اختيار، قال: يتشاغل بها ما ظن أنه يدرك ركعة منها. ومالك إنما يحمل هذا الحديث والله أعلم على من فاتته الصلاة دون قصد منه لفواتها، ولذلك رأى أنه إذا فاتته منها ركعة، فقد فاته فضلها. وأما من أجاز ركعتي الفجر في المسجد، والصلاة تقام، فالسبب في ذلك أحد أمرين: إما أنه لم يصح عنده هذا الاثر، أو لم يبلغه. قال أبو بكر بن المنذر: هو أثر ثابت: أعني قوله عليه الصلاة والسلام: إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة وكذلك صححه أبو عمر بن عبد البر، وإجازة ذلك تروى عن ابن مسعود. والرابعة في وقت قضائها إذا فاتت حتى صلى الصبح، فإن طائفة قالت يقضيه بعد صلاة الصبح. وبه قال عطاء وابن جريج، وقال قوم: يقضيها بعد طلوع الشمس، ومن هؤلاء من جعل لها
[ 166 ]
هذا الوقت غير المتسع، ومنهم من جعله لها متسعا، فقال: يقضيها من لدن طلوع الشمس إلى وقت الزوال، ولا يقضيها بعد الزوال وهؤلاء الذين قالوا بالقضاء، ومنهم من استحب ذلك، ومنهم من خير فيه. والاصل في قضائها صلاته لها عليه الصلاة والسلام بعد طلوع الشمس حين نام عن الصلاة. الباب الثالث: في النوافل واختلفوا في النوافل هل تثنى، أو تربع، أو تثلث؟ فقال مالك، والشافعي: صلاة ركعتين وقال أبو حنيفة: إن شاء ثنى، أو ثلث، أو ربع، أو سد س، أو ثمن دون أن يفصل بينها بسلام وفرق قوم بين صلاة الليل، وصلاة النهار، فقالو: صلاة الليل مثنى مثنى، وصلاة النهار أربع. والسبب في اختلافهم: اختلاف الاثار الواردة في هذا الباب، وذلك أنه ورد في هذا الباب من حديث ابن عمر
أن رجلا سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن صلاة الليل، فقال: صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى وثبت عنه عليه الصلاة والسلام: أنه كان يصلي قبل الظهر ركعتين وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد الجمعة ركعتين، وقبل العصر ركعتين. فمن أخذ بهذين الحديثين قال: صلاة الليل، والنهار مثنى مثنى. وثبت أيضا من حديث عائشة أنها قالت، وقد وصفت صلاة رسول الله (ص): كان يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن، وطولهن، ثم يصلي أربعا، فلا تسأل عن حسنهن، وطولهن، ثم يصلي ثلاثا، قالت: فقلت يا رسول الله: أتنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي. وثبت عنه أيضا من طريق أبي هريرة أنه قال عليه الصلاة والسلام: من كان يصلي بعد الجمعة، فليصل أربعا وروى الاسود عن عائشة: أن رسول الله (ص) كان يصلي من الليل تسع ركعات فلما أسن صلى سبع ركعات فمن أخد أيضا بظاهر هذه الاحاديث جوز التنفل بالاربع والثلاث دون أن يفصل بينها بسلام، والجمهور على أنه لا يتنفل بواحدة، وأحسب أن فيه خلافا شاذا. الباب الرابع في ركعتي دخول المسجد جمهور على أن ركعتي دخول المسجد مندوب إليها من غير إيجاب، وذهب أهل الظاهر إلى وجوبها. وسبب الخلاف في ذلك: هل الامر في قوله عليه الصلاة والسلام: إذا جاء أحدكم المسجد، فليركع ركعتين محمول على الندب أو على الوجوب؟ فإن الحديث متفق على صحته، فمن تمسك في ذلك بما اتفق عليه الجمهور من أن الاصل هو حمل الاوامر المطلقة على الوجوب حتى يدل الدليل على الندب، ولم ينقدح عنده دليل ينقل الحكم من الوجو ب إلى الندب. قال: الركعتان واجبتان، ومن انقدح عنده دليل على
[ 167 ]
حمل الاوامر هاهنا على الندب، أو كان الاصل عنده في الاوامر أن تحمل على الندب حتى يدل الدليل على الوجوب، فإن هذا قد قال به قوم، قال: الركعتان غير واجبتين، لكن
الجمهور إنما ذهبوا إلى حمل الامر هاهنا على الندب لمكان التعارض الذي بينه، وبين الاحاديث التي تقتضي بظاهرها أو بنصها أن لا صلاة مفروضة إلا الصلوات الخمس التي غيره، وذلك أنه إن حمل الامر هاهنا على الوجوب، لزم أن تكون المفروضات أكثر من خمس، ولمن أوجبها أن الوجوب هاهنا، إنما هو متعلق بدخول المسجد، لا مطلقا كالامر بالصلوات المفروضة، وللفقهاء أن تقييد وجوبها بالمكان شبيه بتقييد وجوبها بالزمان، ولاهل الظاهر أن المكان المخصوص ليس من شرط صحة الصلاة، والزمان من شرط صحة الصلاة المفروضة. واختلف العلماء من هذا الباب فيمن جاء المسجد، وقد ركع ركعتي الفجر في بيته هل يركع عند دخول المسجد، أم لا؟ فقال الشافعي: يركع، وهي رواية أشهب عن مالك، وقال أبو حنيفة: لا يركع، وهي رواية ابن القاسم عن مالك. وسبب اختلافهم: معارضة عموم قوله عليه الصلاة والسلام: إذا جاء أحدكم المسجد، فليركع ركعتين وقوله عليه الصلاة والسلام: لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الصبح. فها هنا عمومان، وخصوصان: أحدهما في الزمان، والاخر في الصلاة، وذلك أن حديث الامر بالصلاة عند دخول المسجد عام في الزمان خاص في الصلاة، والنهي عن الصلاة بعد الفجر إلا ركعتي الصبح خاص في الزمان عام في الصلاة، فمن استثنى خاص الصلاة من عامها رأى الركوع بعد ركعتي الفجر، ومن استثنى خاص الزمان من عامه لم يوجب ذلك، وقد قلنا إن مثل هذا التعارض إذا وقع، فليس يجب أن يصار إلى أحد التخصيصين إلا بدليل، وحديث النهي لا يعارض به حديث الامر الثابت، والله أعلم. فإن ثبت الحديث، وجب طلب الدليل من موضع آخر. الباب الخامس: في قيام رمضان وأجمعوا على أن قيام شهر رمضان مرغب فيه أكثر من سائر الاشهر لقوله عليه الصلاة والسلام: من قام رمضان، إيمانا، واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وأن التراويح التي جمع عليها عمر بن الخطاب الناس ورغب فيها، وإن كانوا اختلفوا أي أفضل؟ أهي، أو الصلاة آخر الليل؟ أعني التي كانت صلاة رسول الله (ص)، لكن الجمهور على أن الصلاة
آخر الليل أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام: أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة ولقول عمر فيها: والتي تنامون عنها أفضل. واختلفوا في المختار من عدد الركعات التي يقوم بها الناس في رمضان، فاختار مالك في أحد قوليه، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وداود، القيام بعشرين ركعة سوى الوتر. وذكر ابن القاسم عن مالك أنه كان يستحسن ستا وثلاثين ركعة، والوتر ثلاث. وسبب اختلافهم: اختلاف النقل في ذلك، وذلك
[ 168 ]
أن مالكا روى عن يزيد بن رومان قال: كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب بثلاث وعشرين ركعة وخرج ابن أبي شيبة عن داود ابن قيس قال: أدركت الناس بالمدينة في زمان عمر بن عبد العزيز، وأبان بن عثمان يصلون ستا وثلاثين ركعة، ويوترون بثلاث وذكر ابن القاسم عن مالك أنه الامر القديم: يعني القيام بست وثلاثين ركعة. الباب السادس: في صلاة الكسوف اتفقوا على أن صلاة كسوف الشمس سنة، وأنها في جماعة، واختلفوا في صفتها، وفي صفة القراءة فيه، وفي الاوقات التي تجوز فيها، وهل من شروطها الخطبة أم لا؟ وهل كسوف القمر ككسوف الشمس؟ ففي ذلك خمس مسائل أصول في هذا الباب. المسألة الاولى: ذهب مالك والشافعي، وجمهور أهل الحجاز، وأحمد أن صلاة الكسوف ركعتان في كل ركعة ركوعان وذهب أبو حنيفة والكوفيون إلى أن صلاة الكسوف ركعتان على هيئة صلاة العيد والجمعة. والسبب في اختلافهم: اختلاف الاثار الواردة في هذا الباب، ومخالفة القياس لبعضها، وذلك أنه ثبت من حديث عائشة أنها قالت: خسفت الشمس في عهد رسول الله (ص)، فصلى بالناس فقام، فأطال القيام، ثم ركع، فأطال الركوع، ثم قام، فأطال القيام، وهو دون القيام الاول، ثم ركع، فأطال الركوع وهو دون الركوع الاول ثم رفع فسجد، ثم رفع فسجد، ثم فعل في الركعة الاخرة مثل ذلك ثم انصرف، وقد تجلت الشمس. ولما ثبت أيضا من هذه الصفة في حديث ابن عباس أعني: من ركوعين في
ركعة. قال أبو عمر: هذان الحديثان من أصح ما روي في هذا الباب، فمن أخذ بهذين قبل النقل قال: صلاة الكسوف ركعتان في ركعة. وورد أيضا من حديث أبي بكرة، وسمرة بن جندب، وعبد الله بن عمر، والنعمان بن بشير أنه صلى في الكسوف ركعتين كصلاة العيد. قال أبو عمر بن عبد البر، وهي كلها آثار مشهورة صحاح، ومن أحسنها حديث أبي قلابة عن النعمان بن بشير قال: صلى بنا رسول الله (ص) في الكسوف نحو صلاتكم يركع، ويسجد ركعتين ركعتين، ويسأل الله حتى تجلت الشمس. فمن رجح هذه الاثار لكثرتها، وموافقتها للقياس: أعني موافقتها لسائر الصلوات، قال: صلاة الكسوف ركعتان. قال القاضي: خرج مسلم حديث سمرة. قال أبو عمر: وبالجملة فإنما صار كل فريق منهم إلى ما ورد عن سلفه، ولذلك رأى بعض أهل العلم أن هذا كله على التخيير، وممن قال بذلك الطبري. قال القاضي: وهو الاولى، فإن الجمع أولى من الترجيح. قال أبو عمر: وقد روي في صلاة الكسوف عشر ركعات في ركعتين وثمان ركعات في ركعتين، وست ركعات في ركعتين، وأربع ركعات في ركعتين، لكن من طرق ضعيفة قال أبو بكر بن المنذر، وقال إسحاق بن راهويه: كل ما ورد من
[ 169 ]
ذلك، فمؤتلف غير مختلف لان الاعتبار في ذلك، لتجلي الكسوف، فالزيادة في الركوع إنما تقع بحسب اختلاف التجلي في الكسوفات التي صلى فيها. وروي عن العلاء بن زياد أنه كان يرى أن المصلي ينظر إلى الشمس إذا رفع رأسه من الركوع، فإن كانت قد تجلت: سجد، وأضاف إليها ركعة ثانية، وإن كانت لم تنجل، ركع في الركعة الواحدة ركعة ثانية: ثم نظر إلى الشمس، فإن كانت تجلت، سجد، وأضاف إليها ثانية، وإن كانت لم تنجل، ركع ثالثة في الركعة الاولى، وهكذا حتى تنجلي وكان إسحاق بن راهويه يقول: لا يتعدى بذلك أربع ركعات في كل ركعة، لانه لم يثبت عن النبي (ص) أكثر من ذلك. وقال أبوبكبن المنذر: وكان بعض أصحابنا يقول: الاختيار في صلاة الكسوف ثابت
عين، وإن شاء ثلاثة وإن شاء أربعة، ولم يصح عنده ذلك، قال: وهذا يدل على أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى في كسوفات كثيرة. قال القاضي: هذا الذي ذكره هو الذي خرجه مسلم، ولا أدري كيف قال أبو عمر فيها إنها وردت من طرق ضعيفة، وأما عشر ركعا ت في ركعتين، فإنما أخرجه أبو داود فقط. المسألة الثانية: واختلفوا في القراءة فيها، فذهب مالك والشافعي إلى أن القراءة فيها سر وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن، وأحمد، وإسحاق بن راهويه يجهر بالقراءة فيها. والسبب في اختلافهم: اختلاف الاثار في ذلك بمفهومها، وبصيغها، وذلك أن مفهوم حديث ابن عباس الثابت أنه قرأ سرا لقوله فيه عنه عليه الصلاة والسلام: فقام قياما نحوا من سورة البقرة وقد روي هذا المعنى نصا عنه أنه قال: قمت إلى جنب رسول الله (ص)، فما سمعت منه حرفا. وقد روي أيضا من طريق ابن إسحاق عن عائشة في صلاة الكسوف أنها قالت: تحريت قراءته فحزرت أنه قرأ سورة البقرة. فمن رجح هذه الاحاديث قال: القراءة فيها سر. ولمكان ما جاء في هذه الاثار، استحب مالك والشافعي أن يقرأ في الاولى البقرة، وفي الثانية آل عمران، وفي الثالثة بقدر مائة وخمسين آية من البقرة، وفي الرابعة بقدر خمسين آية من البقرة، وفي كل واحدة أم القرآن، ورجحوا أيضا مذهبهم هذا بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: صلاة النهار عجماء. ووردت هاهنا أيضا أحاديث مخالفة لهذه، فمنها أنه روي: أنه عليه الصلاة والسلام، قرأ في إحدى الركعتين من صلاة الكسوف بالنجم مفهوم هدا أنه جهر وكان. أحمد، وإسحاق يحتجان لهذا المذهب بحديث سفيان بن الحسن عن الزهري عن عروة عن عائشة: أن النبي عليه الصلاة والسلام جهر بالقراءة في كسوف الشمس. قال أبو عمر: سفيان بن الحسن ليس بالقوي، وقال: وقد تابعه على ذلك عن الزهري عن عبد الرحمن بن سليمان بن كثير، وكلهم ليس في حديث الزهري، مع أن حديث ابن إسحاق المتقدم عن عائشة يعارضه.
[ 170 ]
واحتج هؤلاء أيضا لمذهبهم بالقياس الشبهي، فقالوا: صلاة سنة تفعل في جماعة نهارا، فوجب أن يجهر فيها أصله العيدان، والاستسقاء، وخير في ذلك كله الطبري، وهي طريقة الجمع، وقد قلنا إنها أولى من طريقة الترجيح إذا أمكنت، ولا خلاف في هذا أعلمه بين الاصوليين. المسألة الثالثة: واختلفوا في الوقت الذي تصلى فيه. فقال الشافعي تصلى في جميع الاوقات المنهي عن الصلاة فيها، وغير المنهي. وقال أبو حنيفة: لا تصلى في الاوقات المنهي عن الصلاة فيها. وأما مالك فروى عنه ابن وهب أنه قال: لا يصلى لكسوف الشمس إلا في الوقت الذي تجوز فيه النافلة، وروى ابن القاسم أن سنتها أن تصلى ضحى إلى الزوال. وسبب اختلافهم في هذه المسألة: اختلافهم في جنس الصلاة التي لا تصلى في الاوقات المنهي عنها. فمن رأى أن تلك الاوقات تختص بجميع أجناس الصلاة لم يجز فيها صلاة كسوف، ولا غيرها، ومن رأى أن تلك الاحاديث تختص بالنوافل، وكانت الصلاة عنده في الكسوف سنة، أجاز ذلك، ومن رأى أيضا أنها من النفل لم يجزها في أوقات النهي. وأما رواية ابن القاسم عن مالك، فليس لها وجه إلا تشبيهها بصلاة العيد. المسألة الرابعة: واختلفوا أيضا هل من شروطها الخطبة بعد الصلاة؟ فذهب الشافعي إلى أن ذلك من شرطها وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه لا خطبة في صلاة الكسوف. والسبب في اختلافهم: اختلاف العلة التي من أجلها خطب رسول الله (ص) الناس لما انصرف من صلاة الكسوف على ما في حديث عائشة، وذلك أنها روت: أنه لما انصرف من الصلاة، وقد تجلت الشمس، حمد الله وأثنى عليه. ثم قال: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته الحديث. فزعم الشافعي أنه إنما خطب، لان من سنة هذه الصلاة الخطبة، كالحال في صلاة العيدين، والاستسقاء. وزعم بعض من قال بقول أولئك أن خطبة النبي عليه الصلاة والسلام إنما كانت يؤمئذ، لان الناس زعموا أن
الشمس إنما كسفت لموت إبراهيم ابنه عليه السلام. المسألة الخامسة: واختلفوا في كسوف القمر، فذهب الشافعي إلى أنه يصلى له في جماعة، وعلى نحو ما يصلى في كسوف الشمس، وبه قال أحمد وداود وجماعة وذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه لا يصلى له في جماعة واستحبوا أن يصلي الناس له أفذاذا ركعتين كسائر الصلوات النافلة. وسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله عليه الصلاة والسلام: إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتموهما، فادعوا الله، وصلوا حتى يكشف ما بكم، وتصدقوا خرجه البخاري ومسلم. فمن فهم هاهنا من الامر بالصلاة فيهما معنى واحدا، وهي الصفة التي فعلها في كسوف الشمس، رأى الصلاة فيها في جماعة. ومن فهم من ذلك معنى مختلفا، لانه لم يرو عنه عليه الصلاة والسلام أنه
[ 171 ]
صلى في كسوف القمر مع كثرة دورانه، قال: المفهوم من ذلك ك أقل ما ينطلق عليه اسم صلاة في الشرع، وهي النافلة فذا، وكأن قائل هذا القول، يرى أن الاصل هو أن يحمل اسم الصلاة في الشرع، إذا ورد الامر بها على أقل ما ينطلق عليه هذا الاسم في الشرع، إلا أن يدل الدليل على غير ذلك، فلما دل فعله عليه الصلاة والسلام في كسوف الشمس على غير ذلك، بقي المفهوم في كسوف القمر على أصله، والشافعي يحمل فعله في كسوف الشمس بيانا لمجمل ما أمر به من الصلاة فيهما، فوجب الوقوف عند ذلك. وزعم أبو عمر بن عبد البر أنه روي عن ابن عباس، وعثمان أنهما صليا في القمر في جماعة ركعتين، في كل ركعة ركوعان مثل قول الشافعي. وقد استحب قوم الصلاة للزلزلة، والريح، والظلمة، وغير ذلك من الايات قياسا على كسوف القمر، والشمس لنصه عليه الصلاة والسلام على العلة في ذلك، وهو كونها آية، وهو من أقوى أجناس القياس عندهم، لانه قياس العلة التي نص عليها لكن لم ير هذا مالك، ولا الشافعي، ولا جماعة من أهل العلم. وقال أبو حنيفة: إن صلى للزلزلة، فقد أحسن، وإلا فلا حرج، وروي عن ابن عباس أنه صلى لها مثل
صلاة الكسوف. الباب السابع: في صلاة الاستسقاء أجمع العلماء على أن الخروج إلى الاستسقاء، والبروز عن المصر، والدعاء إلى الله تعالى، والتضر إليه في نزول المطر سنة سنها رسول الله (ص)، واختلفوا في الصلاة في الاستسقاء، فالجمهور على أن ذلك من سنة الخروج إلى الاستسقاء إلا أبا حنيفة، فإنه قال: ليس من سنة الصلاة. وسبب الخلاف: أنه ورد في بعض الاثار أنه استسقى، وصلى، وفي بعضها لم يذكر فيها صلاة، ومن أشهر ما ورد في أنه صلى، وبه أخذ الجمهور حديث عباد بن تميم عن عمه: أن رسول الله (ص) خرج بالناس يستسقي، فصلى بهم ركعتين، جهر فيهما بالقراءة، ورفع يديه حذو منكبيه، وحول رداءه، واستقبل القبلة، واستسقى خرجه البخاري ومسلم. وأما الاحاديث التي ذكر فيها الاستسقاء، وليس فيها ذكر للصلاة، فمنها حديث أنس بن مالك خرجه مسلم أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله (ص)، فقال: يا رسول الله هلكت المواشي، وانقطعت السبل فادع الله، فدعا رسول الله (ص)، فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ومنها حديث عبد الله بن زيد المازني وفيه أنه قال: خرج رسول الله (ص)، فاستسقى، وحول رداءه حين استقبل القبلة ولم يذكر فيه صلاة، وزعم القائلون بظاهر هذا الاثر أن ذلك مروي عن عمر بن الخطاب، أعني أنه خرج إلى المصلى، فاستسقى، ولم يصل. والحجة للجمهور أنه من لم يذكر شيئا، فليس هو بحجة على من ذكره. والذي يدل عليه اختلاف الاثار في ذلك ليس عندي فيه شئ أكثر من أن الصلاة ليست من شرط صحة الاستسقاء، إذ قد ثبت أنه عليه الصلاة والسلام قد
[ 172 ]
استسقى على المنبر لا أنها ليست من سننه، كما ذهب إليه أبو حنيفة. وأجمع القائلون بأن الصلاة من سننه على أالخطبة أيضا من سننه، لورود ذلك في الاثر. قال ابن المنذر: ثبت أن رسول الله (ص) صلى صلاة الاستسقاء وخطب. واختلفوا هل هي قبل الصلاة، أو
بعدها؟ لاختلاف الاثار في ذلك فرأى قوم أنها بعد الصلاة قياسا على صلاة العيدين، وبه قال الشافعي، ومالك. وقال الليث بن سعد: الخطبة قبل الصلاة. قال ابن المنذر: قد روي عن النبي (ص): أنه استسقى فخطب قبل الصلاة وروي عن عمر بن الخطاب مثل ذلك، وبه نأخذ. قال القاضي: وقد خرج ذلك أبو داود من طرق. ومن ذكر الخطبة، فإنما ذكرها - في علمي - قبل الصلاة. واتفقوا على أن القراءة فيها جهرا. واختلفوا هل يكبر فيها كما يكبر في العيدين؟ فذهب مالك إلى أنه يكبر فيهاكما يكبر في سائر الصلوات. وذهب الشافعي إلى أنه يكبر فيها كما يكبر في العيدين. وسبب الخلاف: اختلافهم في قياسها على صلاة العيدين. وقد احتج الشافعي لمذهبه في ذلك بما روعن ابن عباس: أن رسول الله (ص) صلى فيها ركعتين، كما يصلى في العيدين. واتفقوا على أن من سنتها أن يستقبل الامام القبلة واقفا، ويدعو ويحول رداءه رافعا يديه على ما جاء في الاثار، واختلفوا في كيفية ذلك، ومتى يفعل ذلك. فأما كيفية ذلك، فالجمهور على أنه يجعل أعلاه أسفله وما على يمينه على شماله، وما على شماله على يمينه. وقال الشافعي: بل يجعل أعلاه أسفله، وما على يمينه منه على يساره، وما على يساره على يمينه. وسبب الاختلاف: اختلاف الاثار في ذلك، وذلك أنه جاء في حديث عبد الله بن زيد: أنه (ص) خرج إلى المصلى يستسقي فاستقبل القبلة وقلب رداءه، وصلى ركعتين وفي بعض رواياته: قلت: أجعل الشمال على اليمين، واليمين على الشمال، أم أجعل أعلاه أسفله؟ أنه قال: بل اجعل الشمال على اليمين، واليمين على الشمال وجاء أيضا في حديث عبد الله هذا أنه قال: استسقى رسول الله (ص)، وعليه خميصة له سوداء، فأراد أن يأخذ بأسفلها، فيجعله أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه. وأما متى يفعل الامام ذلك، فإن مالكا والشافعي قالا: يفعل ذلك عند الفراغ من الخطبة وقال أبو يوسف: يحول رداءه إذا مضى صدر من الخطبة وروي ذلك أيضا عن مالك. وكلهم يقول: إنه إذا حول الامام رداءه قائما حول الناس أرديتهم جلوسا، لقوله عليه الصلاة والسلام: إنما جعل الامام ليؤتم به إلا محمد بن الحسن والليث بن سعد
وبعض أصحاب مالك، فإن الناس عندهم لا يحولون أرديتهم بتحويل الامام، لانه لم ينقل ذلك في صلاته عليه الصلاة والسلام بهم، وجماعة [ من ] العلماء على أن الخروج لها وقت الخروج إلى صلاة العيدين إلا أبا بكر بن محمد ابن عمرو بن حزم فإنه قال: إن الخروج إليها عند الزوال. وروى أبو داود عن عائشة أن رسول الله (ص) خرج إلى الاستسقاء حين بدا حاجب الشمس.
[ 173 ]
الباب الثامنفي صلاة العيدين أجمع العلماء على استحسان الغسل لصلاة العيدين وأنهما بلا أذان ولا إقامة لثبوت ذلك عن رسول الله (ص) إلا من أحدث من ذلك معاوية في أصح الاقاويل قاله أبو عمر وكذلك أجمعوا على أن السنة فيها تقديم الصلاة على الخطبة لثبوت ذلك أيضا عن رسول الله (ص) إما روي عن عثمان بن عفان أنه أخر الصلاة، وقدم الخطبة لئلا يفترق الناس قبل الخطبة. وأجمعوا أيضا على أنه لا توقيت في القراءة في العيدين، وأكثرهم استحب أن يقرأ في الاولى بسبح، وفي الثانية بالغاشية لتواتر ذلك عن رسول الله (ص)، واستحب الشافعي القراءة فيهما ب * (ق والقرآن المجيد) *، و * (اقتربت الساعة) * لثبوت ذلك عنه عليه الصلاة والسلام. واختلفوا من ذلك في مسائل أشهرها اختلافهم في التكبير، وذلك أنه حكى في ذلك أبو بكر بن المنذر نحوا من اثني عشر قولا، إلا أنا نذكر من ذلك المشهور الذي يستند إلى صحابي، أو سماع، فنقول: ذهب مالك إلى أن التكبير في الاولى من ركعتي العيدين سبع مع تكبيرة الاحرام قبل القراءة، وفي الثانية ست مع تكبيرة القيام من السجود وقال الشافعي في الاولى ثمان، وفي الثانية ست مع تكبيرة القيام من السجود. وقال أبو حنيفة: يكبر في الاولى ثلاثا بعد تكبيرة الاحرام يرفع يديه فيها ثم يقرأ أم القرآن، وسورة، ثم يكبر راكعا، ولا يرفع يديه، فإذا قام إلى الثانية كبر ولم يرفع يديه، وقرأ فاتحة الكتاب
وسورة، ثم كبر ثلاث تكبيرات يرفع فيها يديه، ثم يكبر للركوع، ولا يرفع فيها يديه. وقال قوم: فيها تسع في كل ركعة، وهو مروي عن ابن عباس، والمغيرة بن شعبة وأنس ابن مالك، وسعيد بن المسيب، وبه قال النخعي. وسبب اختلافهم: اختلاف الاثار المنقولة في ذلك عن الصحابة، فذهب مالك رحمه الله إلى ما رواه عن ابن عمر أنه قال: شهدت الاضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبر في الاولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الاخرة خمسا قبل القراءة لان العمل عنده بالمدينة كان على هذا، وبهذا الاثر بعينه أخذ الشافعي، إلا أنه تأول في السبع أنه ليس فيها تكبيرة الاحرام، كما ليس في الخمس تكبيرة القيام، ويشبه أن يكون مالك إنما أصاره إلى أن يعد تكبيرة الاحرام في السبع، ويعد تكبيرة القيام زائدا على الخمس المروية أن العمل ألفاه على ذلك، فكأنه عنده وجه من الجمع بين الاثر، والعمل، وقد عائشة، وعن عمرو بن العاص وروي: أنه سئل أبو موسى الاشعري، وحذيفة بن اليمان كيف كان
[ 174 ]
رسول الله (ص) يكبر في الاضحى، والفطر؟ فقال أبو موسى كان يكبر أربعا على الجنائز. فقال حذيفة: صدق، فقال أبو موسى: كذلك كنت أكبر في البصرة حين كنت عليهم. وقال قوم بهذا. وأما أبو حنيفة وسائر الكوفيين، فإنهم اعتمدوا في ذلك على ابن مسعود وذلك أنه ثبت عنه أنه كان يعلمهم صلاة العيدين على الصفة المتقدمة وإنما صار الجميع إلى الاخذ بأقاويل الصحابة في هذه المسألة، لانه لم يثبت فيها عن النبي عليه الصلاة والسلام شئ، ومعلوم أن فعل الصحابة في ذلك هو توقيف، إذ لا مدخل للقياس في ذلك. وكذلك اختلفوا في رفع اليدين عند كل تكبيرة، فمنهم من رأى ذلك وهو مذهب الشافعي ومنهم من لم ير الرفع إلا في الاستفتاح فقط ومنهم من خير. واختلفوا فيمن تجب عليه صلاة العيد: أعني وجوب السنة، فقالت طائفة يصليها الحاضر، والمسافر، وبه قال الشافعي، والحسن البصري، وكذلك قال الشافعي إنه يصليها أهل البوادي، ومن لا
يجمع حتى المرأة في بيتها. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: إنما تجب صلاة الجمعة والعيدين على أهل الامصار، والمدائن وروي عن علي أنه قال: لا جمعة، ولا تشريق إلا في مصر جامع، وروي عن الزهري أنه قال: لا صلاة فطر، ولا أضحى على مسافر. والسبب في هذا الاختلاف: اختلافهم في قياسها على الجمعة فمن قاسها على الجمعة، كان مذهبه فيها على مذهبه في الجمعة، ومن لم يقسها رأى أن الاصل، هو أن كل مكلف مخاطب بها حتى يثبت استثناؤه من الخطاب. قال القاضي: قد فرقت السنة بين الحكم للنساء في العيدين والجمعة، وذلك أنه ثبت: أنه عليه الصلاة والسلام، أمر النساء بالخروج للعيدين، ولم يأمر بذلك في الجمعة وكذلك اختلفوا في الموضع معة من الثلاثة الاميال إلى مسيرة اليوم التام. واتفقوا على أن وقتها من شروق الشمس إلى الزوال، واختلفوا فيمن لم يأتهم علم بأنه العيد إلا بعد الزوال، فقالت طائفة: ليس عليهم أن يصلوا يومهم، ولا من الغد، وبه قال مالك، والشافعي، وأبو ثور. وقال آخرون: يخرجون إلى الصلاة في غداة ثاني العيد، وبه قال الاوزاعي، وأحمد، وإسحاق. قال أبو بكر بن المنذر: وبه نقول لحديث رويناه عن النبي عليه الصلاة والسلام: أنه أمرهم أن يفطروا فإذا أصبحوا أن يعودوا إلى مصلاهم قال القاضي: خرجه أبو داود، إلا أنه عن صحابي مجهول، ولكن الاصل فيهم رضي الله عنهم حملهم على العدالة. واختلفوا إذا اجتمع في يوم واحد عيد، وجمعة، هل يجزئ العيد عن الجمعة؟ فقال قوم: يجزئ العيد عن الجمعة، وليس عليه في ذلك اليوم إلا العصر فقط، وبه قال عطاء، وروي ذلك عن ابن الزبير، وعلي. وقال قوهذه رخصة لاهل البوادي الذين يردون الامصار للعيد والجمعة خاصة. كما روي عن عثماأنه خطب في يوم عيد وجمعة فقال: من أحب من أهل العالية أن ينتظر الجمعة، فلينتظر، ومن أحب أن يرجع، فليرجع رواه
[ 175 ]
مالك في الموطا وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال الشافعي. وقال مالك وأبو حنيفة: إذا اجتمع عيد، وجمعة، فالمكلف مخاطب بهما جميعا العيد على أنه سنة، والجمعة
على أنها فرض، ولا ينوب أحدهما عن الاخر وهذا هو الاصل إلا أن يثبت في ذلك شرع يجب المصير إليه. ومن تمسك بقول عثمان، فلانه رأي أن مثل ذلك ليس هو بالرأي وإنما هو توفيق وليس هو بخارج عن الاصول كل الخروج. وأما إسقاط فرض الظهر والجمعة التي هي بدله لمكان صلاة العيد فخارج عن الاصول جدا، إلا أن يثبت في ذلك شرع يجب المصير إليه. واختلفوا فيمن تفوته صلاة العيد مع الامام، فقال قوم يصلي أربعا، وبه قال أحمد والثوري وهو مروي عن ابن مسعود. وقال قوم: بل يقضيها على صفة صلاة الامام ركعتين يكبر فيهما نحو تكبيره، ويجهر كجهره، وبه قال الشافعي، وأبو ثور وقال قوم: بل ركعتين فقط لا يجهر فيهما ولا يكبر تكبير العيد وقال قوم: إن صلى الامام في المصلى صلى ركعتين، وإن صلى في غير المصلى صلى أربع ركعات وقال قوم: لا قضاء عليه أصلا، وهو قول مالك وأصحابه وحكى ابن المنذر عنه مثل قول الشافعي. فمن قال: أربعا شبهها بصلاة الجمعة، وهو تشبيه ضعيف، ومن قال: ركعتين، كما صلاهما الامام، فمصيرا إلى أن الاصل هو أن القضاء يجب أن يكون على صفة الاداء، ومن منع القضاء، فلانه رأى أنها صلاة من شرطها الجماعة والامام - كالجمعة - فلم يجب قضاؤها ركعتين، ولا أربعا إذ ليست هي بدلا من شئ، وهذان القولان، هما اللذان يتردد فيهما النظر: أعني قول الشافعي، وقول مالك. وأما سائر الاقاويل في ذلك فضعيف لا معنى له، لان صلاة الجمعة بدل من الظهر، وهذه ليست بدلا من شئ، فكيف يجب أن تقاس إحداهما على الاخرى في القضاء؟ وعلى الحقيقة، فليس من فاتته الجمعة، فصلاته الظهر قضاء، بل هي أداء، لانه إذا فاته البدل، وجبت هي، والله الموفق للصواب. واختلفوا في التنفل قبل صلاة العيد وبعدها، فالجمهور على أنه لا يتنفل لا قبلها ولا بعدها، وهو مروي عن علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وحذيفة وجابر، وبه قال أحمد، وقيل: يتنفل قبلها وبعدها. وهو مذهب أنس وعروة، وبه قال الشافعي، وفيه قول ثالث، وهو أن يتنفل بعدها ولا يتنفل قبلها، وقال به الثوري، والاوزاعي، وأبو حنيفة، وهو مروي أيضا عن ابن مسعود، وفرق قوم بين أن تكون الصلاة
في المصلى، أو في المسجد وهو مشهور مذهب مالك. وسبب اختلافهم: أنه ثبت: أن رسول الله (ص) خرج يوم أضحى، فصلى ركعتين لم يصل قبلهما ولا بعدهما وقال عليه الصلاة والسلام: إذا جاء أحدكم المسجد، فليركع ركعتين وترددها أيضا من حيث هي مشروعة بين أن يكون حكمها في استحباب التنفل قبلها، وبعدها حكم المكتوبة أو لا يكون ذلك حكمها؟ فمن رأى أن تركه الصلاة قبلها، وبعدها هو من باب ترك الصلاة قبل السنن، وبعدها، ولم ينطلق اسم المسجد عنده على المصلى لم يستحب تنفلا قبلها، ولا
[ 176 ]
بعدها، ولذلك تردد المذهب في الصلاة قبلها إذا صليت في المسجد، لكون دليل الفعل معارضا في ذلك القول: أعني أنه من حيث هو داخل في مسجد، يستحب له الركوع، ومن حيث هو مصل صلاة العيد، يستحب له أن لا يركع تشبها بفعله عليه الصلاة والسلام. ومن رأى أن ذلك من باب الرخصة، ورأى أن اسم المسجد ينطلق على المصلى، ندب إلى التنفل قبلها، ومن شبهها بالصلاة المفروضة استحب التنفل قبلها وبعدها كما قلنا. ورأى قوم أن التنفل قبلها وبعدها من با ب المباح الجائز، لا من باب المندوب ولا من باب المكروه، وهو أقل اشتباها، إن لم يتناول اسم المسجد المصلى. واختلفوا في وقت التكبير في عيد الفطر بعد أن أجمع على استحبابه الجمهور لقوله تعالى: * (ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم) * فقال جمهور العلماء: يكبر عند الغدو إلى الصلاة، وهو مذهب ابن عمر، وجماعة من الصحابة والتابعين، وبه قال مالك، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وقال قوم يكبر من ليلة الفطر، إذا رأوا الهلال حتى يغدو إلى المصلى، وحتى يخرج الامام، وكذلك في ليلة الاضحى عندهم، إن لم يكن حاجا وروي عن ابن عباس إنكار التكبير جملة، إلا إذا كبر الامام. واتفقوا أيضا على التكبير في أدبار الصلوات أيام الحج، واختلفوا في توقيت ذلك فة إلى العصر من آخر أيام التشريق، وبه قال سفيان، وأحمد وأبو ثور. وقيل يكبر من صلاة الظهر من يوم
النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، وهو قول مالك والشافعي، وقال الزهري: مضت السنة أن يكبر الامام في الامصار دبر صلاة الظهر من يوم النحر إلى العصر من آخر أيام التشريق. وبالجملة، فالخلاف في ذلك كثير، حكى ابن المنذر فيها عشرة أقوال. وسبب اختلافهم في ذلك: هو أنه نقلت بالعمل، ولم ينقل في ذلك قول محدود. فلما اختلفت الصحابة في ذلك، اختلف من بعدهم. والاصل في هذا الباب قوله تعالى: * (واذكروا الله في أيام معدودات) * فهذا الخطاب وإن كان المقصود به أولا أهل الحج، فإن الجمهور رأوا أنه يعم أهل الحج وغيرهم، وتلقي ذلك بالعمل وإن كانوا اختلفوا في التوقيت في ذلك، ولعل التوقيت في ذلك على التخيير، لانهم كلهم أجمعوا على التوقيت، واختلفوا فيه. وقال قوم: التكبير دبر الصلاة في هذه الايام، إنما هو لمن صلى في جماعة. وكذلك اختلفوا في صفة التكبير في هذه الايام، فقال مالك والشافعي يكبر ثلاثا: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، وقيل يزيد بعد هذا لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شئ قدير. وروي عن ابن عباس أنه يقول: الله أكبر كبيرا ثلاث مرات، ثم
[ 177 ]
يقول الرابعة ولله الحمد. وقال جماعة ليس فيه شئ مؤقت. والسبب في هذا الاختلاف: عدم التحديد في ذلك في الشرع مع فهمهم من الشرع في ذلك التوقيت أعني فهم الاكثر. وهذا هو السبب في اختلافهم في توقيت زمان التكبير، أعني فهم التوقيت مع عدم النص في ذلك. وأجمعوا على أنه يستحب أن يفطر في عيد الفطر قبل الغدو إلى المصلى، وأن لا يفطر يوم الاضحى، إلا بعد الانصراف من الصلاة، وأنه يستحب أن يرجع من غير الطريق التي مشى عليها لثبوت ذلك من فعله عليه الصلاة والسلام. مالك والشافعي: هو مسنون، وليس بواجب. وسبب الخلاف:
اختلافهم في مفهوم الاوامر بالسجود، والاخبار التي معناها معنى الاوامر بالسجود مثل قوله تعالى: * (إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا) * هل هي محمولة على الوجوب، أو على الندب؟ فأبو حنيفة حملها على ظاهرها من الوجوب، ومالك والشافعي اتبعا في مفهومهما الصحابة، إذ كانوا هم أقعد بفهم الاوامر الشرعية، وذلك أنه لما ثبت أن عمر بن الخطاب قرأ السجدة يوم الجمعة، فنزل، وسجد، وسجد الناس معه، فلما كان في الجمعة الثانية، وقرأها تهيأ الناس للسجود، فقال: على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا، إلا أن نشاء. قالوا وهذا بمحضر الصحابة، فلم ينقل عن أحد منهم خلاف، وهم أفهم بمغزى الشرع، وهذا إنما يحتج به من يرى قول الصحابي - إذا لم يكن له مخالف - حجة. وقد احتج أصحاب الشافعي في ذلك بحديث زيد بن ثابت أنه قال: كنت أقرأ القرآن على رسول الله (ص)، فقرأت سورة الحج، فلم يسجد ولم نسجد. بما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه: لم يسجد في المفصل وبما روي أنه سجد فيها، لان وجه الجمع بين ذلك يقتضي أن لا يكون السجود واجبا، وذلك بأن يكون كل واحد منهم حدث بما رأى: من قال: إنه سجد، ومن قال: إنه لم يسجد. وأما أبو حنيفة، فتمسك في ذلك بأن الاصل، هو حمل الاوامر على الوجوب أو الاخبار التي تنزل منزلة الاوامر. وقد قال أبو المعالي: إن احتجاج أبي حنيفة بالاوامر الواردة بالسجود في ذلك لا معنى له، فإن
[ 178 ]
إيجا ب السجود مطلقا ليس يقتضي وجوبه مقيدا، وهو عند القراءة: أعني قراءة آية السجو، قال: ولو كان الامر كما زعم أبو حنيفة، لكانت الصلاة تجب عند قراءة الاية التي فيها الامر بالصلاة، وإذا لم يجب ذلك، فليس يجب السجود عند قراءة الاية التي فيها الامر بالسجود من الامر بالسجود. ولابي حنيفة أن يقول: قد أجمع المسلمون على أن الاخبار الواردة في السجود عند تلاوة القرآن، هي بمعنى الامر، وذلك في أكثر المواضع، وإذا كان ذلك كذلك، فقد ورد الامر بالسجود مقيدا بالتلاوة أعني عن التلاوة، وورد الامر به مطلقا، فوجب
حمل المطلق على المقيد، وليس الامر في ذلك بالسجود كالامر بالصلاة، فإن الصلاة قيد وجوبها بقيود أخر، وأيضا فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد سجد فيها، فبين لنا بذلك معنى الامر بالسجود الوارد فيها: أعني أنه عند التلاوة، فوجب أن يحمل مقتضى الامر في الوجوب عليه. وأما عدد عزائم سجود القرآن، فإن مالكا قال في الموطأ: الامر عندنا أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شئ وقال أصحابه: أولها: خاتمة الاعراف. وثانيها: في الرعد عند قوله تعالى: * (بالغدو والاصال) * وثالثها: في النحل عند قوله تعالى: * (ويفعلون ما يؤمرون) * ورابعها: في بني إسرائيل عند قوله تعالى: * (ويزيدهم خشوعا) * وخامسها: في مريم عند قوله تعالى: * (خروا سجدا عند قوله تعالى: * (إن الله يفعل ما يشاء) * وسابعها: في الفرقان عند قوله تعالى: * (وزادهم نفورا) * وثامنها: في النمل عند قوله تعالى: * (ر ب العرش العظيم) * وتاسعها: في آلم تنزيل عند قوله تعالى: * (وهم لا يستكبرون) * وعاشرها: في ص عند قوله تعالى: * (وخر راكعا وأناب) * والحادية عشر: في حم تنزيل عند قوله تعالى: * (إن كنتم إياه تعبدون) * وقيل عند قوله تعالى: * (وهم لا يسأمون) * وقال الشافعي: أربع عشرة سجدة ثلاث منها في المفصل: في الانشقاق، وفي النجم، وفي * (اقرأ باسم ربك) *، ولم ير في ص سجدة، لانها عنده من باب الشكر. وقال أحمد: هي خمس عشرة سجدة أثبت فيها الثانية من الحج، وسجدة ص. وقال أبو حنيفة: هي اثنتا عشرة سجدة قال الطحاوي: وهي كل سجدة جاءت بلفظ الخبر. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في المذاهب التي اعتمدوها في تصحيح عددها،
[ 179 ]
وذلك أن منهم من اعتمد عمل أهل المدينة، ومنهم من اعتمد القيا س، ومنهم من اعتمد السماع. أما الذين اعتمدوا العمل، فمالك وأصحابه، وأما الذين اعتمدوا القياس، فأبو حنيفة وأصحابه، وذلك أنهم قالوا: وجدنا السجدات التي أجمع عليها، جاءت بصيغة الخبر،
وهي سجدة الاعراف، والنحل، والرعد، والاسراء، ومريم، وأول الحج، والفرقان، والنمل، و * (آلم تنزيل) * فوجب أن يلحق بها سائر السجدات التي جاءت بصيغة الخبر، وهي التي في ص والانشقاق، ويسقط ثلاث جاءت بلفظ الامر، وهي التي في * (والنجم) * وفي الثانية من الحج. وفي * (أقرأ باسم ربك) *. وأما الذين اعتمدوا السماع، فإنهم صاروا إلى ما ثبت عنه عليه الصلاة والسلام من سجوده في الانشقاق، وفي * (اقرأ باسم ربك) * وفي * (والنجم) * خرج ذلك الحج من سجدة؟ قال: سجدتان. وصحيح حديث عقبة بن عامر عن النبي (ص) أنه قال: في الحج سجدتان وهو قول عمر، وعلي. قال القاضي: خرجه أبو داود. وأما الشافعي، فإنه إنما صار إلى إسقاط سجدة ص لما رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري: أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ، وهو على المنبر آية السجود من سورة ص فنزل، وسجد، فلما كان يوم آخر، قرأها، فتهيأ الناس للسجود، فقال: إنما هي توبة نبي، ولكن رأيتكم تشيرون للسجود، فنزلت فسجدت. وفي هذا ضرب من الحجة لابي حنيفة في قوله بوجوب السجود لانه علل ترك السجود في هذه السجدة بعلة انتفت في غيرها من السجدات، فوجب أن يكون حكم التي انتفت عنها العلة بخلاف التي ثبتت لها العلة، وهو نوع من الاستدلال، وفيه اختلاف، لانه من باب تجويز دليل الخطاب. وقد احتج بعض من لم ير السجود في المفصل بحديث عكرمة عن ابن عباس خرجه أبو داود: أن رسول الله (ص)، لم يسجد في شئ من المفصل منذ هاجر إلى المدينة قال أبو عمر: وهو منكر، لان أبا هريرة الذي روى سجوده في المفصل لم يصحبه عليه الصلاة والسلام إلا بالمدينة. وقد روى الثقات عنه: أنه سجد عليه الصلاة والسلام في والنجم وأما وقت السجود فإنهم اختلفوا فيه، فمنع قوم السجود في الاوقات المنهي عن الصلاة فيها، وهو مذهب أبي حنيفة على أصله في منع الصلوات المفروضة في هذه الاوقات ومنع مالك أيضا ذلك في الموطأ لانها عنده من النفل، والنفل ممنوع في هذه الاوقات عنده، وروى ابن القاسم عنه أنه يسجد فيها بعد العصر ما لم تصفر
الشمس، أو تتغير، وكذلك بعد الصبح، وبه قال الشافعي وهذا بناء على أنها سنة، وأن السنن تصلى في هذه الاوقات ما لم تدن الشمس من الغروب أو الطلوع. وأما على من يتوجه حكمها، فأجمعوا على أنه يتوجه على القارئ في صلاة كان، أو في غير صلاة،
[ 180 ]
واختلفوا في السامع هل عليه سجود أم لا؟ فقال أبو حنيفة: عليه السجود، ولم يفرق بين الرجل والمرأة وقال مالك يسجد السامع بشرطين: أحدهما: إذا كان قعد ليسمع القرآن، والاخر: أن يكون القارئ يسجد وهو مع هذا ممن يصح أن يكون إماما للسامع وروى ابن القاسم عن مالك أنه يسجد السامع، وإن كان القارئ ممن لا يصلح للامامة إذا جلس إليه. وأما صفة السجود، فإن جمهور الفقهاء قالوا: إذا سجد القارئ، كبر إذا خفض وإذا رفع، واختلف قول مالك في ذلك إذا كان في غير صلاة، وأما إذا كان في الصلاة، فإنه يكبر قولا واحدا.
[ 181 ]
بسم الله الرحمن الرحيم وصل الله على سيدنا محمد واله. كتاب أحكام الميت والكلام في هذا الكتاب - وهي حقوق الاموات على الاحياء - ينقسم إلى ست جمل: الجملة الاولى: فيما يستحب أن يفعل به عند الاحتضار، وبعده. الثانية: في غسله. الثالثة: في تكفينه. الرابعة: في حمله واتباعه. الخامسة: في الصلاة عليه. السادسة: في دفنه. الباب الاول فيما يستحب أن يفعل به عند الاحتضار وبعده. ويستحب أن يلقن الميت عند الموت شهادة أن لا إله إلا الله، لقوله عليه الصلاة والسلام: لقنوا موتاكم شهادة أن لا إله إلا الله وقوله: من كان آخر قوله لا إله إلا الله، دخل الجنة. واختلفوا في استحبا ب توجيهه إلى القبلة، فرأى ذلك قوم، ولم يره الاخرون.
وروي عن مالك أنه قال فالتوجيه: ما هو من الامر القديم، وروي عن سعيد بن المسيب أنه أنكر ذلك، ولم يرو ذلك عن أحد من الصحابة، ولا من التابعين: أعني الامر بالتوجيه، فإذا قضى الميت غمض عينيه، ويستحب تعجيل دفنه لورود الاثار فنه مخافة أن يكون الماء قد غمره، فلم تتبين حياته، قال القاضي: وإذا قيل هذا في الغريق، فهو أولى في كثير من المرضى مثل الذين يصيبهم انطباق العروق وغير ذلك مما هو معروف عند الاطباء. حتى لقد قال الاطباء: إن المسكوتين لا ينبغي أن يدفنوا إلا بعد ثلاث. الباب الثاني: في غسل الميت ويتعلق بهذا الباب فصول أربعة: منها في حكم الغسل، ومنها فيمن يجب غسله من الموتى، ومن يجوز أن يغسل، وما حكم الغاسل، ومنها في صفة الغسل. الفصل الاول: في حكم الغسل فأما حكم الغسل، فإنه قيل فيه إنه فرض على الكفاية، وقيل سنة على الكفاية والقولان كلاهما في المذهب. والسبب في ذلك أنه نقل بالعمل، لا بالقول. والعمل ليس
[ 182 ]
له صيغة تفهم الوجو ب، أو لا تفهمه، وقد احتج عبد الوهاب لوجوبه بقوله عليه الصلاة والسلام في ابنته: اغسلنها ثلاثا، أو خمسا. وبقوله في المحرم: اغسلوه. فمن رأى أن هذا القول خرج مخرج تعليم لصفة أنه يتضمن الامر والصفة قال: بوجوبه. الفصل الثاني: فيمن يجب غسله من الموتى وأما الاموات الذين يجب غسلهم، فإنهم اتفقوا من ذلك على غسل الميت المسلم الذي لم يقتل في معترك حرب الكفار. واختلفوا في غسل الشهيد وفى الصلاة عليه، وفي غسل المشرك. فأما الشهيد: أعني الذي قتله في المعترك المشركون، فإن الجمهور على ترك غسله، لما روي: أن رسول الله (ص) أمر بقتلى أحد، فدفنوا بثيابهم، ولم يصل عليهم وكان
الحسن، وسعيد بن المسيب يقولان: يغسل كل مسلم، فإن كل ميت يجنب. ولعلهم كانوا يرون أن ما فعل بقتلى أحد، كان لموضع الضرورة: أعني المشقة في غسلهم، وقال بقولهم من فقهاء الامصار عبيد الله بن الحسن العنبري. وسئل أبو عمر فيما حكى ابن المنذر عن غسل الشهيد، فقال: قد غسل عمر، وكفن، وحنط، وصلي عليه، وكان شهيدا يرحمه الله. واختلف الذين اتفقوا على أن الشهيد في حرب المشركين لا يغسل - في الشهداء من قتل اللصوص، أو غير أهل الشرك، فقال الاوزاعي، وأحمد، وجماعة حكمهم حكم من قتله أهل الشرك، وقال مالك والشافعي: يغسل. وسبب اختلافهم: هو هل الموجب لرفع حكم الغسل، هي الشهادة مطلقا أو الشهادة على أيدي الكفار؟ فمن رأى أن سبب ذلك، هي الشهادة مطلقا، قال: لا يغسل كل من نص عليه النبي (ص) أنه شهيد ممن قتل. ومن رأى أن سبب ذلك، هي الشهادة من الكفار، قصر ذلك عليهم. وأمل غسل المسلم الكافر فكان مالك يقول: لا يغسل المسلم والده الكافر ولا يقبره، إلا أن يخاف ضياعه، فيواريه وقال الشافعي: لا بأس بغسل المسلم قرابته من المشركين، ودفنهم وبه قال أبو ثور وأبو حنيفة وأصحابه. قال أبو بكر بن المنذر: ليس في غسل الميت المشرك سنة تتبع، وقد روى: أن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بغسل عمه لما مات. وسبب الخلاف: هل الغسل من باب العبادة، أو من باب النظافة؟ فإن كانت عبادة لم يجز غسل الكافر، وإن كانت نظافة جاز غسله. الفصل الثالث: فيمن يجوز أن يغسل الميت وأما من يجوز أن يغسل الميت، فإنهم اتفقوا على أن الرجال يغسلون الرجال والنساء يغسلن النساء، واختلفوا في المرأة تموت مع الرجال، أو الرجل يموت مع النساء، ما لم يكونا زوجين على ثلاثة أقوال: فقال قوم: يغسل كل واحد منهما صاحبه من
[ 183 ]
فوق الثياب، وقال قوم: ييمم كل واحد منهما صاحبه وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة،
وجمهور العلماء. وقال قوم: لا يغسل واحد منهما صاحبه، ولا ييممه، وبه قال الليث بن سعد، بل يدفن من غير غسل. وسبب اختلافهم: هو الترجيح بين تغليب النهي على الامر، أو الامر على النهي، وذلك أن الغسل مأمور به، ونظر الرجل إلى بدن المرأة، والمرأة إلى بدن الرجل منهي عنه فمن غلب النهي تغليبا مطلقا، أعني لم يقس الميت على الحي في كون الطهارة التراب له بدلا من طهارة الماء عند تعذرها، قال: لا يغسل كل واحد منهما صاحبه، ولا ييممه. ومن غلب الامر على النهي قال: يغسل كل واحد منهما صاحبه: أعني غلب الامر على النهي تغليبا مطلقا، ومن ذهب إلى التيمم، فلانه رأى أنه لا يلحق الامر، والنهي في ذلك تعارض، وذلك أن النظر إلى مواضع التيمم يجوز لكلا الصنفين، ولذلك رأى مالك أن ييمم الرجل المرأة في يديها ووجهها فقط، لكون ذلك منها ليسا بعورة، وأن تيمم المرأة الرجل إلى المرفقين، لانه ليس من الرجل عورة إلا من السرة الى المساله فمرة قال: ييمم كل واحد منهما صاحبه قولا مطلقا، ومرة فرق في ذلك بين ذوي المحارم وغيرهم، ومرة فرق في ذوي المحارم بين الرجال والنساء، فيتحصل عن أن له في ذوي المحارم ثلاثة أقوال: أشهرها أنه يغسل كل واحد منهما صاحبه على الثياب، والثاني أنه لا يغسل أحدهما صاحبه، ولكن ييممه مثل قول الجمهور في غير ذوي المحارم. والثالث الفرق بين الرجال والنساء: أعني تغسل المرأة الرجل، ولا يغسل الرجل المرأة. فسبب المنع أن كل واحد منهما لا يحل له أن ينظر إلى موضع الغسل من صاحبه كالاجانب سواء، وسبب الاباحة أنه موضع ضرورة، وهم أعذر في ذلك من الاجنبي. وسبب الفرق أن نظر الرجال إلى النساء أغلظ من نظر النساء إلى الرجال بدليل أن النساء حجبن عن نظر الرجال إليهن، ولم يحجب الرجال عن النساء. وأجمعوا من هذا الباب على جواز غسل المرأة زوجها، واختلفوا في جواز غسله إياها، فالجمهور على جواز ذلك وقال أبو حنيفة: لا يجوز غسل الرجل زوجته. وسبب اختلافهم: هو تشبيه الموت بالطلاق، فمن شبهه بالطلاق قال: لا يحل أن ينظر إليها بعد الموت، ومن لم يشبهه
بالطلاق، وهم الجمهور قال: إن ما يحل له من النظر إليها قبل الموت. يحل له بعد الموت. وإنما دعا أبا حنيفة أن يشبه المو ت بالطلاق، لانه رأى أنه إذا ماتت إحدى الاختين، حل له نكاح الاخرى كالحال فيها إذ طلقت. وهذا فيه بعد، فإن علة منع الجمع مرتفعة بين الحي والميت، لذلك حلت، إلا أن يقال إن علة منع الجمع غير معقولة، وأن منع الجمع
[ 184 ]
بين الاختين عبادة محضة غير معقولة المعنى، فيقوى حينئذ مذهب أبي حنيفة. وكذلك أجمعوا على أن المطلقة المبتوتة لا تغسل زوجها، واختلفوا في الرجعية. فروي عن مالك أنها تغسله، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه. وقال ابن القاسم: لا تغسله، وإن كان الطلاق رجعيا. وهو قياس قول مالك، لانه ليس يجوز عنده أن يراها، وبه قال الشافعي. وسبب اختلافهم هو هل يحل للزوج أن ين ر إلى الرجعية أو لا ينظر إليها؟ وأما حكم الغاسل فإنهم اختلفوا فيما يجب عليه، فقال قوم: من غسل ميتا وجب عليه الغسل، وقال قوم لا غسل عليه. وسبب اختلافهم: معارضة حديث أبي هريرة لحديث أسماء، وذلك أن أبا هريرة روى عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: من غسل ميتا، فليغتسل ومن حمله، فليتوضأ خرجه أبو داود. وأما حديث أسماء، فإنه، لما غسلت أبا بكر رضي الله عنه خرجت، فسألت من حضرها من المهاجرين والانصار، وقالت: إني صائمة، وإن هذا يوم شديد البرد، فهل علي من غسل؟ قالوا: لا. وحديث أسماء في هذا صحيح، وأما حديث أبي هريرة، فهو عند أكثر أهل العلم فيما حكى أبو عمر غير صحيح، لكن حديث أسماء ليس فيه في الحقيقة معارضة له، فإن من أنكر الشئ يحتمل أن يكون ذلك، لانه لم تبلغه السنة في ذلك الشئ، وسؤال أسماء - والله أعلم - يدل على الخلاف في ذلك في الصدر الاول ولهذا كله قال الشافعي رضي الله عنه - على عادته في الاحتياط، والالتفات إلى الاثر -: لا غسل على من غسل الميت إلا أن يثبت حديث أبي هريرة. الفصل الرابع: في صفة الغسل
وفي هذا الفصل مسائل: إحداها: هل ينزع عن الميت قميصه إذا غسل؟ أم يغسل في قميصه؟ اختلفوا في ذلك، فقال مالك: إذا غسل الميت تنزع ثيابه، وتستر عورته وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي يغسل في قميصه. وسبب اختلافهم: تردد غسله عليه الصلاة والسلام في قميصه بين أن يكون خاصا يحرم من النظر إلى الميت إلا ما يحرم منه، وهو حي قال: يغسل عريانا، إلا عورته فقط التي يحرم النظر إليها في حال الحياة. ومن رأى أن ذلك سنة يستند إلى باب الاجماع، أو إلى الامر الالهي، لانه روي في الحديث أنهم سمعوا صوتا يقول لهم: لا تنزعوا القميص، وقد ألقي عليهم النوم، قال: الافضل أن يغسل الميت في قميصه. المسألة الثانية: قال أبو حنيفة: لا يوضأ الميت. وقال الشافعي يوضأ وقال مالك: إن وضئ فحسن. وسبب الخلاف في ذلك: معارضة القياس للاثر، وذلك أن القياس يقتضي ألا وضوء على الميت، لان الوضوء طهارة مفروضة لموضع العبادة، وإذا
[ 185 ]
أسقطت العبادة عن الميت، سقط شرطها الذي هو الوضوء، ولولا أن الغسل ورد في الاثار، لما وجب غسله. وظاهر حديث أم عطية الثابت أن الوضوء شرط في غسل الميت، لان فيه أن رسول الله (ص) قال في غسل ابنته: ابدأن بميامنها، ومواضع الوضوء منها وهذه الزيادة ثابتة خرجها البخاري ومسلم. ولذلك يجب أن تعارض بالروايات التي فيها الغسل مطلقا لان المقيد يقضي على المطلق، إذ فيه زيادة على ما يراه كثير من الناس، ويشبه أيضا أن يكون من أسباب الخلاف في ذلك معارضة المطلق للمقيد، وذلك أنه وردت آثار كثيرة فيها الامر بالغسل مطلقا من غير ذكر وضوء فيها، فهؤلاء رجحوا الاطلاق على التقييد لمعارضة القياس له في هذا الموضع، والشافعي جرى على الاصل من حمل المطلق على المقيد.
المسألة الثالثة: اختلفوا في التوقيت في الغسل، فمنهم من أوجبه ومنهم من استحسنه، واستحبه. والذين أوجبوا التوقيت منهم من أوجب الوتر، أي وتر كان، وبه قال ابن سيرين ومنهم من أوجب الثلاثة فقط، وهو أبو حنيفة ومنهم من حد أقل الوتر في ذلك فقال لا ينقص عن الثلاثة، ولم يحد الاكثر، وهو الشافعي، ومنهم من حد الاكثر في ذلك، فقال: لا يتجاوز به السبعة، وهو أحمد بن حنبل، وممن قال باستحباب الوتر ولم يحد فيه حدا: مالك بن أنس وأصحابه. وسبب الخلاف: بين من شرط التوقيت، ومن لم يشترطه، بل استحبه معارضة القيا س للاثر، وذلك أن ظاهر حديث أم عطية يقتضي التوقيت، لان فيه: اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن وفي بعض ر واياته: أو سبعا. وأما قياس الميت على الحي في الطهارة، فيقتضي أن لا توقيت فيها، كما ليس في طهارة الحي توقيت. فمن رجح الاثر على النظر، قال بالتوقيت. ومن رأى الجمع بين الاثر والنظر حمل التوقيت على الاستحباب. وأما الذين اختلفوا في التوقيت، فسبب اختلافهم اختلاف ألفاظ الروايات في ذلك عن أم عطية. فأما الشافعي، فإنه رأى أن لا ينقص عن ثلاثة، لانه أقل وتر نطق به في حديث أم عطية، ورأى أن ما فوق ذلك مباح، لقوله عليه الصلاة والسلام: أو أكثر من ذلك إن رأيتن وأما أحمد فأخذ بأكثر وتر نطق به في بعض روايات الحديث، وهو قوله عليه الصلاة والسلام أو سبعا. وأما أبو حنيفة، فصار في قصره الوتر على الثلاث، لما روي أن محمد بن سيرين كان يأخذ الغسل عن أم عطية ثلاثا يغسل بالسدر مرتين، والثالثة بالماء والكافور، وأيضا، فإن الوتر الشرعي عنده إنما ينطلق على الثلاث فقط. وكان مالك يستحب أن يغسل في الاولى بالماء القراح، وفي الثانية بالسدر وفي الثالثة بالماء والكافور. واختلفوا إذا خرج من بطنه حدث، هل يعاد غسله أم لا؟ فقيل: لا يعاد، وبه قال مالك، وقيل: يعاد والذين رأوا أنه يعاد اختلفوا في العدد الذي تجب به الاعادة إن تكرر خروج الحدث. فقيل: يعاد الغسل عليه واحدة، وبه قال
[ 186 ]
الشافعي، وقيل: يعاد ثلاثا، وقيل: يعاد سبعا. وأجمعوا على أنه لا يزاد على السبع شئ. واختلفوا في تقليم أظفار الميت، والاخذ من شعره، فقال قوم: تقلم أظفاره ويؤخذ منه، وقال قوم: لا تقلم أظفاره ولا يؤخذ من شعره وليس فيه أثر وأما سبب الخلاف في ذلك: فالخلاف الواقع في ذلك في الصدر الاول. ويشبه أن يكون سبب الخلاف في ذلك قياس الميت على الحي، فمن قاسه أوجب تقليم الاظفار، وحلق العانة لانها من سنة الحي باتفاق. وكذلك اختلفوا في عصر بطنه قبل أيغسل، فمنهم من رأى ذلك ومنهم من لم يره. فمن رآه، رأى أن فيه ضربا من الاستنقاء من الحدث عند ابتداء الطهارة، وهو مطلوب من الميت كما مطلوب من الحي ومن لم ير ذلك رأى أنه من باب تكليف ما لم يشرع، وأن الحي في ذلك بخلاف الميت. الباب الثالث: في الاكفان والاصل في هذا الباب: أن رسول الله (ص) كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية، ليس فيها قميص، ولا عمامة وخرج أبو داود عن ليلى بنت قائف الثقفية، قالت: كنت فيمن غسل أم كلثوم بنت رسول الله (ص)، فكان أول ما أعطاني رسول الله (ص) الحقو، ثم الدرع، ثم الخمار، ثم الملحفة، ثم أدرجت بعد في الثوب الاخر، قالت: ورسول الله (ص) جالس عند الباب معه أكفانها، يناولناها ثوبا ثوبا. فمن العلماء من أخذ بظاهر هذين الاثرين، فقال: يكفن الرجل في ثلاثة أثواب والمرأة في خمسة أثواب، وبه قال الشافعي، وأحمد، وجماعة وقال أبو حنيفة: أقل ما تكفن فيه المرأة ثلاثة أثواب، والسنة خمسة أثواب، وأقل ما يكفن فيه الرجل ثوبان، والسنة فيه ثلاثة أثواب، ورأى مالك أنه لا حد في ذلك وأنه يجزئ ثوب واحد فيهما، إلا أنه يستحب الوتر. وسبب اختلافهم في التوقيت: اختلافهم في مفهوم هذين الاثرين، فمن فهم منهما الاباحة لم يقل بتوقيت إلا أنه استحب الوتر، لاتفاقهما في الوتر ولم يفرق في ذلك بين المرأة والرجل، وكأنه فهم منهما الاباحة إلا في التوقيت، فإنه فهم منه شرعا لمناسبته للشرع. ومن فهم من العدو أنه شرع لا إباحة قال بالتوقيت، إما على جهة الوجوب، وإما على جهة الاستحباب، وكله واسع إن
شاء الله، وليس فيه شرع محدود، ولعله تكلف شرع فيما ليس فيه شرع، وقد كفن مصعب بن عمير يوم أحد بنمرة، فكانوا إذا غطوا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطوا بها رجليه خرج رأسه فقال رسول الله (ص): غطوا بها رأسه، واجعلوا على رجليه من الاذخر. واتفقوا على أن الميت يغطى رأسه، ويطيب، إلا المحرم إذا مات في إحرامه، فإنهم اختلفوا فيه، فقال مالك وأبو حنيفة: المحرم بمنزلة غير المحرم، وقال الشافعي: لا يغطى رأس المحرم إذا مات، ولا يمس طيبا. وسبب اختلافهم: معارضة العموم للخصوص. فأما الخصوص فهو حديث ابن عباس قال: أتي النبي (ص) برجل وقصته راحلته، فمات وهو محرم، فقال: كفنوه في ثوبين، واغسلوه بماء وسدر ولا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيبا،
[ 187 ]
فإنه يبعث يوم القيامة يلبي. وأما العموم، فهو ما ورد من الامر بالغسل مطلقا، فمن خص من الاموات المحرم بهذا الحديث كتخصيص الشهداء بقتلى أحد، جعل الحكم منه عليه الصلاة والسلام على الواحد حكما على الجميع، وقال: لا يغطى رأس المحرم، ولا يمس طيبا، ومن ذهب مذهب الجمع، لا مذهب الاستثناء والتخصيص قال: حديث الاعرابي خاص به، لا يعدى إلى غيره. الباب الرابع في صفة المشي مع الجنازة واختلفوا في سنة المشي مع الجنازة، فذهب أهل المدينة إلى أن من سننها المشي أمامها وقال الكوفيون، وأبو حنيفة، وسائرهم: إن المشي خلفها أفضل. وسبب اختلافهم: اختلاف الاثار التي روى كل واحد من الفريقين عن سلفه، وعمل به، فروى مالك عن النبي (ص) مرسلا المشي أمام الجنازة وعن أبي بكر، وعمر، وبه قال الشافعي. وأخذ أهل الكوفة بما رووا عن علي ابن أبي طالب من طريق عبد الرحمن بن أبزى، قال: كنت أمشي مع علي في جنازوهو آخذ بيدي، وهو يمشي خلفها، و أبو بكر، وعمر يمشيان أمامها، فقلت له فذلك، فقال: إن فضل الماشي خلفها على الماشي أمامها كفضل صلاة
المكتوبة على صلاة النافلة، وإنهما ليعلمان ذلك، ولكنهما سهلان يسهلان على الناس. وروي عنه رضى الله عنه أنه قال: قدمها بين يديك، واجعلها نصب عينيك فإنما هي موعظة، وتذكرة، وعبرة، وبما روي أيضا عن ابن مسعود أنه كان يقول: سألنا رسول الله (ص) عن السير مع الجنازة، فقال: الجنازة متبوعة، وليست بتابعة، وليس معها من يقدمها وحديث المغيرة بن شعبة عن النبي (ص) قال: الراكب يمشي أمام الجنازة والماشي خلفها، وأمامها، وعن يمينها، أو عن يسارها قريبا منها وحديث أبي هريرة أيضا في هذا المعنى قال: امشوا خلف الجنازة وهذه الاحاديث صار إليها الكوفيون وهي أحاديث يصححونها ويضعفها غيرهم الجنازة. وأكثر العلماء على أن القيام إلى الجنازة منسوخ بما روى مالك من حديث علي بن أبي طالب: أن رسول الله (ص) كان يقوم في الجنائز ثم جلس. وذهب قوم إلى وجوب القيام، وتمسكوا في ذلك بما روي من أمره (ص) بالقيام لها، كحديث عامر بن ربيعة قال: قال رسول الله (ص): إذا رأيتم الجنائز، فقوموا إليها حتى تخلفكم، أو توضع. واختلف الذين رأوا أن القيام منسوخ في القيام على القبر في وقت الدفن، فبعضهم رأى أنه لم يدخل تحت النهي، وبعضهم رأى أنه داخل تحت النهي على ظاهر اللفظ ومن أخرجه من ذلك احتج بفعل علي في ذلك، وذلك أنه روى النسخ، وقام على قبر ابن المكلف، فقيل له: ألا تجلس يا أمير المؤمنين؟ فقال: قليل لاخينا قيامنا على قبره.
[ 188 ]
الباب الخامس: في الصلاة على الجنازة وهذه الجملة يتعلق بها بعد معرفة وجوبها فصول: أحدها: في صفة صلاة الجنازة. والثاني: على من يصلى ومن أولى بالصلاة. والثالث: في وقت هذه الصلاة. والرابع: في موضع هذه الصلاة. والخامس: في شروط هذه الصلاة. الفصل الاول في صفة صلاة الجنازة
فأما صفة الصلاة، فإنها يتعلق بها مسائل: المسألة الاولى: اختلفوا في عدد التكبير في الصدر الاول اختلافا كثيرا من ثلاث إلى سبع: أعني الصحابة رضي الله عنهم، ولكن فقهاء الامصار على أن التكبير في الجنازة أربع إلا ابن أبي ليلى، وجابر بن زيد، فإنهما كانا يقولان: إنها خمس. وسبب الاختلاف: اختلاف الاثار في ذلك، وذلك أنه روي من حديث أبي هريرة: أن رسول الله (ص) نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى، فصف بهم، وكبر أربع تكبيرات. وهو حديث متفق على صحته، ولذلك أخذ به جمهور فقهاء الامصار. وجاء في هذا المعنى أيضا من: أنه عليه الصلاة والسلام صلى على قبر مسكينة، فكبر عليها أربعا. وروى مسلم أيضا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم يكبر على الجنائز أربعا، وأنه كبر على جنازة خمسا، فسألناه، فقال: كان رسول الله (ص) يكبرها كان النبي (ص) يكبر على الجنائز أربعا، وخمسا، وستا، وسبعا، وثمانيا حتى مات النجاشي، فصف الناس وراءه، وكبر أربعا، ثم ثبت (ص) على أربع حتى توفاه الله وهذا فيه حجة لائحة للجمهور. وأجمع العلماء على رفع اليدين في أول التكبير على الجنازة، واختلفوا في سائر التكبير، فقال قوم: يرفع، وقال قوم: لا يرفع، وروى الترمذي عن أبي هريرة: أن رسول الله (ص) كبر في جنازة، فرفع يديه في أول التكبير، ووضع يده اليمنى على اليسرى فمن ذهب إلى ظاهر هذا الاثر، وكان مذهبه في الصلاة أنه لا يرفع إلا في أول التكبير، قال: الرفع في أول التكبير ومن قال: يرفع في كل تكبير، شبه التكبير الثاني بالاول، لانه كله يفعل في حال القيام والاستواء. المسألة الثانية: اختلف الناس في القراءة في صلاة الجنازة، فقال مالك وأبو حنيفة: ليس فيها قراءة، إنما هو الدعاء وقال مالك: قراءة فاتحة الكتاب فيها ليس بمعمول به في بلدنا بحال، قال: وإنما يحمد الله، ويثنى عليه بعد التكبيرة الاولى، ثم يكبر الثانية، فيصلي على النبي (ص)، ثم يكبر الثالثة، فيشفع للميت، ثم يكبر الرابعة، ويسلم. وقال الشافعي: يقرأ
بعد التكبيرة الاولى بفاتحة الكتاب، ثم يفعل في سائر التكبيرات مثل ذلك وبه قال أحمد، وداود. وسبب اختلافهم: معارضة العمل للاثر، وهل يتناول أيضا اسم الصلاة صلاة
[ 189 ]
الجنازة، أم لا؟ أما العمل فهو الذي حكاه مالك عن بلده. وأما الاثر فما رواه البخاري عن طلحة بن عبد الله ابن عوف، قال: صليت خلف ابن عباس على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، فقال: لتعلموا أنها السنة. فمن ذهب إلى ترجيح هذا الاثر على العمل وكان اسم الصلاة يتناول عنده صلاة الجنازة، وقد قال (ص): لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب رأى قراءة فاتحة الكتاب فيها. ويمكن أن يحتج لمذهب مالك بظواهر الاثار التي نقل فيها دعاؤه عليه الصلاة والسلام في الصلاة على الجنائز، ولم ينقل فيها أنه قرأ. وعلى هذا، فتكون تلك الاثار كأنها معارضة لحديث ابن عباس، ومخصصة لقوله. لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وذكر الطحاوي عن ابن شهاب عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال - وكان من كبراء الصحابة وعلمائهم، وأبناء الذيشهدوا بدرا -: إن رجلا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام أخبره أن السنة في الصلاة على الجنائز أن يكبر الامام، ثم يقرأ فاتحة الكتاب سرا في نفسه، ثم يخلص الدعاء في التكبيرات الثلاث، قال ابن شهاب: فذكرت الذي أخبر به أبو أمامة من ذلك لمحمد بن سويد الفهري، فقال: وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث عن حبيب بن مسلمة في الصلاة على الجنائز بمثل ما حدثك به أبو أمامة. المسألة الثالثة: واختلفوا في التسليم من الجنازة هل هو واحد، أو اثنان؟ فالجمهور على أنه واحد وقالت طائفة، وأبو حنيفة: يسلم تسليمتين، واختاره المزني من أصحاب الشافعي، وهو أحد قولي الشافعي. وسبب اختلافهم: اختلافهم في التسليم من الصلاة، وقياس صلاة الجنائز على الصلاة المفروضة، فمن كانت عنده التسليمة واحدة في الصلاة المكتوبة، وقاس صلاة الجنازة عليها، قال: بواحدة، ومن كانت عنده تسليمتين في الصلاة المفروضة قال هناك بتسليمتين، إن كانت عنده تلك سنة، فهذه سنة، وإن كانت فرضا، فهذه
فرض، وكذلك اختلف المذهب هل يجهر فيها، أو لا يجهر بالسلام؟ المسألة الرابعة: واختلفوا أين يقوم الامام من الجنازة، فقال جملة من العلماء: يقوم في وسطها، ذكرا كان أو أنثى وقال قوم آخرون: يقوم من الانثى وسطها، ومن الذكر عند رأسه ومنهم من قال: يقوم من الذكر والانثى عند صدرهما، وهو قول ابن القاسم وقول أبي حنيفة وليس عند مالك، والشافعي في ذلك حد وقال قوم: يقوم منهما أين شاء. والسبب في اختلافهم: اختلاف الاثار في هذا الباب، وذلك أنه خرج البخاري، ومسلم من حديث سمرة بن جندب قال: صليت خلف رسول الله (ص) على أم كعب ماتت، وهي نفساء، فقام رسول الله (ص) للصلاة على وسطها وخرج أبو داود من حديث همام بن غالب قال: صليت مع أنس بن مالك على جنازة رجل، فقام حيال رأسه ثم جاءوا بجنازة امرأة، فقالوا: يا أبا حمزة صل عليها، فقام حيال وسط السرير، فقال العلاء بن زياد: هكذا رأيت رسول الله (ص) يصلي على الجنائز، كبر أربعا، وقام على جنازة المرأة مقامك منها،
[ 190 ]
ومن الرجل مقامك منه؟ قال: نعم. فاختلف الناس في المفهوم من هذه الافعال فمنهم من رأى أن قيامه عليه الصلاة والسلام في هذه المواضع المختلفة يدل على الاباحة، وعلى عدم التحديد، ومنهم من رأى أن قيامه على أحد هذه الاوضاع أنه شرع، وأنه يدل على التحديد، وهؤلاء انقسموا قسمين: فمنهم من أخذ بحديث سمرة بن جندب للاتفاق على صحته، فقال: المرأة والرجل سواء، لان الاصل أن حكمهما واحد، إلا أن يثبت في ذلك فارق شرعي ومنهم من صحح حديث ابن غالب وقال فيه زيادة على حديث سمرة بن جندب، فيجب المصير إليها، وليس بينهما تعارض أصلا. وأما مذهب ابن القاسم وأبي حنيفة، فلا أعلم له من جهة السمع في ذلك مسندا إلا ما روي عن ابن مسعود من ذلك. المسألة الخامسة: واختلفوا في ترتيب جنائز الرجال والنساء إذا اجتمعوا عند
الصلاة. فقال الاكثر: يجعل الرجال مما يلي الامام والنساء مما يلي القبلة، وقال قوم: بخلاف هذا: أي النساء مما يلي الامام والرجال مما يلي القبلة، وفيه قول ثالث: إنه يصلي على كل على حدة: الرجال مفردون، والنساء مفردات. وسبب الخلاف: ما يغلب على الظن باعتبار أحوال الشرع من أنه يجب أن يكون في ذلك شرع محدود، مع أنه لم يرد في ذلك شرع يجب الوقوف عنده، ولذلك رأى كثير من الناس أنه ليس في أمثال هذه المواضع شرع أصلا وأنه لو كان فيها شرع لبين للناس، وإنما ذهب الاكثر لما قلناه من تقديم الرجال على النساء لما رواه مالك في الموطأ من أن عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، وأبا هريرة كانوا يصلون على الجنائز بالمدينة: الرجال والنساء معا، فيجعلون الرجال مما يلي الامام، ويجعلون النساء مما يلي القبلة. وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر: أنه صلى كذلك على جنازة، فيها ابن عباس، وأبو هريرة، وأبو سعيد الخدري، وأبو قتادة، والامام يومئذ سعيد بن العاص، فسألهم عن ذلك، أو أمر من سألهم، فقالوا: هي السنة وهذا يدخل في المسند عندهم. ويشبه أن يكون من قال بتقديم الرجال شبههم أمام الامام بحالهم خلف الامام في الصلاة، ولقوله عليه الصلاة والسلام: أخروهن من حيث أخرهن الله. وأما من قال بتقديم النساء على الرجال، فيشبه أن يكون اعتقد أن الاول هو المتقدم، ولم يجعل التقديم بالقرب من الامام. وأما من فرق، فاحتياطا من أن لا يجوز ممنوعا، لانه لم ترد سنة بجواز الجمع فيحتمل أن يكون على أصل الاباحة، ويحتمل أن يكون ممنوعا بالشرع، وإذا وجد الاحتمال، وجب التوقف، إذا وجد إليه سبيلا. المسألة السادسة: اختلفوا في الذي يفوته بعض التكبير على الجنازة في مواضع: منها هل يدخل بتكبير أم لا؟ ومنها هل يقضي ما فاته أم لا؟، وإن قضى فهل يدعو بين التكبير أم لا؟ فروى أشهب عن مالك أنه يكبر أول دخوله، وهو أحد قولي الشافعي
[ 191 ]
وقال أبو حنيفة: ينتظر حتى يكبر الامام، وحينئذ يكبر وهي رواية ابن القاسم عن مالك
والقياس التكبير قياسا على من دخل في المفروضة، واتفق مالك، وأبو حنيفة، والشافعي على أنه يقضي ما فاته من التكبير، إلا أن أبا حنيفة يرى أن يدعو بين التكبير المقضي، ومالك والشافعي يريان أن يقضيه نسقا، وإنما اتفقوا على القضاء لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: ما أدركتم، فصلوا، وما فاتكم، فأتموا فمن رأى أن هذا العموم يتناول التكبير، والدعاء، قال: يقضي التكبير، وما فاته من الدعاء، ومن أخرج الدعاء من ذلك، إذا كان غير مؤقت قال: يقضي التكبير فقط، إذا كان هو المؤقت، فكان تخصيص الدعاء من ذلك العموم، هو من باب تخصيص العام بالقياس، فأبو حنيفة أخذ بالعموم، وهؤلاء بالخصوص. المسألة السابعة: واختلفوا في الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الجنازة، فقال مالك: لا يصلي على القبر وقال أبو حنيفة: لا يصلي على القبر إلا الولي فقط، إذا فاتته الصلاة على الجنازة، وكان الذي صلى عليها غير وليها وقال الشافعي، وأحمد، وداود، وجماعة: يصلي على القبر من فاتته الصلاة على الجنازة واتفق القائلون بإجازة الصلاة على القبر أن من شرط ذلك حدوث الدفن، وهؤلاء اختلفوا في هذه المدة وأكثرها شهر. وسبب اختلافهم: معارضة العمل للاثر. أما مخالفة العمل، فإن ابن القاسم قال: قلت لمالك: فالحديث الذي جاء عن النبي (ص): أنه صلى على قبر امرأة؟ قال: قد جاء هذا الحديث، وليس عليه العمل، والصلاة على القبر ثابتة باتفاق من أصحاب الحديث. قال أحمد بن حنبل: رويت الصلاة على القبر عن النبي عليه الصلاة والسلام من طرق ستة كلها حسان. وزاد بعض المحدثين ثلاثة طرق، فذلك تسع. وأما البخاري، ومسلم فرويا ذلك من طريق أبي هريرة وأما مالك فخرجه مرسلا عن أبي أمامة بن سهل وقد روى ابن وهب عن مالك مثل قول الشافعي. وأما أبو حنيفة فإنه جرى في ذلك على عادته فيما أحسب، أعني من رد أخبار الاحاد التي تعم بها البلوى، إذا لم تنتشر ولا انتشر العمل بها، وذلك أن عدم الانتشار إذا كان خبرا شأنه الانتشار قرينة توهن الخبر، وتخرجه عن غلبة الظن بصدقه إلى الشك فيه، أو إلى غلبة الظن بكذبه أو نسخه. قال القاضي: وقد تكلمنا فيما سلف من
كتابنا هذا في وجه الاستدلال بالعمل، وفي هذا النوع من الاستدلال الذي يسميه الحنفية عموم البلوى، وقلنا إنها من جنس واحد. الفصل الثاني: فيمن يصلى عليه، ومن أولى بالتقديم وأجمع أكثر أهل العلم على إجازة الصلاة على كل من قال: لا إله إلا الله وفي ذلك أثر أنه قال عليه الصلاة والسلام: صلوا على من قال لا إله إلا الله وسواء كان من أهل الكبائر، أو من أهل البدع، إلا أن مالكا كره لاهل الفضل الصلاة على أهل البدع، ولم ير
[ 192 ]
أن يصلي الامام على من قتلحدا. واختلفوا فيمن قتل نفسه، فرأى قوم أنه لا يصلى عليه وأجاز آخرون الصلا عليه ومن العلماء من لم يجز الصلاة على أهل الكبائر، ولا على أهل البغي والبدع. والسبب في اختلافهم في الصلاة: أما في أهل البدع، فلاختلافهم في تكفيرهم ببدعهم فمن كفرهم بالتأويل البعيد، لم يجز الصلاة عليهم، ومن لم يكفرهم، إذ كان الكفر عنده إنما هو تكذيب الرسول، لا تأويل أقواله عليه الصلاة والسلام، قال: الصلاة عليهم جائزة، وإنما أجمع العلماء على ترك الصلاة على المنافقين مع تلفظهم بالشهادة لقوله تعالى: * (ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره) * الاية. وأما اختلافهم في أهل الكبائر، فليس يمكن أن يكون له سبب إلا من جهة اختلافهم في القول بالتكفير بالذنوب، لكن ليس هذا مذهب أهل السنة فلذلك ليس ينبغي أن يمنع الفقهاء الصلاة على أهل الكبائر. وأما كراهية مالك الصلاة على أهل البدع، فذلك لمكان الزجر، والعقوبة لهم وإنما لم ير مالك صلاة الامام على من قتله حدا: لان رسول الله (ص) لم يصل على ماعز ولم ينه عن الصلاة عليه خرجه أبو داود. وإنما اختلفوا في الصلاة على من قتل نفسه، لحديث جابر بن سمرة: أن رسول الله (ص) أبى أن يصلي على رجل قتل نفسه فمن صحح هذا الاثر قال: لا يصلى على قاتل نفسه، ومن لم يصححه، رأى أن حكمه حكم المسلمين، وإن كان من أهل النار كما ورد به الاثر، لكن
ليس هو من المخلدين، لكونه من أهل الايمان، وقد قال عليه الصلاة والسلام حكاية عن ربه: أخرجوا من النار من في قلبه مثقال حبة من الايمان واختلفوا أيضا في الصلاة على الشهداء المقتولين في المعركة، فقال مالك والشافعي لا يصلى على الشهيد المقتول في المعركة، ولا يغسل وقال أبو حنيفة: يصلى عليه، ولا يغسل. وسبب اختلافهم: اختلاف الاثار الواردة في ذلك، وذلك أنه خرج أبو داود من طريق جابر: أنه صلى الله عليه وسلم أمر بشهداء أحد، فدفنوا بثيابهم، ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا وروى من طريق ابن عباس مسندا: أنه عليه الصلاة والسلام صلى على قتلى أحد، وعلى حمزة، ولم يغسل ولم يتيمم وروى ذلك أيضا مرسلا من حديث أبي مالك الغفاري، وكذلك روي أيضا أن أعرابيا جاءه سهم، فوقع في حلقه، فمات، فصلى عليه النبي (ص)، وقال: إن هذا عبدك خرج مجاهدا في سبيلك، فقتل شهيدا وأنا شهيد عليه. وكلا الفريقين يرجع الاحاديث التي أخذ بها وكانت الشافعية تعتل بحديث ابن عباس هذا، وتقول: يرويه ابن أبي الزناد، وكان قد اختل آخر عمره، وقد كان شعبة يطعن فيه. وأما المراسيل، فليست عندهم بحجة. واختلفوا متى يصلى على الطفل، فقال مالك: لا يصلى على الطفل حتى يستهل صارخا. وبه قال الشافعي وقال
[ 193 ]
أبو حنيفة: يصلى عليه إذا نفخ فيه الروح، وذلك أنه إذا كان له في بطن أمه أربعة أشهر فأكثر، وبه قال ابن أبي ليلى. وسبب اختلافهم في ذلك: معارضة المطلق للمقيد، وذلك أنه روى الترمذي عن جابر بن عبد الله عن النبي (ص) أنه قال: الطفل لا يصلى عليه، ولا يرث، ولا يورث حتى يستهل صارخا وروي عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث المغيرة بن شعبة أنه قال: الطفل يصلى عليه. فمن ذهب مذهب حديث جابر قال: ذلك عام، وهذا مفسر، فالواجب أن يحمل ذلك العموم على هذا التفسير فيكون معنى حديث المغيرة أن الطفل يصلى عليه إذا استهل صارخا، ومن ذهب مذهب حديث المغيرة قال: معلوم أن المعتبر في الصلاة، هو حكم الاسلام والحياة، والطفل
إذا تحرك، فهو حي، وحكمه حكم المسلمين، وكل مسلم حي إذا مات صلي عليه، فرجحوا هذا العموم على ذلك الخصوص لموضع موافقة القياس له. ومن الناس من قال: لا يصلى على الاطفال أصلا وروى أبو داود: أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصل على ابنه إبراهيم، وهو ابثمانية أشهر وروى فيه: أنه صلى عليه، وهو ابن سبعين ليلة. واختلفوا في الصلاة على الاطفال المسبيين، فذهب مالك في رواية البصريين عنه عقل الاسلام، سواء سبي مع والديه، أو لم يسب معهما وأن حكمه حكم أبويه إلا أن يسلم الاب، فهو عنده تابع له دون الام. ووافقه الشافعي على هذا إلا أنه إن أسلم أحد أبويه فهو عنده تابع لمن أسلم منهما، لا للاب وحده على ما ذهب إليه مالك. وقال أبو حنيفة: يصلى على الاطفال المسبيين، وحكمهم حكم من سباهم وقال الاوزاعي: إذا ملكهم المسلمون صلي عليهم: يعني إذ بيعوا في السبي. قال: وبهذا جرى العمل في الثغر، وبه الفتيا فيه. وأجمعوا على أنه إذا كانوا مع آبائهم، ولم يملكهم مسلم، ولا أسلم أحد أبويهم أن حكمهم حكم آبائهم. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في أطفال المشركين، هل هم من أهل الجنة، أو من أهل النار؟ وذلك أنه جاء في بعض الاثار أنهم من آبائهم أي أن حكمهم حكم آبائهم، ودليل قوله عليه الصلاة والسلام: كل مولود يولد على الفطرة أن حكمهم حكم المؤمنين. وأما من أولى بالتقديم للصلاة على الجنازة؟ فقيل: الولي، وقيل الوالي: فمن قال الوالي شبهه بصلاة الجمعة من حيث هي صلاة جماعة، ومن قال: الولي، شبهها بسائر الحقوق التي الولي أحق بها، مثل مواراته، ودفنه، وأكثر أهل العلم على أن الوالي بها أحق، قال أبو بكر بن المنذر: وقدم الحسين بن علي سعيد بن العاص وهو والي المدينة، ليصلي على الحسن بن علي، وقال: لولا أنها سنة ما تقدمت، قال أبو بكر: وبه أقول. وأكثر العلماء على أنه لا يصلى إلا على الحاضر وقال بعضهم: يصلى على الغائب، لحديث النجاشي والجمهور على أن ذلك خاص بالنجاشي وحده. واختلفوا هل يصلى على بعض الجسد؟ والجمهور
[ 194 ]
على أنه يصلى على أكثره، لتناول اسم الميت له، ومن قال: إنه يصلى على أقله، قال: لان حرمة البعض كحرمة الكل، لا سيما إن كان ذلك البعض محل الحياة، وكان ممن يجيز الصلاة على الغائب. الفصل الثالث في وقت الصلاة على الجنازة واختلفوا في الوقت الذي تجوز فيه الصلاة على الجنازة، فقا قوم: لا يصلى عليها في الاوقات الثلاثة التي ورد النهي عن الصلاة فيها، وهي وقت الغروب والطلوع وزوال الشمس على ظاهر حديث عقبة بن عامر ثلاث ساعات كان رسول الله (ص) ينهانا أن نصلي فيها، وأن نقبر موتانا الحديث، وقال قوم: لا يصلى في الغروب والطلوع فقط، ويصلى بعد العصر ما لم تصفر الشمس، وبعد الصبح ما لم يكن الاسفار. وقال قوم: لا يصلى على الجنازة في الاوقات الخمسة التي ورد النهي عن الصلاة فيها وبه قال عطاء، والنخعي، وغيرهم، وهو قياس قول أبي حنيفة. وقال الشافعي: يصلى على الجنازة في كل وقت، لان النهي عنده إنما هو خارج على النوافل، لا على السنن على ما تقدم. الفصل الرابع: في مواضع الصلاة واختلفوا في الصلاة على الجنازة في المسجد، فأجازها العلماء وكرهها بعضهم منهم أبو حنيفة وبعض أصحاب مالك، وقد روي كراهية ذلك عن مالك وتحقيقه إذا كانت الجنازة خارج المسجد، والناس في المسجد. وسبب الخلاف في ذلك: حديث عائشة، وحديث أبي هريرة. أما حديث عائشة فما رواه مالك من أنها أمرت أن يمر عليها بسعد بن ابي وقاص في المسجد حين مات، لتدعو له، فأنكر الناس عليها ذلك، فقالت عائشة: ما أسرع ما نسي الناس. ما صلى رسول الله (ص) على سهل بن بيضاء إلا في المسجد. وأما حديث أبي هريرة، فهو أن رسول الله (ص) قال: من صلى على جنازة في المسجد فلا شئ له وحديث عائشة ثابت وحديث أبي هريرة غير ثابت أو غير متفق على ثبوته، ولكن آنكار الصحابة على عائشة يدل على اشتهار العمل بخلاف ذلك عندهم،
ويشهد لذلك بروزه (ص) للمصلى لصلاته على النجاشي. وقد زعم بعضهم أن سبب المنع في ذلك هو أن ميت بني آدم ميتة، وفيه ضعف، لان حكم الميتة شرعي ولا يثبت لابن آدم حكم الميتة إلا بدليل. وكره بعضهم الصلاة على الجنائز في المقابر، للنهي الوارد عن الصلاة فيها وأجازها الاكثر لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: جعلت لي الارض مسجدا وطهورا. الفصل الخامس: في شروط الصلاة على الجنازة واتفق الاكثر على أن من شرطها الطهارة كما اتفق جميعهم على أن من شرطها
[ 195 ]
القبلة، واختلفوا في جواز التيمم لها إذا خيف فواتها، فقال قوم: يتيمم ويصلي لها، إذا خاف الفوات، وبه قال أبو حنيفة وسفيان والاوزاعي وجماعة. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يصلي عليها بتيمم. وسبب اختلافهم قياسها في ذلك على الصلاة المفروضة فمن شبهها بها أجاز التيمم، أعني من شبه ذهاب الوقت بفوات الصلاعلى الجنازة، ومن لم يشبهها بها لم يجز التيمم لانها عتده من فروض الكفاية أمن سنن الكفاية على اختلافهم في ذلك، وشذ قوم فقالوا: يجوز أن يصلى على الجنازة بغير طهارة، وهو قول الشعبي، وهؤلاء ظنوا أن اسم الصلاة لا يتناول صلاة الجنازة، وإنما يتناولها اسم الدعاء، إذ كان ليس فيها ركوع ولا سجود. الباب السادس: في الدفن وأجمعوا على وجوب الدفن، والاصل فيه قوله تعالى: * (ألم نجعل الارض كفاتا أحياء وأمواتا) * وقوله: * (فبعث الله غرابا يبحث في الارض) * وكره مالك والشافعي تجصيص القبور وأجاز ذلك أبو حنيفة، وكذلك كره قوم القعود عليها وقوم أجازوا ذلك وتأولوا النهي عن ذلك أنه القعود عليها لحاجة الانسان. والاثار الواردة في النهي عن ذلك منها حديث جابر بن عبد الله قال: نهى رسول الله (ص) عن تجصيص
القبور، والكتابة عليها، والجلوس عليها، والبناء عليها ومنها حديث عمرو بن حزم قال: رآني رسول الله (ص) على قبر، فقال: انزل عن القبر، لا تؤذي صاحب القبر، ولا يؤذيك. واحتج من أجاز القعود على القبر بما روي عن زيد بن ثابت أنه قال: إنما نهى رسول الله (ص) عن الجلوس على القبر لحدث أو غائط، أو بول قالوا: ويؤيد ذلك ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): من جلس على قبر يبول. أو يتغوط، فكأنما جلس على جمرة من نار. وإلى ذلك ذهب مالك، وأبو حنيفة، والشافعي.
[ 196 ]
كتاب الزكاة والكلام المحيط بهذه العبادة بعد معرفة وجوبها ينحصر في خمس جمل: الجمله الاولى: في معرفة من تجب عليه. الثانية: في معرفة ما تجب فيه من الاموال. الثالثة: في معرفة كم تجب، ومن كم تجب. الرابعة: في معرفة متى تجب، ومتى ولا تجب. الخامسة: معرفة لمن تجب، وكم يجب له. فأما معرفة وجوبها فمعلو من الكتاب والسنة، والاجماع، ولا خلاف في ذلك. الجملة الاولى وأما على من تجب، فإنهم اتفقوا على كل مسلم حر بالغ عاقل مالك للنصاب ملكا تاما. واختلفوا فوجوبها على اليتيم، والمجنون، والعبيد، وأهل الذمة، والناقص الملك، مثل الذي عليه دين، أو له دين، ومثال المال المحبس الاصل. فأما الصغار، فإن قوما قالوا: تجب الزكاة في أموالهم، وبه قال علي وابن عمر، وجابر، وعائشة من الصحابة، ومالك، والشافعي، والثوري، وأحمد، وإسحق، وأبو ثور، وغيرهم من فقهاء الامصار. وقال قوم: ليس في مال اليتيم صدقة أصلا، وبه قال النخعي، والحسن وسعيد بن جبير من التابعين. وفرق قوم بين ما تخرج الارض، وبين ما لا تخرجه فقالوا: عليه الزكاة فيما تخرجه الارض، وليس عليه زكاة فيما عدا ذلك من الماشية، والناض، والعروض وغير ذلك، وهو أبو حنيفة، وأصحابه وفرق آخرون بين الناض، وغيره، فقالوا: عليه الزكاة إلا في الناض. وسبب اختلافهم في إيجاب الزكاة،
أو لا إيجابها: هو اختلافهم في مفهوم الزكاة الشرعية. هل هي عبادة، كالصلاة والصيام؟ أم هي حق واجب للفقراء على الاغنياء؟ فمن قال: إنها عبادة، اشترط فيها البلوغ، ومن قال: إنها حق واجب للفقراء والمساكين في أموال الاغنياء، لم يعتبر ذلك بلوغا من غيره. وأما من فرق بين ما تخرجه الارض، أو لا تخرجه: وبين الخفي، والظاهر، فلا أعلم له مستندا في هذا الوقت،
[ 197 ]
وأما أهل الذمة، فإن الاكثر على ألا زكاة على جميعهم، إلا ما روت طائفة من تضعيف الزكاة على نصارى بني تغلب، أعني أن يؤخذ منهم مثلا ما يؤخذ من المسلمين في كل شئ، وممن قال بهذا القول: الشافعي وأبو حنيفة، وأحمد، والثوري وليس عن مالك في ذلك قول. وإنما صار هؤلاء لهذا لانه أثبت أنه فعل عمر بن الخطاب بهم وكأنه رأوا أن مثل هذا، هو توقيف ولكن الاصول تعارضه. وأما العبيد، فإن الناس فيهم على ثلاثة مذاهب: فقوم قالوا: لا زكاة في أموالهم أصلا، وهو قول ابن عمر، وجابر من الصحابة، ومالك، وأحمد، وأبي عبيد من الفقهاء. وقال آخرون: بل زكاة مال العبد على سيده، وبه قال الشافعي فيما حكاه ابن المنذر، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه وأوجبت طائفة أخرى على العبد في ماله الزكاة، وهو مروي عن ابن عمر من الصحابة، وبه قال عطاء من التابعين وأبو ثور من الفقهاء، وأهل الظاهر وبعضهم. وجمهور من قال: لا زكاة في مال العبد هم على ألا زكاة في مال المكاتب حتى يعتق وقال أبو ثور: في مال المكاتب زكاة. وسبب اختلافهم في زكاة مال العبد: اختلافهم في هل يملك العبد ملكا تاما، أو غير تام؟ فمن رأى أنه لا يملك ملكا تاما، وأن السيد هو المالك، إذا كان لا يخلو مال من مالك، قال: الزكاة على السيد، ومن رأى أنه لواحد منهما يملكه ملكا تاما، لا السيد، إذا كانت يد العبد، هي التي عليه لا يد السيد، ولا العبد أيضا، لان للسيد انتزاعه منه، قال: لا زكاة في ماله أصلا. ومن رأى أن اليد على المال توجب الزكاة فيه لمكان تصرفها فيه تشبيها بتصرف يد الحر، قال: الزكاة عليه، لا سيما من كان عنده أن الخطاب العام يتناول الاحرار والعبيد، وأن الزكاة عبادة تتعلق بالمكلف لتصرف اليد في المال. وأما المالكون الذين عليهم الديون التي تستغرق
أموالهم أو تستغرق ما تجب فيه الزكاة من أموالهم، وبأيديهم أموال تجب فيها الزكاة، فإنهم اختلفوا في ذلك فقال قوم: لا زكاة في مال، حبا كان، أو غيره حتى تخرج منه الديون. فإن بقي ما تجب فيه الزكاة، زكي، وإلا فلا، وبه قال الثوري، وأبو ثور، وابن المبارك وجماعة، وقال أبو حنيفة، وأصحابه: الدين لا يمنع زكاة الحبوب، ويمنع ما سواها، وقال مالك: الدين يمنع زكاة الناض فقط، ألا أن يكون له عروض فيها وفاء من دينه، فإنه لا يمنع وقال قوم: بمقابل القول الاول وهو أن الدين لا يمنع زكاة أصلا. والسبب في اختلافهم: اختلافهم هل الزكاة عبادة؟ أو حق مرتب في المال للمساكين؟ فمن رأى أنها حق لهم قال: لا زكاة في مال من عليه الدين لان حق صاحب الدين متقدم بالزمان على حق المساكين، وهو في الحقيقة مال صاحب الدين لا الذي المال بيده. ومن قال هي عبادة قال: تجب على من بيده مال لان ذلك هو شرط التكليف، وعلامته المقتضية الوجوب على المكلف سواء كان عليه دين، أو لم يكن، وأيضا، فإنه قد تعارض هنالك حقان: حق لله، وحق للآدمي، وحق الله أحق أن يقضى، والاشبه بغرض الشرع إسقاط الزكاة عن المديان لقوله عليه الصلاة والسلام: فيها صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم والمدين ليس بغني. وأما من فرق بين الحبوب، وغير
[ 198 ]
الحبوب: وبين الناض، وغير الناض، فلا أعلم له شبهة بينة، وقد كان أبو عبيد يقول: إنه إن كان لا يعلم أن عليه دينا، إلا بقوله لم يصدق وإن علم أن عليه دينا لم يؤخذ منه وهذا ليس خلافا لمن يقول بإسقاط الدين الزكاة، وإنما هو خلاف لمن يقول: يصدق في الدين، كما يصدق في المال. وأما المال الذي هو في الذمة، أعني ذمة الغير، وليس هو بيد المالك، وهو الدين، فإنهم اختلفوا فيه أيضا: فقوم قالوا: لا زكاة فيه، وإن قبض حتى يستكمل شرط الزكاة عند القابض له، وهو الحول، وهو أحد قولي الشافعي وبه قال الليث، أو هو قياس قوله، وقوم قالوا: إذا قبضه زكاه لما مضى من السنين وقال مالك: يزكيه لحول واحد، وإن قام عند المديان سنين، إذا كان أصله عن عوض. وأما إذا كان عن غير عوض مثل الميراث، فإنه يستقبل
به الحول، وفي المذهب تفصيل في ذلك. ومن هذا الباب اختلافهم في زكاة الثمار المحبسة الاصول، وفي زكاة الارض المستأجرة: على من تجب زكاة ما يخرج منها، هل على صاحب الارض أو صاحب الزرع؟ ومن ذلك اختلافهم في أرض الخراج، إذا انتقلت من أهل الخراج إلى المسلمين، وهم أهل العشر. وفي الارض العشر، وهي أرض المسلمين، إذا انتقلت إلى الخراج، أعني أهل الذمة، وذلك أنه يشبه أن يكون سبب الخلاف في هذا كله أنها أملاك ناقصة. أما المسألة الاولى: وهي زكاة الثمار المحبسة الاصول، فإن مالكا، والشافعي كانا يوجبان فيها الزكاة وكان مكحول، وطاووس يقولان: لا زكاة فيها وفرق قوم بين أن تكون محبسة على المساكين، وبين أن تكون على قوم بأعيانهم، فأوجبوا فيها الصدقة إذا كانت على قوم بأعيانهم، ولم يوجبوا فيها الصدقة، إذا كانت على المساكين. ولا معنى لمن أوجبها على المساكين، لانه يجتمع في ذلك شيئان اثنان: أحدهما: أنها ملك ناقص. والثانية: أنها على قوم غير معينين من الصنف الذين تصرف إليهم الصدقة لا من الذين تجب عليهم. وأما المسألة الثانية: وهي الارض المستأجرة على متجب زكاة ما تخرجه، فإن قوما قالوا: الزكاة على صاحب الزرع. وبه قال مالك، والشافعي، والثوري، وابن المبارك وأبو ثور، وجماعة وقال أبو حنيفة، وأصحابه: الزكاة على رب الارض، وليس على المستأجر منه شئ. والسبب في اختلافهم: هل العشر حق الارض، أو حق الزرع، أو حق مجموعهما؟ إلا أنه لم يقل أحد إنه حق لمجموعهما، وهو في الحقيقة حق مجموعهما، فلما كان عندهم أنه حق لاحد الامرين، اختلفوا في أيهما هو أولى أن ينسب إلى الموضع الذي فيه الاتفاق، وهو كون الزرع، والارض لمالك واحد، فذهب الجمهور إلى أنه للشئ الذي تجب فيه الزكاة، وهو الحب، وذهب أبو حنيفة إلى أنه للشئ الذي هو أصل الوجوب، وهو الارض. وأما اختلافهم في أرض الخراج، إذا انتقلت إلى المسلمين هل فيها عشر مع الخراج أم ليس فيها عشر؟ فإن الجمهور على أن فيها العشر: أعني الزكاة وقال أبو
[ 199 ]
حنيفة وأصحابه: ليس فيها عشر. وسبب اختلافهم: كما قلنا هل الزكاة حق الارض، أو حق الحب؟ فإن قلنا: إنه حق الارض، لم يجتمع فيها حقان: وهما العشر، والخراج وإن قلنا: الزكاة حق الحب، كان الخراج حق الارض، والزكاة حق الحب، وإنما يجئ هذا الخلاف فيها، لانها ملك ناقص كما قلنا، ولذلك اختلف العلماء في جواز بيع أرض الخراج. وأما إذا انتقلت أرض العشر إلى الذمي يزرعها، فإن الجمهور على أنه ليس فيها شئ. وقال النعمان: إذا اشترى الذمي أرض عشر تحولت أرض خراج فكأنه رأى أن العشر هو حق أرض المسلمين، والخراج هو حق أرض الذميين، لكن كان يجب على هذا الاصل، إذا انتقلت أرض الخراج إلى المسلمين أن تعود أرض عشر، كما أن عنده إذا انتقلت أرض العشر إلى الذمي، عادت أرض خراج. ويتعلق بالمالك مسائل أليق المواضع بذكرها هو هذا الباب: أحدها: إذا أخرج المرء الزكاة، فضاعت. والثانية: إذا أمكن إخراجها، فهلك بعض المال قبل الاخراج. والثالثة: إذا مات، وعليه زكاة. والرابعة: إذا باع الزرع، أو الثمر، وقد وجبت فيه الزكاة على من الزكاة؟ وكذلك إذا وهبه. فأما المسألة الاولى: وهي إذا أخرج الزكاة، فضاعت، فإن قوما قالوا: تجزئ عنه، وقوم قالوا: هو لها ضامن حتى يضعها موضعها، وقوم فرقوا بين أن يخرجها بعد أن أمكنه إخراجها، وبين أن يخرجها أول زمان الوجوب والامكان فقال بعضهم: إن أخرجها بعد أيام من الامكان والوجوب، ضمن، وإن أخرجها في أول الوجوب، ولم يقع منه تفريط، لم يضمن، وهو مشهور مذهب مالك وقول قالوا: إن فرط ضمن، وإن لم يفرط زكى ما بقي، وبه قال أبو ثور والشافعي وقال قوم: بل يعد الذاهب من الجميع، ويبقى المساكين ورب المال شريكين في الباقي بقدر حظهما من حظ رب المال مثل الشريكين يذهب بعض المال المشترك بينهما، ويبقيان شريكين على تلك النسبة في الباقي. فيتحصل في المسألة خمسة أقوال: 1 - قول: إنه لا يضمن بإطلاق. 2 - وقول: إنه يضمن بإطلاق. 3 - وقول: إن فرط، ضمن،
وإن لم يفرط، لم يضمن. 4 - وقول: إن فرط، ضمن وإن لم يفرظ زكى ما بقي. والقول الخامس: يكونان شريكين في الباقي. وأما المسألة الثانية: إذا ذهب بعض المال بعد الوجوب، وقبل تمكن إخراج الزكاة فقوم قالوا، يزكى ما بقي وقوم قالوا: حال المساكين، وحال رب المال، حال الشريكين، يضيع بعض مالهما. والسبب في اختلافهم: تشبيه الزكاة بالديون، أعني أن يتعلق الحق فيها بالذمة لا بعين المال، أو تشبيهها بالحقوق التي تتعلق بعين المال، لا بذمة الذي يده على المال، كالامناء، وغيرهم، فمن شبه مالكي الزكاة بالامناء قال: إذا أخرج. فهلك المخرج، فلا شئ عليه، ومن شبههم بالغرماء قال: يضمنون ومن فرق بين التفريط، واللاتفريط، ألحقهم بالامناء من جميع الوجوه، إذ كان الامين يضمن إذا فرط. وأما من قال:
[ 200 ]
إذا لم يفرط زكى ما بقي، فإنه شبه من هلك بعض ماله بعد الاخراج بمن ذهب بعض ماله قبل وجود الزكاة فيه، كما أنه إذا وجبت الزكاة عليه، فإنما يزكي الموجود فقط، كذلك هذا إنما يزكي الموجود من ماله فقط. وسبب الاختلاف: هو تردد شبه المالك بين الغريم، والامين، والشريك، ومن هلك بعض ماله قبل الوجوب. وأما إذا وجبت الزكاة، وتمكن من الاخراج فلم يخرج حتى ذهب بعض المال، فإنهم متفقون فيما أحسب أنه ضامن إلا في الماشية عند من رأى أن وجوبها، إنما يتم بشرط خروج الساعي مع الحول وهو مذهب مالك. وأما المسألة الثالثة: وهي إذا مات بعد وجو ب الزكاة عليه، فإن قوما قالوا: يخرج من رأس ماله، وبه قال الشافعي، وأحمد، وإسحق، وأبو ثور. وقوم قالوا: إن أوصى بها أخرجت عنه من الثلث، وإلا فلا شئ عليه ومن هؤلاء من قال: يبدأ بها إن ضاق الثلث، ومنهم من قال لا يبدأ بها، وعن مالك القولان جميعا، ولكن المشهور أنها بمنزلة الوصية. وأما اختلافهم في الما يباع بعد وجود الصدقة فيه، فإن قوما قالوا: يأخذ المصدق الزكاة من
المال نفسه ويرجع المشتري بقيمته على البائع، وبه قال أبو ثور. وقال قوم: البيع مفسوخ، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: المشتري بالخيار بين إنفاذ البيع، ورده، والعشر مأخوذ من الثمرة، أو من الحب الذي وجبت فيه الزكاة. وقال مالك: الزكاة على البائع. وسبب اختلافهم: تشبيه بيع مال الزكاة بتفويته، وإتلاف عينه، فمن شبهه بذلك قال: الزكاة مترتبة في ذمة المتلف والمفوت، ومن قال: البيع ليس بإتلاف لعين المال، ولا تفويت له، وإنما هو بمنزلة من باع ما ليس له، قال: الزكاة في عين المال، ثم هل البيع مفسوخ، أو غير مفسوخ نظر آخر يذكر في باب البيوع إن شاء الله تعالى. ومن هذا النوع اختلافهم في زكاة المال الموهوب، وفي بعض هذه المسائل التي ذكرنا تفصيل في المذهب لم نر أن نتعرض له إذ كان غير موافق لغرضنا مع أنه يسر فيها إعطاء أسباب تلك الفروق لانها أكثرها استحسانية مثل تفصيلهم الديون التي تزكى من التي لا تزكى، والديون المسقطة للزكاة من التي لا تسقطها. فهذا ما رأينا أن نذكره في هذه الجملة، وهي معرفة من تجب عليه الزكاة، وشروط الملك التي تجب به، وأحكام من تجب عليه. وقد بقي من أحكامه حكم مشهور، وهو ماذا حكم من منع الزكاة، ولم يجحد وجوبها؟ فذهب أبو بكر رضي الله عنه إلى أن حكمه حكم المرتد، وبذلك حكم في مانع الزكاة من العرب، وذلك أنه قاتلهم، وسبى ذريتهم، وخالفه في ذلك عمر رضي الله عنه وأطلق من كان استرق منهم، وبقول عمر قال الجمهور. وذهبت طائفة إلى تكفير من منع فريضة من الفرائض، وإن لم يجحد وجوبها. وسبب اختلافهم: هل اسم الايمان الذي هو ضد الكفر ينطلق على الاعتقاد دون العمل فقط، أو من شرطه وجود العمل معه؟ فمنهم من رأى أن
[ 201 ]
من شرطه وجود العمل معه، ومنهم من لم يشترط ذلك حتى لو لم يلفظ بالشهادة، إذا صدق بها، فحكمه حكم المؤمن عند الله. والجمهور، وهم أهل السنة على أنه ليس يشترط فيه، أعني في اعتقاد الايمان الذي ضده الكفر من الاعمال إلا التلفظ بالشهادة فقط،
لقوله (ص) أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي. فاشترط مع العلم القول، وهو عمل من الاعمال، فمن شبه سائر الافعال الواجبة بالقول، قال: جميع الاعمال المفروضة شرط في العلم الذي هو الايمان، ومن شبه القول بسائر الاعمال التي اتفق الجمهور على أنها ليست شرطا في العلم الذي هو الايمان قال: التصديق فقط هو شرط الايمان، وبه يكون حكمه عند الله تعالى حكم المؤمن. والقولان شاذان، واستثناء التلفظ بالشهادتين من سائر الاعمال، هو الذي عليه الجمهور. الجملة الثانية وأما ما تجب فيه الزكاة من الاموال، فإنهم اتفقوا منها على أشياء، واختلفوا في أشياء. أما ما اتفقوا عليه، فصنفان من المعدن: الذهب، والفضة اللتين ليستا بحلي، وثلاثة أصناف من الحيوان الابل، والبقر، والغنم. وصنفان من الحبوب: الحنطة، والشعير، وصنفان من الثمر: التمر والزبيب، وفي الزيت خلاف شاذ. والذي اختلفوا فيه من الذهب، هو الحلي فقط: وذلك أنه ذهب فقهاء الحجاز: مالك، والليث، والشافعي إلى أنه لا زكاة فيه، إذا أريد للزينة واللباس وقال أبو حنيفة وأصحابه فيه الزكاة. والسبب في اختلافهم: تردد شبه بين العروض، وبين التبر، والفضة اللتين المقصود منهما المعاملة في جميع الاشياء، شبهه بالتبر والفضة، فمن شبهه بالعروض التي المقصود منها المنافع أولا، قال: ليس فيه زكاة، ومن شبهه بالتبر، والفضة التي المقصود فيها المعاملة بها أولا، قال: فيه الزكاة. ولاختلافهم أيضا سبب آخر: وهو اختلاف الآثار في ذلك، وذلك أنه روى جابر عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ليس في الحلي زكاة وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن امرأة أتت إلى رسول الله (ص)، ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسك من ذهب فقال لها: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ فخلعتهما، وألقتهما إلى النبي (ص)، وقالت: هما لله ولرسوله والاثران ضعيفان، وبخاصة حديث جابر، ولكون السبب الا ملك، لاختلافهم تردد الحلي المتخذ للباس بين التبر، والفضة اللذين المقصود منهما أولا المعاملة، لا الانتفاع وبين العروض
المقصود منها التي بالوضع الاول خلاف المقصود من التبر والفضة، أعني الانتفاع بها، لا المعاملة، وأعني بالمعاملة كونها ثمنا. واختلف قول مالك في الحلي المتخذ للكراء، فمرة شبهه بالحلي المتخذ من اللباس، ومرة شبهه بالتبر المتخذ للمعاملة. وأما ما اختلفوا فيه من الحيوان: فمنه ما اختلفوا في نوعه، ومنه ما اختلفوا في صنفه. أما ما اختلفوا في نوعه: فالخيل، وذلك أن الجمهور على أن لا زكاة في الخيل، فذهب أبو حنيفة
[ 202 ]
إلى أنها إذا كانت سائمة، وقصد بها النسل أن فيها الزكاة، أعني إذا كانت ذكرانا، وإناثا. والسبب في اختلافهم: معارضة القياس للفظ، وما يظن من معارضة اللفظ للفظ فيها. أما اللفظ الذي يقتضي أن لا زكاة فيها، فقوله عليه الصلاة والسلام ليس على المسلم في عبده، ولا في فرسه صدقة وأما القياس الذي عارض هذا العموم، فهو أن الخيل السائمة حيوان مقصود به النماء، والنسل، فأشبه الابل، والبقر. وأما اللفظ الذي يظن أنه معارض لذلك العموم، فهو قوله عليه الصلاة والسلام وقد ذكر الخيل ولم ينس حق الله في رقابها، ولا ظهورها فذهب أبو حنيفة إلى أن حق الله هو الزكاة، وذلك في السائمة منها. قال القاضي: وأن يكون هذا اللفظ مجملا أحرى منه أن يكون عاما، فيحتج به في الزكاة. وخالف أبا حنيفة في هذه المسألة صاحباه أبو يوسف، ومحمد. وصح عن عمر رضي الله عنه أنه كان يأخذ منها الصدقة فقيل إنه كان باختيار منهم. وأما ما اختلفوا في صنفه، فهي السائمة من الابل، والبقر، والغنم من غير السائمة منها، فإن قوما أوجبوا الزكاة في هذه الاصناف الثلاثة سائمة كانت، أو غير سائمة، وبه قال الليث، ومالك. وقال سائر فقهاء الامصار: لا زكاة في غير السائمة من هذه الانواع الثلاثة. وسبب اختلافهم: معارضة المطلق للمقيد، ومعارضة القياس لعموم اللفظ أما المطلق، فقوله عليه الصلاة والسلام: في أربعين شاة شاة وأما المقيد، فقوله عليه الصلاة والسلام في سائمة الغنم الزكاة. فمن غلب المطلق على المقيد، قال: الزكاة في السائمة، وغير السائمة، ومن غلب المقيد، قال: الزكاة في السائمة منها فقط، ويشبه أن يقال: إن من سبب الخلاف في
ذلك أيضا معارضة دليل الخطاب للعموم، وذلك أن دليل الخطاب في قوله عليه الصلاة والسلام في سائمة الغنم الزكاة يقتضي أن لا زكاة في غير السائمة، وعموم قوله عليه الصلاة والسلام في كل أربعين شاة شاة يقتضي أن السائمة في هذا بمنزلة غير السائمة، لكن العموم أقوى من دليل الخطاب، كما أن تغليب المقيد على المطلق أشهر من تغليب المطلق على المقيد. وذهب أبو محمد بن حزم إلى أن المطلق يقضي على المقيد، وأن في الغنم سائمة، وغير سائمة الزكاة، وكذلك في الابل لقوله عليه الصلاة والسلام ليس فيما دون خمس ذود من الابل صدقة وأن البقر لما لم يثبت فيها أثر، وجب أن يتمسك فيها بالاجماع، وهو أن الزكاة في السائمة منها فقط فتكون التفرقة بين البقر، وغيرها قولا ثالثا. وأما القياس المعارض لعموم قوله عليه الصلاة والسلام فيها: في أربعين شاة شاة فهو أن السائمة هي التي المقصود منها النماء والربح، وهو الموجود فيها أكثر ذلك، والزكاة إنما هي فضلات الاموال، والفضلات إنما توجد أكثر ذلك في الاموال السائمة، ولذلك اشترط فيها الحول. فمن خصص بهذا القياس ذلك العموم لم يوجب الزكاة في غير السائمة، ومن لم يخصص ذلك، ورأى أن العموم أقوى، أوجب ذلك في الصنفين جميعا. فهذا هو ما اختلفوا فيه من الحيوان التي تجب فيه الزكاة. وأجمعوا: على أنه ليس فيما يخرج من الحيوان زكاة إلا العسل، فإنهم اختلفوا فيه، فالجمهور
[ 203 ]
على أنه لا زكاة فيه. وقال قوم: فيه الزكاة. وسبب اختلافهم: اختلافهم في تصحيح الاثر الوارد في ذلك، وهو قوله عليه الصلاة والسلام في كل عشرة أزق زق خرجه الترمذي وغيره. وأما ما اختلفوا فيه من النبات بعد اتفاقهم على الاصناف الاربعة التي ذكرناها فهو: جنس النبات الذي تجب فيه الزكاة، فمنهم من لم ير الزكاة إلا في تلك الاربع فقط، وبه قال ابن أبي ليلى، وسفيان الثوري، وابن المبارك ومنهم من قال الزكاة في جميع المدخر المقتات من النبات، وهو قول مالك والشافعي ومنهم من قال: الزكاة في كل ما تخرجه الارض ما عدا
الحشيش، والحطب، والقصب، وهو أبو حنيفة. وسبب الخلاف: إما بين من قصر الزكاة على الاصناف المجمع عليها وبين من عداها إلى المدخر المقتات، فهو اختلافهم في تعلق الزكاة بهذه الاصناف الاربعة، هل هو لعينها، أو لعلة فيها، وهي الاقتيات فمن قال: لعينها، قصر الوجوب عليها، ومن قال: لعلة الاقتيات عدى الوجوب لجميع المقتات. وسبب الخلاف: بين من قصر الوجوب على المقتات، وبين من عداه إلى جميع ما تخرجه الارض - إلا ما وقع عليه الاجماع من الحشيش، والحطب والقصب - هو معارضة القياس لعموم اللفظ. أما اللفظ الذي يقتضي العموم، فهو قوله عليه الصلاة والسلام فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر وما بمعنى الذي والذي من ألفاظ القوم وقوله تعالى: * (وهو الذي أنشأ جنات معروشات) * الآية إلى وأما القياس: فهو أن الزكاة إنما المقصود منها قوله: * (وآتوا حقه يوم حصاده) * سد الخلة، وذلك لا يكون غالبا إلا فيما هو قوت. فمن خصص العموم بهذا القياس، أسقط الزكاة مما عدا المقتا ت، ومن غلب العموم، أوجبها فيما عدا ذلك، إلا ما أخرجه الاجماع، والذين اتفقو على المقتات، اختلفوا في أشياء من قبل اختلافهم فيها هل هي مقتاتة، أم ليست بمقتاتة؟ وهل يقاس على ما اتفق عليه، أو ليس يقاس؟ مثل اختلاف مالك، والشافعي في الزيتون، فإن مالكا ذهب إلى وجوب الزكاة فيه، ومنع ذلك الشافعي في قوله الاخير بمصر. وسبب اختلافهم: هل هو قوت، أم ليس بقوت؟. ومن هذا الباب اختلاف أصحاب مالك في إيجاب الزكاة في التين، أو لا إيجابها. وذهب بعضهم: إلى أن الزكاة تجب في الثمار دون الخضر، وهو قول ابن حبيب لقوله سبحانه: * (وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات) * الآية ومن فرق في الآية بين الثمار والزيتون. فلا وجه لقوله، إلا وجه ضعيف. واتفقوا على ألا زكاة في العروض التي لم يقصد بها التجارة، واختلفوا في إيجاب الزكاة فيما اتخذ منها للتجارة، فذهب فقهاء الامصار إلى وجوب ذلك ومنع ذلك أهل الظاهر. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في وجوب الزكاة بالقياس، واختلافهم في تصحيح حديث سمرة بن
[ 204 ]
جندب أنه قال: كان رسول الله (ص) يأمرنا أن نخرج الزكاة مما نعده للبيع وفيما روي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: أد زكاة البر. وأما القياس الذي اعتمده الجمهور، فهو أن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية، فأشبه الاجناس الثلاثة التي فيها الزكاة باتفاق، أعني الحرث، والماشية، والذهب، والفضة. وزعم الطحاوي أن زكاة العروض ثابتة عن عمر، وابن عمر، ولا مخالف لهما من الصحابة. وبعضهم يرى أن مثل هذا هو إجماع من الصحابة، أعني إذا نقل عن واحد منهم قول، ولم ينقل عن غيره خلافه، وفيه ضعف. الجملة الثالثة وأما معرفة النصاب في واحد واحد من هذه الاموال المزكاة، وهو المقدار الذي فيه تجب الزكاة فيما له منها نصاب، ومعرفة الواجب من ذلك أعني في عينه، وقدره، فإنا نذكر من ذلك ما اتفقوا عليه، واختلفوا فيه في جنس جنس من هذه الاجناس المتفق عليها، والمختلف فيها عند الذين اتفقوا عليه، ولنجعل هذا الكلام في ذلك في فصول: الفصل الاول: في الذهب، والفضة. الثاني: في الابل. الثالث: في الغنم. الرابع: في البقر. الخامس: في النبات. السادس: في العروض. الفصل الاول: في الذهب والفضة أما المقدار الذي تجب فيه الزكاة من الفضة، فإنهم اتفقوا على أنه خمس أواق لقوله عليه الصلاة والسلام الثابت ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة ما عدا المعدن من الفضة، فإنهم اختلفوا في اشتراط النصاب منه، وفي المقدار الواجب فيه، فإنهم اتفقوا على أن الواجب في ذلك هو ربع العشر: أعني في الفضة، والذهب معا ما لم يكونا خرجا من معدن. واختلفوا من هذا الباب في مواضع خمسة: أحدها: في نصاب الذهب. والثاني: هل فيهما أوقاص أم لا؟ أعني هل فوق النصاب قدر لا تزيد الزكاة بزيادته؟ والثالث: هل يضم بعضها إلى بعض في الزكاة، فيعدان كصنف واحد؟ أعني عند إقامة النصاب، أم هما صنفان مختلفان؟ والرابع: هل من شرط النصاب أن يكون المالك واحدا لا اثنين؟ الخامس: في اعتبار نصاب المعدن، وحوله، وقدر الواجب فيه.
أما المسألة الاولى: وهي اختلافهم في نصاب الذهب، فإن أكثر العلماء على أن الزكاة تجب في عشرين دينارا وزنا، كما تجب في مائتي درهم، هذا مذهب مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأصحابهم، وأحمد، وجماعة فقها الامصار. وقالت طائفة منهم الحسن بن أبي الحسن البصري، وأكثر أصحاب داود بعلي: ليس في الذهب شئ حتى يبلغ أربعين دينارا، ففيها ربع عشرها دينار واحد. وقالت طائفة ثالثة: ليس في الذهب زكاة حتى يبلغ صرفها مائتي درهم، أو قيمتها فإذا بلغت، ففيها ربع عشرها، كان وزن ذلك من الذهب عشرين دينارا، أو أقل، أو أكثر، هذا فيما كان منها دون الاربعين دينارا، فإذا بلغت أربعين دينارا كان
[ 205 ]
الاعتبار بها نفسه، لا بالدراهم، لا صرفا ولا قيمة. وسبب اختلافهم في نصاب الذهب: أنه لم يثبت في ذلك شئ عن النبي (ص)، كما ثبت ذلك في نصاب الفضة. وما روي عن الحسن بن عمارة من حديث علي أنه عليه الصلاة والسلام قال: هاتوا زكاة الذهب من كل عشرين دينارا نصف دينار فليس عند الاكثر مما يجب العمل به لانفراد الحسن بن عمارة به. فمن لم يصح عنده هذا الحديث اعتمد في ذلك على الاجماع، وهو اتفاقهم على وجوبها في الاربعين. وأما مالك، فاعتمد في ذلك على العمل، ولذلك قال في الموطأ: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارا، كما تجب في مائتي درهم. وأما الذين جعلوا الزكاة فيما دون الاربعين تبعا للدراهم فإنه لما كان عندهم من جنس واحد، جعلوا الفضة هي الاصل، إذ كان النص قد ثبت فيها، وجعلوا الذهب تابعا لها في القيمة، لا في الوزن وذلك فيما دون موضع الاجماع، ولما قيل أيضا إن الرقة اسم يتناول الذهب والفضة، وجاء في بعض الآثار: ليس فيما دون خمس أواق من الرقة صدقة. المسألة الثانية: وأما اختلافهم فيما زاد على النصاب فيها، فإن الجمهور قالوا: إن ما زاد على مائتي درهم من الوزن، ففيه بحساب ذلك، أعني ربع العشر، وممن قال بهذا
القول: مالك، والشافعي، وأبو يوسف، ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وأحمد بن حنبل، وجماعة. وقالت طائفة من أهل العلم أكثرهم أهل العراق: لا شئ فيما زاد على المائتي درهم حتى تبلغ الزيادة أربعين درهما، فإذا بلغتها كان فيها ربع عشرها وذلك درهم، وبهذا القول قال أبو حنيفة، وزفر، وطائفة من أصحابهما. وسبب اختلافهم: اختلافهم في تصحيح حديث الحسن بن عمارة، ومعارضة دليل الخطاب له، وترددهما بين أصلين في هذا الباب مختلفين في هذا الحكم. وهي الماشية، والحبوب. أما حديث الحسن بن عمارة، فإنه رواه عن أبي إسحق عن عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي (ص) قال: قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق، فهاتوا من الرقة ربع العشر من كل مائتي درهم خمسة دراهم، ومن كل عشرين دينارا نصف دينار، وليس في مائتي درهم شئ حتى يحول عليها الحول، ففيها خمسة دراهم، فما زاد ففي كل أربعين درهما درهم، وفي كل أربعة دنانير تزيد على العشرين دينارا درهم حتى تبلغ أربعين دينارا، ففي كل أربعين دينار، وفي كل أربعة وعشرين نصف دينار، ودرهم. وأما دليل الخطاب المعارض له: فقوله عليه الصلاة والسلام: ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة ومفهومه أن فيما زاد على ذلك الصدقة، قل، أو كثر. وأما ترددهما بين الاصلين اللذين هما الماشية، والحبوب، فإن النص على الاوقاص ورد في الماشية. وأجمعوا على أنه لا أوقاص في الحبوب، فمن شبه الفضة والذهب بالماشية، قال فيهما الاوقاص، ومن شبههما بالحبوب، قال: لا وقص.
[ 206 ]
وأما المسألة الثالثة: وهي ضم الذهب إلى الفضة في الزكاة، فإن عند مالك، وأبي حنيفة، وجماعة أنها تضم الدراهم إلى الدنانير، فإذا كمل من مجموعهما نصاب وجبت فيه الزكاة. وقال الشافعي وأبو ثور وداود: لا يضم ذهب إلفضة، ولا فضة إلى ذهب. وسبب اختلافهم: هل كل واحد منهما يجب فيها الزكاة لعينه، أم لسبب يعمهما، وهو كونهما كما يقول الفقهاء رؤوس الاموال، وقيم المتلفات؟ فمن رأى أن المعتبر في كل واحد منهما،
هو عينه، ولذلك اختلف النصاب فيهما، قال: هما جنسان لا يضم أحدهما إلى الثاني كالحال في البقر والغنم. ومن رأى أن المعتبر فيهما هو ذلك الامر الجامع الذي قلناه، أوجب ضم بعضهما إلى بعض. ويشبه أن يكون الاظهر اختلاف الاحكام حيث تختلف الاسماء، وتختلف الموجودات أنفسها، وإن كان قد يوهم اتحادهما اتفاق المنافع، وهو الذي اعتمده مالك رحمه الله في هذا الباب، وفي باب الربا. والذين أجازوا ضمهم اختلفوا في صفة الضم، فرأى مالك ضمهما بصرف محدود، وذلك بأن ينزل الدينار بعشرة دراهم على ما كانت عليه قديما، فمن كانت عنده عشرة دنانير ومائة درهم: وجبت عليه فيهما الزكاة عنده، وجاز أن يخرج من الواحد عن الآخر. وقال من هؤلاء آخرون: تضم بالقيمة في وقت الزكاة، فمن كانت عنده مثلا مائة درهم وتسعة مثاقيل قيمتها مائة درهم، وجبت عليه فيهما الزكاة، ومن كانت عنده مائة درهم تساوي أحد عشر مثقالا، وتسعة مثاقيل، وجبت عليه أيضا فيهما الزكاة، وممن قال بهذا القول أبو حنيفة وبمثل هذا القول قال الثوري، إلا أنه يراعي الاحوط للمساكين في الضم: أعني القيمة، أو الصرف المحدود. ومنهم من قال: يضم الاقل منها إلى الاكثر، ولا يضم الاكثر إلى الاقل. وقال آخرون: تضم الدنانير بقيمتها أبدا، كانت الدنانير أقل من الدراهم، أو أكثر، ولا تضم الدراهم إلى الدنانير، لان الدراهم أصل والدنانير فرع: إذ كان لم يثبت في الدنانير حديث، ولا إجماع حتى تبلغ أربعين. وقال بعضهم: إذا كان عنده نصاب من أحدهما ضم إليه قليل الآخر، وكثيره ولم ير الضم في تكميل النصاب، إذا لم يكن في واحد منهما نصاب، بل في مجموعهما. وسبب هذا الارتباك: ما راموه من أن يجعلوا من شيئين نصابهما مختلف في الوزن نصابا واحدا. وهذا كله لا معنى له، ولعل من رام ضم أحدهما إلى الآخر، فقد أحدث حكما في الشرع حيث لا حكم، لانه قد قال: بنصاب ليس هو بنصاب ذهب ب، ولا فضة، ويستحيل في عادة التكليف، والامر بالبيان أن يكون في أمثال هذه الاشياء المحتملة حكم مخصوص فيسكت عنه الشارع حتى يكون سكوته سببا لان يعرض فيه من الاختلاف ما
مقداره هذا المقدار، والشارع إنما بعث (ص) لرفع الاختلاف. وأما المسألة الرابعة: فإن عند مالك، وأبي حنيفة أن الشريكين ليس يجب على أحدهما زكاة حتى يكون لكل واحد منهما نصاب وعند الشافعي أن المال المشترك حكمه حكم
[ 207 ]
مال رجل واحد. وسبب اختلافهم: الاجماع الذي في قوله عليه الصلاة والسلام ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة فإن هذا القدر يمكن أن يفهم منه أنه إنما يخصه هذا الحكم، إذا كان لمالك واحد فقط، ويمكن أن يفهم منه أنه يخصه هذا الحكم كان لمالك واحد أو أكثر من مالك واحد، إلا أنه لما كان مفهوم اشتراط النصاب إنما هو الرفق، فواجب أن يكون النصاب من شرطه أن يكون لمالك واحد، وهو الاظهر. والله أعلم. والشافعي كأنه شبه الشركة بالخلطة، ولكن تأثير الخلطة في الزكاة غير متفق عليه على ما سيأتي بعد. وأما المسألة الخامسة: وهي اختلافهم في اعتبار النصاب في المعدن، وقدر الواجب فيه، فإن مالكا، والشافعي راعيا النصاب في المعدن، وإنما الخلاف بينهما أن مالكا لم يشترط الحول، واشترطه الشافعي على ما سنقول بعد في الجملة الرابعة. وكذلك لم يختلف قولهما إن الواجب فيما يخرج منه هو ربع العشر وأما أبو حنيفة فلم ير فيه نصابا، ولا حولا، وقال: الواجب هو الخمس. وسبب الخلاف في ذلك: هل اسم الركاز يتناول المعدن، أم لا يتناوله؟ لانه قال عليه الصلاة والسلام وفي الركاز الخمس. وروى أشهب عن مالك أن المعدن الذي يوجد بغير عمل أنه ركاز، وفيه الخمس. فسبب اختلافهم في هذا هو اختلافهم في دلالة اللفظ، وهو أحد أسباب الاختلافات العامة التي ذكرناها. الفصل الثاني: في نصاب الابل والواجب فيه وأجمع المسلمون على أن في كل خمس من الابل شاة إلى أربع وعشرين، فإذا كانت
خمسا وعشرين، ففيها ابنة مخاض إلى خمسوثلاثين، فإن لم تكن ابنة مخاض، فابن لبون ذكر، فإذا كانت ستا وثلاثين، ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا كانت ستا وأربعين، ففيها حقة إلى ستين فإذا كانت واحدا وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين فإذا كانت ستا وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا كانت واحدا وتسعين، ففيها حقتان إلى عشرين ومائة لثبوت هذا كله في كتاب الصدقة الذي أمر به رسول الله (ص)، وعمل به بعده أبو بكر، وعمر. واختلفوا منها في مواضع: منها فيما زاد على العشرين والمائة، ومنها إذا عدم السن الواجبة عليه، وعنده السن الذي فوقه، أو الذي تحته ما حكمه؟ ومنها هل تجب الزكاة في صغار الابل؟ وإن وجبت فما الواجب؟. فأما المسألة الاولى: وهي اختلافهم فيما زاد على المائة وعشرين، فإن مالكا قال: إذا زادت على عشرين ومائة واحدة، فالمصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون، وإن شاء أخذ حقتين إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة، فيكون فيها حقة، وابنتا لبون. وقال ابن القاسم
[ 208 ]
من أصحابه: بل يأخذ ثلاث بنات لبون من غير خيار إلى أن تبلغ ثمانين ومائة فتكون فيها حقة، وابنتا لبون، وبهذا القول قال الشافعي. وقال عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك: بل يأخذ الساعي حقتين فقط من غير خيار إلى أن تبلغ مائة وثلاثين. وقال الكوفيون أبو حنيفة، وأصحابه والثوري: إذا زادت على عشرين ومائة عادت الفريضة على أولها ومعنى عودها أن يكون عندهم في كل خمس ذود شاة، فإذا كانت الابل مائة وخمسة وعشرين كان فيها حقتان وشاة: الحقتان للمائة والعشرين، والشاة للخمس، فإذا بلغت ثلاثين ومائة. ففيها حقتان، وشاتان فإذا كانت خمسا وثلاثين ففيها حقتان وثلاث شياه إلى أربعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها حقتان وأربع شياه إلى خمس وأربعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها حقتان وابنة مخاض، الحقتان للمائة والعشرين، وابنة المخاض للخمس وعشرين كما كانت في الفرض الاول إلى خمسين ومائة، فإذا بلغتها، ففيها ثلاث حقاق، فإذا زادت على الخمسين
ومائة، استقبل بها الفريضة الاولى إلى أن تبلغ مائتين، فيكون فيها أربع حقاق، ثم يستقبل بها الفريضة. وأما عدا الكوفيين من الفقهاء: فإنهم اتفقوا على أن ما زاد على المائة والثلاثين، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة. وسبب اختلافهم في عودة الفرض: أو لا عودته اختلاف الآثار في هذا الباب، وذلك أنه ثبت في كتاب الصدقة أنه قال عليه الصلاة والسلام: فما زاد على العشرين، ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة وروي من طريق أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كتب كتاب الصدقة، وفيه إذا زادت الابل على مائة وعشرين، استؤنفت الفريضة. فذهب الجمهور إلى ترجيح الحديث الاول إذ هو أثبت. وذهب الكوفيون إلى ترجيح حديث عمرو بن حزم، لانه ثبت عندهم هذا من قول علي، وابن مسعود قالوا: ولا يصح أن يكون مثل هذا إلا توقيفا إذ كان مثل هذا لا يقال بالقياس. وأما سبب اختلاف مالك وأصحابه والشافعي فيما زاد على المائة وعشرين إلى الثلاثين: فلانه لم يستقم لهم حساب الاربعينات، ولا الخمسينات. فمن رأى أن ما بين المائة وعشرين إلى أن يستقيم الحساب وقص قال: ليس فيما زاد على ظاهر الحديث الثابت شئ ظاهر حتى يبلغ مائة وثلاثين، وهو ظاهر الحديث. وأما الشافعي، وابن القاسم، فإنما ذهبا إلى أن فيها ثلاث بنات لبون، لانه قد روي عن ابن شهاب في كتاب الصدقة أنها إذا بلغت إحدى وعشرين ومائة، ففيها ثلاث بنات لبون، فإذا بلغت ثلاثين ومائة، ففيها بنتا لبون وحقة. فسبب اختلاف ابن الماجشون، وابن القاسم هو معارضة ظاهر الاثر الثابت للتفسير الذي في هذا الحديث، فابن الماجشون رجح ظاهر الاثر للاتفاق على ثبوته، وابن القاسم، والشافعي حملا المجمل على المفصل المفسر. وأما تخيير مالك الساعي، فكأنه جمع بين الاثرين. والله أعلم. وأما المسألة الثانية: وهو إذا عدم السن الواجب من الابل الواجبة وعنده السن الذي
[ 209 ]
فوق هذا السن، أو تحته، فإن مالكا قال: يكلف شراء ذلك السن وقال قوم: بل يعطي
السن الذي عنده، وزيادة عشرين درهما، كان السن الذي عنده أحط، أو شاتين، وإن كان أعلى دفع إليه المصدق عشرين درهما، أو شاتين وهذا ثابت في كتاب الصدقة، فلا معنى للمنازعة فيه ولعل مالكا ليبلغه هذا الحديث. وبهذا الحديث قال الشافعي، وأبو ثور. وقال أبو حنيفة: الواجب عليه القيمة، على أصله في إخراج القيم في الزكاة وقال قوم: بل يعطي السن الذي عنده، وما بينهما من القيمة. وأما المسألة الثالثة: وهي هل تجب في صغار الابل، وإن وجبت فماذا يكلف؟ فإن قوما قالوا: تجب فيها الزكاة وقوم قالوا: لا تجب. وسبب اختلافهم: هل يتناول اسم الجنس الصغار، أو لا يتناوله؟ والذين قالوا: لا تجب فيها زكاة هو أبو حنيفة، وجماعة من أهل الكوفة وقد احتجوا بحديث سويد بن غفلة أنه قال: أتانا مصدق النبي عليه الصلاة والسلام، فأتيته، فجلست إليه، فسمعته يقول: إن في عهدي أن لا آخذ من راضع لبن، ولا أجمع بين متفرق، ولا نفرق بين مجتمع. قال: وأتاه رجل بناقة كوماء، فأبى أن يأخذها. والذين أوجبوا الزكاة فيها منهم من قال: يكلف شراء السن الواجبة عليهم، ومنهم من قال: يأخذ منها، وهو الاقيس. وبنحو هذا الاختلاف اختلفوا في صغار البقر، وسخال الغنم. الفصل الثالث: في نصاب البقر، وقدر الواجب في ذلك جمهور العلماء على أن في ثلاثين من البقر تبيعا، وفي أربعين مسنة وقالت طائفة في كل عشر من البقر شاة إلى ثلاثين، ففيها تبيع. وقيل إذا بلغت خمسا وعشرين، ففيها بقرة إلى خمس وسبعين، ففيها بقرتان، إذا جاوزت ذلك، فإذا بلغت مائة وعشرين، ففي كل أربعين بقرة، وهذا عن سعيد بن المسيب. واختلف فقهاء الامصار فيما بين الاربعين والستين: فذهب مالك والشافعي وأحمد، والثوري، وجماعة أن لا شئ فيما زاد على الاربعين حتى تبلغ الستين فإذا بلغت ستين، ففيها تبيعان إلى سبعين، ففيها مسنة وتبيع إلى ثمانين ففيها مسنتان إلى تسعين، ففيها ثلاثة أتبعة إلى مائة، ففيها تبيعان ومسنة، ثم هكذا ما زاد، ففي كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة وسبب اختلافهم في النصاب: أن حديث معاذ غير
متفق على صحته ولذلك لم يخرجه الشيخان. وسبب اختلاف فقهاء الامصار في الوقص في البقر أنه جاء في حديث معاذ هذا أنه توقف في الاوقاص، وقال: حتى أسأل فيها النبي عليه الصلاة والسلام، فلما قدم عليه، وجده قد توفي (ص). فلما لم يرد في ذلك نص طلب حكمه من طريق القياس، فمن قاسها على الابل والغنم لم ير في الاوقاص شيئا، ومن قال: إن الاصل في الاوقاص الزكاة إلا ما استثناه الدليل من ذلك، وجب أن لا يكون عنده في البقر وقص، إذ لا دليل هنالك من إجماع، ولا غيره.
[ 210 ]
الفصل الرابع: في نصاب الغنم وقدر الواجب من ذلك وأجمعوا من هذا الباب على أن في سائمة الغنم إذا بلغت أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على العشرين ومائة، ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت على المائتين، فثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت على الثلاثمائة، ففي كل مائة شاة، وذلك عند الجمهور إلا الحسن بن صالح فإنه قال: إذا كانت الغنم ثلاثمائة شاة وشاة واحدة أن فيها أربع شياه، وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة، ففيها خمس شياه، وروى قوله هذا عن منصور عن إبراهيم، والآثار الثابتة المرفوعة في كتاب الصدقة على ما قال الجمهور. واتفقوا على أن المعز تضم مع الغنم. واختلفوا من أي صنف منها يأخذ المصدق فقال مالك: يأخذ من الاكثر عددا، فإن استوت خير الساعي وقال أبو حنيفة بل الساعي يخير إذا اختلفت الاصناف. وقال الشافعي: يأخذ الوسط من الاصناف المختلفة لقول عمر رضي الله عنه: تعد عليهم السخلة يحملها الراعي، ولا نأخذها ولا نأخذ الاكولة، ولا الربي ولا الماخض، ولا فحل الغنم. ونأخذ الجذعة، والثنية، وذلك عدل بين خيار المال ووسطه. وكذلك اتفق جماعة فقهاء الامصار على أنه لا يؤخذ في الصدقة تيس، ولا هرمة، ولا ذات عوار، لثبوت ذلك في كتاب الصدقة إلا أن يرى المصدق أن ذلك خير للمساكين. واختلفوا في العمياء، وذات العلة هل تعد على صاحب المال، أم لا؟ فرأى مالك، والشافعي أن تعد وروي عن أبي حنيفة أنها
لا تعد. وسبب اختلافهم: هل مطلق الاسم يتناول الاصحاء، والمرضى أم لا يتناولهما؟ واختلفوا من هذا الباب في نسل الامهات هل تعد مع الامهات، فيكمل النصاب بها، إذا لم تبلغ نصابا؟ فقال مالك يعتد بها وقال الشافعي وأبو حنيفة، وأبو ثور: لا يعتد بالسخال، إلا أن تكون الامهات نصابا. وسبب اختلافهم: احتمال قول عمر رضي الله عنه إذ أمر أن تعد عليهم بالسخال، ولا يؤخذ منها شئ، فإن قوما فهموا من هذا إذا كانت الامهات نصابا، وقوم فهموا هذا مطلقا. وأحسب أن أهل الظاهر لا يوجبون في السخال شيئا، ولا يعدون بها لو كانت الامهات نصابا، ولو لم تكن، لان اسم الجنس لا ينطلق عليها عندهم. وأكثر الفقهاء على أن للخلطة تأثيرا في قدر الواجب من الزكاة، واختلف القائلون بذلك، هل لها تأثير في قدر النصاب، أم لا؟. وأما أبو حنيفة وأصحابه فلم يروا للخلطة تأثيرا، لا في قدر الواجب، ولا فقدر النصاب وتفسير ذلك أن مالكا، والشافعي، وأكثر فقهاء الامصار اتفقوا على أن الخلطاء يزكون زكاة المالك الواحد. واختلفوا من ذلك في موضعين: أحدهما: في نصاب الخلطاء هل يعد نصاب مالك واحد، سواء أكان لكل واحد منهم نصاب، أولم يكن؟ أم إنما يزكون زكاة الرجل الواحد، إذا كان لكل واحد منهم نصاب؟ الثاني: في صفة الخلطة التي لها تأثير في ذلك. وأما اختلافهم أولا في هل للخلطة تأثير في النصاب، وفي الواجب، أو ليس لها تأثير؟ فسبب اختلافهم: اختلافهم في مفهوم ما ثبت في كتاب الصدقة من قوله عليه الصلاة والسلام: لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان
[ 211 ]
من خليطين، فإنهما يتراجعان بالسوية فإن كل واحد من الفريقين أنزل مفهوم هذا الحديث على اعتقاده، وذلك أن الذين رأوا للخلطة تأثيرا ما في النصاب والقدر الواجب، أو في القدر الواجب فقط، قالوا: إن قوله عليه الصلاة والسلام وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بالسوية وقوله لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع يدل دلالة واضحة أن ملك الخليطين كملك رجل واحد، فإن هذا الاثر مخصص لقوله عليه الصلاة والسلام: ليس فيما دون خمس ذود من الابل صدقة إما في الزكاة عند مالك وأصحابه: أعني في قدر الواجب
وإما في الزكاة، والنصاب معا عند الشافعي، وأصحابه. وأما الذين لم يقولوا بالخلطة، فقالوا: إن الشريكين قد يقال لهما خليطان ويحتمل أن يكون قوله عليه الصلاة والسلام: لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع إنما هو نهي للسعاة أن يقسم ملك الرجل الواحد قسمة توجب عليه كثرة الصدقة: مثل رجل يكون له مائة وعشرون شاة، فيقسم عليه إلى أربعين ثلاث شياة، أو يجمع ملك رجل واحد إلى ملك رجل آخر حيث يوجب الجمع كثرة الصدقة، قالوا: وإذا كان هذا الاحتمال في هذا الحديث، وجب أن لا تخصص به الاصول الثابتة المجمع عليها، أعني أن النصاب، والحق الواجب في الزكاة يعتبر بملك الرجل الواحد. وأما الذين قالوا بالخلطة، فقالوا: إن لفظ الخلطة، هو أظهر في الخلطة نفسها منه في الشركة، وإذا كان ذلك كذلك، فقوله عليه الصلاة والسلام فيهما: أنهما يتراجعان بالسوية مما يدل على أن الحق الواجب عليهما حكمه حكم رجل واحد، وأن قوله عليه الصلاة والسلام: أنهما يتراجعان بالسوية يدل على أن الخليطين ليسا بشريكين، لان الشريكين ليس يتصور بينهما تراجع، إذ المأخوذ هو من مال الشركة. فمن اقتصر على هذا المفهوم، ولم يقس عليه النصاب، قال: الخليطان إنما يزكيان زكاة الرجل الواحد، إذا كان لكل واحد منهما نصاب، ومن جعل حكم النصاب تابعا لحكم الحق الواجب، قال: نصابهما نصاب الرجل الواحد، كما أن زكاتهما زكاة رجل واحد، وكل واحد من هؤلاء أنزل قوله عليه الصلاة والسلام لا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع على ما ذهب إليه. فأما مالك رحمه الله تعالى، فإنه قال: معنى قوله لا يفرق بين مجتمع أن الخليطين يكون لكل واحد منهما مائة شاة، وشاة، فتكون عليهما فيهما ثلاث شياه، فإذا افترقا، كان على كل واحد منهما شاة، ومعنى قوله لا يجمع بين مفترق أن يكون النفر الثلاث لكل واحد منهم أربعون شاة فإذا جمعوها، كان عليهم شاة واحدة، فعلى مذهبه النهي، إنما هو متوجه نحو الخلطاء الذين لكل واحد منهم نصاب. وأما الشافعي، فقال: معنى قوله: ولا يفرق بين مجتمع أن يكون رجلان لهما أربعون شاة، فإذا فرقا غنمهما، لم يجب عليهما فيها زكاة، إذ
كان نصاب الخلطاء عنده نصاب ملك رجل واحد في الحكم. وأما القائلون بالخلطة، فإنهم اختلفوا فيما هي الخلطة المؤثرة في الزكاة، فأما الشافعي، قال: إن من شرط الخلطة أن
[ 212 ]
تختلط ماشيتهما، وتراحا لواحد وتحلبا لواحد، وتسرحا لواحد، وتسقيامعا، وتكون فحولهما مختلطة، ولا فرق عنده بالجملة بين الخلطة، والشركة ولذلك يعتبر كمال النصاب لكل واحد من الشريكين كما تقدم. وأما مالك، فالخليطان عنده ما اشتركا في الدلو، والحوض، والمراح والراعي، والفحل واختلف أصحابه في مراعاة بعض هذه الاوصاف، أو جميعها. وسبب اختلافهم: اشتراك اسم الخلطة ولذلك لم ير قوم تأثير الخلطة في الزكاة وهو مذهب أبي محمد بن حزم الاندلسي. الفصل الخامس: في نصاب الحبوب، والثمار، والقدر الواجب في ذلك وأجمعوا على أن الواجب في الحبوب أما ما سقي بالسماء، فالعشر، وأما ما سقي بالنضح، فنصف العشر، لثبوت ذلك عنه (ص). وأما النصاب، فإنهم اختلفوا في وجوبه في هذا الجنس من مال الزكاة. فصار الجمهور إلى إيجاب النصاب فيه، وهو خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا بإجماع، والصاع أربعة أمداد بمد النبي عليه الصلاة والسلام. والجمهور على أن مده رطل وثلث وزيادة يسيرة بالبغدادي، وإليه رجع أبو يوسف حين ناظره مالك على مذهب أهل العراق، لشهادة أهل المدينة بذلك، وكان أبو حنيفة يقول في المد إنه رطلان، وفي الصاع إنه ثمانية أرطال، وقال أبو حنيفة: ليس في الحبوب والثمار نصاب. وسبب اختلافهم: معارضة العموم للخصوص. أما العموم، فقوله عليه الصلاة والسلام: فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر أما الخصوص، فقوله عليه الصلاة والسلام ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة. والحديثان ثابتان، فمن رأى أن الخصوص يبنى على العموم قال: لا بد من النصاب وهو المشهور ومن رأى أن العموم، والخصوص متعارضان، إذا جهل المتقدم فيهما والمتأخر، إذ كان قد ينسخ الخصوص
بالعموم عنده، وينسخ العموم بالخصوص، إذ كل ما وجب العمل به جاز نسخه، والنسخ قد يكون للبعض وقد يكون للكل، ومن رجح العموم، قال: لا نصاب، ولكن حمل الجمهور عندي الخصوص على العموم، هو من باب ترجيح الخصوص على العموم في الجزء الذي تعارضا فيه، فإن العموم فيه ظاهر، والخصوص فيه نص، فتأمل هذا فإنه السبب الذي صير الجمهور إلى أن يقولوا بني العام على الخاص وعلى الحقيقة ليس بنيانا فإن التعارض بينهما موجود إلا أن يكون الخصوص متصلا بالعموم فيكون استثناء. واحتجاج أبي حنيفة في النصاب بهذا العموم فيه ضعف فإن الحديث إنما خرج مخرج تبيين القدر الواجب منه. واختلفوا من هذا الباب في النصاب في ثلاث مسائل: المسألة الاولى: في ضم الحبوب بعضها إلى بعض في النصاب. الثانية: في جواز تقدير النصاب في العنب، والتمر بالخرص. الثالثة: هل يحسب على الرجل ما يأكله من ثمره، وزرعه قبل الحصاد، والجذاذ في النصاب، أم لا؟
[ 213 ]
أما المسألة الاولى: فإنهم أجمعوا على أن الصنف الواحد من الحبوب والثمر يجمع جيده إلى رديئه، وتؤخذ الزكاة عن جميعه بحسب قدر كل واحد منهما: أعني من الجيد والردئ، فإن كان الثمر أصنافا أخذ من وسطه. واختلفوا في ضم القطاني بعضها إلى بعض، وفي ضم الحنطة، والشعير والسلت فقال مالك: القطنية كلها صنف واحد: الحنطة، والشعير والسلت أيضا. وقال الشافعي وأبو حنيفة، وأحمد وجماعة: القطاني كلها أصناف كثيرة بحسب أسمائها، ولا يضم منها شئ إلى غيره في حساب النصاب. وكذلك الشعير، والسلت، والحنطة عندهم أصناف ثلاثة، لا يضم واحد منها إلى الآخر لتكميل النصاب. وسبب الخلاف: هل المراعاة في الصنف الواحد، هو اتفاق المنافع أو اتفاق الاسماء؟ فمن قال اتفاق الاسماء، قال: كلما اختلفت ت أسماؤها: فهي أصناف كثيرة، ومن قال اتفاق المنافع، قال: كلما اتفقت منافعها، فهي صنف واحد، وإن اختلفت أسماؤها. فكل واحد
منهما يروم أن يقرر قاعدته باستقراء الشرع، أعني أن أحدهما يحتج لمذهبه بالاشياء التي اعتبر فيها الشرع الاسماء، والآخر بالاشياء التي اعتبر الشرع فيها المنافع، ويشبه أن يكون شهادة الشرع للاسماء في الزكاة أكثر من شهادته للمنافع، وإن كان كلا الاعتبارين موجودا في الشرع. والله أعلم. وأما المسألة الثانية: وهي تقدير النصاب بالخرص، واعتباره به دون الكيل فإن جمهور العلماء على إجازة الخرص في النخيل والاعناب حين يبدو صلاحها للضرورة أن يخلي بينها، وبين أهلها يأكلونها رطبا وقال داود: لا خرص إلا في النخيل فقط. وقال أبو حنيفة، وصاحباه: الخرص باطل، وعلى رب المال أن يؤدي عشر ما تحصل بيده، زاد على الخرص، أو نقص منه. والسبب في اختلافهم في جواز الخرص: معارضة الاصول للاثر الوارد في ذلك: أما الاثر الوارد في ذلك، وهو الذي تمسك به الجمهور، فهو ما روي أن رسول الله (ص كان يرسل عبد الله بن رواحة، وغيره إلى خيبر، فيخرص عليهم النخل. وأما الاصوالتي تعارضه، فلانه من باب المزابنة المنهي عنها، وهو بيع الثمر في رؤوس النخل بالثمر كيلا، ولانه أيضا من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة، فيدخله المنع من التفاضل، ومن النسيئة، وكلاهما من أصول الربا، فلما رأى الكوفيون هذا مع أن الخرص الذي كان يخرص على أهل خيبر، لم يكن للزكاة، إذ كانوا ليسوا بأهل زكا، قالوا: يحتمل أن يكون تخمينا، ليعلم ما بأيدي كل قوم من الثمار. قال القاضي: أما بحسب خبر مالك، فالظاهر أنه كان في القسمة، لما روي أن عبد الله برواحة، كان إذ فرغ من الخرص، قال: إن شئتم، فلكم، وإن شئتم، فلي، أعني في قسمة الثمار، لا في قسمة الحب. وأما بحسب حديث عائشة الذي رواه أبو داود، فإنما الخرص لموضع النصيب الواجب عليهم في ذلك، والحديث هو أنها قالت، وهي تذكر شأن خيبر كان النبي (ص) يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر،
[ 214 ]
فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه. وخرص الثمار لم يخرجه الشيخان،
وكيفما كان، فالخرص مستثنى من تلك الاصول هذا إن ثبت أنه كان منه عليه الصلاة والسلام حكما منه على المسلمين، فإن الحكم لو ثبت على أهل الذمة، ليس يجب أن يكون حكما عاما على المسلمين إلا بدليل، والله أعلم. ولو صح حديث عتاب بن أسيد لكان جواز الخرص بينا، والله أعلم. وحديث عتاب بن أسيد هو أنه قال: أمرني رسول الله (ص) أن أخرص العنب، وآخذ زكاته زبيبا، كما تؤخذ زكاة النخل تمرا وحديث عتاب بن أسيد طعن فيه، لان راويه عنه هو سعيد بن المسيب، وهو لم يسمع منه، ولذلك لم يجز داود خرص العنب. واختلف من أوجب الزكاة في الزيتون في جواز خرصه. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في قياسه في ذلك على النخل، والعنب والمخرج عند الجميع من النخل في الزكاة، هو التمر، لا الرطب، وكذلك الزبيب من العنب، لا العنب نفسه، وكذلك عند القائلين بوجوب الزكاة في الزيتون، هو الزيت، لا الحب قياسا على التمر، والزبيب. وقال مالك في العنب الذي لا يتزبب، والزيتون الذي لا ينعصر أرى أن يؤخذ منه حبا. وأما المسألة الثالثة: فإن مالكا، وأبا حنيفة قالا: يحسب على الرجل ما أكل من ثمره، وزرعه قبل الحصاد في النصاب وقال الشافعي: لا يحسب عليه، ويترك الخارص لرب المال ما يأكل هو، وأهله. والسبب في اختلافهم: ما يعار ض الآثار في ذلك من الكتاب والقياس: أما السنة في ذلك، فما رواه سهل بن أبي حثمة أن النبي (ص) بعث أبا حثمة خارصا، فجاء رجل، فقال: يا رسول الله إأبا حثمة قد زاد علي، فقال رسول الله (ص): إن ابن عمك يزعم أنك زدت عليه فقال: يا رسول الله لقد تركت له قدر عرية أهله، وما يطعمه المساكين، وما تسقطه الريح، فقال: قد زادك ابن عمك، وأنصفك. وروي أن رسول الله (ص) قال: إذا خرصتم، فدعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع. وروي عن جابر أن رسول الله (ص) قال: خففوا في الخرص، فإن في المال العرية، والآكلة، والوصية والعامل، والنوائب، وما وجب في التمر من الحق. وأما الكتاب المعارض لهذه الآثار، والقياس فقوله تعالى: * (كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده) *. وأما
القياس، فلانه مال، فوجبت فيه الزكاة أصله سائر الاموال فهذه هي المسائل المشهورة التي تتعلق بقدر الواجب في الزكاة. والواجب منه في هذه الاجناس الثلاثة التي الزكاة مخرجة من أعيانها لم يختلفوا أنها إذا خرجت من الاعيان أنفسها أنها مجزئة. واختلفوا هل يجوز فيها أن يخرج بدل العين القيمة، أو لا يجوز؟ فقال مالك والشافعي: لا يجوز إخراج القيم في الزكوات بدل المنصوص عليه في الزكوات وقال أبو حنيفة: يجوز، سواء قدر على
[ 215 ]
المنصوص عليه أو لم يقدر. وسبب اختلافهم: هل الزكاة عبادة، أو حق واجب للمساكين؟ فمن قال: إنها عبادة، قال: إن أخرج من غير تلك الاعيان، لم يجز لانه، إذا أتى بالعبادة على غير الجهة المأمور بها، فهي فاسدة، ومن قال: هحق للمساكين فلا فرق بين القيمة والعين عنده. وقد قالت الشافعية: لنا أن نقول: - وإن سلمنا أنها حق للمساكين - إن الشارع إنما علق الحق بالعين، قصدا منه لتشريك الفقراء مع الاغنياء في أعيان الاموال. والحنفية تقول: إنما خصت بالذكر أعيان الاموال تسهيلا على أرباب الاموال، لان كل ذي مال إنما يسهل عليه الاخراج من نوع المال الذي بين يديه، ولذلك جاء في بعض الاثر أنه جعل في الدية على أهل الحلل حللا على ما يأتي في كتاب الحدود. الفصل السادس: في نصاب العروض والنصاب في العروض على مذهب القائلين بذلك إنما هو فيما اتخذ منها للبيع خاصة على ما يقدر قبل، والنصاب فيها على مذهبهم هو النصاب في العين، إذا كانت هذه هي قيم المتلفات، ورؤوس الاموال، وكذلك الحول في العروض عند الذين أوجبوا الزكاة في العروض، فإن مالكا قال: إذا باع العروض، زكاه لسنة واحدة كالحال في الدين وذلك عنده في التاجر الذي تضبط له أوقات شراء عروضه. وأما الذين لا ينضبط لهم وقت ما يبيعونه، ولا يشترونه، وهم الذين يخصون باسم المدير، فحكم هؤلاء عند مالك، إذا حال عليهم الحول من يوم ابتداء تجارتهم أن يقوم ما بيده من العروض، ثم يضم إلى ذلك ما
بيده من العين وماله من الدين الذي يرتجى قبضه، إن لم يكن عليه دين مثله: وذلك بخلاف قوله في دين غير المدير، فإذا بلغ ما اجتمع عنده من ذلك نصابا أدى زكاته، وسواء نض له في عامه شئ من العين، أو لم ينض، بلغ نصابا، أو لم يبلغ نصابا، وهذه رواية ابن الماجشون عن مالك. وروى ابن القاسم عنه: إذا لم يكن له ناض، وكان يتجر بالعروض، لم يكن عليه في العروض فمنهم من لم يشترط وجود الناض عنده ومنهم من شرطه والذي شرطه منهم: فمنهم من اعتبر فيه النصاب، ومنهم من لم يعتبر ذلك. وقال المزني: زكاة العروض تكون من أعيانها، لا من أثمانها وقال الجمهور: الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، والثوري، والاوزاعي، وغيرهم: المدير، وغير المدير حكمه واحد، وأنه من اشترى عرضا للتجارة، فحال عليه الحول قومه وزكاه. وقال قوم: بل يزكي ثمنه الذي ابتاعه به، لا قيمته وإنما لم يوجب الجمهور على المدير شيئا، لان الحول إنما يشترط في عين المال، لا في نوعه وأما مالك، فشبه النوع ههنا بالعين، لئلا تسقط الزكاة رأسا عن المدير وهذا هو بأن يكون شرعا زائدا أشبه منه بأن يكون شرعا مستنبطا من شرع ثابت، ومثل هذا، هو الذي يعرفونه بالقياس المرسل، وهو الذي لا يستند إلى أصل منصوص عليه في الشرع، إلا ما يعقل من المصلحة الشرعية فيه. ومالك رحمه الله يعتبر المصالح، وإن لم يستند إلى أصول منصوص عليها.
[ 216 ]
الجملة الرابعة: في وقت الزكاة وأما وقت الزكاة فإن جمهور الفقهاء يشترطون في وجوب الزكاة في الذهب، والفضة، والماشية الحول، لثبوت ذلك عن الخلفاء الاربعة، ولانتشاره في الصحابة رضي الله عنهم، ولانتشار العمل به، ولاعتقادهم أن مثل هذا الانتشار من غير خلاف ولا يجوز أن يكون إلا عن توقيف. وقد روي مرفوعا من حديث ابن عمر عن النبي (ص) أنه قال لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول وهذا مجمع عليه عند فقهاء الامصار، وليس فيه في الصدر الاول خلاف إلا ما روي عن ابن عباس، ومعاوية. وسبب الاختلاف: أنه ليرد في ذلك حديث ثابت. واختلفوا من هذا الباب في
مسائل ثمانية مشهورة: إحداها: هل يشترط الحول في المعدن إذا قلنا إن الواجب فيه ربع العشر؟ الثانية: في اعتبار حول ربح المال. الثالثة: حول الفوائد الواردة على مال تجب فيه الزكاة. الرابعة: في اعتبار حول الدين، إذا قلنا إن فيه الزكاة. الخامسة: في اعتبار حول العروض، إذا قلنا إن فيها الزكاة. السادسة: في حول فائدة الماشية. السابعة: في حول نسل الغنم إذا قلنا إنها تضم إلى الامهات، إما على رأي من يشترط أن تكون الامهات نصابا، وهو الشافعي، وأبو حنيفة، وإما على مذهب من لا يشترط ذلك، وهو مذهب مالك. والثامنة: في جواز إخراج الزكاة قبل الحول. أما المسألة الاولى: وهي المعدن، فإن الشافعي راعى فيه الحول مع النصاب وأما مالك، فراعى فيه النصاب دون الحول. وسبب اختلافهم: تردد شبهه بين ما تخرجه الارض مما تجب فيه الزكاة، وبين التبر، والفضة المقتنيين، فمن شبهه بما تخرجه الارض، لم يعتبر الحول فيه، ومن شبهه بالتبر، والفضة المقتنيين، أوجب الحول، وتشبيهه بالتبر، والفضة أبين. والله أعلم. المسألة الثانية: وأما اعتبار حول ربح المال، فإنهم اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال: فرأى الشافعي أن حوله يعتبر من يوم استفيد سواء كان الاصل نصابا، أو لم يكن وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب أن لا يعرض لارباح التجارة حتى يحول عليها الحول. وقال مالك: حول الربح، هو حول الاصل: أي إذا كمل للاصول حول، زكى الربح معه، سواء كان الاصل نصابا، أو أقل من نصاب إذا بلغ الاصل مع ربحه نصابا. قال أبو عبيد: ولم يتابعه عليه أحد من الفقهاء إلا أصحابه. وفرق قوم بين أن يكون رأس المال الحائل عليه الحول نصابا، أو لا يكون فقالوا: إن كان نصابا، زكى الربح مع رأس ماله، وإن لم يك نصابا، لم يزك، وممن قال بهذا القول الاوزاعي، وأبو ثور، وأبو حنيفة. وسبب اختلافهم: تردد الربح بين أن يكون حكمه حكم المال المستفاد، أو حكم الاصل، فمن شبهه بالمال المستفاد ابتداء، قال: يستقبل به الحول، ومن شبهه بالاصل وهو رأس المال، قال: حكمه حكم رأس المال، إلا أن من شروط
هذا التشبيه أن يكون رأس المال، قد وجبت فيه الزكاة، وذلك لا يكون إلا إذا كان نصابا،
[ 217 ]
ولذلك يضعف قياس الربح على الاصل في مذهب مالك ويشبه أن يكون الذي اعتمده مالك رضي الله عنه في ذلك، هو تشبيه ربح المال بنسل الغنم، لكن نسل الغنم مختلف أيضا فيه، وقد روي عن مالك مثل قول الجمهور. وأما المسألة الثالثة: وهي حول الفوائد، فإنهم أجمعوا على أن المال، إذا كان أقل من نصاب، واستفيد إليه مال من غير ربحه يكمل من مجموعهما نصاب، أنه يستقبل به الحول من يوم كمل. واختلفوا إذا استفاد مالا، وعنده نصاب مال آخر قد حال عليه الحول فقال مالك: يزكي المستفاد، إن كان نصابا لحوله، ولا يضم إلى المال الذي وجبت فيه الزكاة، وبهذا القول في الفوائد قال الشافعي وقال أبو حنيفة، وأصحابه، والثوري: الفوائد كلها تزكى بحول الاصل إذا كان الاصل نصابا، وكذلك الربح عندهم. وسبب اختلافهم: هل حكمه حكم المال الوارد عليه، أم حكمه حكم مال لم يرد على مال آخر؟ فمن قال: حكمه حكم مال لم يرد على مال آخر: أعني مالا فيه زكاة، قال: لا زكاة في الفائدة، ومن جعل حكمه حكم الوارد عليه وأنه مال واحد، قال: إذ كان في الوارد عليه الزكاة بكونه نصابا، اعتبر حوله بحول المال الوارد عليه. وعموم قوله عليه الصلاة والسلام: لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول يقتضي أن لا يضاف مال إلى مال، إلا بدليل. وكأن أبا حنيفة اعتمد في هذا قياس الناض على الماشية، ومن أصله الذي يعتمده في هذا الباب أنه ليس من شرط الحول أن يوجد المال نصابا في جميع أجزائه، بل أن يوجد نصابا في طرفيه فقط، وبعضا منه في كله. فعنده أنه إذا كان مال في أول الحول نصابا، ثم هلك بعضه، فصار أقل من نصا ب، ثم استفاد مالا في آخر الحول، صار به نصابا، أنه تجب فيه الزكاة، وهذا عنده موجود في هذا المال، لانه لم يستكمل الحول، وهو في جميع أجزائه مال واحد بعينه، بل زاد، ولكن ألفي في طرفي الحول نصابا، والظاهر أن الحول الذي اشترط في المال إنما هو
في مال معين، لا يزيد، ولا ينقص، لا بربح، ولا بفائدة، ولا بغير ذلك، إذ كان المقصود بالحول، هو كون المال فضلة مستغنى عنه، وذلك أن ما بقي حولا عند المالك لم يتغير عنده، فليس به حاجة إليه، فجعل فيه الزكاة، فإن الزكاة، إنما هي فضول الاموال. وأما من رأى أن اشتراط الحول في المال إنما سببه النماء، فواجب عليه أن يقول: تضم الفوائد فضلا عن الارباح إلى الاصول، وأن يعتبر النصاب في طرفي الحول فتأمل هذا فإنه بين والله أعلم ولذلك رأى مالك أن من كان عنده في أول الحول ماشية تجب فيها الزكاة، ثم باعها، وأبدلها في آخر الحول بماشية من نوعها، أنها تجب فيها الزكاة. فكأنه اعتبر أيضا طرفي الحول على مذهب أبي حنيفة، وأخذ أيضا ما اعتمده أبو حنيفة في فائدة الناض القياس على فائدة الماشية على ما قلناه. وأما المسألة الرابعة: هي اعتبار حول الدين، إذا قلنا إن فيه الزكاة فإن قوما قالوا: يعتبر ذلك فيه من أول ما كان دينا يزكيه لعدة ذلك، إن كان حولا، فحول، وإن كان أحوالا
[ 218 ]
فأحوال، أعني أنه إن كان حولا تجب فيه زكاة واحدة، وإن أحوالا وجبت فيه الزكاة لعدة تلك الاحوال. وقوم قالوا: يزكيه لعام واحد، وإن أقام الدين أحوالا عند الذي عنده الدين وقوم قالوا: يستقبل به الحول وأما من قال يستقبل بالدين الحول من يوم قبض فلم يقل بإيجاب الزكاة في الدين. ومن قال فيه الزكاة بعدد الاحوال التي أقام، فمصيرا إلى تشبيه الدين بالمال الحاضر. وأما من قال: الزكاة فيه لحول واحد، وإن أقام أحوالا فلا أعرف له مستندا في وقتي هذا، لانه لا يخلو ما دام دينا أن يقول إن فيه زكاة، أو لا يقول ذلك، فإن لم يكن فيه زكاة، فلا كلام، بل يستأنف به، وإن كان فيه زكاة، فلا يخلو أن يشترط فيها الحول، أو لا يشترط ذلك. فإن اشترطنا، وجب أن يعتبر عدد الاحوال، إلا أن يقول كلما انقضى حول، فلم يتمكن من أدائه سقط عنه ذلك الحق اللازم في ذلك الحول، فإن الزكاة وجبت بشرطين: حضور عين المال، وحلول الحول، فلم يبق إلا حق العام
الاخير. وهذا يشبهه مالك بالعروض التي للتجارة، فإنها لا تجب عنده فيها زكاة إلا إذا باعها، وإن أقامت عنده أحوالا كثيرة، وفيه ما شبه بالماشية التي لا يأتي الساعي أعواما إليها، ثم يأتي، فيجدها قد انقضت، فإنه يزكي على مذهب مالك الذي وجد فقط، لانه لما أن حال عليها الحول فيما تقدم، ولم يتمكن من إخراج الزكاة، إذ كان مجئ الساعي شرطا عنده في إخراجها مع حلول الحول، سقط عنه حق ذلك الحول الحاضر، وحوسب به في الاعوام السالفة كان الواجب فيها أقل، أو أكثر إذا كانت مما تجب فيه الزكاة، وهو شئ يجري على غير قياس، وإنما اعتبر مالك فيه العمل. وأما الشافعي، فيراه ضامنا، لانه ليس مجئ الساعي شرطا عنده في الوجوب. وعلى هذا كل من رأى أنه لا يجوز أن يخرج زكاة ماله إلا بأن يدفعها إلى الامام فعدم الامام، أو عدم الامام العادل إن كان ممن شرط العدالة في ذلك أنه إن هلكت بعد انقضاء الحول، وقبل التمكن من دفعها إلى الامام، فلا شئ عليه. ومالك تنقسم عنده زكاة الديون لهذه الاحوال الثلاثة، أعني أن من الديون عنده ما يزكى لعام واحد فقط مثل ديون التجارة، ومنها ما يستقبل بها الحول مثل ديون المواريث، والثالث دين المدير. وتحصيل قوله في الديون ليس بغرضنا. المسألة الخامسة: وهي حول العروض، وقد تقدم القول فيها عند القول في نصاب العروض. وأما المسألة السادسة: وهي فوائد الماشية، فإن مذهب مالك فيها بخلاف مذهبه في فوائد الناض، وذلك أنه يبني الفائدة على الاصل إذا كان الاصل نصابا، كما يفعل أبو حنيفة في فائدة الدراهم، وفي فائدة الماشية. فأبو حنيفة مذهبه في الفوائد حكم واحد: أعني أنها تبنى على الاصل، إذا كانت نصابا، كانت فائدة غنم، أو فائدة ناض، والارباح عنده والنسل كالفوائد وأما مالك، فالربح، والنسل عنده حكمهما واحد، ويفرق بين فوائد الناض،
[ 219 ]
وفوائد الماشية. وأما الشافعي، فالارباح، والفوائد عنده حكمهما واحد باعتبار حولهما
بأنفسهما وفوائد الماشية ونسلها واحد باعتبار حولهما بالاصل، إذا كان نصابا فهذا هو تحصيل مذاهب هؤلاء الفقهاء الثلاثة، وكأنه إنما فرق مالك بين الماشية، والناض اتباعا لعمر، وإلا فالقياس فيهما واحد، أعني أن الربح شبيه بالنسل، والفائدة بالفائدة، وحديث عمر هذا، هو أنه أمر أن يعد عليهم بالسخال، ولا يأخذ منها شيئا، وقد تقدم الحديث في باب النصاب. المسألة السابعة: وهي اعتبار حول نسل الغنم، فإن مالكا قال: حول النسل هو حول الامهات كانت الامها ت نصابا، أو لم تكن، كما قال في ربح الناض. وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأبو ثور: لا يكون حول النسل حول الامهات إلا أن تكون الامهات نصابا. وسبب اختلافهم: هو بعينه سبب اختلافهم في ربح المال. وأما المسألة الثامنة: وهي جواز إخراج الزكاة قبل الحول، فإن مالكا منع ذلك وجوزه أبو حنيفة، والشافعي. وسبب الخلاف: هل هي عبادة، أو حق واجب للمساكين، فمن قال: عبادة، وشبهها بالصلاة، لم يجز إخراجها قبل الوقت، ومن شبهها بالحقوق الواجبة المؤجلة، أجاز إخراجها قبل الاجل على جهة التطوع. وقد احتج الشافعي لرأيه بحديث علي: أن النبي عليه الصلاة والسلام استسلف صدقة العباس قبل محلها. الجملة الخامسة ] فيمن تجب له الصدقة. والكلام في هذا الباب في ثلاثة فصول: الاول: في عدد الاصناف الذين تجب لهم. الثاني: في صفتهم التي تقتضي ذلك. الثالث: كم يجب لهم؟ الفصل الاول: في عدد الاصناف الذين تجب لهم الزكاة فأما عددهم، فهم الثمانية الذين نص الله عليهم في قوله تعالى: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) * الآية. واختلفوا من العدد في مسألتين. إحداهما: هل يجوز أن تصرف جميع الصدقة إلى صنف واحد من هؤلاء الاصناف؟ أم هم شركاء في الصدقة لا يجوز أن يخص منهم صنف دون صنف؟. فذهب مالك، وأبو حنيفة إلى أنه يجوز للامام أن
يصرفها في صنف واحد، أو أكثر من صنف واحد، إذا رأى ذلك بحسب الحاجة وقال الشافعي: لا يجوز ذلك، بل يقسم على الاصناف الثمانية، كما سمى الله تعالى. وسبب اختلافهم: معارضة اللفظ للمعنى، فإن اللفظ يقتضي القسمة بين جميعهم، والمعنى يقتضي أن يؤثر بها أهل الحاجة، إذ كان المقصود به سد الخلة فكأن تعديدهم في الآية عند هؤلاء،
[ 220 ]
إنما ورد لتمييز الجنس، أعني أهل الصدقات لا تشريكهم في الصدقة، فالاول أظهر من جهة اللفظ، وهذا أظهر من جهة المعنى. ومن الحجة للشافعي ما رواه أبو داود عن الصدائي أن رجلا سأل النبي (ص) أن يعطيه من الصدقة، فقال له رسول الله (ص): إن الله لم يرض بحكم نبي، ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها، فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الاجزاء أعطيتك حقك. وأما المسألة الثانية: فهل المؤلفة قلوبهم حقهم باق إلى اليوم، أم لا؟ فقال مالك: لا مؤلفة اليوم وقال الشافعي وأبو حنيفة: بل حق المؤلفة باق إلى اليوم، إذا رأى الامام ذلك، وهم الذين يتألفهم الامام على الاسلام. وسبب اختلافهم: هل ذلك خاص بالنبي (ص)، أو عام له، ولسائر الامة؟ والاظهر أنه عام، وهل يجوز ذلك للامام في كل أحواله، أو في حال دون حال؟ أعني في حال الضعف، لا في حال القوة، ولذلك قال مالك: لا حاجة إلى المؤلفة الآن لقوة الاسلام، وهذا كما قلنا التفات منه إلى المصالح. الفصل الثاني: في الصفة التي تقتضي صرفها إليهم وأما صفاتهم التي يستوجبون بها الصدقة، ويمنعون منها بأضدادها: فأحدها الفقر الذي هو ضد الغنى لقوله تعالى: * (إنما الصدقات للفقراء والمساكين..) *. واختلفوا في الغني الذي تجوز له الصدقة من الذي لا تجوز، وما مقدار الغنى المحرم للصدقة. فأما الغني الذي لا تجوز له الصدقة فإن الجمهور على أنه لا تجوز الصدقة للاغنياء بأجمعهم إلا للخمس الذين نص عليهم النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: لا تحل الصدقة لغني إلا
لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل له جار مسكين، فتصدق على المسكين، فأهدى المسكين للغني. وروي عن ابن القاسم أنه لا يجوز أخذ الصدقة لغني أصلا مجاهدا كان أو عاملا. والذين أجازوها للعامل، وإن كان غنيا، أجازوها للقضاة ومن في معناهم ممن المنفعة بهم عامة للمسلمين ومن لم يجز ذلك فقياس ذلك عنده هو أن لا تجوز لغني أصلا. وسبب اختلافهم: هو هل العلة في إيجاب الصدقة للاصناف المذكورين هو الحاجة فقط، أو الحاجة، والمنفعة العامة؟ فمن اعتبر ذلك بأهل الحاجة المنصوص عليهم في الآية قال: الحاجة فقط، ومن قال: الحاجة، والمنفعة العامة توجب أخذ الصدقة اعتبر المنفعة للعامل، والحاجة بسائر الاصناف المنصوص عليهم. وأما حد الغني الذي يمنع من الصدقة، فذهب الشافعي إلى أن المانع من الصدقة، هو أقل ما ينطلق عليه الاسم. وذهب أبو حنيفة إلى أن الغني هو مالك النصاب، لانهم الذين سماهم النبي
[ 221 ]
عليه الصلاة والسلام أغنياء لقوله في حديث معاذ له فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم وإذا كان الاغنياء هم الذين، هم أهل النصاب وجب أن يكون الفقراء، وقال مالك: ليس في ذلك حد، إنما هو راجع إلى الاجتهاد. وسبب ضدهم اختلافهم: هل الغنى المانع هو معنى شرعي، أم معنى لغوي؟ فمن قال: معنى شرعي قال وجود النصاب هو الغنى، ومن قال: معني لغوي اعتبر في ذلك أقل ما ينطلق عليه الاسم، فمن رأى أن أقل ما ينطلق عليه الاسم هو محدود في كل وقت، وفي كل شخص جعل حده هذا، ومن رأى أنه غير محدود، وأن ذلك يختلف باختلاف الحالات، والحاجات، والاشخاص، والامكنة، والازمنة، وغير ذلك، قال: هو غير محدود، وأن ذلك راجع إلى الاجتهاد. وقد روى أبو داود في حديث الغنى الذي يمنع الصدقة عن النبي (ص) أنه ملك خمسين درهما. وفي أثر آخر أنه ملك أوقية، وهي أربعون درهما وأحسب أن قوما قالوا بهذه الآثار في حد الغنى. واختلفوا من هذا الباب في صفة الفقير، والمسكين، والفصل
الذي بينهما فقال قوم: الفقير أحسن حالا من المسكين، وبه قال البغداديون من أصحاب مالك وقال آخرون: المسكين أحسن حالا من الفقير، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه وفي قوله الثاني أنهما اسمان دالان على معنى واحد وإلى هذا ذهب ابن القاسم، وهذا النظر هو لغوي إن لم يكن له دلالة شرعية، والاشبه عند استقراء اللغة أن يكونا اسمين دالين على معنى واحد، يختلف بالاقل، والاكثر في كل واحد منهما، لا أن هذا راتب من أحدهما على قدر غير القدر الذي الآخر راتب عليه. واختلفوا في قوله تعالى: * (وفي الرقاب) * فقال مالك: هم العبيد يعتقهم الامام ويكون ولاؤهم للمسلمين وقال الشافعي، وأبو حنيفة: هم المكاتبون. وابن السبيل هو عندهم المسافر في طاعة ينفذ زاده، فلا يجد ما ينفقه، وبعضهم يشترط فيه أن يكون ابن السبيل جار الصدقة. وأما في سبيل الله فقال مالك: سبيل الله مواضع الجهاد، والرباط، وبه قال أبو حنيفة وقال غيره: الحجاج والعمار وقال الشافعي: هو الغازي جار الصدقة، وإنما اشترط جار الصدقة لان عند أكثرهم أنه لا يجوز تنقيل الصدقة من بلد إلى بلد إلا من ضرورة. الفصل الثالث: كم يجب لهم؟ وأما قدر ما يعطى من ذلك، أما الغارم، فبقدر ما عليه إذا كان دينه في طاعة وفي غير سرف، بل في أمر ضروري، وكذلك ابن السبيل يعطى ما يحمله إلى بلده، ويشبه أن يكون ما يحمله إلى مغزاه عند من جعل ابن السبيل الغازي. واختلفوا في مقدار ما يعطى
[ 222 ]
المسكين الواحد من الصدقة، فلم يحد مالك في ذلك حدا، وصرفه إلى الاجتهاد وبه قال الشافعي قال: وسواء كان ما يعطى مذلك نصابا، أو أقل من نصاب. وكره أبو حنيفة أن يعطى أحد من المساكين مقدار نصاب من الصدقة وقال الثوري: لا يعطى أحد أكثر من خمسين درهما. وقال الليث: يعطى ما يبتاع به خادما إذا كان ذا عيال، وكانت الزكاة كثيرة. وكأن أكثرهم مجمعون على أنه لا يجب أن يعطى عطية يصبر بها من الغنى في مرتبة من
لا تجوز له الصدقة، لان ما حصل له من ذلك المال فوق القدر الذي هو به من أهل الصدقة صار في أول مراتب الغنى، فهو حرام عليه وإنما اختلفوا في ذلك لاختلافهم في هذا القدر فهذه المسألة كأنها تبنى على معرفة أول مراتب الغنى. وأما العامل عليها، فلا خلاف عند الفقهاء أنه إنما يأخذ بقدر عمله. فهذا ما رأينا أن نثبته في هذا الكتاب، وإن تذكرنا شيئا مما يشاكل غرضنا، ألحقناه به إن شاء الله تعالى.
[ 223 ]
كتاب زكاة الفطر والكلام في هذا الكتاب يتعلق بفصول: الاول: معرفة حكمها. والثاني: في معرفة من تجب عليه. والثالث: كم تجب عليه، ومماذا تجب عليه؟ والرابع: متى تجب عليه؟ والخامس: من تجوز له؟ الفصل الاول: في معرفة حكمها فأما زكاة الفطر، فإن الجمهور على أنها فرض وذهب بعض المتأخرين من أصحاب مالك إلى أنها سنة وبه قال أهل العراق. وقال قوم: هي منسوخة بالزكاة وسبب اختلافهم: تعارض الآثار في ذلك، وذلك بأنه ثبت من حديث عبد الله بن عمر أنه قال: فرض رسول الله (ص) زكاة الفطر على الناس من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر، أو عبد، ذكر، أو أنثى من المسلمين. وظاهر هذا يقتضي الوجوب على مذهب من يقلد الصاحب في فهم الوجوب أو الندب من أمره عليه الصلاة والسلام إذا لم يحد لنا لفظه. وثبت أن رسول الله (ص) قال في حديث الاعرابي المشهور، وذكر رسول الله (ص) الزكاة قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع، فذهب الجمهور إلى أن هذه الزكاة داخلة تحت الزكاة المفروضة، وذهب الغير إلى أنها غير داخلة، واحتجوا في ذلك بما روي عن قيس بن سعد بن عبادة أنه قال: كان رسول الله (ص) يأمرنا بها قبل نزول الزكاة، فلما نزلت آية الزكاة لم نؤمر بها، ولم ننه عنها، ونحن نفعله. الفصل الثاني: فيمن تجب عليه، وعمن تجب؟
وأجمعوا على أن المسلمين مخاطبون بها ذكرانا كانوا، أو إناثا، صغارا، أو كبارا، عبيدا أو أحرارا لحديث ابن عمر المتقدم إلا ما شذ فيه الليث، فقال: ليس على أهل العمود زكاة الفطر، وإنما هي على أهل القرى، ولا حجة له وما شذ أيضا من قول من لم يوجبها على اليتيم. وأما عمن تجب؟ فإنهم اتفقوا على أنها تجب على المرء في نفسه، وأنها زكاة بدن، لا زكاة مال، وأنها تجب في ولده الصغار عليه، إذا لم يكن لهم مال وكذلك في عبيده، إذا لم يكن لهم مال، واختلفوا فيما سوى ذلك.
[ 224 ]
وتلخيص مذهب مالك في ذلك: أنها تلزم الرجال عمن ألزمه الشرع النفقة عليه، ووافقه في ذلك الشافعي، وإنما يختلفا من قبل اختلافهم فيمن تلزم المرء نفقته، إذا كان معسرا، ومن ليس تلزمه وخالفه أبو حنيفة في الزوجة، وقال تؤدي عن نفسها وخالفهم أبو ثور في العبد إذا كان له مال، فقال: إذا كان له مال زكى عن نفسه، ولم يزك عنه سيده وبه قال أهل الظاهر. والجمهور على أنه لا تجب على المرء في أولاده الصغار، إذا كان لهم مال زكاة فطر، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك وقال الحسن هي على الاب، وإن أعطاها من مال الابن، فهو ضامن وليس من شرط هذه الزكاة الغنى عند أكثرهم، ولا نصاب، بل أن تكون فضلا عن قوته وقوت عياله. وقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا تجب على من تجوز له الصدقة، لانه لا يجتمع أن تجوز له، وأن تجب عليه وذلك بين. والله أعلم. وإنما اتفق على أن هذه الزكاة ليست بلازمة لمكلف مكلف في ذاته فقط، كالحال في سائر العبادات، بل ومن قبل غيره لايجابها على الصغير، والعبيد. فمن فهم من هذا أن علة الحكم الولاية، قال: الولي يلزمه إخراج الصدقة عن كل من يليه، ومن فهم من هذه النفقة، قال: المنفق يجب أن يخرج الزكاة عن كل من ينفق عليه بالشرع. وإنما عرض هذا الاختلاف لانه اتفق في الصغير، والعبد، وهما اللذان نبها على أن هذه الزكاة ليست معلقة بذات المكلف فقط، بل ومن قبل غيره إن وجدت الولاية فيها ووجوب النفقة، فذهب مالك إلى أن العلة في ذلك وجوب النفقة، وذهب أبو حنيفة إلى أن
العلة في ذلك الولاية. ولذلك اختلفوا في الزوجة وقد روي مرفوعا أدوا زكاة الفطر عن كل من تمونون ولكنه غير مشهور. واختلفوا من العبيد في مسائل: إحداها: كما قلنا وجوب زكاته على السيد، إذا كان له مال، وذلك مبني على أنه يملك، أو لا يملك. والثانية: في العبد الكافر هل يؤدى عنه زكاته أم لا؟ فقال مالك والشافعي، وأحمد: ليس على السيد في العبد الكافر زكاة وقال الكوفيون: عليه الزكاة فيه. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في الزيادة الواردة في ذلك في حديث ابن عمر، وهو قوله من المسلمين، فإنه قد خولف فيها نافع بكون ابن عمر أيضا الذي هو راوي الحديث من مذهبه إخراج الزكاة عن العبيد الكفار وللخلاف أيضا سبب آخر، وهو كون الزكاة الواجبة على السيد في العبد هل هي لمكان أن العبد مكلف، أو أنه مال؟ فمن قال: لمكان أنه مكلف اشترط الاسلام ومن قال: لمكان أنه مال لم يشترطه، قالوا: ويدل على ذلك إجماع العلماء على أن العبد، إذا أعتق، ولم يخرج عنه مولاه زكاة الفطر أنه لا يلزمه إخراجها عن نفسه بخلاف الكفارات. والثالثة في المكاتب: فإن مالكا وأبا ثور قالا: يؤدي عنه سيده زكاة الفطر وقال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد: لا زكاة عليه فيه. والسبب في اختلافهم: تردد المكاتب بين الحر، والعبد. والرابعة في عبيد التجارة: ذهب مالك والشافعي، وأحمد إلى أن على السيد فيهم زكاة الفطر وقال أبو حنيفة، وغيره: ليس في عبيد التجارة صدقة. وسبب الخلاف: معارضة القياس للعموم، وذلك أن عموم اسم العبد يقتضي
[ 225 ]
وجوب الزكاة في عبيد التجارة وغيرهم، وعند أبي حنيفة أن هذا العموم مخصص بالقياس، وذلك هو اجتماع زكاتين في مال واحد، وكذلك اختلفوا في عبيد العبيد، وفروع هذا الباب كبيرة. الفصل الثالث: مماذا تجب؟ وأما مماذا تجب؟ فإن قوما ذهبوا إلى أنها تجب إما من البر، أو التمر، أو الشعير أو الزبيب، أو الاقط، وأن ذلك على التخيير للذي تجب عليه وقوم ذهبوا إلى أن
الواجب عليه هو غالب قوت البلد، أو قوت المكلف، إذا لم يقدر على قوت البلد، وهو الذي حكاه عبد الوهاب عن المذهب. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في مفهوم حديث أبي سعيد الخدري أنه قال: كنا نخرج زكاة الفطر في عهد رسول الله (ص) صاعا من الطعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من أقط، أو صاعا من تمر. فمن فهم من هذا الحديث التخيير، قال: أي أخر من هذا، أجزأ عنه، ومن فهم منه أن اختلاف المخرج ليس سببه الاباحة، وإنما سببه اعتبار قوت المخرج، أو قوت غالب البلد قال بالقول الثاني. وأما كم يجب؟ فإن العلماء اتفقوا على أنه لا يؤدى في زكاة الفطر من التمر والشعير أقل من صاع لثبوت ذلك في حديث ابن عمر. واختلفوا في قدر ما يؤدى من القمح. فقال مالك، والشافعي: لا يجزئ منه أقل من صاع وقال أبو حنيفة، وأصحابه: يجزئ من البر نصف صاع. والسبب في اختلافهم: تعارض الآثار، وذلك أنه جاء في حديثث أبي سعيد الخدري أنه قال: كنا نخرج زكاة الفطر في عهد رسول الله (ص) صاعا مطعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من أقط، أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب وظاهره أنه أراد بالطعام القمح. وروى الزهري أيضا عن أبي سعيد عن أبيه أن رسول الله (ص) قال: في صدقة الفطر صاعا من بر بين اثنين، أو صاعا من شعير أو تمرعن كل واحد خرجه أبو داود. وروي عن ابن المسيب أنه قال: كانت صدقة الفطر على عهد رسول الله (ص) نصف صاع من حنطة، أو صاعا شعير، أو صاعا من تمر. فمن أخذ بهذه الاحاديث قال: نصف صاع من البر، ومن أخذ بظاهر حديث أبي سعيد، وقاس البر في ذلك على الشعير سوى بينهما في الوجوب. الفصل الرابع: متى تجب زكاة الفطر؟ وأما متى يجب إخراج زكاة الفطر؟ فإنهم اتفقوا على أنها تجب فآخر رمضان لحديث ابن عمر فرض رسول الله (ص) زكاة الفطر من رمضان واختلفوا في تحديد الوقت، فقال مالك في رواية ابن القاسم عنه تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر، وروى
عنه أشهب أنها تجب بغروب الشمس من آخر يوم رمضان وبالاول قال أبو حنيفة
[ 226 ]
وبالثاني قال الشافعي. وسبب اختلافهم: هل هي عبادة متعلقة بيوم العيد؟ أو بخروج شهر رمضان؟ لان ليلة العيد ليست من شهر رمضان. وفائدة هذا الاختلاف في المولود يولد قبل الفجر من يوم العيد، وبعد مغيب الشمس هل تجب عليه أم لا تجب؟ الفصل الخامس: في مصرفها وأما لمن تصرف، فأجمعوا على أنها تصرف لفقراء المسلمين لقوله عليه الصلاة والسلام: أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم. واختلفوا هل تجوز لفقراء الذمة؟ والجمهور على أنها لا تجوز لهم وقال أبو حنيفة: تجوز لهم. وسبب اختلافهم: هل سبب جوازها هو الفقر فقط، أو الفقر مع الاسلام معا؟ فمن قال: الفقر، والاسلام لم يجزها للذميين، ومن قال: الفقر فقط، أجازها لهم. واشترط قوم في أهل الذمة الذين تجوز لهم أن يكونوا رهبانا وأجمع المسلمون على أن زكاة الاموال لا تجوز لاهل الذمة لقوله عليه الصلاة والسلام صدقة تؤخذ من أغنيائهم، وترد إلى فقرائهم. بسم الله الرحمن الرحيم... وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما.
[ 227 ]
كتاب الصيام وهذا الكتا ب ينقسم أو قسمين: أحدهما: في الصوم الواجب. والآخر: في المندوب إليه. والنظر في الصوم الواجب ينقسم إلى قسمين: أحدهما: في الصوم. والآخر: في الفطر. أما القسم الاول: وهو الصيام، فإنه ينقسم أولا إلى جملتين: إحداهما: معرفة أنواع الصيام الواجب. والاخرى: معرفة أركانه. وأما القسم الذي يتضمن النظر في الفطر، فإنه ينقسم إلى معرفة المفطرات وإلى معرفة المفطرين، وأحكامهم. فلنبدأ بالقسم الاول من
هذا الكتاب. وبالجملة الاولى منه، وهي: معرفة أنواع الصيام. فنقول: إن الصوم الشرعي منه واجب، ومنه مندوب إليه، والواجب ثلاثة أقسام: منه ما يجب للزمان نفسه، وهو صوم شهر رمضان بعينه. ومنه ما يجب لعلة، وهو صيام الكفارات ومنه ما يجب بإيجاب الانسان ذلك على نفسه، وهو صيام النذر والذي يتضمن هذا الكتاب القول فيه من أنواع هذه الواجبات، هو صوم شهر رمضان فقط. وأما صوم الكفارات، فيذكر عند ذكر المواضع التي تجب منها الكفارة، وكذلك صوم النذر، ويذكر في كتاب النذر. فأما صوم شهر رمضان: فهو واجب بالكتاب والسنة، والاجماع. فأما الكتاب فقوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) *. وأما السنة: ففي قوله عليه الصلاة والسلام بني الاسلام على خمس، وذكر فيها الصوم وقوله للاعرابي وصيام شهر رمضان، قال: هل علي غيرها؟ قال: لا إلا أن تطوع. وكان فرض الصوم لشهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة. وأما الاجماع: فإنه لم ينقل إلينا خلاف عن أحد من الائمة في ذلك. وأما على من يجب وجوبا غير مخير، فهو البالغ العاقل الحاضر الصحيح إذا لم تكن فيه الصفة المانعة من الصوم. وهي الحيض للنساء. هذا لا خلا ف فيه لقوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر، فليصمه) *.
[ 228 ]
الجملة الثانية في الاركان والاركان ثلاثة: اثنان متفق عليهما، وهما الزمان والامساك عن المفطرا ت والثالث مختلف فيه، وهو النية. فأما الركن الاول الذي هو الزمان: فإنه ينقسم الى قسمين: أحدهما: زمان الوجوب، وهو شهر رمضان، والآخر زمان الامساك عن المفطرات وهو أيام هذا الشهر دون الليالي، ويتعلق بكل واحد من هذين الزمانين مسائل وقواعد، اختلفوا فيها، فلنبدأ بما يتعلق من ذلك بزمان الوجوب وأول ذلك في تحديد طرفي هذا الزمان. وثانيا في معرفة الطريق التي بها يتوصل إلى معرفة العلامة المحددة في حق شخص شخص، وأفق أفق. فأما طرفا هذا الزمان، فإن العلماء أجمعوا
على أن الشهر العربي يكون تسعا وعشرين، ويكون ثلاثين، وعلى أن الاعتبار في تحديد شهر رمضان، إنما هو الرؤية، لقوله عليه الصلاة والسلام صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته وعنى بالرؤية أول ظهور القمر بعد السؤال. واختلفوا في الحكم، إذا غم الشهر، ولم تمكن الرؤية، وفي وقت الرؤية المعتبر، فأما اختلافهم، إذا غم الهلال، فإن الجمهور يرون أن الحكم في ذلك أن تكمل العدة ثلاثين، فإن كان الذي غم هلال أول الشهر عن الشهر الذي قبله ثلاثين يوما، وكان أول رمضان الحادي والثلاثين وإن كان الذي غم هلال آخر الشهر، صام الناس ثلاثين يوما وذهب ابن عمر إلى أنه، إن كان المغمى عليه هلال أول الشهر، صيم اليوم الثاني، وهو الذي يعرف بيوم الشك. وروي عن بعض السلف أنه إذا أغمي الهلال، رجع إلى الحساب بمسير القمر، والشمس، وهو مذهب مطرف بن الشخير، وهو من كبار التابعين وحكى ابن سريج عن الشافعي أنه قال: من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر، ثم تبين له من جهة الاستدلال أن الهلال مرئي، وقد غم، فإن له أن يعقد الصوم، ويجزيه. وسبب اختلافهم: الاجمال الذي في قوله (ص) صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فاقدروا له. فذهب الجمهور إلى أن تأويله أكملوا العدة ثلاثين. ومنهم من رأى أن معنى التقدير له، هو عده بالحساب، ومنهم من رأى أن معنى ذلك أن يصبح المرء صائما، وهو مذهب ابن عمر كما ذكرنا، وفيه بعد في اللفظ، وإنما صار الجمهور إلى هذا التأويل لحديث ابن عبا س الثابت أنه قال عليه الصلاة والسلام فإن غم عليكم، فأكملوا العدة ثلاثين وذلك مجمل، وهذا مفسر، فوجب أن يحمل المجمل على المفسر. وهي طريقة لا خلاف فيها بين الاصوليين، فإنهم ليس عندهم بين المجمل، والمفسر تعارض أصلا، فمذهب الجمهور في هذا لائح، والله أعلم. وأما اختلافهم في اعتبار وقت الرؤية، فإنهم اتفقوا على أنه، إذا رئي من العشي أن الشهر من اليوم الثاني، واختلفوا إذا رئي في سائر أوقات النهار، أعني أول ما رئي، فمذهب الجمهور أن القمر في أول وقت ت رئي من النهار، أنه لليوم المستقبل كحلم رؤيته بالعشي، وبهذا القول قال
مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وجمهور أصحابهم. وقال أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة
[ 229 ]
والثوري، وابن حبيب من أصحاب مالك: إذا رؤي الهلال قبل الزوال، فهو لليلة الماضية وإن رؤي بعد الزوال، فهو للآتية. وسبب اختلافهم: ترك اعتبار التجربة فيما سبيله التجربة، والرجوع إلى الاخبار في ذلك، وليس في ذلك أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام يرجع إليه، لكن روي عن عمر رضي الله عنه أثران: أحدهما عام، والآخر مفسر، فذهب قوم إلى العام، وذهب قوم إلى المفسر: فأما العام فما رواه الاعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال: أتانا كتاب عمر ونحن بخانقين أن الاهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان أنهما رأياه بالامس. وأما الخاص فما روى الثوري عنه أنه بلغ عمر بن الخطاب أن قوما رأوا الهلال بعد الزوال فأفطروا، فكتب إليهم يلومهم، وقال: إذا رأيتم الهلال نهارا قبل الزوال فأفطروا، وإذا رأيتموه بعد الزوال، فلا تفطروا. قال القاضي: الذي يقتضي القياس، والتجربة أن القمر لا يرى والشمس بعد لم تغب إلا وهو بعيد منها، لانه حينئذ يكون أكبر من قوس الرؤية، وإن كان يختلف في الكبر، والصغر، فبعيد - والله أعلم - أن يبلغ من الكبر أن يرى، والشمس بعد لم تغب ب، ولكن المعتمد في ذلك التجربة كما قلنا، ولا فرق في ذلك قبل الزوال، ولا بعد. وإنما المعتبر في ذلك مغيب الشمس، أو لا مغيبها. وأما اختلافهم في حصول العلم بالرؤية، فإن له طريقين: أحدهما: الحس والآخر: الخبر، فأما طريق الحس، فإن العلماء أجمعوا على أن من أبصر هلال الصوم وحده أن عليه أن يصوم إلا عطاء بن أبي رباح، فإنه قال: لا يصوم إلا برؤية غيره معه. واختلفوا هل يفطر برؤيته وحده؟ فذهب مالك، وأبو حنيفة، وأحمد إلى أنه لا يفطر وقال الشافعي: يفطر، وبه قال أبو ثور وهذا لا معنى له، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد أوجب الصوم والفطر للرؤية والرؤية إنما تكون بالحس، ولولا الاجماع على الصيام بالخبر عن الرؤية لبعد وجوب الصيام بالخبر لظاهر هذا الحديث، وإنما فرق من فرق بين هلال الصوم، والفطر لمكان سد الذريعة أن لا
يدعي الفساق أنهم رأوا الهلال فيفطرون، وهم بعد لم يروه، ولذلك قال الشافعي: إن خاف التهمة، أمسك عن الاكل والشرب، واعتقد الفطر. وشذ مالك فقال: من أفطر، وقد رأى الهلال وحده، فعليه القضاء والكفارة وقال أبو حنيفة: عليه القضاء فقط. وأما طريق الخبر: فإنهم اختلفوا في عدد المخبرين الذين يجب قبول خبرهم عن الرؤية في صفتهم، فأما مالك، فقال: إنه لا يجوز أن يصام، ولا يفطر بأقل من شهادة رجلين عدلين وقال الشافعي في رواية المزني: إنه يصام بشهادة رجل واحد على الرؤية، ولا يفطر بأقل من شهادة رجلين وقال أبو حنيفة: إن كانت السماء مغيمة قبل واحد، وإن كانت صاحية بمصر كبير، لم يقبل إلا شهادة الجم الغفير، وروي عنه أنه تقبل شهادة عدلين، إذا كانت السماء مصحية. وقد روي عن مالك أنه لا تقبل شهادة الشاهدين إلا إذا كانت السماء مغيمة. وأجمعوا على أنه لا تقبل في الفطر إلا اثنان إلا أبا ثور، فإنه لم يفرق في ذلك بين الصوم،
[ 230 ]
والفطر كما فرق الشافعي. وسبب اختلافهم: اختلاف الآثار في هذا الباب، وتردد الخبر في ذلك بين أن يكون من با ب الشهادة، أو من باب العمل بالاحاديث التي لا يشترط فيها العدد. أما الآثار، فمن ذلك ما أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال: إني جالست أصحاب رسول الله (ص)، وسألتهم. وكلهم حدثوني أن رسول الله (ص) قال: صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم، فأتموا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا، وأفطروا. ومنها حديث ابن عباس أنه قال: جاء أعرابي إلى النبي (ص)، فقال: أبصرت الهلال الليلة، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله؟ قال: نعم. قال: يا بلال أذن في الناس، فليصوموا غدا خرجه الترمذي قال: وفي إسناده خلاف، لانه رواه جماعة مرسلا ومنها حديث ربعي بن خراش خرجه أبو داود عن ربعي بن خراش عن رجل من أصحاب رسول الله (ص) قال: كان الناس في آخر يوم من رمضان، فقام أعرابيان، فشهدا عند النبي (ص) لاهل الهلال أمس
عشية، فأمر رسول الله (ص) الناس أن يفطروا، وأن يعودوا إلى المصلى. فذهب الناس في هذه الآثار مذهب الترجيح، ومذهب الجمع: فالشافعي: جمع بين حديث ابن عباس، وحديث ربعي بن خراش على ظاهرهما، فأوجب الصوم بشهادة واحد، والفطر باثنين، ومالك رجح حديث عبد الرحمن بن زيد لمكان القياس: أعني تشبيه ذلك بالشهادة في الحقوق، ويشبه أن يكون أبو ثور لم ير تعارضا بين حديث ابن عباس وحديث ربعي بن خراش، وذلك أن الذي في حديث ربعي ابن خراش أنه قضى بشهادة اثنين، وفي حديث ابن عباس أنه قضى بشهادة واحد، وذلك مما يدل على جواز الامرين جميعا، لا أن ذلك تعارض ولا أن الفضاء الاول مختص بالصوم، والثاني بالفطر، فإن القول بهذا إنما ينبني على توهم التعارض، وكذلك يشبه أن لا يكون تعارض بين حديث عبد الرحمن بن زيد، وبين حديث ابن عباس إلا بدليل الخطاب وهو ضعيف، إذا عارضه النص، فقنرى أن قول أبي ثور على شذوذه هو أبين، مع أن تشبيه الرائي بالراوي، هو أمثل من تشبيهه بالشاهد، لان الشهادة، إما أن يقول إن اشتراط العدد فيها عبادة غيمعللة، فلا يجوز أن يقاس عليها، وإما أن يقول: إن اشتراط العدد فيها لموضع التنازع الذي في الحقوق، والشبهة التي تعرض من قبل قول أحد الخصمين، فاشترط فيها العدد، وليكون الظن أغلب والميل إلى حجة أحد الشخصين أقوى، ولم يتعد بذلك الاثنين لئلا يعسر قيام الشهادة، فتبطل الحقوق، وليس في رؤية القمر شبهة من مخالف توجب الاستظهار بالعدد، ويشبه أن يكون الشافعي إنما فرق بين هلال الفطر، وهلال الصوم للتهمة التي تعرض للناس في هلال الفطر، ولا تعرض في هلال الصوم، ومذهب أبي بكر بن المنذر، هو مذهب أبي ثور وأحسبه هو مذهب أهل الظاهر وقد احتج أبو بكر بن المنذر لهذا الحديث بانعقاد الاجماع على وجوب الفطر،
[ 231 ]
والامساك عن الاكل بقول واحد، فوجب أن يكون الامر كذلك في دخول الشهر، وخروجه، إذ كلاهما علامة تفصل زمان الفطر من زمان الصوم، وإذا قلنا إن الرؤية تثبت بالخبر في
حق من لم يره، فهل يتعدى ذلك من بلد إلى بلد؟ أعني هل يجب على أهل بلد ما إذا لم يروه أن يأخذوا في ذلك برؤية بلد آخر، أم لكل بلد رؤية؟ فيه خلاف، فأما مالك، فإن ابن القاسم، والمصريين رووا عنه أنه إذا ثبت عند أهل بلد أن أهل بلد آخر رأوا الهلال أن عليهم قضاء ذلك اليوم الذي أفطروه، وصامه غيرهم، وبه قال الشافعي، وأحمد. وروى المدنيون عن مالك أن الرؤية لا تلزم بالخبر عند غير أهل البلد الذي وقعت فيه الرؤية، إلا أن يكون الامام يحمل الناس على ذلك، وبه قال ابن الماجشون، والمغيرة من أصحاب مالك. وأجمعوا أنه لا يراعى ذلك في البلدان النائية كالاندلس، والحجاز. والسبب في هذا الخلاف: تعارض الاثر، والنظر، أما النظر، فهو أن البلاد إذا لم تختلف مطالعها كل الاختلاف، فيجب أن يحمل بعضها على بعض لانها في قياس الافق الواحد. وأما إذا اختلفت اختلافا كثيرا فليس يجب أن يحمل بعضها على بعض. وأما الاثر: فما رواه مسلم عن كريب أن أم الفضل بنت الحارث بعثته إلى معاوية بالشام فقال قدمت الشام، فقضيت حاجتها، واستهل علي رمضان، وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر، فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال، فقال: متى رأيتم الهلال؟ فقلت رأيته ليلة الجمعة، فقال: أنت رأيته؟ فقلت: نعم، ورآه الناس، وصاموا، وصام معاوية، قال: لكنا رأيناه ليلة السبت، فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوما، أو نراه، فقلت: ألا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال: لا. هكذا أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام. فظاهر هذا الاثر يقتضي أن لكل بلد رؤيته قرب أو بعد، والنظر يعطي الفرق بين البلاد النائية، والقريبة، وبخاصة ما كان نأيه في الطول، والعرض كثيرا، وإذا بلغ الخبر مبلغ التواتر، لم يحتج فيه إلى شهادة. فهذه هي المسائل التي تتعلق بزمان الوجوب. وأما التي تتعلق بزمان الامساك: فإنهم اتفقوا على أن آخره غيبوبة الشمس لقوله تعالى: * (ثم أتموا الصيام إلى الليل) * واختلفوا في أوله فقال الجمهور: هو طلوع الفجر الثاني المستطير الابيض لثبوت ذلك عن رسول الله (ص)، أعني حده بالمستطير، ولظاهر قوله تعالى: * (حتى يتبين لكم الخيط الابيض) * الآية
وشذت فرقة، فقالوا: هو الفجر الاحمر الذي يكون بعد الابيض وهو نظير الشفق الاحمر وهو مروي عن حذيفة، وابن مسعود. وسبب هذا الخلاف: هو اختلاف الآثار في ذلك، واشتراك اسم الفجر، أعني أنه يقال: على الابيض، والاحمر. وأما الآثا التي احتجوا بها، فمنها: حديث زر عن حذيقة قال تسحرت مع النبي (ص)، ولو أشاء أن أقول: هو النهار إلا
[ 232 ]
أن الشمس لم تطلع وخرج أبو داود عن قيس بن طلق عن أبيه أنه عليه الصلاة والسلام قال: كلوا واشربوا، ولا يهيدنكم الساطع المصعد، فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الاحمر. قال أبو داود: هذا ما تفرد به أهل اليمامة وهذا شذوذ فإن قوله تعالى: * (حتى يتبين لكم الخيط الابيض) * نص في ذلك، أو كالنص، والذين رأوا أنه الفجر الابيض المستطير، وهم الجمهور والمعتمد اختلفوا في الحد المحرم للاكل فقال قوم: هو طلوع الفجر نفسه وقال قوم: هو تبينه عند الناظر إليه ومن لم يتبينه، فالاكل مباح له حتى يتبينه، وإن كان قد طلع، وفائدة الفرق أنه إذا انكشف أن ما ظن من أنه لم يطلع، كان قد طلع فمن كان الحدعنده، هو الطلوع نفسه، أوجب عليه القضاء، ومن قال: هو العلم الحاصل به لم يوجب عليه القضاء. وسبب الاختلاف في ذلك: الاحتمال الذي في قوله تعالى: * (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) * هل على الامساك بالتبين نفسه، أو بالشئ المتبين؟ لان العرب تتجوز، فتستعمل لاحق الشئ بدل الشئ على وجه الاستعارة، فكأنه قال تعالى: * (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود) * لانه إذا تبين في نفسه، تبين لنا. فإذا إضافة التبين لنا هي التي أوقعت الخلاف لانه قد يتبين في نفسه، ويتميز، ولا يتبين لنا، وظاهر اللفظ يوجب تعلق الامساك بالعلم، والقياس يوجب تعلقه بالطلوع نفسه أعني قياسا على الغروب، وعلى سائر حدود الاوقات الشرعية كالزوال، وغيره، فإن الاعتبار في جميعها في الشرع، هو بالامر نفسه لا بالعلم المتعلق به. والمشهور عمالك، وعليه الجمهور أن الاكل يجوز
أن يتصل بالطلوع وقيل: بل يجب الامساك قبل الطلوع والحجة للقول الاول ما في كتاب البخاري أظنه في بعض رواياته قال النبي (ص) وكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم، فإنه لا ينادي حتى يطلع الفجر وهو نص في موضع الخلاف، أو كالنص، والموافق لظاهر قوله تعالى: * (وكلوا واشربوا) * الآية. ومن ذهب إلى أنه يجب الامساك قبل الفجر، فجريا على الاحتياط، وسدا للذريعة، وهو أورع القولين والاول أقيس، والله أعلم. الركن الثاني: وهو الامساك وأجمعوا على أنه يجب على الصائم الامساك زمان الصوم عن المطعوم والمشروب، والجماع لقوله تعالى: * (فالان باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر) *. واختلفوا من ذلك في مسائل: منها مسكوت عنها، ومنها منطوق بها. أما المسكوت عنها: إحداها: فيما يرد الجوف مما
[ 233 ]
ليس بمغذ، وفيما يرد الجوف من غير منفذ الطعام، والشراب مثل الحقنة، وفيما يرد باطن سائر الاعضاء، ولا يرد الجوف مثل أن يرد الدماغ، ولا يرد المعدة. وسبب اختلافهم في هذه: هو قيا س المغذي على غير المغذي، وذلك أن المنطوق به إنما هو المغذي، فمن رأى أن المقصود بالصوم معنى معقول، لم يلحق المغذي بغير المغذي، ومن رأى أنها عبادة غير معقولة، وأن المقصود منها، إنما هو الامساك فقط عما يرد الجوف سوى بين المغذي، وغير المغذي. وتحصيل مذهب مالك أنه يجب الامساك عما يصل إلى الحلق من أي المنافذ وصل مغذيا كان، أو غير مغذ. وأما ما عدا المأكول، والمشروب من المفطرات، فكلهم يقولون: إن من قبل، فأمنى، فقد أفطر، وإن أمذى فلم يفطر إلا مالك. واختلفوا في القبلة للصائم، فمنهم من أجازها، ومنهم من كرهها للشاب، وأجازها للشيخ، ومنهم من كرهها على الاطلاق فمن رخص فيها، فلما روي من حديث عائشة، وأم سلمة أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل، وهو صائم. ومن كرهها، فلما يدعو إليه من الوقاع وشذ قوم،
فقالوا: القبلة تفطر. واحتجوا لذلك بما روي عن ميمونة بنت سعد، قالت: سئل رسول الله (ص) عن القبلة للصائم، فقال: أفطرا جميعا خرج هذا الاثر الطحاوي، ولكن ضعفه. وأما ما يقع من هذه من قبل الغلبة، ومن قبل النسيان، فالكلام فيه عند الكلام في المفطرات، وأحكامها. وأما ما اختلفوا فيه مما هو منطوق به، فالحجامة، والقئ. أما الحجامة، فإن فيها ثلاثة مذاهب، قوم قالوا: إنها تفطر، وأن الامساك عنها واجب، وبه قال أحمد، وداود، والاوزاعي، وإسحق بن راهويه وقوم قالوا: إنها مكروهة للصائم، وليست تفطر وبه قال مالك، والشافعي، والثوري وقوم قالوا: إنها غير مكروهة، ولا مفطرة، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه. وسبب اختلافهم: تعارض الآثار الواردة في ذلك، وذلك أنه ورد في ذلك حديثان: أحدهما: ما روي من طريق ثوبان، ومن طريق رافع بن خديج أنه عليه الصلاة والسلام قال: أفطر الحاجم، والمحجوم وحديث ثوبان هذا كان يصححه أحمد. والحديث الثاني: حديث عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله (ص) احتجم، وهو صائم وحديث ابن عباس هذا صحيح. فذهب العلماء في هذين الحديثين ثلاثة مذاهب: أحدهما: مذهب الترجيح. والثاني: مذهب الجمع. والثالث: مذهب الاسقاط عند التعارض، والرجوع إلى البراءة الاصلية، إذا لم يعلم الناسخ من المنسوخ، فمن ذهب مذهب الترجيح قال بحديث ثوبان وذلك أن هذا موجب حكما، وحديث ابن عباس رافعه، والموجب مرجح عند كثير من العلماء على الرافع، لان الحكم إذا ثبت بطريق يوجب العمل، لم يرتفع إلا بطريق يوجب العمل برفعه، وحديث ثوبان قد وجب العمل به، وحديث ابن عباس يحتمل أن يكون ناسخا، ويحتمل أن يكون منسوخا، وذلك شك، والشك لا يوجب عملا، ولا يرفع العلم الموجب للعمل، وهذا على طريقة من لا يرى الشك مؤثرا في العلم، ومن رام
[ 234 ]
الجمع بينهما، حمل حديث النهي على الكراهة، وحديث الاحتجام على رفع الحظر، ومن أسقطهما للتعارض، قال بإباحة الاحتجام للصائم. وأما القئ، فإن جمهور الفقهاء على أن
من ذرعه القئ، فليس بمفطر إلا ربيعة، فإنه قال إنه مفطر. وجمهورهم أيضا على أن من استقاء، فقاء، فإنه مفطر إلا طاووس. وسبب اختلافهم: ما يتوهم من التعارض بين الاحاديث الواردة في هذه المسألة، واختلافهم أيضا في تصحيحها، وذلك أنه ورد في هذا الباب حديثان: أحدهما حديث أبي الدرداء أن رسول الله (ص) قاء، فأفطر قال معدان: فلقيت ثوبان في مسجد دمشق، فقلت له: إن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله (ص) قاء، فأفطر، قال: صدق أنا صببت له وضوءه وحديث ثوبان هذا صححه الترمذي والآخر حديث أبي هريرة أخرجه الترمذي، وأبو داود أيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال من ذرعه القئ، وهو صائم فليس عليه القضاء وإن استقاء فعليه القضاء وروي موقوفا عن ابن عمر. فمن لم يصح عنده الاثران كلاهما، قال: ليس فيه فطر أصلا، ومن أخذ بظاهر حديث ثوبان، ورجحه على حديث أبي هريرة، أوجب الفطر من القئ بإطلاق، ولم يفرق بين أن يستقئ، أو لا يستقئ، ومن جمع بين الحديثين، وقال حديث ثوبان مجمل، وحديث أبي هريرة مفسر، والواجب حمل المجمل على المفسر، فرق بين القئ، والاستقاء، وهو الذي عليه الجمهور. الركن الثالث: وهو النية والنظر في النية في مواضع: منها هل هي شرط في صحة هذه العبادة أم ليست بشرط؟ وإن كانت شرطا، فما الذي يجزي من تعيينها؟ وهل يجب تجديدها في كل يوم من أيام رمضان، أم يكفي في ذلك النية الواقعة في اليوم الاول؟ وإذا أوقعها المكلف، فأي وقت إذا وقعت فيه صح الصوم؟ وإذا لم تقع فيه بطل الصوم؟ وهل رفض النية يوجب الفطر، وإن لم يفطر؟ وكل هذه المطالب قد اختلف العلماء فيها. أما كون النية شرطا في صحة الصيام، فإنه قول الجمهور وشذ زفر، فقال: لا يحتاج رمضان إلى نية، ألا أن يكون الذي يدركه صيام شهر رمضان مريضا، أو مسافرا، فيريد الصوم. والسبب في اختلافهم: الاحتمال المتطرق إلى الصوم هل هو عبادة معقولة المعنى، أوغير معقولة المعنى؟ فمن
رأى أنها غير معقولة المعنى، أوجب النية، ومن رأى أنها معقولة المعنى قال: قد حصل المعنى، إذا صام، وإن لم ينو، لكن تخصيص زفر رمضان بذلك من بين أنواع الصوم فيه ضعف، وكأنه لما رأى أن أيام رمضان لا يجوز فيها الفطر، رأى أن كل صوم يقع فيها ينقلب صوما شرعيا وأن هذا شئ يخص هذه الايام. وأما اختلافهم في تعيين النية المجزية في ذلك: فإن مالكا قال: لا بد في ذلك من تعيين صوم رمضان ولا يكفيه اعتقاد الصوم مطلقا، ولا اعتقاد صوم معين غير صوم رمضان وقال أبو حنيفة: إن اعتقد
[ 235 ]
مطلق الصوم، أجزأه، وكذلك إن نوى فيه صيام غير رمضان أجزاه، وانقلب إلى صيام رمضان، إلا أن يكون مسافرا، فإنه إذا نوى المسافر عنده في رمضان، صيام غير رمضان، كان ما نوى، لانه لم يجب عليه صوم رمضان وجوبا معينا، ولم يفرق صاحباه بين المسافر، والحاضر وقالا: كل صوم نوي في رمضان، انقلب إلى رمضان. وسبب اختلافهم: هل الكافي في تعيين النية في هذه العبادة، هو تعيين جنس العبادة، أو تعيين شخصها، وذلك أن كلا الامريين موجود في الشرع، مثال ذلك أن النية في الوضوء يكفي منها اعتقاد الحد ث، لاي شئ كان من العبادة التي الوضوء شرط في صحتها، وليس يختص عبادة عبادة بوضوء، وضوء. وأما الصلاة، فلا بد فيها من تعيين شخص العبادة، فلا بد من تعيين الصلاة، إن عصرا، فعصرا، وإن ظهرا، فظهرا. وهذا كله على المشهور عند العلماء، فتردد الصوم عند هؤلاء بين هذين الجنسين فمن ألحقه بالجنس الواحد قال: يكفي في ذلك اعتقاد الصوم فقط ومن ألحقه بالجنس الثاني، اشترط تعيين الصوم. واختلافهم أيضا في إذا نوى في أيام رمضان صوما آخر هل ينقلب، أو لا ينقلب؟ سببه أيضا أن من العبادة عندهم من ينقلب من قبل أن الوقت الذي توقع فيه مختص بالعبادة التي تنقلب إليه، ومنها ما ليس ينقلب أما التي لا تنقلب، فأكثرها، وأما التي تنقلب باتفاق، فالحج. وذلك أنهم قالوا: إذا ابتدأ الحج تطوعا من وجب عليه الحج، انقلب التطوع إلى الفرض، ولم يقولوا ذلك في الصلاة، ولا في غيرها.
فمن شبه الصوم بالحج، قال ينقلب، ومن شبهه بغيره من العبادات قال: لا ينقلب. وأما اختلافهم في وقت النية، فإن مالكا رأى أنه لا يجزئ الصيام إبنية قبل الفجر، وذلك في جميع أنواع الصوم. وقال الشافعي: تجزئ النية بعد الفجر في النافلة، ولا تجزئ في الفروض. وقال أبو حنيفة: تجزئ النية بعد الفجر في الصيام المتعلق وجوبه بوقت معين مثل رمضان، ونذر أيام محدودة، وكذلك في النافلة ولا يجزئ في الواجب في الذمة. والسبب في اختلافهم: تعارض الآثار في ذلك. أما الآثار المتعارضة في ذلك، فأحدها: ما خرجه البخاري عن حفصة أنه قال عليه الصلاة والسلام من لم يبيت الليل من الصيام، فلا صيام له ورواه مالك موقوفا قال أبو عمر: حديث حفصة في إسناده اضطراب. والثاني: ما رواه مسلم عن عائشة قالت: قال لي رسول الله (ص) ذات يوم يا عائشة هل عندكم شئ؟ قالت: قلت: يا رسول الله ما عندنا شئ، قال: فإني صائم ولحديث معاوية أنه قال على المنبر: يا أهل المدينة أين علماؤكم سمعت رسول الله (ص) يقول اليوم: هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب علينا صيامه، وأنا صائم، فمن شاء منكم، فليصم، وما شاء، فليفطر فمن ذهب مذهب الترجيح، أخذ بحديث حفصة، ومن ذهب مذهب الجمع، فرق بين النفل، والفرض، أعني حمل حديث حفصة على الفرض وحديث عائشة، ومعاوية على النفل، وإنما فرق أبو حنيفة بين الواجب المعين، والواجب في الذمة، لان الواجب المعين له وقت مخصوص
[ 236 ]
يقوم مقام النية في التعيين، والذي في الذمة ليس له وقت مخصوص فأوجب إذن التعيين بالنية. وجمهور الفقهاء على أنه ليست الطهارة من الجنابة شرطا في صحة الصوم، لما ثبت من حديث عائشة، وأم سلمة زوجي النبي (ص) أنهما قالتا كان رسول الله (ص) يصبح جنبا من جماع غير احتلام في رمضان، ثم يصوم ومن الحجة لهما الاجماع على أن الاحتلام بالنهار لا يفسد الصوم، وروي عن إبراهيم النخعي وعروة بن الزبير، وطاووس أنه إن تعمد ذلك أفسد صومه. وسبب اختلافهم: ما روي عن أبي هريرة أنه كان يقول: من أصبح جنبا في
رمضان، أفطر وروي عنه أنه قال: ما أنا قلته محمد (ص) قاله، ورب الكعبة. وذهب ابن الماجشون من أصحاب مالك أن الحائض، إذا ظهرت قبل الفجر، فأخرت الغسل أن يومها يوم فطر، وأقاويل هؤلاء شاذة، ومردودة بالسنن المشهورة الثابتة. القسم الثاني: من الصوم المفروض وهو الكلام في الفطر، وأحكامه، والمفطرون في الشرع على ثلاثة أقسام: وصنف يجوز له الفطر، والصوم بإجماع، وصنف يجب عليه الفطر على اختلاف في ذلك بين المسلمين. وصنف لا يجوز له الفطر، وكل واحد من هؤلاء تتعلق به أحكام. أما الذين يجوز لهم الامران: فالمريض باتفاق، والمسافر باختلاف والحامل، والمرضع، والشيخ الكبير، وهذا التقسيم كله مجمع عليه. فأما المسافر، فالنظر فيه في مواضع منها: هل إن صام، أجزأه صومه، أم ليس يجزيه؟ وهل إن كان يجزي المسافر صومه الافضل له الصوم أو الفطر، أو هو مخير بينهما؟ وهل الفطر الجائز له هو في سفر محدود، أم في كل ما ينطلق عليه اسم السفر في وضع اللغة؟ ومتى يفطر ومتى يمسك؟ وهل إذا مرض بعض الشهر له أن ينشئ السفر أم لا؟ ثم إذا أفطر ما حكمه؟ وأما المريض فالنظر فيه أيضا في تحديد المرض الذي يجوز له فيه الفطر، وفي حكم الفطر. أما المسألة الاولى: وهي إن صام المريض، والمسافر هل يجزيه صومه عن فرضه، أم لا؟ فإنهم اختلفوا في ذلك، فذهب الجمهور إلى أنه، إن صام، وقع صيامه، وأجزأه وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا يجزيه، وأن فرضه هو أيام أخر. والسبب في اختلافهم: تردد قوله تعالى: * (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) * بين أن يحمل على الحقيقة، فلا يكون هنالك محذوف أصلا، أو يحمل على المجاز، فيكون التقدير فأفطر، فعدة من أيام أخر، وهذا الحذف في الكلام هو الذي يعرفه أهل صناعة الكلام بلحن الخطاب. فمن حمل الآية على الحقيقة، ولم يحملها على المجاز، قال: إن فرض المسافر عدة من أيام أخر لقوله تعالى: * (فعدة من أيام أخر) * ومن قدر فأفطر قال: إنما فرضه عدة من
[ 237 ]
أيام أخر، إذا أفطر، وكلا الفريقين يرجح تأويله بالآثار الشاهدة لكلا المفهومين، وإن كان الاصل، هو أن يحمل الشئ على الحقيقة حتى يدل الدليل على حمله على المجاز. أما الجمهور: فيحتجون لمذهبهم بما ثبت من حديث أنس قال: سافرنا مع رسول الله (ص) في رمضان، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم وبما ثبت عنه أيضا أنه قال: كان أصحاب رسول الله (ص) يسافرون، فيصوم بعضهم، ويفطر بعضهم وأهل الظاهر يحتجون لمذهبهم بما ثبت عن ابن عباس أن رسول الله (ص) خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، فأفطر الناس، وكانوا يأخذون بالاحدث، فالاحدث من أمر رسول الله (ص) قالوا: وهذا يدل على نسخ الصوم، قال أبو عمر: والحجة على أهل الظاهر إجماعهم على أن المريض إذا صام، أجزأه صومه. وأما المسألة الثانية: وهي هل الصوم أفضل، أو الفطر؟ إذا قلنا: إنه من أهل الفطر على مذهب الجمهور، فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة مذاهب: فبعضهم رأى أن الصوم أفضل، وممن قال بهذا القول مالك وأبو حنيفة وبعضهم رأى أن الفطر أفضل، وممن قال بهذا القول أحمد، وجماعة، وبعضهم رأى أن ذلك على التخيير، وأنه ليس أحدهما أفضل. والسبب في اختلافهم: معارضة المفهوم من ذلك لظاهر بعض المنقول، ومعارضة المنقول بعضه لبعض، وذلك أن المعنى المعقول من إجازة الفطر للصائم إنما هو الرخصة له، لمكان رفع المشقة عنه، وما كان رخصة، فالافضل ترك الرخصة ويشهد لهذا حديث حمزة عن عمرو الاسلمي خرجه مسلم أنه قال يا رسول الله أجد في قوة على الصيام في السفر، فهل علي من جناح؟ فقال رسول الله (ص): هي رخصة من الله فمن أخذ بها، فحسن ومن أحب أن يصوم، فلا جناح عليه. وأما ما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام ليس من البر أن تصوم في السفر ومن أن آخر فعله عليه الصلاة والسلام كان الفطر. فيوهم أن الفطر أفضل، لكن الفطر، لما كان ليس حكما، وإنما هو من فعل المباح، عسر على الجمهور أن
يضعوا المباح أفضل من الحكم. وأما من خير في ذلك، فلمكان حديث عائشة قالت: سأل حمزة بن عمرو الاسلمي رسول الله (ص) عن الصيام في السفر فقال إن شئت، فصم، وإن شئت، فأفطر خرجه مسلم. وأما المسألة الثالثة: وهي هل الفطر الجائز للمسافر هو في سفر محدود، أو في سفر غير محدود؟ فإن العلماء اختلفوا فيها، فذهب الجمهور إلى أنه إنما يفطر في السفر الذي تقصر فيه الصلاة وذلك على حسب اختلافهم في هذه المسألة، وذهب قوم إلى أنه يفطر في كل ما ينطلق عليه اسم السفر، وهم أهل الظاهر. والسبب في اختلافهم: معارضة ظاهر اللفظ للمعنى، وذلك أن ظاهر اللفظ أن كل من ينطلق عليه اسم مسافر، فله أن يفطر لقوله تعالى: * (ومن كان مريضا أو على سفر فعدة
[ 238 ]
من أيام أخر) * وأما المعنى المعقول من إجازة الفطر في السفر، فهو المشقة، ولما كان الصحابة كأنهم مجمعون على الحد في ذلك وجب أن يقاس في ذلك على الحد في تقصير الصلاة. وأما المرض الذي يجوز فيه الفطر، فإنهم اختلفوا فيه أيضا، فذهب قوم إلى أنه المرض الذي يلحق من الصوم فيه مشقة وضرورة، وبه قال مالك وذهب قوم إلى أنه المرض الغالب وبه قال أحمد. وقال قوم: إذا انطلق عليه اسم المريض، أفطر وسبب اختلافهم: هو بعينه سبب اختلافهم في حد السفر. وأما المسألة الخامسة: وهي متى يفطر المسافر، ومتى يمسك، فإن قوما قالوا: يفطر يومه الذي خرج فيه مسافرا، وبه قال الشعبي والحسن، وأحمد. وقالت طائفة: لا يفطر يومه ذلك، وبه قال فقهاء الامصار واستحبت جماعة العلماء لمن علم أنه يدخل المدينة أول يومه ذلك أن يدخل صائما وبعضهم في ذلك أكثر تشديدا من بعض، وكلهم لم يوجبوا علمن دخل مفطرا كفارة. واختلفوا فيمن دخل: وقد ذهب بعض النهار، فذهب مالك الشافعي إلى أنه يتمادى على فطره وقال أبو حنيفة وأصحابه: يكف عن الاكل، وكذلك الحائض عنده تطهر، تكف عن الاكل. والسبب في اختلافهم في الوقت الذي يفطر فيه
المسافر: هو معارضة الاثر للنظر. أما الاثر، فإنه ثبت من حديث ابن عباس أن رسول الله (ص) صام حتى بلغ الكديد، ثم أفطر، وأفطر الناس معه وظاهر هذا أنه أفطر بعد أن بيت الصوم. وأما الناس، فلا شك أنهم أفطروا بعد تبييتهم الصوم وفي هذا المعنى أيضا حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله (ص) خرج عام الفتح إلى مكة، فسار حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة. وخرج أبو داود عن أبي نضرة الغفاري أنه لما تجاوز البيوت دعا بالسفرة، قال جعفر راوي الحديث، فقال: ألست تؤم البيوت؟ فقال: أترغب عن سنة رسول الله (ص)؟ قال جعفر: فأكل. وأما النظر، فلما كان المسافر لا يجوز له إلا أن يبيت الصوم ليلة سفره، لم يجز له أن يبطل صومه، وقد بيته لقوله تعالى: * (ولا تبطلوا أعمالكم) *. وأما اختلافهم في إمساك الداخل في أثناء النهار عن الاكل، أو لا إمساكه: فالسبب فيه اختلافهم في تشبيه من يطرأ عليه في يوم شك أفطر فيه الثبوت أنه من رمضان، فمن شبهه به، قال: يمسك عن الاكل، ومن لم يشبهه به، قال: لا يمسك عن الاكل، لان الاول، أكل موضع الجهل، وهذا أكل لسبب مبيح، أو موجب للاكل، والحنفية تقول: كلاهما سببان موجبان للامساك عن الاكل بعد إباحة الاكل.
[ 239 ]
وأما المسألة السادسة: وهي هل يجوز للصائم في رمضان أن ينشئ سفرا، ثم لا يصوم فيه، فإن الجمهور على أنه يجوز ذلك له. وروي عن بعضهم، وهو عبيدة السلماني، وسويد بن غفلة وابن مجلز أنه إن سافر فيه صام، ولم يجيزوا له الفطر. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في مفهوم قوله تعالى: * (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) * وذلك أنه يحتمل أن يفهم منه أن من شهد بعض الشهر، فالواجب عليه أن يصومه كله، ويحتمل أن يفهم منه أن من شهد أن الواجب أن يصوم ذلك البعض الذي شهده، وذلك أنه لما كان
المفهوم باتفاق أن من شهده كله، فهو يصومه كله، كان من شهد بعضه، فهو يصوم بعضه ويؤيد تأويل الجمهور إنشاء رسول الله (ص) السفر في رمضان. وأما حكم المسافر إذا أفطر، فهو القضاء باتفاق، وكذلك المريض لقوله تعالى: * (فعدة من أيام أخر) * ما عدا المريض بإغماء أو جنون، فإنهم اختلفوا في وجوب القضاء عليه، وفقهاء الامصار على وجوبه على المغمى عليه. واختلفوا في المجنون ومذهب مالك وجوب القضاء عليه وفيه ضعف لقوله عليه الصلاة والسلام... وعن المجنون حتى يفيق والذين أوجبوا عليهما القضاء اختلفوا في كون الاغماء، والجنون مفسدا للصوم، فقوم قالوا: إن مفسد، وقوم قالوا: ليس بمفسد، وقوم فرقوا بين أن يكون أغمي عليه بعد الفجر، أو قبل الفجر، وقوم قالوا: إن أغمي عليه بعد مضي أكثر النهار أجزأه وإن أغمي عليه في أول النهار قضى، وهو مذهب مالك، وهذا كله فيه ضعف فإن الاغماء، والجنون يرتفع بها التكليف وبخاصة الجنون، وإذا ارتفع التكليف لم يوصف بمفطر، ولا صائم، فكيف يقال في الصفة التي ترفع التكليف إنها مبطلة للصوم، إلا كما يقال في الميت، أو فيمن لا يصح منه العمل إنه قد بطل صومه، وعمله؟! ويتعلق بقضاء المسافر، والمريض مسائل: منها هل يقضيان ما عليهما متتابعا، أم لا؟ ومنها ماذا عليهما، إذا أخرا القضاء بغير عذر إلى أن يدخل رمضان آخر، ومنها إذا ماتا، ولم يقضيا هل يصوم عنهما وليهما، أو لا يصوم؟ أما المسألة الاولى: فإن بعضهم أوجب أن يكون القضاء متتابعا على صفة الاداء، وبعضهم لم يوجب ذلك، وهؤلاء منهم من خير، ومنهم من استحب التتابع، والجماعة على ترك إيجاب التتابع. وسبب اختلافهم: تعارض ظواهر اللفظ والقياس، وذلك أن القياس يقتضي أن يكون الاداء على صفة القضاء أصل ذلك الصلاة والحج، أما ظاهر قوله تعالى: * (فعدة من أيام أخر) * فإنما يقتضي إيجاب العدد فقط. لا إيجا ب التتابع. وروي عن عائشة أنها قالت: نزلت * (فعدة من أيام أخر) * متتابعات فسقطت متتابعات. وأما إذا أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر، فقال قوم: يجب عليه بعد صيام رمضان الداخل القضاء، والكفارة، وبه قال مالك، والشافعي
[ 240 ]
وأحمد وقال قوم: لا كفارة عليه، وبه قال الحسن البصري، وإبراهيم النخعي. وسبب اختلافهم: هل تقاس الكفارات بعضها على بعض أم لا؟ فمن لم يجز القياس في الكفارات قال: إنما عليه القضاء فقط، ومن أجاز القياس في الكفارات قال: عليه الكفارة قياسا على من أفطر متعمدا، لان كليهما مستهين بحرمة الصوم: أما هذا، فبترك القضاء زمان القضاء، وأما ذلك، فبالاكل في يوم لا يجوز فيه الاكل، وإنما كان يكون القياس مستندا لو ثبت أن للقضاء زمانا محدودا بنص من الشارع، لان أزمنة الاداء، هي محدودة في الشرع. وقد شذ قوم، فقالوا: إذا اتصل مرض المريض حتى يدخل رمضان آخر أنه لا قضاء عليه، وهذا مخالف للنص. وأما إذا مات، وعليه صوم، فإن قوما قالوا: لا يصوم أحد عن أحد. وقوم قالوا: يصوم عنه وليه، والذين لم يوجبوا الصوم قالوا: يطعم عنه وليه، وبه قال الشافعي. وقال بعضهم: لا صيام، ولا إطعام، إلا أن يوصي به، وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة: يصوم، فإن لم يستطع أطعم وفرق قوم بين النذر، والصيام المفروض، فقالوا: يصوم عنه وليه في النذر، ولا يصوم عنه في الصيام المفروض. والسبب في اختلافهم: معارضة القياس للاثر، وذلك أنه ثبت عنه من حديث عائشة أنه قال عليه الصلاة والسلام من مات وعليه صيام، صام عنه وليه خرجه مسلم، وثبت عنه أيضا من حديث ابن عباس أنه قال: جاء رجل إلى النبي (ص)، فقال: يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ فقال: لو كان على أمك دين أكنت قاضيته عنها؟ قال: نعم، قال: فدين الله أحق بالقضاء فمن رأى أن الاصول تعارضه، وذلك أنه كما لا يصلي أحد عن أحد، ولا يتوضأ أحد عن أحد، كذلك لا يصوم أحد عن أحد، قال: لا صيام على الولي. ومن أخذ بالنص في ذلك وقال بإيجاب الصيام عليه، ومن لم يأخذ بالنص في ذلك، قصر الوجوب على النذر، ومن قاس رمضان عليه، قال: يصوم عنه في رمضان. وأما من أوجب الاطعام، فمصيرا إلى قراءة من قرأ * (وعلى الذين يطيقونه فدية) * الآية ومن خير في ذلك، فجمعا بين الآية، والاثر فهذه هي أحكام المسافر، والمريض من الصنف الذين يجوز لهم
الفطر، والصوم فهذه هي أحكام المسافر والمريض من الصنف الذين يجوز لهم الفطر والصوم. وأما باقي هذا الصنف، وهو المرضع، والحامل، والشيخ الكبير، فإن فيه مسألتين مشهورتين: إحداهما: الحامل، والمرضع إذا أفطرتا ماذا عليهما؟ وهذه المسألة للعلماء فيها أربعة مذاهب: أحدها: أنهما يطعمان، ولا قضاء عليهما، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس. والقول الثاني: أنهما يقضيان فقط، ولا إطعام عليهما، وهو مقابل الاول. وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه وأبو عبيد، وأبو ثور. والثالث: أنهما يقضيان، ويطعمان، وبه قال الشافعي. والقول الرابع: أن الحامل تقضي، ولا تطعم، والمرضع تقضي وتطعم. وسبب اختلافهم: تردد شبههما بين الذي يجهده الصوم، وبين المريض فمن شبههما بالمريض قال:
[ 241 ]
عليهما القضاء فقط، ومن شبههما بالذي يجهده الصوم قال: عليهما الاطعام فقط، بدليل قراءة من قرأ * (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين) * الآية. وأما من جمع عليهما الامرين، فيشبه أن يكون رأى فيهما من كل واحد شبها، فقال: عليهما القضاء من جهة ما فيهما من من شبه المريض وعليهما الفدية من جهة ما فيهما من شبه الذين يجهدهم الصيام ويشبه أن يكون شبههما بالمفطر الصحيح، لكن يضعف هذا، فإن الصحيح لا يباح له الفطر. ومن فرق بين الحامل، والمرضع، ألحق الحامل بالمريض، وأبقى حكم المرضع مجموعا من حكم المريض، وحكم الذي يجهده الصوم، أو شبهها بالصحيح. ومن أفرد لهما أحد الحكمين أولى - والله أعلم - ممن جمع كما أن من أفردهما بالقضاء أولى ممن أفردهما بالاطعام فقط، لكون القراءة غير متواترة فتأمل هذا، فإنه بين. وأما الشيخ الكبير، والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام، فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا، واختلفوا فيما عليهما، إذا أفطرا، فقال قوم: عليهما الاطعام، وقال قوم: ليس عليهما إطعام، وبالاول قال الشافعي وأبو حنيفة وبالثاني قال مالك ألا أنه استحبه وأكثر من رأى الاطعام عليهما، يقول مد عن كل يوم، وقيل إن حفن حفنات كما كان أنس يصنع
أجزأه. وسبب اختلافهم: اختلافهم في القراءة التي ذكرنا، أعني قراءة من قرأ * (وعلى الذين يطوقونه) * فمن أوجب العمل بالقراءة التي لم تثبت في المصحف إذا وردت من طريق الآحاد العدول، قال: الشيخ منهم، ومن لم يوجب بها عملا، جعل حكمه حكم المريض الذي يتمادى به المرض حتى يموت، فهذه هي أحكام الصنف من الناس الذين يجوز لهم الفطر، أعني أحكامهم المشهورة التي أكثرها منطوق به، أو لها تعلق بالمنطوق به في الصنف الذي يجوز له الفطر. وأما النظر في أحكام الصنف الذي لا يجوز له الفطر، إذا أفطر، فإن النظر في ذلك يتوجه إلى من يفطر بجماع، وإلى من يفطر بغير جماع، وإلى من يفطر بأمر متفق عليه، وإلى من يفطر بأمر مختلف فيه، أعني بشبهة أو بغير شبهة، وكل واحد من هذين: إما أن يكون على طريق السهو أو طريق العمد، أو طريق الاختيار، أو طريق الاكراه. أما من أفطر بجماع متعمدا في رمضان: فإن الجمهور على أن الواجب عليه القضاء، والكفارة لما ثبت من حديث أبي هريرة أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله (ص)، فقال: هلكت يا رسول الله: قال: وما أهلكك؟ قال: وقعت على امرأتي في رمضان، قال: هل تجد ما تعتق به رقبة؟ قال: لا، قال: فهل تستطيع أن تصوم الشهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: فهل تجد ما تطعم به ستين مسكينا؟ قال: لا، ثم جلس، فأتي النبي (ص) بفرق فيه تمر، فقال: تصدق بهذا، فقال: أعلى أفقر مني؟ فما
[ 242 ]
بين لابتتها أهل بيت أحوج إليه منه قال: فضحك النبي (ص) حتى بدت أنيابه، ثم قال: اذهب فأطعمه أهلك. واختلفوا من ذلك فمواضع: منها هل الافطار متعمدا بالاكل، والشرب حكمه حكم الافطار بالجماع في القضاء، والكفارة، أم لا؟، ومنها إذا جامع ساهيا ماذا عليه؟ ومنها ماذا على المرأة، إذا لم تكن مكرهة؟ ومنها هل الكفارة واجبة فيه مترتبة، أو على التخيير؟ ومنها كم المقدار الذي يجب أن يعطى كل مسكين، إذا كفر بالاطعام؟ ومنها هل الكفارة متكررة بتكرر الجماع، أم لا؟ ومنها إذا لزمه الاطعام. وكان
معسرا هل يلزمه الاطعام، إذا أثرى أم لا؟. وشذ قوم: فلم يوجبوا على المفطر عمدا بالجماع إلا القضاء فقط، إما لانه لم يبلغهم هذا الحديث، وإما لانه لم يكن الامر عزمة في هذا الحديث، لانه لو كان عزمة، لوجب إذا لم يستطع الاعتاق، أو الاطعام أن يصوم ولا بد، إذا كان صحيحا على ظاهر الحديث، وأيضا لو كان عزمة، لاعلمه عليه الصلاة والسلام أنه إذا صح أنه يجب عليه الصيام أن لو كان مريضا. وكذلك شذ قوم أيضا، فقالوا: ليس عليه الكفارة فقط، إذ ليس في الحديث ذكر القضاء، والقضاء الواجب بالكتاب إنما هو لمن أفطر ممن يجوز له الفطر، أو ممن لا يجوز له الصوم على الاختلاف الذي قررناه قبل في ذلك، فأما من أفطر متعمدا، فليس في إيجاب القضاء عليه نص، فيلحق في قضاء المتعمد الخلاف الذي لحق في قضاء تارك الصلاة عمدا حتى خرج وقتها، إلا أن الخلاف في هاتين المسألتين شاذ. وأما الخلاف المشهور، فهو في المسائل التي عددناها قبل. وأما المسألة الاولى: وهي هل تجب الكفارة بالافطار بالاكل، والشرب متعمدا، فإن مالكا، وأصحابه وأبا حنيفة، وأصحابه، والثوري، وجماعة ذهبوا إلى أن من أفطر متعمدا بأكل، أو شر ب أن عليه القضاء، والكفارة المذكورة في هذا الحديث. وذهب الشافعي وأحمد، وأهل الظاهر إلى أن الكفارة، إنما تلزم في الافطار من الجماع فقط. والسبب في اختلافهم: اختلافهم في جواز قياس المفطر بالاكل والشرب، وعلى المفطر بالجماع، فمن رأى أن شبههما فيه واحد، وهو انتهاك حرمة الصوم، جعل حكمهما واحدا. ومن رأى أنه، وإن كانت الكفارة عقابا لانتهاك الحرمة فإنها أشد مناسبة للجماع منهالغيره، وذلك أن العقاب المقصود به الردع، والعقاب الاكبر قد يوضع لما إليه النفس أميل، وهو لها أغلب من الجنايات وإن كانت الجناية متقاربة، إذ كان المقصود من ذلك التزام الناس الشرائع وأن يكونوا أخيارا عدولا، كما قال تعالى: * (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) * قال: هذه الكفارة المغلظة خاصة بالجماع، وهذا إذا كان
[ 243 ]
ممن يرى القياس. وأما من لا يرى القياس فأمره بين، أنه ليس يعدي حكم الجماع إلى الاكل والشرب. وأما ما روى مالك في الموطأ أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره النبي (ص) بالكفارة المذكورة فليس بحجة، لان قول الراوي، فأفطر هو مجمل، والمجمل ليس له عموم، فيؤخذ به، لكن هذا قول على أن الراوي كان يرى أن الكفارة كانت لموضع الافطار، ولولا ذلك، لما عبر بهذا اللفظ، ولذكر النوع من الفطر الذي أفطر به. وأما المسألة الثانية: وهو إذا جامع ناسيا لصومه، فإن الشافعي، وأبا حنيفة يقولان: لا قضاء عليه، ولا كفارة. وقال مالك: عليه القضاء دون الكفاءة. وقال أحمد، وأهل الظاهر: عليه القضاء، والكفارة. وسبب اختلافهم في قضاء الناسي: معارضة ظاهر الاثر في ذلك القياس. وأما القياس، فهو تشبيه ناسي الصوم بناسي الصلاة فمن شبهه بناسي الصلاة، أوجب عليه القضاء كوجوبه بالنص على ناسي الصلاة. وأما الاثر المعارض بظاهره لهذا القياس، فهو ما أخرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله (ص) من نسي - وهو صائم - فأكل، أو شرب، فليتم صومه، فأنما أطعمه الله وسقاه وهذا الاثر يشهد به عموم قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه. ومن هذا الباب اختلافهم فيمن ظن أن الشمس قد غربت، فأفطر، ثم ظهرت الشمس بعد ذلك هل عليه قضاء أم لا؟ وذلك أن هذا مخطئ والمخطئ، والناسي حكمهما واحد، فكيفما قلنا، فتأثير النسيان في إسقاط القضاء بين. والله أعلم. وذلك أنا إن قلنا: إن الاصل هو أن لا يلزم الناس قضاء حتى يدل الدليل على ذلك، وجب أن يكون النسيان لا يوجب القضاء في الصوم، إذ لا دليل ههنا على ذلك بخلاف الامر في الصلاة، وإن قلنا إن الاصل، هو إيجاب القضاء حتى يدل الدليل على رفعه عن الناسي، فقد دل الدليل في حديث أبي هريرة على رفعه عن الناسي، اللهم إلا أن يقول قائل: إن الدليل الذي استثنى ناسي الصوم من الناسي سائر العبادات والكفارة على المجامع ناسيا، فضعيف، فإن تأثير النسيان في إسقاط العقوبات بين في الشرع، والكفارة من
أنواع العقوبات، وإنما أصارهم إلى ذلك أخذهم بمجمل الصفة المنقولة في الحديث أعني من أنه لم يذكر فيه أنه فعل ذلك عمدا، ولا نسيانا، لكن من أوجب الكفارة على قاتل الصيد نسيانا، لم يحفظ أصله في هذا، مع أن النص إنما جاء في المتعمد، وقد كان يجب على أهل الظاهر أن يأخذوا بالمتفق عليه، وهو إيجاب الكفارة على العامد إلى أن يدل الدليل على إيجابها على الناسي، أو يأخذوا بعموم قوله عليه الصلاة والسلام رفع عن أمتي الخطأ، والنسيان حتى يدل الدليل على التخصيص، ولكن كلا الفريقين، لم يلزم أصله، وليس في مجمل ما نقل من حديث الاعرابي حجة، ومن قال من أهل الاصول إن ترك التفصيل في اختلاف الاحوال من الشارع بمنزلة العموم في الاقوال، فضعيف، فإن الشارع لم يحكم قط إلا على مفصل، وإنما الاجمال في حقنا.
[ 244 ]
وأما المسألة الثالثة: وهو اختلافهم في وجوب الكفارة على المرأة، إذا طاوعته على الجماع، فإن أبا حنيفة، وأصحابه، ومالكا، وأصحابه، أوجبوا عليها الكفارة وقال الشافعي، وداود: لا كفارة عليها. وسبب اختلافهم: معارضة ظاهر الاثر للقياس، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر المرأة في الحديث بكفارة، والقياس أنها مثل الرجل، إذ كان كلاهما مكلفا. وأما المسألة الرابعة: وهي هل هذه الكفارة متربة ككفارة الظهار، أو على التخيير؟ وأعني بالترتيب أن لا ينتقى المكلف إلى واحد من الواجبات المخيرة، إلا بعد العجز عن الذي قبله، وبالتخيير أن يفعل منها ما شاء ابتداء من غير عجز عن الآخر، فإنهم أيضا اختلفوا في ذلك، فقال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري، وسائر الكوفيين: هي غير مرتبة فالعتق أولا، فإن لم يجد، فالصيام، فإن لم يستطع، فالاطعام وقال مالك: هي على التخيير. وروى عنه ابن القاسم مع ذلك أنه يستحب الاطعام أكثر من العتق، ومن الصيام. وسبب اختلافهم في وجوب الترتيب: تعارض ظواهر الآثار في ذلك والاقيسة، وذلك أن
ظاهر حديث الاعرابي المتقدم يوجب أنها على الترتيب إذ سأله النبي عليه الصلاة والسلام عن الاستطاعة عليها مرتبا، وظاهر ما رواه مالك من أن رجلا أفطر في رمضان، فأمره رسول الله (ص) أن يعتق رقبة، أو يصوم شهرين متتابعين، أو يطعم ستين مسكينا أنها على التخيير، إذ (أو) إنما تقتضي في لسان العرب التخيير، وإن كان ذلك من لفظ الراوي الصاحب، إذ كانوا هم أقعد بمفهوم الاحوال، ودلالات الاقوال. وأما الاقيسة المعارضة في ذلك، فتشبيهها تارة بكفارة الظهار، وتارة بكفارة اليمين، لكنها أشبه بكفارة الظهار منها بكفارة اليمين، وأخذ الترتيب من حكاية لفظ الراوي. وأما استحباب الابتداء بالاطعام، فمخالف لظواهر الآثار، وإنما ذهب إلى هذا من طريق القياس، لانه رأى الصيام قد وقع بدله الاطعام في مواضع شتى من الشرع، وأنه مناسب له أكثر من غيره بدليل قراءة من قرأ * (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين) * ولذلك استحب هو وجماعة من العلماء لمن مات، وعليه صوم أن يكفر بالاطعام عنه، وهذا كأنه من باب ترجيح القياس الذي تشهد له الاصول على الاثر الذي لا تشهد له الاصول. وأما المسألة الخامسة: وهو اختلافهم في مقدار الاطعام، فإن مالكا، والشافعي وأصحابهما قالوا: يطعم لكل مسكين مدا بمد النبي (ص) وقال أبو حنيفة: لا يجزئ أقل من مدين بمد النبي (ص)، وذلك صاع لكل مسكين. وسبب اختلافهم: معارضة القياس للاثر: أما القياس، فتشبيه هذه الفدية بفدية الاذى المنصوص عليها. وأما الاثر، فما روي في بعض طرق حديث الكفارة أن الفرق كان فيه خمسة عشر صاعا، لكن
[ 245 ]
ليس يدل كونه فيه خمسة عشر صاعا على الواجب من ذلك لكل مسكين إلا دلالة ضعيفة، وإنما يدل على أن بدل الصيام في هذه الكفارة، هو هذا القدر. وأما المسألة السادسة: وهي تكرر الكفارة بتكرر الافطار، فإنهم أجمعوا على أن من
وطئ في يوم رمضان، ثم كفر، ثم وطئ في يوم آخر أن عليه كفارة أخرى. وأجمعوا على أنه من وطئ مرارا في يوم واحد أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة واختلفوا فيمن وطئ في يوم من رمضان، ولم يكفر حتى وطئ في يوم ثان، فقال مالك، والشافعي، وجماعة: عليه لكل يوم كفارة وقال أبو حنيفة، وأصحابه: عليه كفارة واحدة ما لم يكفر عن الجماع الاول. والسبب في اختلافهم: تشبيه الكفارات بالحدود، فمن شبهها بالحدود قال: كفارة واحدة تجزئ في ذلك عن أفعال كثيرة، كما يلزم الزاني جلد واحد، وإن زنى ألف مرة، إذا لم يحد لواحد منها، ومن لم يشبهها بالحدود، جعل لكل واحد من الايام حكما منفردا بنفسه في هتك الصوم فيه، أوجب في كل يوم كفارة. قالوا: والفرق بينهما أن الكفارة فيها نوع من القربة، والحدود زجر محض. وأما المسألة السابعة: وهي هل يجب عليه الاطعام إذا أيسر، وكان معسرا في وقت الوجوب؟ فإن الاوزاعي قال: لا شئ عليه إن كان معسرا وأما الشافعي، فتردد في ذلك. والسبب في اختلافهم في ذلك: أنه حكم المسكوت عنه، فيحتمل أن يشبه بالديون، فيعود الوجوب عليه في وقت الاثراء ويحتمل أن يقال: لو كان ذلك واجبا عليه، لبينه له عليه الصلاة والسلام. فهذه أحكام من أفطر متعمدا في رمضان مما أجمع على أنه مفطر. وأما من أفطر مما هو مختلف فيه، فإن بعض من أوجب فيه، أوجب فيه القضاء، والكفارة، وبعضهم أوجب فيه القضاء فقط مثل من رأى الفطر من الحجامة، ومن الاستقاء، ومن بلع الحصاة، ومثل المسافر يفطر أول يوم يخرج عند من يرى أنه ليس له أن يفطر في ذلك اليوم، فإن مالكا أوجب فيه القضاء، والكفارة، وخالفه في ذلك سائر فقهاء الامصار، وجمهور أصحابه. وأما من أوجب القضاء، والكفارة على من استقاء، فأبو ثور، والاوزاعي وسائر من يرى أن الاستقاء مفطر، لا يوجبون إلا القضاء فقط والذي أوجب القضاء، والكفارة في الاحتجام من القائلين بأن الحجامة تفطر، هو عطاء وحده. وسبب هذا الخلاف: أن المفطر بشئ فيه اختلاف فيه شبه من غير المفطر، ومن المفطر، فمن غلب أحد الشبهين، أوجب له ذلك
الحكم، وهذان الشبهان الموجودان فيه، هما اللذان أوجبا فيه الخلاف، أعني هل هو مفطر، أو غير مفطر؟ ولكون الافطار شبهة لا يوجب الكفارة عند الجمهور، وإنما يوجب القضاء فقط. نزع أبو حنيفة إلى أنه من أفطر متعمدا الفطر، ثم طرأ عليه في ذلك اليوم سبب مبيح للفطر أنه لا كفارة عليه كالمرأة تفطر عمدا، ثم تحيض باقي النهار، والصحيح يفطر عمدا، ثم يمرض، والحاضر يفطر، ثم يسافر، فمن اعتبر الامر في نفسه، أعني أنه مفطر في يوم جاز
[ 246 ]
له الافطار فيه، لم يوجب عليهم كفارة، وذلك أن كل واحد من هؤلاء قد كشف الغيب أنه أفطر في يوم جاز له الافطار فيه، ومن اعتبر الاستهانة بالشرع أوجب عليه الكفارة، لانه حين أفطر، لم يكن عنده علم بالاباحة، وهو مذهب مالك، والشافعي. ومن هذا الباب إيجاب مالك القضاء فقط على من أكل، وهو شاك في الفجر، وإيجابه القضاء، والكفارة على من أكل، وهو شاك في الغروب على ما تقدم من الفرق بينهما. واتفق الجمهور: على أنه ليس في الفطر عمدا في قضاء رمضان كفارة لانه ليس له حرمة زمان الاداء: أعني رمضان، إلا قتادة، فإنه أوجب عليه القضاء، والكفارة. وروي عن ابن القاسم، وابن وهب أن عليه يومين قياسا على الحج الفاسد. وأجمعوا: على أن من سنن الصوم تأخير السحور، وتعجيل الفطر لقوله عليه الصلاة والسلام لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر، وأخروا السحور وقال: تسحروا فإن في السحور بركة وقال عليه الصلاة والسلام: فصل ما بين صيامنا، وصيام أهل الكتاب أكلة السحر. وكذلك جمهورهم على أن من سنن الصوم، ومرغباته كف اللسان عن الرفث والخنا لقوله عليه الصلاة والسلام إنما الصوم جنة، فإذا أصبح أحدكم صائما، فلا يرفث، ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه، فليقل إني صائم وذهب أهل الظاهر إلى أن الرفث يفطر، وهو شاذ. فهذه مشهورات ما يتعلق بالصوم