تحريرات في الاصول تأليف العلامة المحقق آية الله المجاهد الشهيد السعيد السيد مصطفى الخميني الجزء الاول مؤسسة تنظيم نشر آثار الامام الخميني قدس سره
[ 2 ]
بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادة العلامة المجاهد آية الله السيد مصطفى الخميني قدس سره هوية الكتاب اسم الكتاب: تحريرات في الاصول (ج 1) المؤلف: السيد مصطفى الخميني قدس سره تحقيق ونشر: مؤسسة تنظيم آثار الامام الخميني قدس سره سنة الطبع: آبان 1376 - جمادى الثاني 1418 الطبعة: الاولى المطبعة: مطبعة مؤسسة العروج الكمية: 3000 نسخة السعر: 12500 ريال جميع الحقوق محفوظة للناشر
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم
[ 1 ]
نبذة مختصرة من حياة المصنف طهارة المولد وكرم المحتد في مدينة قم المقدسة، وفي اسرة تطاول السماء مجدا وسؤددا، ولد الشهيد السعيد عام 1309 ه. ش. سماه أبوه العظيم محمدا، وطوقه ب " مصطفى " لقبا، وكناه ب " أبي الحسن "، ولم يكنه ب " أبي القاسم "، كي لا تجتمع النعوت الثلاثة لغير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وغلب عليه لقبه، فاشتهر بالسيد " مصطفى ". انحدر من صلب ماجد، انحنى له الدهر تبجيلا وتعظيما، وتصاغرت شواهق الجبال لشموخه وجلاله، ذلك والده المقدس، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس، وأنطق العدو ثناء عليه قبل الصديق، فعدوه رجل العالم الأول لعامين انبهارا بعظمته وقيادته. وأما والدته التقية الفاضلة فهي كريمة آية الله الميرزا محمد الثقفي صاحب كتاب " روان جاويد " في التفسير و " غرر العوائد من درر الفوائد " في الاصول، وكثيرا ما عبر عنه المترجم في كتبه ب " جدي المحشي ". وكان آية الله الميرزا أبو الفضل الطهراني صاحب كتاب " شفاء الصدور في شرح زيارة عاشور " جدا لوالدته الفاضلة.
[ 2 ]
كما كان جدها الأعلى آية الله العلامة الشهير الميرزا أبو القاسم الكلانتر مقرر الشيخ الأعظم الأنصاري، وتقريراته الشهيرة معروفة ب " مطارح الأنظار "، ويعبر عنه الشهيد ب " جدي المقرر ". وهي - حفظها الله تعالى - تنطوي على نفس طيبة طاهرة، وأخلاق وسجايا
حميدة مجيدة، وروح شفافة نقية، لها منامات عجيبة كثيرة لا يتسع المقام لذكرها وسردها، إلا أن من المناسب هنا أن نذكر ما يخص سيدنا المترجم له، وذلك ما حدثت به أيام حملها بولدها الشهيد (قدس سره) حيث رأت في منامها الصديقة الطاهرة (عليها السلام) جالسة في بستان واضعة في حجرها سيد الشهداء (عليه السلام) وهو طفل صغير. وقد عبروا لها هذا المنام بأن الله تعالى سيرزقها ولدا ذكرا فحسب، ولم يكتشفوا - أو لم يكشفوا لها - تأويل رؤياها من بعد، تلك الرؤيا الصادقة، وأنها ستلد ولدا عظيما يستشهد، ويكون دمه ثورة على الطغاة المستكبرين، ومنارا للمجاهدين والمستضعفين. نشأته العلمية وعطاؤه المبكر نشأ الشهيد وترعرع في ربوع قم المقدسة ورحابها. اشتغل بدراسة العلوم العصرية الحديثة في أوائل صباه حتى ست سنوات، وبعدها اشتغل بطلب العلوم الدينية. وقد ارتدى الزي العلمائي الخاص وهو ابن سبع عشرة سنة وذلك بإصرار من والده العظيم. درس العلوم الأدبية بإتقان حتى اجتهد فيها وأبدى رأيه السديد في قبال آراء علمائها المبرزين، ولو تصفحت كتابه المنيف " تفسير القرآن الكريم " لرأيت
[ 3 ]
شواهد الصدق على ما قلناه. وبعدها شرع بدراسة العلوم الاخرى فقها واصولا، رجالا وحديثا، فلسفة وعرفانا. استطاع بذكائه الوقاد ومثابرته الجادة أن يلم بهذه العلوم العميقة الدقيقة في فترة قياسية وجيزة. درس العديد من الكتب الدراسية العالية وكان موضع تقدير وحفاوة فائقين
من طلابه ومريديه، وقد غذاهم بعصارة روحه وخالص أفكاره. وقد أنهى في مدينة قم المقدسة دورة اصولية مختصرة ولما يبلغ الثالثة والثلاثين من عمره المبارك. وأما في النجف الأشرف فقد ألقى سماحته دورة اصولية مفصلة، نقد فيها آراء المحققين، وأبدى فيها آراءه الفذة وتحقيقاته البكر، مما يدل على نضج علمي وإبداع فكري مبكرين. هذا، مضافا إلى دروسه الموسعة في الفقه والتفسير التي كانت مثارا للدهشة في العمق والسعة والاستيعاب. ومهما بالغنا في تمجيده وإطرائه فلسنا بالغين شأو ما قاله فيه والده المقدس الإمام الراحل طاب ثراه حيث قال في حق ولده حين بلغ الخامسة والثلاثين: " إن مصطفى أفضل مني حينما كنت في سنه "، هذا، مع أن الإمام (قدس سره) بلغ ما بلغ من تعلم اصول العلوم وفرغ منها في هذا السن، وهذه شهادة منه (قدس سره) على اجتهاد ولده في شتى العلوم المتعارفة، اصولا وفروعا، معقولا ومنقولا. وكان من خصائص سيدنا الشهيد ذكاؤه المفرط ودقته النافذة وحافظته المتميزة، فقد كتب رسالة " لاضرر " وهو في السجن لايمتلك من المصادر غير ما في خزانة نفسه، وكتب بحث " الواجبات في الصلاة " وهو في منفاه في تركيا، ولم
[ 4 ]
يكن في حوزته غير " الوسائل " و " العروة الوثقى " و " الوسيلة " المحشاة. وقد تجلت سعة حفظه ودقة فكره في جلسة استغرقت حوالي الأربع ساعات كان السيد الشهيد يجيب فيها على أسئلة الحاضرين في العلوم المختلفة. أساتذته الكرام درس سيدنا الشهيد على أعاظم علماء عصره، وحضر بحوثهم بجدارة
واقتدار وتفهم واستيعاب، وكان من أجلة أساتذته آية الله العظمى السيد البروجردي قدس الله نفسه الزكية. وآية الله العظمى السيد محمد المحقق الداماد (قدس سره)، وآية الله العظمى السيد الحجة الكوهكمري (قدس سره)، الذي عبر عنه السيد الشهيد ب " جد أولادي "، فإنه تزوج كريمة آية الله العظمى الشيخ مرتضى الحائري (قدس سره)، وكان هذا الشيخ صهرا لآية الله العظمى السيد الحجة على كريمته، ولهذا عبر المصنف (رحمه الله) عن آية الله العظمى المؤسس الشيخ الحائري (قدس سره)، أيضا ب " جد أولادي ". وكان تلمذه في الحكمة والفلسفة على آية الله العظمى السيد أبي الحسن الرفيعي القزويني (قدس سره). هذا لكن جل استفادته كانت من والده السيد الإمام العلامة المحقق في الأخلاق واللغة والفقه والاصول والمعقول والمنقول والعرفان والسلوك وتربية ذوقه السليم في كشف أسرار العلوم وإدراك حقيقة الدين الإسلامي الناصعة والعلاقة الوثيقة بين الدين والسياسة والوعي الاجتماعي والسياسي، ناهيك عن الفضائل الروحية والنفسية كالزهد والتقوى والشجاعة وغيرها. وحضر عند أول وروده إلى النجف الأشرف بحوث علمائها المبرزين كآية الله العظمى السيد الحكيم (قدس سره) وآية الله العظمى السيد الشاهرودي (قدس سره) وآية الله
[ 5 ]
العظمى السيد الخوئي (قدس سره) وغيرهم، وكان حضوره حضور نقد وتدقيق وحصيلته رسالته المسماة ب " دروس الأعلام ونقدها ". مصنفاته عمر قصير في حساب الزمن، ولكنه كبير في النتائج والآثار، وكم من أعمار طالبت بلا أثر يذكر أو فائدة تؤثر. أي قلم كان لشهيدنا العظيم سيال متدفق في فنون العلوم المختلفة
والدراسات العلمية المتنوعة، مؤلفات ومصنفات كبيرة ورسائل وحواش كثيرة كتبها في قم المقدسة وبورسا والنجف الأشرف، إلا أنه - وللأسف - قد ضاعت علينا كتبه التي صنفها في قم المقدسة حيث قد صادرتها حكومة الشاه العميل، بعد أن أقصته مع والده العظيم إلى تركيا، ولم يبق لنا منها سوى ما صنفه في النجف الأشرف وبورسا، حيث جاءت بها إلى إيران المرأة الصالحة التي كانت تحظى بخدمتهم هناك، وآثرتها على حوائجها ولوازمها الخاصة، خوفا من ضياع ما رأته من مشاق تحملها سيدنا الشهيد في سنين متمادية في حر النجف وظروفه القاسية في آناء الليل والنهار. كتبه المفقودة: 1 - القواعد الحكمية، وقد أرجع إليها كثيرا من المباحث العقلية الفلسفية بل والمنطقية في كتبه. 2 - رسالة " لا تعاد "، وهي رسالة مستوعبة مفصلة.
[ 6 ]
3 - الخلل في الصلاة، وهذا غير ما كتبه في النجف الأشرف المبطوع ضمن تراثه. 4 - المختصر النافع في علم الاصول، كتبه أثناء دورته الاصولية الاولى. 5 - رسالة في قاعدة " لاضرر ". 6 - رسالة في حديث الرفع. 7 - رسالة في العلم الإجمالي، كتبها في " القيطرية " أثناء التبعيد. 8 - كتاب الإجارة، وهو مجلدان. 9 - المكاسب المحرمة، وهو جزء من كتابه الكبير " تحريرات في الفقه ". 10 - تتمة كتاب البيع، وفيه الأبحاث الباقية من كتاب البيع المطبوع ضمن تراثه. 11 - كتاب الخيارات، وهو المجلدان الأول والثاني من الخيارات.
12 - رسالة في علم الباري. 13 - رسالة في الرد على كتاب " الهيئة والإسلام ". 14 - رسالة في قضاء الصلوات. 15 - الفوائد الرجالية. 16 - كتاب الاجتهاد والتقليد، مفصلة. 17 - كتاب الصلاة، والظاهر أنه قسم من كتابه الكبير " تحريرات في الفقه "، وقد صرح بكتابته لبعض مباحثه نحو " صلاة المسافر " و " القضاء عن الولي " و " صلاة الجماعة " و " أوقات الصلوات " و " مكان المصلي " و " الأذان والإقامة ". 18 - رسالة في " السرقفلية ". وله تعليقات كثيرة على عدة من الكتب الأدبية والفقهية والرجالية والفلسفية والعرفانية وقد صرح ببعضها في مطاوي كتبه: منها تعليقته على " شرح الرضي على الكافية ".
[ 7 ]
ومنها حاشيته على خاتمة " مستدرك الوسائل ". ومنها تعليقته على كتاب " المبدأ والمعاد " لصدر المتألهين. كتبه المطبوعة: 1 - تحريرات في الاصول. 2 - مستند تحرير الوسيلة. 3 - تفسير القرآن الكريم. 4 - تعليقات على الحكمة المتعالية. 5 - تحرير العروة الوثقى. 6 - تعليقة على العروة الوثقى.
7 - دروس الأعلام ونقدها. 8 - العوائد والفوائد. 9 - ولاية الفقيه: وهو قطعة من كتاب البيع المفقود بعض أجزائه. تحريرات في الفقه 10 - الطهارة. 11 - الواجبات في الصلاة. 12 - الخلل في الصلاة. 13 - الصوم. 14 - كتاب البيع من أوله إلى مبحث تعاقب الأيدي. 15 - كتاب الخيارات وهو المجلدان الثالث والرابع.
[ 8 ]
أخلاقه وعبادته العوامل الوراثية والبيئية والعائلية لها الأثر الكبير على شخصية الإنسان كل إنسان، فهو ابن بيئته وابن فواعله التربوية والوراثية، فلاعجب أن نجد شهيدنا الغالي يعيش قمة الخلق الكريم والفضائل الروحية، والنفسية والسلوكية والكمالات الأخلاقية والعقلية، فقد عاش في بيت من بيوتات العلم والتقى والزهد والهدى، تتلألأ لياليه بأنوار التبتل والانقطاع إلى لله المتعال، كما تمتلئ ساعات نهاره بالعلم والجهاد ومعالي الامور، بيت يعيش هم الإسلام والمسلمين بدون فتور أو انقطاع. لاعجب أن نجد شهيدنا العظيم مجمعا للفضائل والمكارم وقد كان مربيه بطل العلم والتقوى والجهاد، وقد تشرب من أجوائه التي عاشها بين يديه، أسمى الكمالات الروحية والمعنوية وأقدس المزايا والسجايا وأجل النعوت وأجمل
الصفات. إذا عرفت ذلك تعرف السر في حلول هذا الولد البار من نفس والده العظيم ذلك الموقع الخاص والمقام الرفيع، فكان يشيد بفضائل ولده قولا وعملا، ويشير إلى مكانته العلمية والمعنوية، وعرف عنه (قدس سره) أنه لم يمد رجليه في حضرة ولده إكراما وتبجيلا له. وقد عرف هذا الولد البار حق والديه، فلم يفعل شيئا كرهاه، وكان يحترمهما إلى حد التقديس، وكان يعلم ما لوالده العظيم من مقام روحي وعلمي جليل، وأهداف إلهية عالية يعيش همها بلا فتور ليله ونهاره في صمته وكلامه، يجاهد في سبيل ربه جهادا كبيرا لايعرف الكلل ولا الملل ولا الخوف ولا الضجر، وكان يشير
[ 9 ]
في كل مناسبة - في أحاديثه وكتاباته - بمقام والده الكبير الفقيه الحكيم والمجاهد العظيم. وسار الولد على مسار أبيه واختط خطاه، وتبنى أهدافه وأمانيه، وجاهد كما جاهد أبوه بإصرار وشجاعة وعزم وثبات. ومن الصفات الغر لسيدنا الشهيد أنه كان شريفا عفيفا زاهدا عابدا قريبا من الناس محبوبا لديهم، كريما محسنا محبا لأصدقائه مؤثرا للسمر معهم على سائر المتع، وربما قضى معهم الساعات الطويلة من الليل، ثم يغفي إغفاءة يقوم بعدها لصلاة الليل والتضرع والابتهال لرب العزة والجلال، ثم يعود بشغف ونشاط إلى بحثه وتدريسه وتأليفه. وهكذا كان عالما عابدا مجدا نشطا، مواظبا على النوافل والأدعية والأوراد، ملتزما بصلاة الجماعة، محتاطا في تصرفاته، خصوصا فيما يتعلق ببيت المال إلى أبعد الحدود، وكان زاهدا في دنياه وراغبا في اخراه. جهاده السياسي
لابد للمسلم المجاهد من علم بما يجاهد لأجله، وبالمحيط الذي يجاهد فيه، وبالعدو الذي يجاهده، كما لابد أن يمتلك الأداة التي يجاهد بها، من قوة مادية ومعنوية، وقبل ذلك أو مع ذلك لابد له من قائد حكيم يؤمن بقيادته إيمانا مطلقا. لقد توافرت لسيدنا الشهيد كل هذه المقومات التي صنعت منه مجاهدا عظيما يعيش هم الإسلام والمسلمين حتى تكللت حياته بالشهادة ذلك الوسام الإلهي العظيم. لقد كان (رحمه الله) عالما بالشريعة الإسلامية، الخاتمة التي يجاهد من أجلها وكان
[ 10 ]
مجتهدا فيها اصولا وفروعا. وكان يعيش هموم المسلمين عن قرب وتفاعل، ومحيطا بمؤامرات العدو على الامة الإسلامية بتفصيل وتتبع، وكان يمتلك مع ذلك الشجاعة والإيمان والأعوان، وكان كل ذلك بفضل والده العظيم الذي أحسن تربيته ووفر له مقومات المجاهد الشجاع، وكان (رحمه الله) يؤمن بقيادة والده العظيم وحكمته إيمانا مطلقا، وقد غذاه والده الحكيم منذ نعومة أظفاره بالعلم والتقوى، وأنشأه على فهم الإسلام الحقيقي الناصع وشموليته وكماله وأصلحيته لقيادة الناس إلى مرفأ الأمن والسلام والسعادة في الدنيا والآخرة وعلمه منذ أوائل صباه أن السياسة جزء لا يتجزأ من الإسلام، سياسة محمد وعلي - صلوات الله عليهما وآلهما -، وليست سياسة الأبالسة والطغاة، سياسة الحق والعدل والخير لعموم البشر، وليس سياسة الختل والخداع والظلم والضلال. علمه وهو صبي يافع ذكي متفتح أن قيادة الناس وحكم البلاد فرض على عاتق الفقهاء العدول الأكفاء في عصر الغيبة الكبرى، ولابد للمسلمين أن يلقوا لهم
بالقياد، وأن يذعنوا لهم بالطاعة والانقياد، حتى يقودوهم لما فيه رضا بارئهم وسعادتهم، وعليهم أن يجاهدوا في سبيل الله تحت قيادتهم، حتى يرغموا انوف الطغاة وينتصر الإسلام وتكون كلمة الله هي العليا في الأرض كما في السماء. لقد كان الشهيد السعيد ترجمانا صادقا لآراء والده العظيم ومعتقداته كما كان ساعده الفتي ومساعده الأمين في جهاده العظيم ونهضته الإسلامية المباركة. ويتبين لك صدق ما سمعت من خلال مواقفه السياسية الجهادية التي وقفها، وإليك بعض النماذج المهمة من تلك المواقف: 1 - حيث قامت سلطات الشاه الغاشمة باعتقال الإمام الراحل (قدس سره)
[ 11 ]
لاعتقادها بأن عزل القائد عن الامة كاف لإخماد الثورة التي ألهبها في نفوس الأحرار والأخيار، وهنا قام الشهيد السعيد بدوره الفعال في إلهاب مشاعر الامة وقيادة جماهيرها الغاضبة من أجل تخليص قائدها العظيم من سجون الشاه العميل وتحريره من أيدي أزلامه الخونة. 2 - وبعد أن ضاقت السلطات الغاشمة ذرعا بالإمام الراحل ونشاطاته السياسية الواعية، وخطاباته الحماسية اللاهبة، ورأت في اعتقاله من قبل خطرا محدقا، عمدت إلى تبعيده عن جماهيره الثائرة مؤملة أن تخبو جذوتها المتقدة، فأقصته إلى تركيا وأخضعته هناك للرقابة التامة. فهل ترى سيدنا الشهيد يقر له قرار أمام هذه الفعلة النكراء التي قامت بها السلطات الظالمة وطاغوتها المتفرعن ؟ ! لقد صعد الشهيد السعيد من نشاطاته الجهادية وجهاده السياسي، فقام النظام الشاهنشاهي الغاشم باعتقاله وزجه في ظلمات السجون، وتحت ضغط الجماهير المسلمة الغاضبة اضطرت سلطات الشاه المقبور إلى الإفراج عنه بعد شهرين فقط. وما أن شم نسيم الحرية حتى عاد
المسلم الثائر إلى نشاطه السياسي الفاعل، فكان بحق خليفة والده العظيم في قيادة الامة، التي كانت تضطرم غضبا على الظالمين الآثمين بحقها وبحق قائدها الأمين، فلم يجد النظام الطاغوتي الظالم بدا من إقصائه عن وطنه ومغناه إلى تركيا حيث نفي القائد الوالد. 3 - وبعد أن حل أرض النجف الأشرف مع والده الحكيم ورغم كل الضغوط، كان يقوم في ظل والده القائد بدوره السياسي وواجبه الشرعي تجاه دينه وامته، واكب الأحداث الساخنة في الساحة السياسية في وطنه الإسلامي الكبير في إيران والعراق وسوريا ولبنان وسواها، وكان نائبا لوالده الإمام في
[ 12 ]
إدارة شؤونه السياسية وقيادة الثورة في بلاده من بعيد بطريقة بكر واسلوب فذ. وسينشر المؤتمر المنعقد في الذكرى العشرين لشهادته تفاصيل مواقفه السياسية ونشاطاته الجهادية ودوره الرائد في ثورة الوالد القائد على الطغاة والمستكبرين. خاتمة حياته وجهاده لقد أدرك العدو الحاقد خطر بقاء هذا المجاهد الثائر بخصائصه الفذة إلى جنب والده القائد العظيم، فأراد أن يفت بعضد الإرادة الحديدية الصلبة وأن يثلم من العزم الراسخ والجبل الشامخ ولم يكن يدور في خلده أن شهادة هذا المجاهد العظيم، ستكون سببا للقضاء على عميل الغرب العتيد، وتقويض دعائم الحكم الوطيد لحارس مصالحه الأمين في الشرق الأوسط، كما أوضحنا ذلك من قبل. لقد كان لاستشهاده (قدس سره) - ظلما وغدرا - وقع كبير وأثر بالغ في قلوب المؤمنين كافة، ولكن ذلك الأثر البالغ يتضاعف على قلب والده العطوف العارف بخصائص ولده الفقيد، الذي نشأ على يديه الكريمتين، ولده الذي تربى في
حجره، ونشأه على خطه وفكره، وسقاه من نمير روحه ونوره، حتى عقد آماله الكبار عليه، ولقد بكى عليه بكاء شديدا، ولكن لم يفت في عزمه، بل ألهبه مضاء وعزما أكيدا على محاربة الطغاة والمستكبرين ونصرة المستضعفين. لقد قضى الشهيد السعيد نحبه في ظروف غامضة عام 1356 هجري شمسي عن عمر ناهز السابعة والأربعين، فانطوت بذلك صفحة من صفحات الخلود، وووري إلى جنب جده العظيم أمير المؤمنين وإمام المتقين - عليه أفضل الصلوات والتحيات -، وانقضت بذلك حياة حافلة بالمآثر والأمجاد زاخرة بالفضائل
[ 13 ]
والجهاد، فسلام عليه يوم ولد، ويوم جاهد فاستشهد، ويوم يبعث حيا، * (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) *. وقفة مع الكتاب بين يديك أيها القارئ الكريم كتاب متفرد بخصائص ومزايا جليلة من حيث الاسلوب وعرض الأقوال ونقدها وعمق الفكرة وجدتها وكثرة المعاني ودقتها وتعدد الإشكالات وأجوبتها والردود ومناقشتها، ومع كل هذا فالمؤلف العبقري كان على حذر شديد من الخروج عن دائرة بحثه والانسياق وراء الأفكار الثانوية غير ذات الدخالة في صميم موضوعه كما صنع الكثير من المصنفين والباحثين، ومن أجل هذا أطلق على كتابه عنوان " التحريرات "، فهو في بحوثه كافة اصولا وفقها وحكمة وتفسيرا وغيرها، يتجنب الزوائد والفضول، ويسعى إلى تحريرها عما لا يمسها إلا من بعيد، ويخلصها من حالة " التورم " غير الطبيعي الذي ساد البحوث الاصولية والفقهية في الأعم الأغلب. وهذا لايمنع إسهابه الواسع في كثير من الامور الدخيلة في موضوع بحثه وتفاصيله المسهبة فيما له علاقة وثيقة بحقيقة مقصده، حينما تكون المسألة ذات
أهمية بينة، ويتوقف فهمها - بعمق ووضوح - على مقدمات عديدة وتفاصيل كثيرة، فإنه يستفيض في بيان كل ذلك. وربما استطرد في بعض البحوث الفرعية وخرج يسيرا عن صميم بحثه، لكنه يعود سريعا معتذرا إلى قارئيه من استطراده هذا بكثرة فائدة هذه المسألة الفرعية، وأنها تلقي ضوءا على موضوع بحثه الذي قد يدق على الأفهام، وقد
[ 14 ]
يكون من مزال الأقدام. وكثيرا ما يترك بعض المشاكل والمسائل العلمية لخروجها عن دائرة بحثه، أو يرجئها إلى مقام آخر إلى حيث موضعها المناسب. ومما يجدر ذكره أنه (قدس سره) كان قد ألقى دورتين في علم الاصول، وقد كتب بحوثه في دورتيه بقلمه. وكانت دورته الاصولية الاولى في قم المقدسة قبل تبعيده عن وطنه وكانت تتسم باختصار والتهذيب، وقد تمخضت عن كتاب عنونه ب " المختصر النافع في علم الاصول "، ومما يؤسف له أنه قد ضاع في ضمن ما ضاع من تراثه الثر. وأما دورته الاصولية الثانية فقد ألقاها، بعد أن ألقى به النوى إلى جوار جده المعظم أمير المؤمنين (عليه السلام) في النجف الأشرف. وهي دورة مفصلة أسهب فيها وأطنب ودقق فيها وعمق، وأتى بالبديع من الفكر المتين والرأي الرصين. وقد شرع (رحمه الله) في دورته هذه في حدود عام 1387 ه، وتوقفت في يوم شهادته عام 1396 ه، وقد أسفرت عن هذا الكتاب الخالد. ومما يؤسف له أن هذه الدورة لم تتم، فلم يمهله الأجل المحتوم لإكمالها، فخر مضرجا بدم الشهادة يشكو إلى الله ظلامته، ولما يتم مباحث الاستصحاب التعليقي وما بعده من مباحث الاستصحاب والتعارض والترجيح. ومن خصائص كتابه هذا - بل وسائر مؤلفاته - أنه (قدس سره) أرخ للحوادث
السياسية والاجتماعية والشخصية الواقعة أثناء تسجيله لبحوثه في الفقه والاصول وغيرهما، وأكثر مايؤرخ للأحداث السياسية التي تحل في امته، فكثيرا ما نعى وشنع على الشاه العميل جرائمه بحق شعبه ودينه وعلماء الدين المجاهدين وبالأخص في حق والده الإمام الثائر - طاب ثراه - وما نال من ظلم الشاه ونظامه البائد.
[ 15 ]
وقد أرخ لزيارة الأربعين سيرا على الأقدام من النجف الأشرف إلى كربلاء المقدسة قاصدا زيارة سيد الشهداء الحسين (عليه السلام) تعظيما لشعائر الله وحرمات الدين. كما يفهم من بعض كلماته في كتابه هذا أنه كان يحضر عند والده الإمام الراحل (قدس سره) في بحثه لكتاب البيع في الوقت الذي كان سيدنا الشهيد مشغولا في تدبيج هذا السفر العظيم. وأرخ (رحمه الله) ضمن كتابه هذا أيضا لجريمة النظام الحاكم في تسفير وتهجير الكثير من أبناء الشيعة من العراق، خصوصا طلبة العلوم الإيرانيين، مما أدى إلى اضمحلال الحوزة العلمية في النجف الأشرف حتى أوشكت على الزوال، وحذر - رضوان الله عليه - من مغبة هذه الأعمال الإجرامية والعدوانية التي قام بها طاغوت العراق المتفرعن لأغراض سياسية خبيثة خدمة للكفر والاستكبار العالميين. وبعد هذا فقد اتسم الكتاب بالدقة الفائقة والسعة والاستيعاب مع بعد المغزى وعمق المعنى بحيث لا يتيسر إلا للأوحدي سبر كنهه وأغواره، فقد يعبر عن فكرة ما بخمس عبارات يحسبها القارئ العادي أنها لم تختلف سوى ألفاظها، ولكن أصحاب الفن وخبراء هذا العلم يدركون أن لكل واحد منها معنى يفترق عن
الآخر بجهة أو أكثر. وهذا يعبر عن عمق فكره ودقة نظره وإحاطته بأسرار المطالب. ومما يدلل على الحيوية الفكرية والقدرة الإبداعية التي يتمتع بها المصنف (رحمه الله) ما يراه القارئ خلال بحوث هذا الكتاب فقد يظن ما يقرؤه هو رأي المصنف في هذه المسألة، لقوة دفاعه عن الرأي الذي يطرحه فيها وتشييده له
[ 16 ]
بالأدلة المحكمة، ولكنه سرعان ما ينقض ما بناه حجرا حجرا، ويقيم على أنقاضه بناء آخر أكثر إحكاما وأشد تماسكا. وقد يصعب على القارئ معرفة مختاره في النظريات العلمية المعمقة، حيث لم يدع آراءه ومتبنياته شريعة لكل وارد، بل ضن بها على غير أهلها من اولي العمق والجد والاجتهاد. ولعل من خصائص الكتاب أن مؤلفه أعده بالدرجة الاولى لعرض آرائه ومختاراته في المسائل والنظريات العلمية الاصولية، إلا أنه كان شديد الحرص على عرض نظريات والده الإمام الراحل - طاب ثراه - وآرائه الاصولية، حيث إن إمامنا الراحل (قدس سره) كان قد ترك بحث الاصول في النجف الأشرف، وذلك بسبب ما عاناه من طائفة من العلماء المخالفين لخط الإمام القائد، وذوي النزعة المحافظة على القديم، والمؤثرة للراحة والدعة على الجهاد وما يستتبعه من قلق البال واضطراب الحال. ولهذا رأى شهيدنا المصنف أن من واجبه أن يعرف للملأ العلمي بآراء والده المقدس، فكان يعرضها بتفصيل عرض الناقد البصير والعالم الخبير، فيصحح ما يراه صحيحا ويورد على ما يراه مخالفا لنظره، وكثيرا ما شيد نظريات والده الإمام ببيان آخر وببراهين اخرى يرسي أركانها ويحكم بنيانها كي يجنبها من الإشكالات والإيرادات التي قد ترد عليها. وربما استفاد من نظريات والده الإمام ككبريات في مسائل اخرى
لاستخلاص نتائج جديدة، ونقدم مثالا لذلك مشكلة توجيه الخطاب إلى الجاهل وغير القادر وكيفية معالجتها، فقد ذهب المشهور إلى استهجان هذا الخطاب، غير أن إمامنا الراحل - طاب ثراه - خالفهم إلى عدم استهجانه، نظرا إلى أن الخطابات قد تكون شخصية واخرى تكون قانونية كلية، وإنما يثبت هذا الاستهجان في الاولى دون الثانية، فأي قبح أو استهجان في توجيه خطاب كلي عام إلى كل
[ 17 ]
مكلف بتحريم الزنا - مثلا - من غير توجيه خطاب خاص ولا انحلال إلى خطابات شخصية إلى كل واحد من المكلفين، فهل يمنع عجز بعض الأفراد من ارتكاب هذا المحرم عقلا أو عادة من توجيه ذلك الخطاب الكلي العام ؟ ! لقد اختار سيدنا الشهيد (رحمه الله) هذه النظرية ودافع عنها بقوة وإصرار، واستطاع أن يتوسع في الاستفادة منها في غير المقام، وذلك في مسألة الجمع بين الأحكام الواقعية والظاهرية مع الالتزام بفعلية الأحكام الواقعية، وبقاء إرادة المولى - جل وعلا - على حالها من الجد والحتم، لأن الأحكام الواقعية قانونية كلية تعم من قام عنده الطريق المصيب والمخطئ على حد سواء، سواء انكشف تخلف الطريق الخاطئ في الوقت أو خارجه، بل ولو بعد موته أو لم ينكشف أصلا، فإن موضوع الأحكام هو " المكلف " بعنوانه الكلي العام، ولا خطاب خاص إلى من تخلف طريقه عن الواقع وأخطأه ولم ينكشف أبدا، حتى يقال بامتناع ترشح الإرادة الجدية الواقعية مع جعل الطرق والأمارات. وقد حذا الشهيد حذو والده الإمام (قدس سرهما) في الكثير من الآراء والنظريات العلمية العميقة، خاصة فيما يتعلق بنقد بعض المدارس الاصولية السائدة والتي البست حلل الواقعية حتى كثر أتباعها والمدافعون عنها، فقاما - جزى الله بالخير سعيهما - بتنقيح المباحث العلمية وتأسيس مدرسة اصولية خالدة.
ومن هنا تتجلى المكانة العلمية الشامخة للإمام الراحل (قدس سره) الذي حاول الأعداء وذوو الجمود والجبن والخور أن يغمطوا حقه، ولا يعترفوا بعظيم منزلته بين فطاحل العلماء والمراجع العظام، كما غبنوا حق ولده الشهيد (قدس سره) ولكن الله ينصر من نصره، فأعلى كعبهما على هاماتهم. ومما تبع فيه سيدنا الشهيد - عن اجتهاد وتحقيق - والده الإمام (قدس سره) تجويزه
[ 18 ]
الرجوع إلى العرف في تشخيص المصاديق، لا المفاهيم فحسب، ودعوته إلى التفكيك بين المسائل الاصولية والعقلية، كما نعى على الخالطين بين الفلسفة والاصول وعلى الخابطين فيما ليسوا له بأهل، ومن أمثلة هذا التفكيك - الذي صار إليه تبعا لوالده العظيم - قوله بعدم استحالة الدور والتسلسل في المسائل الاصولية وسواها من الامور الاعتبارية، واختصاص هذه الاستحالة بالامور الواقعية، فلا خلط بين المقامين. كما تبع والده الإمام (قدس سره) في مسألة أمارية الاستصحاب، التي تبناها الإمام الراحل في دورته الاصولية الاولى، ثم عدل عنها إلى اصولية الاستصحاب في الدورة الثانية، ولكن الشهيد (رحمه الله) لم يرتض بعدول والده الإمام هذا، واستمر على مقولته بأمارية الاستصحاب. وأخيرا وبسبب الموقف الخالي من الشرعية والإنصاف الذي وقفته شريحة من علماء النجف وأتباعهم والمحيطين بهم إزاء إمامنا الراحل - طاب ثراه - وبسبب ما مارسته إزاء هذا المصلح الكبير من أساليب لا يرتضيها ديننا الحنيف ولا الخلق الكريم، والتي حالت بينه وبين عقد البحث الاصولي، بل ومنعوا طلاب العلوم الدينية من حضور بحثه الفقهي وحين شرع الإمام الراحل (قدس سره) ببحث ولاية الفقيه قاطع ثلة من الطلبة درسه الفقهي محتجين بأن الإمام يريد إقحامنا في
السياسة، فإنه يرمي ببحثه هذا الاعتراض على الشاه المستبد. لأجل كل هذا تجد الحدة - أحيانا - تطفح على المصنف (رحمه الله) في ثنايا كتابه هذا، غضبا لله وللإسلام والمسلمين، حيث حاولوا حرمان الامة من بركات وجود هذا الإمام العظيم والمصلح الكبير، ومنع أفكاره النيرة من الانتشار في الأجواء المظلمة التي تعيشها الامة بسبب المؤامرة الاستعمارية الظالمة التي شملت جميع
[ 19 ]
مقدرات البلاد والعباد. وبعد هذا كله فالكتاب حافل بالفوائد الكثيرة ودقائق الأفكار والنظريات العلمية العميقة، وما ذكرناه في هذه المقدمة الموجزة، ليس إلا إشارة عابرة إلى بحر خضم ملئ بغوالي اللآلي ونفائسها، نترك للقارئ الخبير استكشافها والوقوف عليها، وسيجد شواهد كثيرة على مقالتنا هذه. وهنا بودنا أن نشكر سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد السجادي دام تأييده فضيلة السبق إلى نشر هذا السفر القيم. عملنا في تحقيق الكتاب 1 - مقابلة النسخة المطبوعة من قبل وزارة الإرشاد مع النسخة الخطية للكتاب، وهي مسودة بخط المصنف (رحمه الله) كثيرة الشطب، وقد قطع بعض حواشيها عند التجليد، وهذه المخطوطة محفوظة مع سائر كتب المصنف (رحمه الله) في المكتبة العامة لآية الله العظمى المرعشي النجفي (قدس سره)، ونحن بدورنا نشكر سماحة حجة الإسلام والمسلمين السيد محمود المرعشي دام عزه، لمساعداته الكثيرة وخدماته الجليلة التي قدمها لنا. وقد قمنا بتصحيح الطبعة الاولى، وأضفنا إليها السقوط التي عثرنا عليها، اعتمادا على النسخة الخطية المشار إليها، باذلين أقصى جهدنا لأن تكون طبعتنا
هذه أقرب إلى الكمال وإلى مقصود المصنف الشهيد (قدس سره). 2 - تقويم النص وتقطيعه وتزيينه بعلائم الترقيم المناسبة، وهو جهد علمي وفني يتناسب مع طبيعة الكتاب المحقق من ناحية دقة مطالبه وصعوبتها وسلامة النسخة المعتمدة وخلوها من التصحيف والسقوط والأغلاط، وبذلك يستطيع
[ 20 ]
القارئ الكريم تقدير الجهد المبذول في هذا المجال بالنسبة لهذا الكتاب. 3 - عنونة مطالب الكتاب: وحيث إن مخطوطة المصنف الشهيد (قدس سره) مسودة لم يتناولها ثانية بالتصحيح والتهذيب، ولم يضع العناوين لجميع مطالب الكتاب، لذا فقد قمنا بوضع العناوين بحسب الحاجة في المواضع التي لم يعنونها المصنف (رحمه الله). 4 - تخريج الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة وأقوال العلماء، وهو جهد علمي ضخم يعتمد على فهم دقيق لمطالب الكتاب والكتب التي نقل عنها المصنف (قدس سره)، وقد توفر لهذا العمل الشاق ثلة من أفاضل المحققين في مؤسستنا شكر الله سعيهم وذخر لهم أجرهم. وقد استعملنا كلمة " انظر " في الموارد التي لم نجزم بثبوت نسبة الأقوال إلى أصحابها، كما استعملنا كلمة " لاحظ " في موردين: الأول: حيث ينقل المصنف (رحمه الله) أقوال العلماء نقلا حدسيا. الثاني: في الموارد التي لا نعثر على صاحب القول، ونعثر على الناقل عنه، هذا، وإن الشهيد العلامة (قدس سره) - إحاطة منه بالمباني المختلفة - قد نقل آراء الأعلام (قدس سرهم) وأقوالهم بتصرف كثير، من تلخيص وتهذيب وحذف للزوائد، أو شرح وتوضيح وبيان، وقد صرح بأن دأبه ذلك. وقد أدت طريقة المصنف (رحمه الله) هذه في نقل الأقوال إلى بعض الصعوبات في
تخريجها ومعرفة قائليها. 5 - إرجاعات المصنف (قدس سره)، سواء كانت إلى نفس كتابه سابقا أو لاحقا، أو إلى كتبه الاخرى، وقد بلغت آلاف الموارد، وهو جهد كبير لا يخفى على من مارسه، ولا يمكن القيام به إلا بعد إتمام التحقيق بجميع مراحله، وصف حروفه
[ 21 ]
بشكل نهائي، بحيث لا تتغير أرقام الصفحات فيما بعد. وتظهر أهمية هذا العمل نظرا إلى أن الشهيد (قدس سره) في كتبه، لا يعيد ما بحثه في موضع منها ثانية لو احتاج إليه في موضع آخر، بل يكتفي بالإشارة الإجمالية إلى موضعه، فتحديد مواضع الإرجاعات ضروري لفهم المطالب، وبدونه لا تفهم أو تفهم بشكل ناقص. هذا، وقد تركنا تراجم الأعلام والرجال، كما احترزنا عن التعليقات التوضيحية كي لا يزداد حجم الكتاب على ما هو عليه من المجلدات الثمانية. هذا، وقد قمنا بتحقيق هذا الكتاب وسائر كتب المصنف الشهيد (قدس سره) البالغة (28) مجلدا، وأنجزناها بجميع مراحل التحقيق - من المقابلة والتخريجات البالغة مائة ألف تخريج والتقويم والتقطيع وغيرها - في فترة زمنية قصيرة جدا قياسا مع العمل الضخم المنجز، وقد تم بتوفيق الله عزوجل حيث أمدنا بعونه ولطفه، وبجهد مجموعة من الأفاضل باذلين غاية وسعهم في إخراجه بأحسن وجه أمكنهم. وفي الختام نرفع إلى مقام المؤلف الشهيد العلامة (قدس سره) وإلى حضرات الأعلام والفضلاء اعتذارنا مما قد يعثر عليه من خلل أو زلل في عملنا، وعذرنا في ذلك رغبتنا في إتحاف الملأ العلمي الكريم بمجموعة مصنفات العلامة الشهيد (قدس سره) القيمة، وذلك بمناسبة الذكرى السنوية العشرين لشهادته. ولا يفوتنا في هذا المقام أن نشكر فضيلة الأخ الجليل الشيخ محمد حسين ساعى فرد دام عزه على عظيم جهوده المشكورة التي بذلها في هذا
السبيل، أجزل الله ثوابه وشكر مساعيه. مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني (قدس سره) فرع قم المقدسة
[ 1 ]
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، واللعنة الدائمة على أعدائهم والمعاندين أجمعين إلى قيام يوم الدين. اعلم: أنه يجب قبل الخوض في مقاصد الكتاب، أن نذكر المسائل المتعارف ذكرها في ضمن مباحث، وإن شئت جعلتها المقصد الأول، كما يأتي وجهه (1). (1) يأتي في الصفحة 40 - 41.
[ 3 ]
المقصد الأول موضوع الاصول وتعريفه مع نبذة من مباحث الألفاظ
[ 5 ]
المبحث الأول فيما يتعلق بموضوع العلم ويتم الكلام فيه في نواح شتى:
[ 7 ]
الناحية الاولى
أصل الحاجة إلى الموضوع في العلوم الحقيقية أو الاعتبارية وقد اشتهر هذا بين أبناء التحقيق، وصار ذلك من الأصل المسلم والأمر المفروغ عنه، وأن لكل فن وعلم موضوعا يمتاز العلم به عن الآخر، ويكون هو مورد البحث بأحواله وأطواره وخصوصياته وآثاره وأحكامه (1). وقد خالفهم الوالد المحقق - مد ظله - بإنكاره عليهم أشد الإنكار، ذاكرا أن العلوم ما كانت في عصر التدوين إلا عدة قضايا متشتتة، تجمعها خصوصية كامنة في نفس المسائل، بها امتازت عن سائر العلوم، ولم يعهد من أرباب التأليف والتصنيف، ذكر الموضوع الواحد بالعنوان الخاص حتى يكون موضوع العلم (2). ويشهد لما أفاده: ما حكي عن المعلم الأول: " من أنا ما ورثنا عمن تقدمنا في الأقيسة إلا ضوابط غير مفصلة، وأما تفصيلها وإفراد كل قياس بشروطه
وضروبه، فهو أمر كددنا فيه أنفسنا، وأسهرنا أعيننا، حتى استقام على هذا الأمر، فإن وقع لأحد ممن يأتي بعدنا زيادة أو إصلاح فليصلحه، أو خلل فليسده " (1) انتهى. وأيضا يشهد له: خلو الكتب المدونة في العلوم العصرية عن ذكر الموضوع على حدة، بل العلم عبارة عن عدة مسائل مرتبطة. ومما يشهد له: أن كثرة المسائل وتراكم المباحث، تورث تكثر العلم الواحد إلى العلوم الكثيرة، فيكون بدن الإنسان الذي كان موضوعا للعلم الواحد،
موضوعات للعلوم المختلفة، ويتخرج من كل جامعة متخصص في المسائل المرتبطة بعضو دون عضو، بحيث تكون تلك المسائل المتسانخة معها في العصر الأول، متخالفة بعضها مع بعض في العصور المتأخرة. وهذا أعظم شاهد على أن الموضوع للعلم غير محتاج إليه، فلا وجه لما ارتكبه القوم في المقام، فليتدبر، فإنه مزال الأقدام. ثم إن الذي يلجئه إلى الإنكار المزبور، عدم إمكان تصوير الموضوع بالمعنى المعروف بينهم: " من أنه ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية. ونسبة الموضوع إلى موضوع المسائل نسبة الكلي إلى مصاديقه، والطبيعي إلى أفراده " (2) ضرورة أن من العلوم ما هو المتحد موضوع علمه ومسألته ذاتا وعنوانا، كعلم العرفان، بل والفلسفة العليا، لأن موضوعه " الوجود " بالوحدة الشخصية لا الوحدة السنخية، فإن الوجودات ليست عند المحققين منهم متباينات (1). ومن العلوم ما هو موضوعه الكل،
1 - هذه العبارة قد تكررت في الكتب نقلا عن منطق الشفاء، وهو مضمون كلام الشيخ، لاحظ الشفاء 4: 110 - 115 وأيضا شرح حكمة الإشراق، قطب الدين الشيرازي: 21. 2 - الفصول الغروية: 10 - 12، كفاية الاصول: 21، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني)، الكاظمي 1: 20 - 22،. (*)
[ 9 ]
كعلم الجغرافيا، ولايكون كليا. ثم إن كثيرا من مسائل العلوم، خارجة عن العوارض الذاتية، سواء فسرناها بما اعتقده القدماء (2)، أو بما عليه المتأخرون، كصدر المتألهين (3) وتلاميذه (4)، بداهة أن مسائل الجغرافيا وأشباهها، ليست من العوارض الذاتية لموضوعها، وهي " الأرض ". وهكذا في علم الفقه، فإن مباحث الإرث والنجاسات والطهارات وسائر
الأحكام الوضعية - كالضمانات وغيرها - ليست من العوارض لفعل المكلف. وهكذا في علم الفلسفة، فإن مباحث الماهيات، بل والبحث عن نفس الموضوع فيها - وهو من أهم المسائل في العلم الإلهي بالمعنى الأعم - خارج عن تلك العوارض. وهكذا مسائل المعاد والجنة والنار، وغير ذلك من مباحث علم النفس وشؤونها. بل القضايا السالبة المعمول بها في جميع العلوم، تكون خارجة عنها، لأن التحقيق أن المسلوب فيها الربط، لا أن السلب فيها مربوط، فهي صادقة بانتفاء الموضوع، فكيف تكون من عوارض الموضوع ؟ ! مثلا: في الفصل المنعقد لأحكام الوجود يعقد باب " أنه ليس بجوهر، ولا عرض، وليس بمركب... " وهكذا، وهذه المسائل من الفلسفة، مع أنها صادقة بلا استلزام لوجود الموضوع، كما هو الظاهر. أقول: ما أفاده - دام ظله - لا يورث إلا عدم الحاجة إلى بيان الموضوع،
1 - الحكمة المتعالية 1: 35 - 37، شرح المنظومة، قسم الحكمة 1: 32 - 37. 2 - شروح الشمسية 1: 150، شرح المطالع: 18، القواعد الجلية: 188، الشواهد الربوبية: 19، شرح المنظومة، قسم المنطق: 6 - 7. 3 - الحكمة المتعالية 1: 30 - 32. 4 - شوارق الإلهام 1: 5 - 6. ومن تلاميذ مكتبه الحكيم السبزواري في حاشيته على الحكمة المتعالية 1: 32، الهامش 1. (*)
[ 10 ]
وعدم تمامية ما أفاده القوم لموضوع العلم، فعليه لا برهان على عدم الموضوع وإن صرح في آخر كلامه بذلك، ولكنه غير مبرهن فيما قرره المقرر (1). والذي هو التحقيق: أن مسائل كل علم مرتبطة ومتسانخة بعضها مع بعض،
وفيها - كما أقر به - سنخية وخصوصية كامنة في نفسها (2). مع أنا إذا راجعنا مثلا مسائل علم النحو، نجد أن بعضا منها مع بعض متحد في الموضوع، فيقال: " المبتدأ مرفوع " و " المبتدأ لابد وأن يكون معرفا " وبعضها متحد مع البعض في المحمول، كما يقال: " الحال منصوب " و " التمييز منصوب " وبعضها مختلف مع البعض في الموضوع والمحمول، والنسبة فرعهما، كما يقال: " الفاعل مرفوع " و " المفعول منصوب ". وهكذا في الفلسفة تختلف المسائل كثيرا مع الاخريات منها في الموضوع والمحمول. فإذا كان الأمر كذلك في تلك الخصوصية الكامنة في نفس تلك المسائل المختلفة، حتى تكون المتشتتات مرتبطة بها، وتكون هي كالخيط الداخل فيها والرابط بينها، فعندئذ لابد من الإقرار بوجود الجهة الجامعة بينها، وتكون المسائل واردة حولها، ومتعرضة لما يرتبط بها، ويتسانخ معها، المعبر عنها ب " موضوع العلم " والفن المتصدي له متكفل بطرح تلك القضايا والمسائل، حتى يترتب الغاية والغرض المقصود في تحريرها وتنظيمها عليها، بعد الاطلاع عليها، والغور فيها. فبالجملة: عدم إمكان تصحيح تعريف القوم لموضوع العلم، وعدم إمكان تطبيق ما أفادوه في ذلك على المسائل المطروحة في العلم، لايؤدي إلى إنكار تلك
1 - تهذيب الاصول 1: 4. 2 - تهذيب الاصول 1: 1. (*)
[ 11 ]
الجهة الكامنة المصرح بها في كلامه - مد ظله - (1) التي هي الموضوع حقيقة. وما عرفت من الشواهد فبعض منها لا شهادة لها، وبعض منها خلط بين موضوع العلم ووحدة العلم:
أما كلام المعلم الأول، فهو لا يشهد على أن القضايا الواصلة إلينا غير متسانخة حتى لا يكون لها الموضوع. وتوهم لزوم اطلاع الباحث على الموضوع بخصوصيته (2) فاسد، ضرورة أن المتعلمين يشتغلون في أثناء المباحث بمسائل العلم، من غير الاطلاع التفصيلي على الموضوع، فلو جعل الإنسان " الوجود " مثلا موضوعا للعلم، ولايكون مطلعا على جميع مسائله فما صنع قبيحا، بل يحول العلم بعد إبداعه إلى الخلف الصالح بعده، ويصير علما كاملا، فجهالة المتعلمين بالموضوع تفصيلا، لا تورث انتفاء الموضوع واقعا. وأما خلو الكتب العصرية عن ذلك، فهو أيضا لا يشهد على العدم، لأنهم في موقف طرح المسائل النافعة، دون مطلق المسائل، فإنه دأب فضلائنا، فإنهم لا يبالون به، ويطرحون كل ما فيه نفع ولو كان لتشحيذ الأذهان. وأما تشعب العلم الواحد إلى العلوم الكثيرة كالطب، أو رجوع العلوم الكثيرة إلى العلم الواحد، كالجغرافيا بناء على كون " المملكة في ابتداء نشوئها " هي موضوعها، لا الأرض بأقاليمها الخمسة، فهو لا يدل على ما قصده، بل هو دليل أن وحدة العلم ليست واقعية بالواقع المحفوظ، بل لها الواقعية بالواقع المتبدل حسب
1 - نفس المصدر. 2 - شرح المطالع: 18، شروح الشمسية 1: 150 - 160، شوارق الإلهام: 3 / السطر 4 و 6 / السطر 7. (*)
[ 12 ]
اختلاف الأزمان والموجبات الموجودة فيها، كما سيأتي تفصيله (1). فعلى ما تقرر إلى هنا، تبين لك لابدية الجهة الجامعة بين المسائل، والموضوع الوحداني والفرداني بين القضايا المستعملة في العلم.
وأما التمسك بقاعدة امتناع صدور الواحد من الكثير لإيجاب الموضوع في العلم (2)، فهو لا يخلو من غرابة، ولعمري إن أرباب العلوم، لابد لهم من مراعاة الاحتياط في التدخل فيما ليسوا أهلا له، فلا تغفل.
1 - يأتي في الصفحة 43 - 44. 2 - حاشية كفاية الاصول، القوچاني 1: 2، الهامش 1، ولاحظ أيضا حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 48. (*)
[ 13 ]
الناحية الثانية فيما هو الموضوع للعلوم وهاهنا أنظار: النظر الأول: في المراد من " الموضوع " فالمحكي عنهم: " هو أن موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية " (1). والمراد من " الموضوع " ليس ما نسب إلى ظاهر الحكماء: " من أنه نفس موضوعات مسائله عينا، وما يتحد معها خارجا، وإن كان يغايرها مفهوما تغاير الكلي ومصاديقه، والطبيعي وأفراده " (2). انتهى، حتى ينتقض بالعلوم المشار إليها،
فكأنهم لاحظوا بعض العلوم كعلم النحو، وظنوا أن جميع العلوم مثله، وما توجهوا
إلى أن موضوع العلم في الفلسفة محمول في المسائل، وموضوع العرفان واحد خارجا ومفهوما في العلم والمسألة، ولا تغاير بينهما بنحو الكلي والفرد. بل ملاحظة موضوع علم النحو يعطي خلاف ظنهم، لتعدد الموضوع في النحو. وتوهم أن موضوعه " الكلمة اللابشرط " غير تام، لأن بها لا يحصل الكلام لتقومه بالنسبة والهوهوية، فلا تغفل. كما ليس المراد منه الموضوع في مقابل المحمول، حتى ينتقض: بأن ما هو الموضوع في الفلسفة محمول في القضايا والمسائل، ويرد النقض: بانقلاب القضية، كما صنعه الحكيم السبزواري (رحمه الله) في مختصره (1). وهكذا ينتقض بعلم الصرف والنحو، وسائر العلوم التي يمتاز موضوعها بالقيد الوارد على الجهة المجتمعة فيها العلوم، وهي قيد الحيثية. فمن هنا تعلم أن المراد من الموضوع ما هو الجهة الجامعة للمسائل، والرابطة بين المتشتتات، المشار إليها في بعض العلوم بعناوين بسيطة، ك " الوجود " في الفلسفة، و " الجسم الطبيعي " في الطبيعي، وفي بعضها بعناوين مركبة، ك " الكلمة والكلام من حيث الإعراب والبناء " في النحو، و " من حيث الصحة والاعتلال " في الصرف، وك " الأدلة الأربعة " في الاصول. وهكذا يمكن إضافة كلمة " أو ما يؤدي إليه " لموضوع الفقه، وهو " فعل المكلف " حتى تجتمع فيه جميع مباحث الفقه، ولا يلزم النقوض المزبورة عليه. وقد يتوهم: أن العلوم على قسمين: القسم الأول: ما هو الموضوع فيه معلوم كالفلسفة والعرفان والطبيعي، لأنه هو الموضوع للمسائل.
1 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 206. (*)
[ 15 ]
والقسم الثاني: ما لا موضوع له، بل الغاية والغرض تكون جامعة للمسائل (1). وهذا فاسد، ضرورة أن إضافة قيد الحيثية إلى الكلمة في موضوع الصرف والنحو، غير الفائدة المترتبة عليهما، وهو حفظ اللسان عن الخطأ في المقال، كما هو الواضح، فما أصر عليه: من عدم الموضوع لبعض العلوم، غير راجع إلى محصل. وقال بعض السادة من أساتيذنا: " إن المراد من الموضوع في الجملة المعروفة، مقابل المحمول، ولكن لا المحمول في المسألة، بل الموضوع للعلم هو جامع المحمولات المبينة في المسائل، ويكون في الحقيقة موضوعا لموضوعات المسائل، وتكون تلك الموضوعات محمولاته " (2). بيان ذلك مع رعاية الاختصار: أن موضوع العلم ما يجعل مصب النظر، ويبحث عن طوارئه وعوارضه وتعيناته وشؤونه، وهو في الفلسفة " الوجود والموجود " فإن البحث فيها حول تعينات الوجود ومظاهره، وأنه هل يتعين بالتعين الجوهري، أو العرضي، أو المجرد أو المادي ؟ ويكون في الحقيقة القضية المستعملة في العلم عكس ما يفرض في المسائل، فإن المتعارف أن يقال: " الإنسان موجود " و " العقل موجود " مع أن التحقيق هو أن يقال: " الوجود جوهر " و " الوجود مجرد " و " الوجود عرض " و " الوجود فلك وملك " فإن هذه الماهيات عوارض الوجود عرضا تحليليا، كما يأتي تفصيله في ذيل العوارض الذاتية (3). ففي الحقيقة طالب الفلسفة يتفحص عن شوؤن الوجود وأطواره وأحكامه وتعيناته وتشؤناته، فما هو المحمول في المسألة هو " الموجود " والذي يثبت
1 - منتهى الاصول 1: 6 - 9. 2 - نهاية الاصول: 12. 3 - يأتي في الصفحة 25 - 26. (*)
[ 16 ]
لموضوع المسألة حصة من الوجود، أو مرتبة خاصة منه، والذي هو جامع تلك الحصص والمراتب، هو الحقيقة المطلقة منه التي هو موضوع العلم، وتكون تلك الموضوعات والماهيات المعروضة للوجود الخاص - في الاعتبار والذهن - عوارض تلك الحقيقة، ومحمولات ذلك الموضوع في التحليل، وإلا فالكل متحد حد الكون والخارج. وهكذا في النحو ما هو الموضوع جامع المحمولات وإن لا يكون بعنوانه موضوعا فيه، وذلك الجامع هو الإعراب والبناء، أو هي حالة آخر الكلمة، فتلك الحالة رفع ونصب وجر، ولها الأسباب المختلفة، فالرفع من شؤون تلك الحالة، وهكذا الضم والفتح والكسر، والقضية المنعقدة تكون هكذا: " حالة آخر الكلمة نصب ورفع وجر " والقضية المستعملة في العلم " إن الفاعل مرفوع " و " المفعول منصوب " فما هو الجامع لتلك المحاميل في الإعراب والبناء، هو تلك الحالة والحركة التي هي في الحقيقة موضوع العلم. أقول: ظاهر ما نسب إليه أنه توهم: أن جامع المحمولات موضوع لموضوعات المسائل، وتكون هي أعراضا ذاتية له، مع أن الأمر ليس كذلك حتى في علم النحو الذي مثل به، فإن موضوع المسألة - وهو " الفاعل " و " المفعول " - ليس من عوارض ذلك الجامع، نعم في الفلسفة، وبعض العلوم الاخر ربما يكون كذلك، ولكنه ليس كذلك في مثل علم العرفان، فإن محمولات المسائل جامعها موضوع العلم، وهو نفس موضوعات المسائل عينا ومفهوما. بل الأمر حسب ما يؤدي إليه نظر المحققين، كذلك في الفلسفة (1)، لأن موضوعها ليس " مفهوم الوجود " بالضرورة، فإنه من المعقولات الذهنية والمفاهيم الواضحة التي لا خارجية لها، فموضوعها " خارج الوجود وحقيقته الخارجية " وهي
ليست محمول المسائل، فالموضوعات أعراض ذاتية لتلك الحقيقة، وهي الواحدة بالوحدة الشخصية، إذ القول بالحقائق المتباينة باطل عندهم (1)، فيتحد موضوع العلم وموضوعات المسائل. ولو قيل: بناء على هذا يلزم صحة تفسير " الكفاية " (2) هنا. قلت: هذا هو غير موافق للتحقيق عندنا، على ما فسرناه في " القواعد الحكمية " (3) وقلنا: إن القائلين بأصالة الماهية من أعظم الفلاسفة، مع إنكارهم تلك الحقيقة (4)، فليس " الوجود " ولا " مفهومه " موضوعها، بل موضوعها الأمر الجامع بين الوجود والماهية، وهي " الواقعية " بعد الفراغ عن ثبوتها في الجملة. وهكذا ربما لايتم في مثل علم الجغرافيا. ولا يمكن إتمامه في علم النحو، بناء على أن موضوعه " الكلمة والكلام " ولا يمكن إرجاع الثاني إلى الاولى، لأن الكلمة المطلقة ليست مورثة للكلام، والكلمة المقيدة بالانتساب، لا تنطبق على الكلمة المطلقة عن النسبة، كالحروف النواصب والجوازم. فعلى هذا، لا يعقل الجامع بين محمولات العلوم التي يتعدد موضوعها، ضرورة أن كثيرا من مباحث النحو، مربوط بإعراب الجمل والإعرابات المحلية، وكثيرا ما يقع البحث في المعاني المربوطة بالجملة، كغير الباب الأول من الأبواب الثمانية في " المغني ". ودعوى: أن النحو علمان (5)، ويكون الباب الأول من " مغني اللبيب " علما،
وسائر الأبواب علما آخر، فاسدة بالبديهة. ولا يمكن الالتزام بما أفاده، في علم المنطق، فإن موضوعه " المعقولات الثانية " وجامع محمولات المسائل معقول رابع، فالبحث عن الذاتية والعرضية والقياس والبرهان وأحكام القضايا - من الموجبات والسوالب في البسائط والمختلطات - يجمعها فرضا عنوان كلي، وليس هو موضوع المنطق، بل موضوعه " الطبيعة المعقولة ". مع أن تصوير الجامع بين محمولات مسائل المنطق غير ممكن، لأن نسبة بعض مسائله - كالمعرفية والجنسية والفصلية وأمثالها - إلى بعضها كالقياس والبرهان، نسبة الكلمة إلى الكلام، ولا جامع بينها بنحو يفيد تمام المطلوب، كما لا يخفى. ولا في علم الفقه، فإن موضوعه إذا كان جامع المحمولات، أهو " الحكم الأعم من الوضع أو التكليف " أو هو الثاني فقط، بناء على تأخر الوضع عن التكليف في الاعتبار، كما قيل به (1)، وهذا الحكم ليس من تطوراته وشؤونه موضوعات المسائل، وهو الأفعال الخارجية التكوينية، فكيف يعقل ذلك مع أن الموضوع أمر اعتباري، والمحمول أمر خارجي في الأعيان ؟ ! ولا في علم الصرف، بل لا جامع بين الصحة والاعتلال. فعلى ما عرفت من فساد المبنيين - وهما كون المراد من " الموضوع " في العبارة الواصلة من الأقدمين، نفس موضوعات المسائل، أو جامع محمولات
المسائل - تعرف أن المقصود من " الموضوع " ما هو الجامع الرابط بين المسائل المتشتتة والقضايا المتباينة، ويكون نظر المتعلم إلى الفحص عما يرتبط به ويتسانخ معه من الأعراض وغيرها.
1 - فرائد الاصول 2: 601. (*)
[ 19 ]
وهذا قد يكون نفس موضوعات المسائل، وقد يكون جامع المحمولات، وقد لا يكون إلا العنوانين ك " الكلمة والكلام " وقد يحتاج إلى إيراد قيد الحيثية، وقد يحتاج إلى ذكر القيدين بعد ذكر الحيثية ك " الإعراب والبناء " ولا برهان على أن الموضوع، لابد وأن يفسر بمعنى واحد ومفهوم فارد. فتحصل إلى هنا: أن " الموضوع " في العبارة المشار إليها، ما هو المجعول للنظر فيه، ويكون مصب النفي والإثبات، للخصوصيات المختلفة فيه، وهو الجامع بين الشتات. إن قيل: هذا في الحقيقة إنكار لموضوع العلم، لأن الغرض في العلم قد يكون جامع الشتات (1). قلنا: نعم، هذا ما قد يتوهم، وقد اشير إليه، ولكنه بمعزل عن التحقيق، ضرورة أن الغرض والغاية والفائدة، من العناوين الموجودة في أنفس المدونين، وربما تترتب على تعلم المتعلمين، كما إذا أرادوا حفظ الكلام عن الغلط، فهذا أمر اقتضائي مترتب - على نعت الاقتضاء - على العلم، فليست الجهة الجامعة التي هي الجهة الفعلية الموجودة في العلم، هي ذلك الغرض. وبعبارة اخرى: العلم علم وإن لم يكن مدونا، ولا متعلما، أي لا يعتبر لحاظهما في وجود العلم. ولذلك ما هو الجامع - بمعنى الموضوع في العلم - غير الغرض فيه، وقد
تصدى أرباب العلوم بعد ذكر الموضوع، لذكر الفائدة والثمرة والغرض والغاية. وإن شئت قلت: ما هو الغاية هنا هي ما لأجله الحركة، لا ما إليه الحركة، وما لأجله الحركة ليس يترتب على الحركة إلا أحيانا، فليست الغاية هي الجهة الجامعة المعبر عنها ب " الموضوع " بالضرورة.
هذا تمام الكلام في النظر الأول مما يتعلق بالعبارة الواصلة من الأقدمين. بقي أنظار اخر: النظر الثاني: في المراد من " العوارض " اعلم: أنه قد يطلق " العرض " ويراد منه ما هو الخارج عن الشئ وملحق به، بمعنى أن العقل يدركه منه، وهذا هو العرض في المنطق في الإيساغوجي، أي الكليات الخمسة (1). وهذا أعم من العرض في باب مشاركة الحد والبرهان (2)، فإن العرض هنا ما هو الخارج عن ذات الشئ، سواء كان قابلا للجعل، أو لم يكن، بخلاف العرض في باب البرهان (3)، فإنه ما هو القابل للجعل، مقابل الذاتي في ذلك الباب، وهو ما لا يقبل الجعل، وإن كان ذاتي بابي الأول والثاني لا يقبل الجعل، ومشتركا من هذه الجهة، إلا أن الذاتي في باب الكليات، ذاتي أخص من ذاتي باب البرهان، لأن المراد منه ما هو الأعم منه ومن خارج المحمول الذي لا تناله يد الجعل. وهذا العرض أقسام: لأنه تارة: يكون نفس ذات الشئ كافية في اعتباره، كالإمكان بالنسبة إلى الماهية، ولايكون العرض في الخارج. واخرى: لابد من اعتبار اللحاظ الزائد على الماهية، كالحرارة للنار، فإنها
موضوعة لها، ولكنه لابد من الوجود الخارجي في ترتبها عليها، من غير كون الخارج قيدا في الموضوع، بل القضية من قبيل القضايا الحينية، ويكون العرض من
1 - شرح المنظومة، قسم المنطق: 29 - 31. 2 - شرح المنظومة، قسم المنطق: 36. 3 - الجوهر النضيد: 208، شرح المنظومة، قسم المنطق: 31 و 92. (*)
[ 21 ]
الوجودات الخارجية. وثالثة: لابد من اللحاظ الزائد، إلا أنه قيد في الموضوع، كالحرارة بالنسبة إلى الماء. وهذا أيضا قد يكون القيد الزائد ثابتا لذي الواسطة، وهي النار في المثال المذكور. وقد لا يكون، كما فيما إذا كانت الشموس واسطة، بناء على رأي القدماء، فإنها ليست بذات الحرارة، إلا أنها دخيلة في ظهور حرارة الأجسام، وتخرجها من القوة إلى الفعل (1). وهذا العرض الخارج عن حقيقة الشئ، قد يكون متحدا مع الشئ في الوجود، ومختلفا معه في الماهية والاعتبار، كالأجناس بالنسبة إلى الفصول وبالعكس، فإن كل جنس عرضي بالنسبة إلى الفصل، فالحيوان عرض للناطق، وبالعكس، ولمكان الاتحاد يصح الحمل. وهذا هو المعروف ب " الأعراض التحليلية " (2). ومن مثالها الوجود والماهية فإن كل واحد منهما عرضي للآخر، ويحمل عليه، فيقال: " الماهية تعرض الوجود، ومن عوارضها، والوجود يعرضها " (3) والكل بحسب الذهن دون الخارج، لاتحادهما هوية وعينا.
وقد لا يكون متحدا مع الشئ في الوجود أيضا، كالحرارة بالنسبة إلى النار، فإنها من آثارها، والتعجب والضحك بالنسبة إلى طبيعة الإنسان. وقد يطلق " العرض " ويراد منه مقابل الجوهر الذي لا يكون وجوده إلا في
1 - النجاة، قسم الطبيعيات: 152 - 154. 2 - المشاعر: 11 و 16 و 23، نهاية الدراية 1: 23. 3 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 18، أنوار الهداية 1: 270. (*)
[ 22 ]
الموضوع، وهو المقولات التسع العرضية (1). وهذه العوارض تثبت لموضوعاتها، لأجل الحيثيات التقييدية الثابتة فيها من الخصوصيات والإضافات، ولذلك تعد من المحمولات بالضميمة. وقد يطلق ويراد منه ما يقابل الحقيقة، فيقال مثلا: " السفينة متحركة، وجالسها متحرك بالعرض، لا بالحقيقة والواقع " فالمراد منه المجاز، كما قيل بذلك في الوجود والماهية، بدعوى أن الموجودية ثابتة للوجود بالحقيقة، وللماهيات بالعرض والمجاز (2). وهذا هو الإطلاق العرفي حسب الاستعمالات اللغوية. النظر الثالث: في المراد من " العرض الذاتي " بعدما عرفت جملة من أقسام الأعراض وتقسيماتها على الاختصار، تصل النوبة لتفسير العرض الذاتي، فعن القدماء تفسير العرض الذاتي: " بما يعرض للشئ، بحيث يكون هو كافيا في العروض، أو تكون الواسطة مساوية له في الصدق " (3) كالوحدة، والوجود، وسائر العناوين المساوقة معه، فإن نفي قابلية القسمة عن الوجود خارجا، لأجل وحدته، وإثبات النورانية لتلك الوحدة، لأجل الوجود، وهذه السراية لأجل الاتحاد. ومن هذا القبيل النوع والفصل، فإن ما يثبت للفصل يثبت للنوع، وبالعكس،
مع اختلافهما في المفهوم. وهذا هو المعروف في كلام جماعة ب " الجزء الداخلي " فإن الفصل هو الجزء الداخلي للنوع المساوي معه في الصدق. وقال الآخرون: " بأن الأعراض الذاتية هي التي تعرض للشئ، بمعنى أن
1 - الجوهر النضيد: 24، الحكمة المتعالية 4: 201، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 136. 2 - الحكمة المتعالية 3: 257. 3 - شرح المطالع: 10 و 11، شروح الشمسية: 150. (*)
[ 23 ]
تكون صفة له بحال نفسه، لا بحال متعلقه، فإنه بالعرض والمجاز " (1). ووجه الابتلاء بهذا التفسير، توهمهم أن المراد من " العوارض الذاتية " في الجملة الواصلة إلينا في تعريف موضوع العلم، هو العرض الذاتي المصطلح عليه في العلم الأعلى، مع أن الأمر ليس كذلك كما يأتي (2). ولو كان الابتلاء بالإشكال موجبا للتدخل في المراد من كلمات القوم، وتفسيرها بوجه آخر لحل الإشكال، لكان ذلك بابا واسعا في حل الشبهات، وربما يأتي بعد زماننا هذا من يفسرها بأمر آخر، لاستلزامه لإشكالات اخر، فتدبر. والذي أظنه بعد التأمل التام: أن الأعراض الذاتية قبال الأعراض الأجنبية والغريبة، فما كان من العوارض لاحقا بذات من الذوات - بمعنى أن تكون الذات كافية بذاتها لعروضه عليها - فهو العرض الذاتي، أي يخص بذات دون الذوات الاخر، ولا شريك لتلك الذات من أمر آخر يعرضه هذا العرض، ولا شريك لتلك الذات دخيل في عروضه عليها من العلل. فالعرض الذاتي ما يخص بذات، وقهرا تكون تلك الذات موضوع الاعتبار المذكور، وعلة العرض المزبور، فلا يكون الزوجية من عوارض " الأربعة " الذاتية، لاشتراك " الستة " معها فيها، ولا التعجب من العوارض الذاتية للإنسان، لاشتراك
الأنواع الاخر المشابهة معه في الإدراك الكلي، فهذا العرض غريب وأجنبي عن الذات المعينة المخصوصة بالنظر. وهكذا كل عرض يكون كذلك هو العرض الغريب، فما لا يعرض للشئ حقيقة، ويعرض له لأجل الجهة المعانقة معه من الأجزاء الداخلية، أو الامور
1 - الحكمة المتعالية 1: 32، الهامش 1، نهاية الدراية 1: 26. 2 - يأتي في الصفحة 30 - 31. (*)
[ 24 ]
الخارجية - سواء كانت أعم، أو أخص، أو مباينة، كما مضى أمثلتها (1) - فهو الغريب. وقد تصدى جمع لتفسير الأعراض الذاتية والغريبة (2)، ولكن الإنصاف أن الغور فيها بعد ذلك من " اللغو المنهي ". النظر الرابع: المراد من " الأعراض الذاتية " في عبارة الأقدمين فإن كانت هي ما أفاده المشهور (3) إلى عصر صدر المتألهين (قدس سره) فكثير من مباحث العلوم خارج عن التفسير المذكور، لأن موضوعات المسائل أنواع وأصناف - أو كالأنواع - لموضوع العلم، وليس هذا مما يمكن الالتزام بخفائه عليهم، مع أنهم أهل الفن، ومبتكرو العلوم وجامعو الفنون، خلافا للفاضل الخوانساري في " حواشي الشفاء " (4). فيعلم من ذلك: أن " الأعراض الذاتية " في هذه العبارة ليست ما هي المصطلح عليها في المنطق عندهم، خصوصا بعد تصديهم لذلك البحث في كتبهم الحكمية، وديباجة المباحث العقلية، والمسائل الفلسفية. ومما ظنه الحكيم المتأله صاحب " الحكمة المتعالية " أن المقصود من " العوارض الذاتية " في تلك العبارة هو ذاك، ولما تذكر الإشكال المتوجه إليهم بنى
1 - تقدم في الصفحة 20. 2 - هداية المسترشدين 14 - 17، الفصول الغروية: 10، كفاية الاصول: 21، نهاية الأفكار 1: 13 - 18. 3 - شرح المطالع: 18، الشفاء، قسم المنطق 3: 155 - 167، شرح عيون الحكمة 1: 216، شروح الشمسية: 150. 4 - على ما أفاده الحكيم السبزواري في حاشية الحكمة المتعالية 1: 32، الهامش 1. (*)
[ 25 ]
على تفسيرها بوجه آخر، حتى تكون مسائل العلم أعراضا ذاتية لموضوعه (1). وقد عرفت: أن هذا ليس دفعا للإشكال الظاهر عليهم، بل هو الالتزام به، والخروج عما هو الطريق المألوف والدأب المجبول عليه، كما لا يخفى. مع أنه ربما لا يمكن تتميمه على تفسيره، قال في كتابه الكبير بعد البحث الطويل: " نعم، كل ما يلحق الشئ لأمر أخص، وكان ذلك الشئ مفتقرا في لحوقه له إلى أن يصير نوعا متهيئا لقبوله، ليس عرضا ذاتيا، بل عرض غريب. كما أن ما يلحق الموجود قبل أن يصير كذلك، عرض ذاتي، ضرورة أن لحوق الفصول لطبيعة الجنس - كالاستقامة والانحناء للخط مثلا - ليس بعد أن يصير نوعا متخصص الاستعداد، بل التخصص إنما يحصل بها، لا قبلها، فهي مع كونها أخص من طبيعة الجنس، أعراض أولية " (2) انتهى. فبالجملة: مجرد الوساطة لا يضر بالعرض الذاتي، بل المناط في العرضين - الذاتي والغريب عنده - الوساطة الخارجية، لا المفهومية، أي جميع أعراض النوع بالنسبة إلى الجنس، والفصل بالنسبة إلى الأجناس، وبالعكس، أعراض ذاتية، ولكن عوارض الجسم الطبيعي في العلم الطبيعي، والجسم التعليمي في المجسمات، والكم المنفصل في الحساب، كلها أعراض غريبة، للزوم الخصوصية في الموضوع، لا من
قبل المحمول. وإن شئت قلت: الأعراض الذاتية ومعروضاتها موجودات بوجود واحد، والأعراض الغريبة ومعروضاتها موجودة بالوجودين: الجوهري، والعرضي، أو الموضوعي، والعرضي، فهناك جعل بسيط، وهنا جعل مركب، فجميع الأعراض التحليلية ذاتية، وجميع الأعراض الخارجية غريبة بالنسبة إلى موضوع العلم وإن
كانت ذاتية لموضوعها. أقول: فبالجملة تنحل الشبهة، وهو (قدس سره) يريد أن القدماء أيضا مقصودهم من " العرض الذاتي " هو ذلك. فما اشتهر من نسبة التفسير الأول إليهم، والتفسير الثاني إليه، لا يخلو من إشكال، كما في كلامنا أيضا ترى ذلك، والأمر سهل. وعلى هذا، يمكن دفع الإشكالات المذكورة عليهم: تارة: بأن مباحث الماهيات خارجة عن الفلسفة الاولى، لعدم كونها من الأعراض الذاتية، فإنها عنده منها، بل في خصوصها صرح في الكتاب الكبير قائلا: " ويتضح لك من طريقتنا في تحقيق مباحث الوجود التي هي دار الأسرار الإلهية: أن الماهيات أعراض ذاتية لتلك الحقيقة " (1) انتهى. اللهم إلا أن يقال: المسائل المعروفة في العلم الإلهي من الأعراض الذاتية، ولكن كل ما يرجع إلى الموضوع فهو ليس منها، مثل البحث عن أصالة الوجود والماهية، وتركبه وعدمه، وبساطته وعدمه، وأنه لا حد له، لأن موضوع العلم ليس موضوع المسألة، بل موضوع المسألة عرض ذاتي للعلم، كالماهيات، ويكون موضوع العلم نفس موضوعات المسائل المختلف معها عنوانا، والمتحد خارجا،
كما مر (2). هذا مع أن ما يثبت في العلم عنده أنه العرض الذاتي، ليس من الأعراض الذاتية في العلم عند الأكثر، وهذا غير تام، للزوم كون الشئ عرضا ذاتيا على المذهبين، ولذلك قيل واشتهر: " إن ما هو المفهوم المردد في المسألة هو العرض الذاتي " (3) لأن المسألة بأي طرف منها ثبتت، تكون من مسائل العلم، ويكون
محمولها من عوارض الموضوع الكلي فليتدبر. واخرى: بأن مباحث الجنة والنار ليست من الأعراض الذاتية. وفيه: أن البحث فيها بالنسبة إلى الجنة والنار الخارجيتين، يكون من عوارض الموجود المنقسم إلى الجوهر والعرض، والجوهر إلى المجرد المحض، والمقدر، والمادي، والجنة والنار من أنواع الموجودات المقدرة في القوس النزولي، وبالنسبة إلى الجنة والنار غير الخارجيتين يكون البحث عن عوارض النفس، وأنها باقية بعد خراب البدن، وأنها خلاقة للصور المقدرة في القوس الصعودي، وقادرة على إحضار الكائنات والمبتدعات بوجه تقرر في محله. نعم، هذا لايتم على الدقة العقلية في تفسيره " للعرض الذاتي " لتخصص النفس التي من عوارض الموجود بخصوصية خارجية، وتهيئها من قبل غير الوصف العارض في عروض هذه الأوصاف على الموجود المطلق. وما توهمه المحشي العلامة: من تمامية الشبهة على التفسير المزبور (1) غير صحيح. هذا مع أن العوارض الذاتية للأجناس عوارض الأنواع، لأن الجنس مأخوذ
لا بشرط، فالحكم " بأن الجوهر هو الموجود لا في موضوع " ثابت لأنواعه، كما أن الحكم " بأن النفس موجود مجرد ذاتا، لا فعلا " ثابت للموجود المطلق، فيلزم جواز كون موضوع المسألة أعم من موضوع العلم، وهذا يستلزم تداخل مسائل العلم الأعلى في العلم الأدنى، كما لا يخفى. وثالثة: بأن القضايا السوالب المستعملة في العلوم، غير متقومة بالموضوعات في الصوادق، فكيف تكون المحمولات فيها من الأعراض الذاتية ؟ ! وفيه: أن القضايا هي السوالب المحصلة بعد اعتبار وجود الموضوع خارجا، وهذا اعتبار لازم في المسائل، وإلا فكثيرا ما لا يبحث عن شئ يكون موضوعه
1 - نهاية الدراية 1: 21 - 24. (*)
[ 28 ]
المعدوم، فالقضية سالبة محصلة مع اعتبار وجود الموضوع. نعم، نفي الحكم ليس من العوارض، إلا أنه يستلزم إثبات نقيضه وضده، مثل " أن الوجود ليس بجوهر، ولا عرض " من مسائل العلم، وليس المحمول إثبات الأمر العدمي حتى تكون القضية معدولة، بل الثابت بهذه القضية المحصلة، بساطة الوجود في الخارج والذهن، وإثبات أنه الواحد بالوحدة الحقة الحقيقية، فكأنه تكون المسألة معنونة هكذا: " في أن الوجود واحد بجميع الوحدات المعتبرة في العقل والخارج ". هذا، وتتميم ما أفاده في سائر العلوم خصوصا العلوم الاعتبارية - بحيث يستوعب جميع المسائل - غير ممكن، خصوصا في مثل علم الجغرافيا والتأريخ. بل في مثل علم الفقه أيضا مشكل، ضرورة أن الأحكام الوضعية من المسائل الفقهية، وإرجاعها إلى الأحكام التكليفية غير تام، كما تقرر في محله. هذا مع أن ما يستفاد من كلام القوم: أن مقصودهم من " العرض الذاتي " هو
ما ذكرناه (1). وإلحاق الأمر المساوي، لدعوى أن تساوق النسبتين في الصدق كالاتحاد في الذات، وإلا فهو أيضا عرض أجنبي عن الذات غير مربوط بها. وما أفاده الحكيم المزبور: من أن مقصودهم ذلك لا ذاك، غير قابل للتصديق، لأنهم في العبارة الواصلة عنهم في تفسيره صرحوا: ب " أن ما يعرض للأمر المساوي من العرض الذاتي " (2) وهذا مما لا يمكن تفسيره بأمر آخر. نعم، إذا أجملوا في التعبير كان لاستكشاف العرض الذاتي - بالمعنى الأخير - من عبائرهم وجه، ولكنه غير ممكن جدا.
1 - تقدم في الصفحة 23 - 24. 2 - شرح المطالع: 18، شرح عيون الحكمة: 216، القواعد الجلية: 188، شروح الشمسية: 150. (*)
[ 29 ]
وتصريح الشيخ في بعض كتبه (1)، بما يوافق مذهبه في تفسيره، لا يورث تعينه فيه، كما هو الظاهر البارز. فعلى ما تقرر إلى هنا، تعين أن يكون المراد من " العوارض الذاتية " غير ما اصطلح عليه في المنطق والفلسفة. إن قلت: ما المانع من تفسيرها بما يعرض للشئ حقيقة، قبال ما يعرض للشئ على نعت المجاز وبالعرض، كما اشير إليه (2) ؟ قلت: هذا ما أفاده الحكيم السبزواري، ولعله يرجع إلى ما رامه صدر المتألهين. قال في " حواشي الأسفار ": " والحق في معنى العرض الذاتي أن يقال: هو ما يكون عارضا للشئ ووصفا له بالحقيقة، بلا شائبة مجاز وكذب، أي يكون من قبيل ما يقال له عند أهل العربية: الوصف بحال الشئ لا الوصف بحال متعلق
الشئ. وبعبارة اخرى: العرض الذاتي ما لا يكون له واسطة في العروض، لكن بعض أنحائها التي كحركة السفينة الواسطة لحركة جالسها " (3) انتهى. فعليه تكون جميع الأعراض للموضوعات الأعم والأخص أعراضا ذاتية، كما صرح به في ذيل ذلك، وقال: " والسبب في أن أحوال الفصل هي أحوال الجنس، أن الجنس إذا اخذ لا بشرط كان متحدا مع الفصل، فكانت أحوال أحدهما هي أحوال الآخر
1 - النجاة: 198. 2 - تقدم في الصفحة 22. 3 - الحكمة المتعالية 1: 32، الهامش 1. (*)
[ 30 ]
بالحقيقة " (1) انتهى. وأنت خبير بما فيه كما اشير إليه (2)، ضرورة أن لازمه جواز إدخال مسائل العلم الأعلى في العلم الأدنى، لأن عوارض الكم المطلق عوارض ذاتية للكم المنفصل، الذي هو موضوع الحساب، أو الكم المتصل الذي هو موضوع الهندسة، لأن الجنس متحد مع الفصل، وتكون هي ثابتة له على نعت الحقيقة، فافهم وتدبر جيدا. فعلى هذا لنا دعوى: أن " الموضوع " في هذه العبارة كما أنه ليس منحصرا بالموضوع في مقابل المحمول، بل هو الأعم منه، والمقصود هي الرابطة الموجودة بين المسائل المختلفة، والجهة المشتركة بين القضايا المستعملة في العلوم، سواء كان موضوع المسألة، أو جامع المحمولات، أو نفس موضوعات المسائل، أو كان بسيطا، أو مركبا، أو مقيدا.
ولا يعقل كون جميع المسائل لموضوع النحو المركب، أعراضا له، سواء كانت ذاتية، أو غريبة، خصوصا بعد كونه مركبا من ثلاثة أجزاء: إعراب آخر الكلمة، وبناؤها، والكلام، وهكذا في الصرف، فإنه فيه صحة الكلمة، واعتلالها، وهذه المفاهيم هي الحبال الداخلة في حلق مسائل العلم، فتكون جامعة لها. كذلك الأعراض الذاتية، ليست منحصرة بالأعراض الذاتية المصطلحة في المنطق، بل هي الأعم منها ومما يلحق بالشئ، لسنخية هي أقوى من السنخية المقتضية للبحث عنه في العلم الآخر. ولذلك كثيرا ما يتفق اتحاد المسألة، واختلاف العلم، فيبحث عنها في العلوم الكثيرة، للسنخية التي تورث ذلك ولو مع الوسائط، فيقع البحث عن كلمة " الصعيد " في اللغة، وعنها في التفسير، وعنها في الفقه.
1 - نفس المصدر. 2 - تقدم في الصفحة 27. (*)
[ 31 ]
وهذا لا يرجع إلى أن اتحاد الغرض يوجب ذلك، حتى يقال: بأن الجهة المشتركة بين المسائل قد تكون اتحاد الأغراض (1)، لما عرفت: من أن تلك السنخية في المرتبة المتقدمة، ولولا تلك السنخية لا يعقل اتحاد الغرض، وعرفت الجهات الاخر المؤدية إلى امتناع كونه سببا للربط (2)، فلاحظ. فعلى هذا، البحث عن عوارض الجنس في العلم الأدنى - بعد كون الجنس موضوعا للعلم الآخر، أو عرضا في العلم الأعلى - غير صحيح، لأن تلك السنخية أقوى من السنخية الثابتة في العلم الأدنى، فلا وجه لجر مباحث الجوهر إلى العلم الطبيعي، ومباحث الكم المطلق إلى الحساب والهندسة، لكونها في الفلسفة أولى وأقرب. فذلكة البحث فيما هو الموضوع عندنا
موضوع كل علم ما يبحث فيه عما يرتبط به ارتباطا خاصا يدركه العقل السليم، ويجده الذوق الخالص من الشوائب والأوهام. وهذه قد تكون عوارض ذاتية بالتفاسير الماضية، وقد لا تكون منها، كمباحث النجوم، والتأريخ، والجغرافيا. وقد تكون من اللواحق المسانخة مع الموضوع المفروض، كمسائل النحو والصرف، فإن عدة من مسائله من عوارض الكلمة، وعدة منها من مسائل الكلمة، وتكون بين الجميع سنخية معلومة، لارتباط المحمولات بعض مع بعض، أو الموضوعات بعض مع بعض، ويجمعها الكلمة والكلام، وهكذا الصرف.
1 - نهاية الأفكار 1: 11 - 12، منتهى الاصول 1: 7 و 9، محاضرات في اصول الفقه 1: 19 - 20. 2 - تقدم في الصفحة 18 - 20. (*)
[ 32 ]
بل علم الاصول بناء على المشهور أيضا كذلك، وهكذا موضوع علم الفقه، فإنه هو " فعل الإنسان، أو ما يؤدي إليه " فافهم وتدبر. فبالجملة: قد علمت أن " العوارض الذاتية " في العبارة الواصلة، مما لا يمكن الالتزام بها بالمعاني الممكنة لها المصطلح عليها في المنطق، فلابد إما من الالتزام بخلاف الظاهر فيها، وجعلها الأعم كما أشرنا إليه (1)، أو تغيير العبارة بالوجه الذي سمعت منا آنفا. والأمر بعد تلك الإطالة سهل، غفر الله لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا.
1 - تقدم في الصفحة 29. (*)
[ 33 ]
الناحية الثالثة في موضوع علم الاصول
فالمعروف إلى العصور الأخيرة: أن موضوعه " الأدلة الأربعة بما هي أدلة " (1) كما يستظهر من الفاضل القمي (قدس سره) (2). وعدل عنه " الفصول " وقال: " موضوعه الأدلة بذاتها " (3) ظنا أن الإشكالات المتوهمة في المسألة تندفع بذلك. وقال جماعة: بعدم الموضوع له (4). وقيل: " موضوعه كل ما كان من عوارضه واقعا في طريق استنباط الحكم الشرعي، أو ما ينتهي إليه العمل " (5).
وقال في " الكفاية ": " موضوعه هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة " (1). وذهب الوالد المحقق - مد ظله - وبعض السادة من أساتيذنا إلى أنه الحجة في الفقه (2)، ظنا أنه غير ما نسب إلى الأكثر، مع أن الأمر ليس كذلك، فإن ما هو الموضوع عنوان " الدليل بما هو دليل " وهو صادق على الأربعة. نعم، لابد من التقييد بقولهم: " في الفقه " لئلا يشترك معه العلوم الاخرى التي يحتج فيها بتلك الأدلة. وبعبارة اخرى: موضوع الاصول ليس مثل موضوع النحو مركبا، حتى يكون
هي الأربعة، بل هو العنوان الواحد المقيد، وهو الدليل في الفقه. وعدم ذكر القيد في كلام القائلين به لوضوحه. إن قلت: يلزم خروج جميع مباحث الاصول إلا المباحث الراجعة إلى تعارض الأدلة (3)، لأن البحث عن خصوصيات الموضوع وأصل تحققه، ليس إلا من المبادئ التصورية في العلم، وهذا مما لا يمكن الالتزام به. والعدول إلى ما في " الفصول " (4) لا يخلو من التأسف، لأنه مضافا إلى عدم حل الشبهة به - ضرورة أن البحث في مباحث الملازمات العقلية، بل والاصول العملية وهكذا، ليس من العوارض لذات الدليل - أن مباحث المعارضة بين الأدلة تكون خارجة، إلا بدعوى أن المراد من " الدليل " هي الحجة الفعلية، لا الأعم منها ومن الحجة الذاتية.
قلت: هذا بناء على التوهم المشهور: من كون موضوع العلم جامع موضوعات المسائل، وأما على ما عرفت: من أنه جامع محمولات المسائل، فلا يلزم الإشكال، وقد مر بيان الكبرى الكلية في ذلك (1). وفي مقام تطبيقها على موضوع الاصول نقول: موضوع كل علم إما هو الثابت بالضرورة، أو يثبت في العلم الأعلى، وأما في نفس العلم فهو الأمر الواضح، ويكون البحث في الجهات المجهولة والامور غير المعلومة التي من عوارضه الذاتية.
فأصل وجود الحجة على الأحكام الثابتة في الشريعة المقدسة، مما لا شبهة فيه، فإنا نعلم بالتكاليف، ونعلم بلزوم الخروج عن عهدة تلك الوظائف الإلهية، ولا نعلم أن ما هو الحجة أي شئ، وأي أمر يكون هو الدليل على تلك الوظائف، فيقع هذا مورد الفحص والبحث، فهل الخبر الواحد حجة، أو الشهرة حجة، أو الاستصحاب حجة، أو الخبر المعارض حجة... وهكذا ؟ وكون الحجة محمولا في تلك القضايا، لا يستلزم عدم كون الجامع موضوعا للعلم، لعدم البرهان على لزوم ذلك، كما عرفت (2). وإن شئت قلت: ما هو موضوع العلم هنا أيضا جامع الموضوعات، إلا أن حقيقة القضايا المستعملة في العلم: " أن الحجة المعلومة بالإجمال، هل هي الشهرة، أم الإجماع، أو السنة، أو الكتاب، أو غير ذلك ؟ " فالاصولي يفحص عن تعينات الحجة وتطوراتها ومظاهرها، كما في العلم الإلهي الأعظم. إن قلت: الأمر كما اشير إليه في كثير من مباحث العلم، كالظواهر، والاستصحاب وخبر الواحد، ولكن أكثر المسائل الاصولية تكون خارجة، كالبحث عن مسألة اجتماع الأمر والنهي، ووجوب المقدمة، ومسائل البراءة والاشتغال، مما
1 - تقدم في الصفحة 18 - 19. 2 - تقدم في الصفحة 15 - 16. (*)
[ 36 ]
لا اسم عن الحجة فيها (1). قلت: كلا، فإن المراد من " كون موضوع علم الاصول هي الحجة " هو أن الاصولي يتفحص عما يمكن أن يحتج به في الفقه، سواء كان الاحتجاج لإثبات حكم، أو نفيه، كحجية خبر الثقة والاستصحاب، أو لإثبات العذر أو قطعه، كمسائل البراءة والاشتغال.
وبعبارة اخرى: مسائل علم الاصول إما هي القواعد الشرعية، كحجية الاستصحاب، أو القواعد العقلائية، كحجية الظواهر، أو القواعد العقلية التي يثبت بها الحكم الشرعي، كمسائل الاجتماع، والمقدمة، وحرمة الضد، أو القواعد العقلية لإثبات العذر وقطعه، كمسائل البراءة والاشتغال، وكل ذلك حجة للفقيه في الاستنباط، وليس مسألة من المسائل الاصولية إلا ويحتج بها في الفقه بنحو من الاحتجاج، فيصدق عليها " أنها هي الحجة في الفقه ". إن قيل: بناء عليه وإن يندرج جل المسائل الاصولية فيما هو الموضوع وهو " الدليل في الفقه " بل مباحث الاجتهاد والتقليد مندرجة، لأن الجهة المبحوث عنها هي حجية فتوى الفقيه لنفسه ولغيره، وحجية التقليد، وحجية العلم الإجمالي الكبير والصغير وهكذا، إلا أن مباحث الضد واجتماع الأمر والنهي خارجة عنه، لعدم البحث فيها حول الحجية، بخلاف مثل مباحث البراءة والاشتغال والتعارض والتخيير، كما هو الواضح. قلنا: مناط كون المسألة من مسائل العلم، انطباق عنوان الموضوع عليها، وكونها من العوارض الذاتية له، سواء كانت مسألة ضرورية، أو نظرية، فإن في العلوم مسائل مختلفة، وفي تلك المسائل ماهي الضروريات الأولية، كمسألة امتناع إعادة المعدوم مثلا، وهكذا مسألة حجية القطع، مع أنهما من مسائل العلم، فعليه
1 - لاحظ أنوار الهداية 1: 272. (*)
[ 37 ]
لامانع من كون البحث في حجية المفاهيم أيضا من مباحث العلم، لأن كون النزاع صغرويا، لا يورث عدم كونها من مسائل العلم. نعم، البحث عن وجود المفهوم وعدمه، من المبادئ لتلك المسألة التي هي مفروغ عنها وثابتة بالضرورة، كمسألة القطع، بل والعلم الإجمالي، دون الحجة
الإجمالية، فلا تخلط. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن الجهة المبحوث عنها في المسائل المشار إليها وإن لم تكن من مسائل العلم، إلا أن ذلك في حكم الصغرى، ومن المبادئ لما هو الحجة بالضرورة، فإذا ثبتت الملازمة مثلا بين الإرادة الأصلية والإرادة المتعلقة بالمقدمة، فلابد أن يجب شرعا ذلك، إلا أن ثبوت تلك الإرادة محل البحث، كثبوت القطع في قطع القطاع، فإنه يبحث عنه في أن قطعه هو القطع الحجة، أو ليس هو ذلك. فبالجملة: يمكن إدراج تلك المسائل في موضوع العلم. ولكنه مع ذلك ربما يشكل الأمر، لأن مناط المسألة الاصولية، هو إمكان كونها واقعة في طريق الاستنباط إمكانا ذاتيا ووقوعيا واستعداديا قريبا، لا بعيدا، وعند ذلك يخرج مباحث المعاني الحرفية، والوضع، والمشتقات، والصحيح والأعم، وكثير من مباحث الأمر والنهي، والمسائل المشار إليها من هذا القبيل. ولو صح إدراج تلك المسائل بالتقريب المزبور في الموضوع المذكور، للزم إدراج مباحث اللغة والنحو والصرف أيضا، التي ربما يحتاج إليها الاصولي في تحرير مسائله، فخروج هذه المباحث من علم الاصول، مما لابد منه. وإن شئت قلت: المراد من " الحجة والدليل " إن كان كل ما يمكن احتجاج الفقيه به في إثبات محمول المسألة لموضوعها في الفقه، فهو أعم من الكبريات الاصولية بالضرورة. وإن كان المراد منه هي الحجة، بمعنى الوسط في الإثبات، فمباحث البراءة
[ 38 ]
والاشتغال خارجة، بل مباحث العام والخاص والمطلق والمقيد وهكذا، أيضا تخرج، فتدبر جيدا. هذا مع شموله القواعد الفقهية، فلا يكون الموضوع المزبور جامعا، ولا مانعا.
والذي هو التحقيق: أن علم الاصول دون لأجل الفقه، والمقصود فيه تحرير المسائل التي يبتلي بها الفقيه في المسائل الفرعية، ولأجل الفرار من التكرار ولأغراض اخر، بنوا على تدوين علم تكفل لتلك المسائل والمباحث، وصار - بعد المختصرات السابقة - علما كافلا للعلوم المتشتتة، راقيا في قضاياه. وعلى هذا، لا ينبغي تصوير الموضوع الجامع بين تلك المسائل الشتى، بل لا يعقل، للاختلاف الذاتي بين مباحث المعاني الحرفية والمشتقات والصحيح والأعم، ومباحث الحجج العقلائية، كخبر الواحد والشهرة والقطع والظن وغير ذلك، فإن الاوليات إلى مباحث الأدب واللغة من تلك المسائل أقرب، والسنخية الشديدة بينها وبين تلك العلوم الأدبية موجودة بالضرورة. فعلى هذا، لابد من تصوير الجامع الصحيح الذي هو الرابطة بين مسائل الاصول، ويكون أبعد من الإشكالات: فنقول: أما توهم كونها ذوات الأدلة وذات الحجة (1)، فهو فاسد، ضرورة عدم الجامع بين الذوات المتباينة، حتى يكون هو الموضوع. وعنوان " الذات " بالنسبة إلى ذوات موضوعات المسائل وإن كان جامعا عرضيا، إلا أن المقصود هنا هو العنوان المشير إلى تلك الذوات، لعدم إمكان أخذ الذات المطلقة، وعدم إمكان أخذ الذات المقيدة بالإضافة إلى الأدلة، للزوم الإشكال أيضا، فلابد أن يراد منه العنوان المشير، فكيف يكون هو موضوع العلم ؟ ! فلابدية كون الموضوع جامعا ذاتيا أو
1 - الفصول الغروية: 11 - 12. (*)
[ 39 ]
عرضيا، منظور فيها، وإلا يلزم تعدد العلم، لتعدد الموضوع بتعدد المسألة، كما لا يخفى. وهو الدليل والحجة. إلا أنه لابد من أن يقال: بأن موضوع علم الاصول " هو الدليل والحجة على
المسألة الفقهية، أو ما يؤدي إليه تأدية عامة ". والمراد من " الحجة " ليس ما يحتج به العبد على المولى وبالعكس في مقام الامتثال، ضرورة أن من الممكن احتجاج بعضهم على بعض بالمسائل اللغوية، فلو عصى العبد، وشرب الخمر، بدعوى أنه ليس موضوعا للمسكر، فيحتج عليه المولى بتصريح اللغويين: " بأنه المسكر " وهكذا القواعد الفقهية. فما أفاده العلمان في تحرير ما ذكراه لايتم (1). فالمراد من " الحجة " هي الوسط في إثبات ما هو الحكم والمحمول في المسألة الفقهية لموضوعها. والمراد من " المحمول " أعم من الأمر الإيجابي الثابت للموضوع، أو الأمر العدمي، أو سلب أمر من الامور المحتملة، فلو شك في وجوب شئ فهو مسألة فقهية، والجواب عنها: " أنه ليس بواجب أو بحرام، لأنه مشكوك، وكل مشكوك مرفوع " أو " كل مشكوك قبيح العقاب عليه، فهو قبيح العقاب عليه ". فجميع المسائل الاصولية، تقع دليلا على المسألة الفقهية، أو تؤدي إلى ذلك، كالمباحث الأدبية المشار إليها، فإنها تؤدي إلى تنجز الحكم في مورد، وعدمه في آخر، وتمامية الحجة وعدمها وهكذا، فلا تخلط. وأما القواعد الفقهية، فهي وإن كانت تقع - حسب الشكل الأول - كبرى، إلا أن الاحتياج إلى تشكيل الشكل الأول ممنوع، لأن الفرق بين المسائل الاصولية والقواعد الفقهية: هو أن الاولى تكون مورد النظر من حيث الخصوصيات اللغوية
الملحوظة فيها، بخلاف الثانية، فإن النظر فيها إلى المعنى الأعم من ذلك. وبعبارة اخرى: المسائل الاصولية هي الواسطة في الثبوت، والقواعد الفقهية هي الواسطة في العروض، ضرورة أن الشهرة أجنبية عن موضوع المسألة وهو
" فعل المكلف " الذي اريد إثبات الوجوب مثلا له، وقاعدة " ما يضمن بصحيحه... " منطبقة على مصاديقها الذاتية، وبعد الانطباق يثبت الحكم قهرا، فافهم واغتنم. هذا، والذي يسهل الخطب: أن علم الاصول ليس بعلم كسائر العلوم الحقيقية أو الاعتبارية، وذلك لأن الذي كان في أول الأمر مدونا هو الفقه، ولما كان الفقيه محتاجا إلى تحرير بعض المسائل التي يكثر الابتلاء بها في الفقه، وكان يرى لزوم تكرارها في الكتب العديدة، بل والمسائل المختلفة من أول الفقه إلى آخره، دون في ديباجة الكتاب وفي مقدمته ما يكون شاملا لهذه المباحث، ثم بعد الاستكمال صار ذلك كثير المسائل، فرآه أنه بلغ إلى حد يليق بالاستقلال. ولذلك ترى المباحث فيه مختلفة تجمعها السنخية، إلا أن بينها الاختلاف، فإن منها ما هو لغوي محض، ومنها ما هو عقلي محض، وليس أحد من العلوم المدونة إلى عصرنا، تكون مسائله متباعدة بعضها عن بعض إلى هذا الحد. ولذلك يشكل تصوير الموضوع له، فأنكر جماعة موضوع جميع العلوم، أو طائفة منها (1)، مع أن الأمر ليس كما توهموه، وقال الآخرون بالإبهام والإجمال (2)، كما مضى تفصيله (3).
وهكذا يشكل تعريفه، كما يأتي (1). فعلى ما ذكرنا، يمكن جعل المبادئ التصورية والتصديقية التي ليست من
العلم، داخلة فيه، فيكون جل - لولا كل - المسائل المبحوث عنها في علم الاصول فعلا، من العلم. وتوهم تعدد الموضوع في العلم الواحد (2)، مندفع بما سمعت منا تفصيلا في تحرير موضوع العلوم ومعناه (3).
1 - يأتي في الصفحة 47 - 50. 2 - كفاية الاصول: 22، محاضرات في اصول الفقه 1: 24 - 25. 3 - تقدم في الصفحة 31 - 32. (*)
[ 43 ]
الناحية الرابعة في وحدة العلوم وسائر أحكامها لا شبهة في أنها وحدة اعتبارية، ضرورة أن المسائل المختلفة موجودة بالوجودات، وليست الوحدة الحقيقية إلا مساوقة للوجود الحقيقي، وحيث إن العلم ليس إلا عدة قضايا كثيرة، فتلك الوحدة اعتبارية بالضرورة. إن قلت: قد يكون موضوع العلم، الواحد الحقيقي، كما في علم العرفان، بل وعلم الفلسفة، فلا منع من الوحدة الحقيقية في بعض العلوم. قلت: موضوع العلم ليس نفس العلم، بل العلم عبارة عن المسائل الكثيرة، فتلك الوحدة الثابتة للعلم اعتبارية، إلا أن منشأ هذه الوحدة الاعتبارية قد يكون الواحد الحقيقي، واخرى يكون الواحد بالسنخ، كسائر العلوم، فلاينبغي الخلط بين وحدة الموضوع ووحدة العلم. ثم إن العلوم مختلفة من هذه الجهة، فإن منها: ما يكون موضوعه الواقع المحفوظ إلى زماننا، كعلوم الفلسفة والعرفان والنحو والصرف، وإن يمكن انقلابه وتكثره فيما إذا تراكمت المسائل.
[ 44 ]
ومنها: ما يكون موضوعه الواقع غير المحفوظ كالطب، فإنه كان موضوعه " بدن الإنسان " ثم تشعب إلى الشعب الكثيرة، فصار كل عضو موضوعا لعلم على حدة، ومثله النحو والصرف، فإنهما كانا أولا علما واحدا، ثم صارا علمين. ومن العلوم ما يكون موضوعه الأمر الاعتباري، ولا واقعية له. ومنها: ما يكون موضوعه الأمر الذهني، كالمنطق. ومنها: ما يكون موضوعه الأمر الذهني المتعلق بالخارج، كالحساب. فوحدة العلم وكثرته اعتبارية. كما أشرنا سابقا: إلى إمكان رجوع العلوم الكثيرة إلى العلم الواحد، بل يمكن جعل جميع العلوم من العلم الأعلى، لأن البحث فيه عن أحوال الأعيان الخارجية وأحكامها، ويلحق به البحث عن آثارها وخواصها البسيطة والمركبة (1). وأما العلم، فقد مضى أنه نفس المسائل المتشتتة، ونسبة المسائل بعضها إلى بعض مختلفة، وقد فصلنا في الناحية الثانية ما يتعلق به (2). والذي يظهر: أن مسائل العلوم هي الموضوعات والمحمولات قبل ثبوتها لها، لا بعدها، للزوم الخروج عن كونها مسألة قبل الإثبات. وقد مضى في كلام جمع من أهل المعقول جعل النسبة المرددة محمول الموضوع (3)، ولكنه غير تام، لأن النسبة المرددة كاذبة، وتام لأجل أن لفظة " المسألة " من " السؤال " ومعناه التردد في الأمر، فتدبر. وأما تمايز العلوم، فهو على ما عرفت ب " الموضوعات "، على التفسير الذي
1 - تقدم في الصفحة 27. 2 - تقدم في الصفحة 13 - 20 و 30 - 31. 3 - تقدم في الصفحة 27. (*)
[ 45 ]
ذكرناه (1)، وهذا أحسن شاهد على أن المشهور أرادوا من " الموضوعات " أمرا آخر غير ما هو المقابل للمحمول. وتوهم: أن من العلوم ما يكون تمايزها بالموضوعات، ومنها: بالأغراض، ومنها: بالحيثيات، كما عن " الفصول " (2) وجماعة آخرين (3)، فاسد بالضرورة، لأن الموضوع هو الأعم، أولا. وثانيا: الأغراض في الرتبة المتأخرة عن العلم، فإن العلم علم مع قطع النظر عن المدون والمتعلم، فلاينبغي الخلط بين الجهات الذاتية المتقدمة، والجهات العرضية المتأخرة، سواء كان المراد من " الغرض " القدرة على حفظ اللسان عن الخطأ في علم النحو وهكذا في أمثاله، أو الحفظ الفعلي والصون بالحمل الشائع، ضرورة أن السنخية في نفس المسائل، تورث تمييز العلوم بعضها عن بعض، وتلك السنخية هي الموضوع في العلم، على التفصيل الذي عرفت. فيصح حينئذ أن يقال كما هو المشهور المعروف: بأن تمايز العلوم بالموضوعات. نعم، قد يندرج بعض المسائل من علم في العلم الآخر: وهذا تارة: يكون من المبادئ التصورية أو التصديقية في العلم الآخر، كالبحث في الفقه عن " الصعيد " أو عن مسألة اصولية، فإنه ليس من مسائل العلم، إلا أن توقف حكم المسألة في هذا العلم عليه، يلزم الفقيه بالورود في العلوم الاخر. ولو كان ما ذكره كثير من فضلاء العصر - حفظهم الله تعالى - والسابقين
- رحمهم الله تعالى -: " من أن وحدة الغرض سبب للتمايز في طائفة من العلوم " (1) يلزم تجويز إدراج جميع المسائل من علم في علم آخر، لتوقف استكشاف الحكم في علم على مسائل العلوم الاخر، فهذا أحسن شاهد على فساد مختارهم. واخرى: تكون السنخية مشتركة بين مسألة وعلمين، فإنه لو كان السنخية أقوى في أحدهما - كما مضى الإيماء إليه (2) - فلابد أن تعد من مسائل ذلك العلم، والبحث عنها في العلم الآخر، للاحتياج إليها في فهم مسألة فيه. وإن كانت السنخية فرضا متقاربة، فلا منع من درجها في العلمين، إلا أنه مجرد فرض. ولا يلزم من ذلك تداخل المسائل من علمين، لأنه يرجع إلى وحدة العلم قهرا، كما عرفت. وأما الغرض في العلوم، فهو ليس معلول المسائل، لأنها ليست علله الطبيعية، ولا الإلهية، بل هي الإعداد لقدرة النفس على الاستيفاء منه إذا أراد، وقد مر شطر من الكلام حوله (3)، فما حكى العلامة العراقي (رحمه الله) من توهم نسبة العلية بينهما (4)، واضح البطلان بالبرهان والوجدان.
الناحية الخامسة تعريف علم الاصول
وقد اضطربت عبائرهم في ذلك، فالمعروف: " أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية " (1). ولما كان شاملا للقواعد الفقهية، وغير شامل للظن على الحكومة، بل ولمطلق الأحكام العقلية الثابتة وظيفة في الفروع، أو توهم انتقاضه بالاصول العملية الجارية في الشبهات الحكمية، عدل عنه بعض الأفاضل، فقال: " هو صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع في طريق الاستنباط الأحكام، أو التي ينتهي إليها في مقام العمل " (2). ولما كان ذلك مشتملا على القواعد الفقهية، كقاعدة نفي الضرر والحرج، وقاعدة التجاوز والفراغ، وغير مشتمل على كثير من مباحث الاصول اللفظية، عدل
عنه الفاضل الآخر، وقال: " هو عبارة عن العلم بالكبريات التي لو انضمت إليها صغرياتها يستنتج منها حكم فرعي كلي " (1). ولما كان منتقضا بما عرفت، وغير شامل لكثير مما اشير إليه، مع أن الاصول ليست العلم بالكبريات، بل هي نفسها سواء كانت متعلق العلم أو لم تكن، عدل عنه الوالد - مد ظله - وقال: " إنه القواعد الآلية التي يمكن أن تقع في كبرى استنتاج الأحكام الفرعية الإلهية، أو الوظيفة العملية " (2) فتخرج القواعد الفقهية ب " الآلية " وتندرج الاصول العملية بالأخير. ولكن كثير من المباحث اللفظية خارج أيضا. فالأولى في تعريفه أن يقال: هو القواعد التي يمكن أن يحتج بها على الوظائف الثابتة من المولى على العباد، أو ما يؤدي إلى تلك الحجج تأدية عامة.
وعلى هذا يندرج جميع المباحث، وتخرج القواعد الفقهية: أما خروجها، فلما عرفت: من أن المراد من " الحجة " هي الواسطة في الثبوت، وتلك القواعد وسائط في العروض (3). وأما دخول المباحث العقلية والاصول العملية، فلأن الوظائف هي الأعم من جميع المجهولات الوضعية والتكليفية، والظاهرية والواقعية، والوجودية والعدمية، والعزائم والرخص. والمراد من " الثبوت " أعم من الثابت بالعلم الإجمالي، أو بالاحتمال قبل الفحص. والمراد من الجملة الأخيرة إخراج سائر المباحث اللغوية التي تكون منافعها قليلة في تحصيل تلك الحجج الواقعة في الوسط لإثبات الأحكام.
1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 19 و 29. 2 - مناهج الوصول 1: 51، تهذيب الاصول 1: 5. 3 - تقدم في الصفحة 39 - 40. (*)
[ 49 ]
وأما إدخال مباحث الألفاظ التي تكون خارجة حقيقة عن مسائل العلم، وتكون من المبادئ التصورية، وتكون عامة المنفعة في الفقه، وفي المسائل التي هي بالذات مسائل اصولية، فبالقيد الأخير. والملازمات العقلية - كمباحث الضد، والمقدمة، واجتماع الأمر والنهي - أيضا مندرجة فيه. فتحصل: أن مباحث علم الاصول على أقسام: قسم منها: المبادئ التصورية، وتكون مما يعم الابتلاء بها في الفقه والاصول. وقسم منها: المباحث العقلية التي يستكشف بها الحكم الإلهي الواقعي، كالمباحث المشار إليها آنفا.
وقسم منها: المباحث العقلائية التي يستكشف بها الأحكام الواقعية، كمباحث العمومات والظهورات. والمراد من " الواقعية " هنا أعم من الواقعية مقابل الظاهرية. وقسم منها: المباحث العقلية التي يستكشف بها الوظيفة الفعلية في مقام العمل، كمباحث العلم الإجمالي، والظن على الحكومة، ولا نظر فيها إلى الأحكام الواقعية، ولا الظاهرية. نعم المقصود الأقصى حفظ الحكم الواقعي. وقسم منها: المباحث التي يستكشف بها الأحكام الظاهرية، كالاصول العملية. فلابد من تعريف شامل لتلك المباحث الخمسة، وطارد للقواعد الفقهية، وسائر المباحث اللغوية والرجالية. ثم إن المراد من قولنا: " يمكن " هو أن علم الاصول علم سواء ترتب عليه استنباط الحكم الإلهي، أو ترتب عليه استنباط الأحكام العرفية في القوانين الحكومية والحقوقية، أو لم يترتب عليه شئ، فالتقييد بقولهم: " لاستنباط... " غريب. اللهم إلا أن يحمل " اللام " على أنه للغاية، بمعنى ما لأجلها الحركة، لا ما
[ 50 ]
إليها الحركة، فلا تغفل. تذنيب مسائل العلوم مختلفة: فمنها: ما تكون من قبيل القضايا الحقيقية. ومنها: ما تكون قضايا جزئية، كالمستعملات في علم العرفان والجغرافيا والتأريخ. ومنها: ما تكون قضايا كلية خارجية، كالمستعملات في علم التفسير
والرجال والدراية. ومنها: ما تكون قضايا إنشائية كالحقيقية، كالمستعملات في الفقه، فقولنا: " كل نار حارة " و " كل خمر حرام " حقيقية، إلا أن المتكلم في الثاني يريد جعل الحكم لازم الماهية حتى تكون عامة. فما اشتهر: " من أن القضايا المستعملة في العلوم كلها حقيقية " (1) غير خال من الغرابة.
خاتمة حول المبادئ التصورية والتصديقية والأحكامية قد اشتهر في علم الاصول تقسيم المبادئ إلى مبادئ تصورية، وتصديقية، وأحكامية (1). والتحقيق خلافه، وذلك لأن المراد من " المبادئ التصورية " أعم مما يرتبط بتصور الموضوع في المسألة وحدوده، والمحمول فيها وحدوده، ولما كان الحكم في الفقه محمول المسألة، يبحث عنه هل هو قسم واحد، أو له أقسام، وكل قسم منه قابل للجعل المستقل، أم لا، أو يفصل، وغير ذلك ؟ فكما أن البحث عن المخترعات الشرعية، من المبادئ التصورية لموضوع المسألة، كذلك البحث عن الأحكام الوضعية، من المبادئ التصورية لمحمول المسألة. ولا يخفى: أنها من المسائل الاصولية بناء على ما جعلناه موضوعا، ويكون داخلا في تعريفنا، بخلاف ما جعله القوم موضوعا ومعرفا، فإنه خارج عنه، كما لا يخفى.
ثم المبادئ التصديقية، هي البراهين المستعملة في المسألة لإثبات الحكم فيها لموضوعها، وهي إذا كانت بديهية تسمى " العلوم المتعارفة ". وإذا كانت نظرية، فإن كانت ثابتة في العلم الآخر، وتكون منتجة نتيجة
بالفعل، أو يصدقها المتعلم لحسن الظن بالمعلم، لأنه سيصدقها بالتفصيل في نفس العلم، فهي " الاصول الموضوعة ". وفي غير الصور المذكورة تسمى ب " المصادرة " ضرورة أن إثبات مسألة بدعوى اخرى منضمة إليها، لا يكون صحيحا، كما لا يخفى.
[ 53 ]
المبحث الثاني في الوضع
[ 55 ]
تمهيد لما كان الوضع حقيقة ذات إضافة إلى الواضع تارة، وإلى لحاظه اخرى، وإلى الموضوع له ثالثة، وتكون ذات وحدة نوعية قابلة للقسمة إلى الكثير من جهة التعين والتعيين، ومن جهة النوعي والشخصي، وغير ذلك، يقع البحث فيه من جهات. وقبل ذلك نقدم مقدمة: وهي أن المقصود هنا ليس تفتيش حال لفظة " وضع " وأنه معناه أي شئ ؟ حتى يستظهر من هذه اللغة ما هو المقصود الأساسي في البحث، ضرورة أنه كما يمكن عنوان المبحث بالوجه المعروف، يمكن عنوان المبحث بعناوين اخرى مرادفة معه في المعنى، أو متقاربة معه فيه، فليس النظر في مفهومه بالحمل الأولي.
فالذي هو موضوعنا، ومحل فحصنا، ومورد النظر لنا: هو أن مجتمع البشر الآن ذو شؤون كثيرة، ومن شؤونهم التوصل إلى اللغات والألفاظ - التي هي ليست إلا حركات وأصوات خاصة - لإدارة السياسات الفردية والاجتماعية، والتمسك بالجمل والمفردات لإبراز ما يراد إلقاؤه، وهذا أمر واقع بين أيدينا في كل صباح ومساء.
[ 56 ]
فلا بحث عن أصل اللغات، ولا المعاني، ولا في أصل " الارتباط الإجمالي " و " العلقة المهملة " و " الاختصاص " وغير ذلك من التعابير الممكنة، بل البحث حول حقيقة ذلك، والجهات الراجعة إلى ذلك المعنى الإضافي التي اشير إليها.
[ 57 ]
الجهة الاولى في حقيقة الوضع المحكي عن ابن عباد: أن الأمر المتوسط بين اللغات والمعاني مفقود، بل المعاني من لوازم ذات اللغات (1)، كلوازم الماهيات. أو يقال: إن الأمر المتوسط بينهما، هي السنخية الواقعية الخارجة عن قدرة الناس، والناس يتوهمون أنهم جاعلون الألفاظ حذاء المعاني، أو هم متخيلون أن الأمر بيدهم في تعهدهم وتبانيهم، بل الواقع ونفس الأمر بيد الله تعالى، وبين الأسماء والمسميات جهات طبيعية وواقعية، يكون الواضع الجزء الأخير من العلل المادية والغيبية في الوضع والجعل، أي الإبراز والإظهار بتلك الطريقة الوهمية، وهو الإنشاء ف " الأسماء تنزل من السماء ". ومما يعرب عن ذلك، العلوم الغريبة التي هي من القطعيات عند أربابها، ومن يطعن فيها فلعدم اطلاعه، و " إن الإنسان عدو لما جهله " فإن تلك العلوم على مباني
الأسماء كثيرا، بل كلا، فلا تكون الروابط الطبيعية والسنخيات الواقعية بين الأشياء،
كلها مقطوعة. نعم، هذا غير الدلالة التي هي معلولة الجهات الاخر غير تلك السنخية الواقعية، وهذا ليس مراد مثل ابن عباد الذي كان من فضلاء الشيعة، بل ربما يمكن تفسير مقصوده بما اشير إليه، فلاينبغي الخلط. فعلى هذا، فلا شبهة في نحو ارتباط بمعنى الحاصل من المصدر، أو الحاصل من الاستعمال، من غير كونه طبيعيا. وقيل: " هو الأمر الواقعي، إلا أنه ليس من قبيل الجواهر والأعراض، بل هو من قبيل أعراض الماهيات " (1) وفيه ما لا يخفى على أهله. فهي على التحقيق، من الامور الاعتبارية المضافة بين الشيئين، من غير النظر إلى اللحاظ الآخر وراءهما بذاتهما. والامور الاعتبارية وإن لا ظرف لها وراء الأذهان، إلا أنها تارة: تعتبر في الخارج كالملكية، واخرى: لا يعتبر إلا نفسها، وهي مثل تلك الملازمة الجعلية الموجودة بين الألفاظ والمعاني المتباينة معها. وتوهم بقائها مع انتفاء طرفي الإضافة فاسد، لعدم إمكانه، فما عن العلامة العراقي (رحمه الله) (2) لا يرجع إلى محصل بالضرورة. إذا عرفت ذلك، يظهر لك: أن كلمات القوم مضطربة، فيظهر من جمع منهم أن الموضوع المتنازع فيه هي كلمة " الوضع " ومفاده بالحمل الأولي، ولذلك نفوا إمكان تقسيمه إلى التعييني والتعيني، قائلين: " إنه جعل الشئ على الشئ للغاية المخصوصة، كوضع الحجر والعلم لإعلام الفرسخ والميل " (3). وهذا باطل، لما
1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 29.
2 - نهاية الأفكار 1: 26. 3 - نهاية الدراية 1: 44 - 48، مناهج الوصول 1: 57. (*)
[ 59 ]
عرفت في المقدمة (1). ويظهر من قوم آخرين: أنه " التعهد " و " التباني " و " الهوهوية " وغير ذلك من العبائر (2)، وهذا أيضا فاسد، ضرورة أن الوضع - بالمعنى المصدري - ليس هو التعهد، ولا غيره، وبمعنى الحاصل من المصدر - وهو المعنى الذي يدرك بين اللفظ والمعنى - أيضا ليس متحدا بمفهومه مع مفهوم هذه العبائر بالضرورة. نعم، تلك العلاقة والملازمة التي كانت معدومة، وصارت موجودة، كما يمكن أن تحصل بكلمة " وضعت " و " جعلت " حصولا بالتبع، يمكن أن تحصل هي بذاتها، بأن يقول الواضع بعد شرائطه الآتية: " أوجدت علقة الدلالة بين اللفظ والمعنى " فعندئذ توجد تلك العلاقة الاعتبارية أولا وبالذات، وتنالها يد الجعل، لكونها اعتبارية، فما توهمه العلامة الحائري من امتناعه (3)، ناشئ من الغفلة عن حقيقة الأمر وماهية المسألة. وكما يمكن أن يتوصل الواضع بنحو التعهد والتباني، بأن يقول: " تعهدت بأن اريد المعنى الكذائي عند إلقاء اللفظ الكذائي " يمكن أن يفيد ذلك بالحمل الشائع الصناعي، فيقول: " هذا زيد " فإن الاتحاد والهوهوية لا يمكن إلا بالاتحاد في الوجود حقيقة أو ادعاء. وهذا كما يمكن دعواه على أن يكون اللفظ من مراتب المعنى، له العكس، بجعل المعنى من لوازم ماهية اللفظ، فيحمل عليه، لأن لازم الشئ متحد معه. فما عن النهاوندي وأتباعه، وبعض الفضلاء وأصدقائه (4)، غير صالح.
ودعوى أن الألفاظ وضعت للمعاني بالجعل والتشريع نوعا، لا بالوجوه الاخر (1)، لو كان مسموعة لا تفيد فيما نحن فيه شيئا، كما لا يخفى. فما رامه العلمان، الأصفهاني، والوالد - مد ظله - (2) أيضا غير تام. فبالجملة: توهم أن الدلالة اللفظية الوضعية متقومة بأحد الامور المذكورة وجودا، أو هي إحداها مفهوما، فاسد قطعا، بل الدلالة اللفظية تعتبر من الدلالات الاخر العقلية، كدلالة المعاني على المعاني، بل الأضداد على الأضداد، إلا أن أنحاء الدلالة مختلفة، واللفظية منها بالجعل والمعاهدة والقرار والتباني وأمثالها. ثم إن ظاهر " الكفاية " من تفسير " الوضع " - وهو بالمعنى اللغوي من مقولة الفعل - ب " الاختصاص " (3) وهو من مقولة الانفعال - على تسامح فيهما - ربما كان لأجل الإيماء إلى ما قررناه وحررناه، وإلا فهو من الواضح الذي لا ينبغي صدوره منه (رحمه الله). فتحصل: أن ما يصح أن يتنازع فيه ليس مفهوم " الوضع " لغة، لعدم إمكان اختلاف المحققين فيه بعد صراحة أهل اللغة فيه، ولا هو تلك العلاقة والارتباط الموجود بين قافلة الألفاظ وسلسلة المعاني من حيث مفاد " كان " التامة، ولا الناقصة. نعم، في أنه طبيعي، أو واقعي، أو اعتباري، خلاف، إلا أن الظاهر أنه ليس خلافا واضحا غير راجع إلى أمر واحد، لما عرفت: أن القول بالدلالة الذاتية
والطبعية مما لا يمكن استناده إلى عاقل، فضلا عن ابن عباد. والعجب من إطالة الكلام حول رده، والإصرار عليه من طلاب الفضل وأرباب العقل، بإقامة البراهين
القطعية عليه ! ! (1). وأن من يقول: بأنه الأمر الواقعي (2)، لا يريد منه الأمر التكويني والخارجي، بل أراد أنه الأمر الاعتباري المحفوظ الذي لا يتبدل بعد تمامية الاعتبار. وقد عرفت: أن الامور الاعتبارية - سواء كانت من الاعتباريات بعد الاجتماع، أو من الاعتباريات الاخر - لا واقعية لها إلا بالمعتبرين، فبانتفائهم تنتفي قهرا. وهذا ليس معناه أنه متقوم بهم مفهوما، بل هو متقوم في الوجود والتحقق. فما هو الصحيح بأن يتنازع فيه، هو السبب الذي يتعقبه التلازم والعلقة والربط المذكور، وأنه أي شئ ؟ وقد عرفت تحقيقه. وما يظهر منهم: من أن الوضع هو التباني، أو هو التعهد، أو هو الاختصاص، أو هو الجعل، أو غير ذلك، كله بضرب من التسامح، لأن تلك العلاقة المفروغ عن وجودها بين القافلتين، ليست هي هذه الامور، لا بالحمل الأولي، ولا بالشائع الصناعي، من غير فرق بين أن اريد منه المعنى اللغوي والمفهوم الأولي المصدري الحدثي، أو اريد منه المعنى الحاصل منه، لأن المعنى الحاصل من الوضع ليس إلا الانجعال والاتضاع، دون الاختصاص والربط، فإنه معلول الوضع بالتبع، فتدبر. إن قيل: هذا تام بحسب مقام الثبوت، وأما بحسب مقام الإثبات، وأن تلك العلاقة حصلت بأي طريق من الأسباب المذكورة ؟ فهو غير واضح، واختلاف
المحققين في ذلك. قلنا: بعدما عرفت إمكان استناد الربط المزبور لأنحاء الأسباب المختلفة، لا يمكن لنا كشف ما هو السبب من بينها، لإمكان اختلاف الواضعين في ذلك، بل
1 - مفاتيح الاصول: 2، الفصول الغروية: 23، نهاية الأفكار 1: 23 - 25، محاضرات في اصول الفقه 1: 32. 2 - نهاية الأفكار 1: 25 - 27. (*)
[ 62 ]
الواضع الواحد. فعليه يسقط النزاع المشهور في الوضع، ويتبين أن الغفلة عن حقيقة المسألة، أوقعتهم في ذلك. إن قيل: ظاهر القول بأن الوضع ليس إلا التباني والتعهد، إنكار وجود الربط الاعتباري بين اللفظ والمعنى، فضلا عن غيره. قلنا: هذا غير ظاهر أولا. وثانيا: غير تام، لأن حصول تلك العلقة ليس أمرا اختياريا، بل هي تحصل قهرا، كما في الاستعمالات الكثيرة. وثالثا: هذا يرجع إلى النزاع الآخر غير النزاعين المعروفين، فيلزم البحث في مفاد " كان " التامة، وأصل وجود العلقة، ثم في أنها واقعية، أو طبيعية، أو اعتبارية، ثم بعد ذلك في أن الأسباب المورثة لها، واحدة، أم كثيرة. فتحصل: أن الجهة المتنازع فيها ليست مفهوم الوضع المصدري، ولا معنى الحاصل منه، ولا في تحقق العلاقة والربط المشهود بين الألفاظ والمعاني، بل ما يمكن أن يتنازع فيه إجمالا، هو السبب الموجد لتلك العلقة الاعتبارية، وهو أعم مما توهم. فعليه يصح أن يقال: إن جميع ما قيل في معنى الوضع صحيح، وباطل:
صحيح، لأنه من الأسباب التي يمكن أن يتسبب بها إليها، وباطل، لأن حقيقة المسبب ليست السبب بالحمل الأولي، حتى يصح تعريفه وتحديده به. وإن شئت قلت: الوضع هو إنشاء الربط بين الألفاظ والمعاني، والإنشاء المذكور يتصور بطرق مختلفة: منها: التعهد. ومنها: التباني. ومنها: بقوله: " أنشأت علقة الدلالة بين اللفظ والمعنى ".
[ 63 ]
ومنها: " جعلت ووضعت ". ومنها: الهوهوية. ومنها: الجمل الخبرية المفيدة للإنشاء. ومنها: الاستعمال. ومنها: كثرة الاستعمال. ومنها: غير ذلك. نعم، بناء عليه لا يعد الوضع التعيني من الوضع بهذا المعنى. إيقاظ: في جواب شبهة امتناع حصول الوضع بالاستعمال الهوهوية الادعائية بأن يقول: " هذا " مشيرا إلى الموجود الخارجي " زيد " وكما تورث تلك العلقة والارتباط المتقوم بها، الدلالة الوضعية اللفظية، كذلك الاستعمال في الجملة التصديقية التي اريد بها إفهام مقصد من مقاصده، يورث ذلك الأمر الاعتباري. إلا أنه قد يشكل الثاني: بأن ذلك يستلزم الجمع بين اللحاظين الآلي والاستقلالي، ضرورة أن النظر في استيفاء الغرض باللفظ آلي، وفي جعل اللفظ
موضوعا للمعنى بإحداث تلك العلقة استقلالي. ويلزم الدور، لأن صحة الاستعمال متوقفة على الدلالة المتوقفة على الوضع، والوضع معلول الاستعمال، وهو دور صريح بالضرورة. وتوهم: أن الملحوظ في الآلي هو الشخص، وفي الاستقلالي هو النوع - كما أفاده العلامة العراقي (1) - في غاية الوهن، لأن ما يتكلم به ليس إلا اللفظ، وهو الجزئي الخارجي.
1 - لاحظ نهاية الأفكار 1: 31. (*)
[ 64 ]
نعم، ترتفع الغائلة - بعد تصديق امتناع الجمع -: بأن الاستعمال يكون بلحاظ واحد، سواء كان آليا، أو استقلاليا، إلا أن الغرض والداعي متعدد، ولا منع من ذلك بعد وجود القرينة على الدواعي الكثيرة، فكما يصح الاستعمال لإفادة حياته ونطقه وغرضه وبلاغته وفصاحته وأدبه وغير ذلك، يصح كله مع إفادة الوضع أيضا. فعلى هذا، يصح تقسيم الوضع إلى التعييني والتعيني، ويرتفع الشبهة من الجهتين. إلا أن المقصود ليس تقسيم ذات شئ إلى شيئين، بل المقصود بيان أن تلك العلاقة والربط بين قوافل الألفاظ وسلاسل المعاني، كما تحصل بجعلها بالذات وتحصل بالجعل التبعي، كذلك تحصل بالقهر والغلبة. وإن شئت قلت: هذا هو أيضا تعييني، إلا أن الواضع ليس شخصا معينا لاحظا ذلك، بل هو الأفراد الكثيرون الذين استعملوا اللفظ في معناه مع القرينة، حتى صار ظاهرا فيه بدونها، فحصلت تلك العلاقة بعد ذلك مستندة إليهم. وأما الدور المتوهم (1) فيندفع فيما نحن فيه، ضرورة استناد الدلالة إلى اللفظ مع القرينة، وما افيد يتم إذا كان مستندا إليه فقط.
الجهة الثانية في الواضع فالمحكي عن الأشاعرة: أنه هو الله تبارك وتعالى، بتوسيط الإلهام والأنبياء وأوليائه، ظنا أنه قضية امتناع الترجيح بلا مرجح، وامتناع إحاطة البشر بخصوصيات غير متناهية (1). وهذا هو مختار بعض فضلاء مقاربي عصرنا (2). ولعمري، إنه مما لا ينبغي إطالة الكلام حوله، لكونه من اللغو المنهي عنه، بداهة أن الأشياء من قضها وقضيضها معلولة له تعالى، وأنه الواهب للصور، إلا أن ذلك ليس معناه كونه تعالى واضع اللغة، فيكون في الأعلام الشخصية والمخترعات العصرية كذلك، أو يكون منحصرا بأسماء الأجناس كما قيل. فالذي هو الأمر الوجداني والبرهاني: أن الواضع في كل نوع من الأنواع هو الطبيعي، لا الفرد الخاص حتى يلزم امتناع الإحاطة.
وقصة الترجيح بلا مرجح (1) تندفع بالمرجحات الموجودة عند كل واضع من الإنس، فهو باللغة والشرع والتعصبات القومية وغير ذلك. فكانت اللغات الموضوعة في بدو نشر البشر، غير بالغة عدد الأصابع والأنامل، ثم مست الحاجة بعده إلى أن صارت غير متناهية، فتدبر. ثم إن من شرائط الواضع كونه نافذا في صنعه، وإلا فلا تحصل تلك العلقة وذلك الربط. وهذا الذي ذكرناه لا ينافي دخالة الإلهامات والإيحاء في وضع طوائف من
اللغات، لأنه أيضا من طبيعي الإنسان الذي هو الواضع، ولعله مما يطمئن به في بعض اللغات التي هي مشحونة في الهيئات والمواد بالدقائق، فإن القوانين المترائية في لسان العرب، لا تستند إلى نفس الطبائع الغريزية، فإنه معلوم البطلان، فلا مانع من الالتزام بدخالة الأنبياء والحكماء والعلماء وأرباب العقول في ذلك، ولعل يعرب ابن قحطان منهم، ولست أدري خلافه، فلا منع من كون ذلك بيد الرسل في الجملة، حتى يتمكن الإنسان الذي * (علمه البيان) * (2) من الوضع على حسب ما تعلم من الأوضاع. ثم إن ما أفاده العلامة النائيني (رحمه الله): " من أنه هو الله تعالى بنحو الإلهام الذي هو الحد الوسط بين التكوين والتشريع " (3) لا يخلو من غرابة. مع أن التشريع عين التكوين أيضا، كما تقرر في محله (4). وكأنه (رحمه الله) توهم المجتمع البشري البالغ إلى ملايين بلا لغة، ثم بعد ذلك
1 - قوانين الاصول 1: 194 / السطر 11 - 19، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 30 - 31. 2 - الرحمن (55): 4. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 30، أجود التقريرات 1: 12. 4 - يأتي في الجزء الثاني: 68 - 69. (*)
[ 67 ]
وضعت اللغات، فقال بما قال، وإلا فإذا كان وضع اللغات تدريجيا حسب الحاجات - كما نجده اليوم بالنسبة إلى الحادثات - لما كان يتفوه بما لا ينبغي، فلا تغفل. هذا مع أن ما قيل لا يستقيم في الوضع التعيني، ولا في الوضع الاستعمالي. بل الوضع هو الإنشاء، لا الإخبار، والمنشئ ليس هو تعالى بالضرورة، وإلا يلزم استناد جميع الإنشاءات إليه تعالى كلية وجزئية، فالمنشئ هو الإنسان مثلا،
فهو الواضع، ولكن علمه بذلك وانتقاله إلى الأطراف بإمداد غيبي، وهذا لا يختص بالأوضاع، فالواضع في الأعلام الشخصية هو الآباء، وهكذا في الأعلام الجنسية، كما في المستحدثات اليومية يكون الأمر كذلك، فلا تخلط. وربما يشير إلى ما ذكرنا قوله تعالى: * (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) * (1) ومع ذلك يستند إليه تعالى أيضا، كما في قوله تعالى: * (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا) * (2) فافهم واغتنم.
1 - النجم (53): 23. 2 - مريم (19): 7. (*)
[ 69 ]
الجهة الثالثة فيما اشتهر من تقسيم الوضع إلى الأقسام والكلام فيها يتم في ضمن مقامات: المقام الأول: فيما تصوره القوم وهي على المشهور ثلاثة، توهما أن الوضع الخاص والموضوع له العام ممتنع (1)، ضرورة أن الأمر الموجود في الذهن والملحوظ الذهني، لا يعقل أن يكون مرآة ووجها للعام، لأن تلك الخصوصيات تأبى عن ذلك، وتمنع عن سريان الوضع إلى المصاديق المشتركة مع الملحوظ فيما اريد في الوضع. مثلا: إذا أراد الواضع أن يضع " الإنسان " للحيوان الناطق، فتصور زيدا، فلا يمكن له جعل اللفظ بإزاء المعنى المشترك، وهي الإنسانية الموجودة في زيد، لأن تعريته من تلك الخصوصيات، خروج عن مفروض البحث، وبقاءه في اللحاظ
1 - كفاية الاصول: 24، نهاية الدراية 1: 49. (*)
[ 70 ]
مع تلك الخصوصيات، مانع عن إمكان إسراء الوضع إلى جميع المصاديق. وهكذا إذا أراد أن يضع لفظ " الجسم " حذاء تلك الجسمية الموجودة فيه، أو الجوهرية، وهكذا سائر ما يريد الواضع وضع اللغة حذاءه، فإنه في جميع الفروض إما يلزم الوضع العام، لا الخاص، أو لا يتمكن الواضع من البلوغ إلى أمله ومقصوده، وإن صنع ذلك بتخيل إمكانه فلا يقع على ما هو، لأن الممتنع لا يصير ممكنا بالخيال الماخوليائي. ومن الممكن دعوى جعل ذلك اللفظ بحذاء زيد، لأنه ذو أبعاد ثلاثة، أو بما فيه الجسمية، أو لاشتماله على الجوهرية وهكذا، فإنه لا يتعرى زيد إلى الطبيعة والخصوصيات حال اللحاظ. إلا أن النتيجة عموم الموضوع له. وبعبارة اخرى: لا تعرية قبل الوضع، بل التعرية بالتعليل بعد الوضع. وليس هذا من الوضع الخاص، والموضوع له الخاص، ولا من المقالة المعروفة: " من أن الألفاظ موضوعة للمعاني العامة، لتنصيص الواضع بالعموم " وسيظهر إن شاء الله تعالى حال تلك المقالة من ذي قبل (1). فبالجملة: ما أفاده المحقق الرشتي (قدس سره) (2) - الذي هو عندي في الصف الأول من علماء الغيبة الكبرى، رضوان الله تعالى عليهم، - قابل للتصديق، ضرورة أن جعل اللفظ حذاء زيد، ليس إلا من الوضع الخاص، وهو لحاظ زيد، ثم التسرية إلى عموم الموضوع له بالتعليل، فلا يلزم التجريد والتحليل، حتى يكون من الوضع العام فيخرج عن موضوع الكلام. وما قيل عليه في كلام المدقق المحشي الأصفهاني (رحمه الله): " من أن اللحاظ الذي لابد منه في الوضع للكلي، لحاظ نفسه، ولحاظ الفرد من حيث فرديته، أو
1 - يأتي في الصفحة 109. 2 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 40 / السطر 23 - 36. (*)
[ 71 ]
لحاظ الكلي الموجود فيه، لا دخل له بلحاظ الكلي بما هو كلي " (1) انتهى، غير تام، ضرورة أن الملحوظ هنا يعلم من التعليل، واللحاظ لا يتعلق إلا بالخاص، فلا يلزم لحاظ الكلي مستقلا حين لحاظ الخاص. وما أفاده العلمان، الاستاذ الحائري، وتلميذه المحقق الوالد - عفي عنهما - غير تام: أما ما في " الدرر " من المثال المجرد (2)، فلا يخلو من غرابة وخلط عظيم. فبالجملة ربما يكون الواضع لاحظا عنوان العام على نعت الإجمال، وهذا ليس من الوضع الخاص. وأما ما في " تهذيب الاصول " من امتناع القسم الثالث والرابع بوجه، وإمكانهما بوجه (3)، فهو يتم في الثالث، دون الرابع، ضرورة أن الواضع المريد إسراء الوضع إلى الخصوصية المشتركة، يلزم عليه قهرا تحليل ما في لحاظه من الخاص، وتعريته من الخصوصيات قهرا وبلا اختيار، فيصير من الوضع العام. ولا يخفى: أن الوضع العام، كما يمكن أن يتحقق بالإرادة والتجزئة والتحليل قبل إرادة الوضع، كذلك يتحقق في زمن إرادة التسرية، وإلا يكون الملحوظ واللحاظ واحدا، فيلزم خصوص الموضوع والوضع، فلابد من حيلة جامعة بين إسراء الوضع إلى العموم وهو الملحوظ، وعدم تعرية اللحاظ وهو الخصوص، وهذا لا يمكن إلا بالوجه المزبور، من غير لزوم الالتزام بالمقالة المشهورة بين أرباب المعقول في بعض الفنون العقلية، لما اشير إليه. ثم إن هاهنا قسما خامسا: وهو أن عموم الموضوع له، معناه العموم بالحمل
الشائع، وهي نفس الطبائع. ولك لحاظ العموم بالحمل الأولي، فإنه حينئذ يلزم الاستعمال المجازي دائما، فلا واقع له وإن كان بحسب التصور ممكنا. وأما في الخاص فما هو الموضوع له هو الخاص بعنوانه (1)، انتهى. ولك نقده: بأن ذلك معناه جعل اللفظ حذاء العام المجموعي، كلفظ " القوم " ونحوه، مع الفرق الآخر، وهو أن " القوم " موضوع بالوضع العام والموضوع له العام، وهو موضوع بالوضع والموضوع له الخاصين، فيكون الأفراد بأسرها أجزاء الموضوع له في المركب الاعتباري، واستعمال اللفظة الموضوعة للكل في الجزء من المجاز المرسل، فلا يكون قسما خامسا. أو يكون لحاظ العموم موجبا لكونه أمرا ذهنيا، فلا يكون الموضوع إلا خاصا وجزئيا ذهنيا. وليس في الخاص الخصوص بما هو خصوص بالحمل الأولي، مورد الوضع واللحاظ، بل اللحاظ تعلق بالجزئي من غير لحاظ جزئيته، فلا تغفل. إن قلت: لا يعقل عموم الوضع، أي لحاظ متعلق بأمر كلي، لأن اللحاظ معنى حرفي قائم بالأمر الجزئي، وهو النفس، وطرفه لابد وأن يكون جزئيا، ففي جميع المواقف يكون اللحاظ خاصا، ولو تم امتناع الوضع الخاص والموضوع له العام، يلزم امتناع عموم الموضوع له رأسا. قلت أولا: بالنقض، فيلزم امتناعه على كل حال، لأن الملحوظ أيضا موجود في النفس، فيكون جزئيا. وثانيا: بالحل على ما في الكتب العقلية تفصيله (2)، وإجماله هنا، وهو أن الموجودات الذهنية ليست جزئية حقيقية مادام لم يلحق بها أنحاء الوجودات التي
تختص بها، المورثة لبروز آثارها، وأما ظل النفس فهو متعلق بنفس الطبيعة، ولا يعقل تعلقه بالموجود الذهني، للزوم التسلسل أو الدور. نعم، بعد تعلقه بنفس الطبيعة، تكون الطبيعة ذهنية في النظر الثانوي. وإن شئت قلت: كما إن الوجود في العين متعلقه نفس الماهية، لا بما هي خارجية، بل تصير خارجية بذلك الوجود، كذلك هي في الذهن، إلا أن التعرية من إشراق النفس، تؤدي إلى إمكان الحكم على الطبيعة بما هي هي، ولا يمكن التحليل في الخارج، لأن الطبيعة فيها معروض الوجود المخصوص بها، فلا تخلط. وللمسألة مقام آخر، وحولها " إن قلت قلتات " كثيرة، وقد تعرضنا في " القواعد الحكمية " لبيان الفرق بين الطبيعة الذهنية والطبيعة الخارجية، بما لا غبار عليه (1). المقام الثاني: فيما يمكن تصوره في الوضع وأقسامه وهو حسب ما يؤدي إليه النظر بدوا، ستة عشر قسما، وذلك لأن ملاحظة حالات الموضوع له والخصوصيات الموجودة فيه، تورث عموم الموضوع وكونه كليا، مثل أعلام الأشخاص، فإن الموضوع له فيها هي الكليات المنحصرة بالفرد، ضرورة أن القيود اللاحقة بالطبائع، لا توجب الشخصية ما دام لم يلحق بها الوجود، ولم يلتصق بها لون الخارجية، وهي حقيقة الوجود. ولا شبهة في أن " زيد موجود " قضية ممكنة، ولو كان الموضوع له خاصا كانت القضية ضرورية بشرط المحمول. ولاريب في أن " زيد معدوم " صحيح، ولو كان لحاظ الوجود داخلا في
المسمى كان ذلك غلطا. ولا شبهة في أن انقسام زيد إلى موجود ومعدوم صحيح، ولو كان الأمر كما توهم (1) لكان ذلك باطلا. فها هنا علم: أن الموضوع قد يكون عاما، وقد يكون كليا منحصرا بالفرد. وتوهم: أنه من العام إذا كانت جميع أفراده معدومة إلا الفرد الواحد فاسد، ضرورة أن الفرق بينهما واضح، ولا ينبغي الخلط بين عدم الصدق لعدم المصداق، وبين عدم قابلية الصدق. ثم إن من أقسام الموضوع له ما هو الجزئي، كما في اسم الجلالة " الله " تبارك وتعالى، وكل اسم لوحظ في مسماه الوجود بنحو الجزئية، وكان هو تمام المسمى. ومن تلك الأقسام - وهو القسم الرابع -: ما هو " الموضوع خاص " في اصطلاحنا، كما في أسماء الإشارة، فإن الموضوع هو الإشارة بالحمل الشائع إلى المفرد المذكر من غير النظر إلى الخصوصيات اللاحقة به، وإن كان لابد منها في تحقق المسمى وهو المفرد المذكر، أو في تحقق طرف المسمى، بناء على ما يأتي في تحقيق أسماء الإشارة (2). فبالجملة: في الأقسام الأربعة إلا القسم الثالث، لا يلاحظ الوجود في الموضوع له، وإن كان في تحققه دخيلا وأساسا. ومما يشهد على أن خصوصيات المصاديق في الألفاظ التي موضوعاتها خاصة ليست داخلة: أن بلفظة " هذا " يصح الإشارة إلى فاقد جميع الخصوصيات، بل لو أمكن تحقق المفرد المذكر بدون جميع اللواحق حتى الوجود، لصح الإشارة إليه بكلمة " هذا " وما كان ذلك مجازا بالضرورة.
1 - بدائع الأفكار، المحقق الرشتي، 39 / السطر 33. 2 - يأتي في الصفحة 130 - 132. (*)
[ 75 ]
فتحصل إلى هنا: أن أقسام الموضوع له بحسب التصور أربعة، وإذا ضربت في حالات الواضع - بحسب إمكان لحاظها - تصير ستة عشر، إلا أن كثيرا منها غير صحيح: أما في الموضوع له العام، فيمكن " الوضع العام والوضع الكلي " حسب اصطلاحنا - على ما عرفت في المقام الأول - والوضع الجزئي، لإمكان لحاظ زيد بوجوده الذهني، فإنه عند ذلك يصير جزئيا حقيقيا خارجيا، وجعل لفظة " الإنسان " حذاءه، ثم التسرية إلى جميع المصاديق بالتعليل على الوجه المذكور (1). كما يمكن جعل " الإنسان " لزيد الخارجي، مشيرا إلى وجوده في الخارج، ثم تعميم الموضوع له بذكر العلة، على نحو ما سبق. وأما الوضع الخاص فربما لا يمكن، لأنه إذا لوحظ زيد بوجوده الذهني، فإن جعل اللفظ حذاءه فيكون من الوضع الجزئي، وإن جعل حذاء المسمى مع قطع النظر عن الوجود، فيكون من الوضع الكلي. وأما الموضوع له الكلي، فبالوضع الكلي ممكن كما هو الظاهر. وبالوضع الخاص أيضا ممكن، إذا أفاد إلغاء الوجود بدال آخر. وأما بالوضع الجزئي فهو أيضا ممكن بالوجه الآنف. وأما بالوضع العام فهو غير ممكن، لأن العام لا يكون مرآة للأخص بما هو أخص. ومجرد المرآتية الإجمالية مع كون الواضع قاصدا إلى إسراء الوضع إلى الأخص، غير كاف، لأن المدار في الواضع على الإنشاء، دون القصد والغرض. وأما الموضوع له الخاص، فبالوضع العام واضح إلا على شبهة تأتي (2).
وبالوضع الكلي كذلك، لأنه يجعل مثلا لفظة " الإنسان " لزيد وما يشاركه في
1 - تقدم في الصفحة 70 - 73. 2 - تأتي في الصفحة 77 - 78. (*)
[ 76 ]
الذاتيات القريبة. ودعوى: أنه من تعدد الوضع بالعطف، والمقصود تمكنه بالوضع الواحد غير بعيدة. ومثله بالوضع الجزئي، إذا جعل اللفظة حذاء زيد بقيد الوجود. وأما بالوضع الخاص، فهو أيضا مثل ما مر ممنوع كما اشير إليه، ضرورة أن الوجود في الوضع الكلي وإن اخذ بشرط لا، وفي الوضع الجزئي وإن اخذ بشرط شئ، وفي الوضع الخاص وإن اخذ لا بشرط، إلا أنه في الواقع إما يقع اللفظ في لحاظ الواضع حذاءه، أو لا يقع، فإن وقع فهو الجزئي، وإن لم يقع فهو الكلي، ولا شق ثالث في هذه المرتبة، كما هو الظاهر. وأما الموضوع له الجزئي، فلا يمكن إلا بالوضع الكلي، ضرورة أن لحاظ العام لا يورث انحصار الوضع به، ولحاظ الجزئي لا يورث ذلك أيضا، للزوم صحة الحمل، وهي عند ذلك منفية، لعدم السراية إلى الخارج، ولحاظ الخاص يرجع إلى أحد اللحاظين، كما مر. مثلا: إذا اريد وضع الكلمة الشريفة " الله " لخالق السموات والأرض، فلابد من لحاظ ما لا ينطبق إلا عليه، كالواجب بالذات وأمثاله، وأما لحاظ ذلك العنوان بقيد الوجود الذهني، فيمنع عن صحة حمل كلمة " الله " عليه تعالى وتقدس، فعليه يتعين في مثله وما اخذ الوجود الخارجي في نحو حقيقته، من اللحاظ الكلي غير القابل للصدق إلا عليه، حتى يتحقق الوضع.
تنبيه: في أنحاء الوضع والموضوع له العامين الوضع والموضوع له العامان يتصوران على أنحاء، وذلك لأن الملحوظ وهو الموضوع له واللحاظ وهو الوضع واحد، أو متعدد، وعلى الثاني إما يكون بينهما
[ 77 ]
التساوق، أو يكون الملحوظ لازم اللحاظ، أو بالعكس. مثلا تارة: يلاحظ الحيوان الناطق، فيضع لفظة " الإنسان " له. واخرى: يلاحظ الماشي المستوي القامة، فيضع لفظة " الإنسان " لما يساوقه، وهو الحيوان الناطق. وثالثة: يلاحظ الضاحك، فيضع لفظة " الإنسان " لمعروضه وملزومه، وهو الحيوان الناطق. ورابعة: يعكس فيضع لفظة " الضاحك " لما هو لازم الحيوان الناطق. فتصير حسب التصور، تسعة عشر قسما، ويزداد عليها بالوجه الأخير، حسب مراعاة المساوقات واللوازم والملزومات في سائر الموضوعات لها، فلا تغفل. ذنابة: في بيان امتناع الوضع العام والموضوع له الخاص يمكن دعوى امتناع الوضع العام والموضوع له الخاص، ضرورة أن العناوين المأخوذة للمرآتية والحكائية، ليست إلا المعاني الاسمية، فقهرا يقع اللفظ حذاء تلك العناوين المأخوذة بعنوان المشير. وبعبارة اخرى: ما اشتهر " من أن العناوين بعضها منظور فيها، وبعضها منظور بها " (1) كاذب باطل، ومجرد توهم عاطل، بداهة أن ذلك يرجع إلى كونها ممر الوضع، وآلة إسراء الوضع إلى الموضوع له، وهذا أمر غير معقول في المقام بالضرورة، فإذا اريد أن يجعل لفظة " الإنسان " لمصاديق الحيوان الناطق، فلا يكون الملحوظ واللحاظ إلا مصاديق الحيوان الناطق، وهذا عنوان كلي كسائر العناوين.
ومثله ما إذا قال: " وضعت لفظة الإنسان لكل فرد من أفراد الإنسان " فإنه
1 - المطول مع حاشية المير سيد شريف: 372، نهاية الدراية 2: 258 ولاحظ نهاية الاصول: 57. (*)
[ 78 ]
لا يستلزم خصوص الموضوع له وتشخصه، ضرورة أن الموضوع المتشخص ما لوحظ فيه الوجود، لأنه مبدأ الشخصية، فهذا العنوان وإن يورث تكثر العنوان العام، إلا أن مجرد إيراث الكثرة بالإضافة المشاهدة بين كلمة " كل " و " الحيوان الناطق " لا يقتضي جزئية الموضوع له. فعلى هذا، يكون فيما إذا جعل لفظة " الإنسان " حذاء الحيوان الناطق - بنحو كان الموضوع له نفس الطبيعة - جميع المصاديق بما هي حيوان ناطق، مصداق الموضوع له، بل هو نفسه، على ما تقرر في الكتب العقلية (1). وفيما إذا جعله حذاء كل مصداق من الحيوان الناطق، يكون المصاديق موضوعات لها بما هو منطبق عليها عنوان المصداقية. فإمكان حذف عنوان المصداق ومفهومه بالحمل الأولي، وإسراء الحكم والوضع إلى واقع المصداق وحمله الشائع، ممنوع. وإن شئت قلت: اشتهاء الواضع وإن كان إيصال الوضع إلى الخارجيات الجزئية، إلا أن المدار على ما ينشئه، لما عرفت أن الوضع عبارة عن إنشاء علقة الدلالة بين اللفظ والمعنى (2)، وما هو متعلق هذا الإنشاء ليس الخارج، لعدم إمكان نيله، وما هو النائل ليس إلا المفاهيم، فيلزم كونها موضوعات لها، فيكون الموضوع له عاما. المقام الثالث: فيما هو الواقع من تلك الصور الممكنة لا شبهة في عموم الموضوع له في أسماء الأجناس، وأما كون الوضع فيها
1 - الحكمة المتعالية 1: 272. 2 - تقدم في الصفحة 58 - 62. (*)
[ 79 ]
عاما فهو ممنوع، لما عرفت من إمكان الوضع الخاص (1)، بل المتعارف خصوص الوضع، لأن الظاهر عدم لحاظ المعنى الكلي فيها. بل الأشياء المتدرجة في الكشف إذا تعلقت بها أنظار الكاشفين، عينوا لها اسما خاصا لبعض المناسبات، وكثيرا ما يكون الاسم الموضوع لها اسم الكاشف، وهو لا يرى إلا ما هو في يده، ولكنه يجعل له اسما من غير الأخذ بالخصوصية فيه، بخلاف الأعلام الشخصية، فإنها موضوعة على المسميات مع الخصوصيات المهملة، لا المشخصة الجزئية، كما هو الظاهر. فما قيل: " إن الوضع فيها عام " (2) لا دليل عليه، لعدم الاطلاع على حالات الواضعين. نعم بناء على امتناعه يتعين ذلك قهرا. وأما في الأعلام الشخصية، فالمتعارف فيها أن الموضوع له كلي باصطلاحنا. نعم، إذا جعل اللفظ مشيرا إلى ما في الخارج، فربما يكون خاصا، لعدم التزامه بخصوصيات الوجود وتوابعه. إلا أن تلك الخصوصيات داخلة في الموضوع له، فعليه يلزم كونه جزئيا. اللهم إلا أن يستنبط العلة، كما مر تفصيله (3). وهكذا يكون الوضع بنحو الكلي مما يتصور مفهوما لا ينطبق إلا عليه. وأما في اسم الجلالة، فالمعروف أنه علم، إلا أن قضية ما ذكرنا في امتناع الوضع العام، امتناع الوضع الكلي، والموضوع له الجزئي، لأنه لا يمكن إسراء الوضع إلى الخارج بالعناوين المشيرة، لعدم الأساس لتلك العناوين. وما ترى في بعض المواقف من مشيريتها، فهو بالنظر إلى طلب المولى ومقصده، فلا تخلط.
1 - تقدم في الصفحة 70 - 71.
2 - كفاية الاصول: 25. 3 - تقدم في الصفحة 70. (*)
[ 80 ]
فعلى هذا، تكون الجلالة اسما لمعنى كلي لا ينطبق إلا عليه تعالى وتقدس، وليس علما. ولذلك تكون قضية " الله تعالى موجود " قضية ضرورية، فإن وجهه هو كون الموضوع له واجب الوجود، ولو كان موضوعها المصداق الخارجي - أي خالق السماوات والأرض - فلابد من إثبات ضرورية تلك القضية، فليتدبر.
[ 81 ]
حول المعاني الحرفية وأما في الحروف وما ضاهاها، كأسماء الإشارة، والمبهمات كالموصولات، ونحوها كالهيئات، فالمشهور بين المتعرضين أن الموضوع له خاص (1). واختار صاحبا " الكفاية " و " المقالات " عمومه (2). وقضية ما مر منا هو الثاني، لما عرفت: أن الوضع العام والموضوع له الخاص ممتنع (3). ولا شبهة في أنها ليست من الوضع الخاص والموضوع له الخاص، للزوم تعدد الوضع، وهو قطعي الفساد، فيتعين كون الموضوع له فيها عاما أيضا. هذا، ولكن لما كان في المقام شبهات على عموم الموضوع له فيها، فلا بأس بصرف عنان الكلام إلى ما هو التحقيق في المعاني الحرفية، حتى يتبين حالها، وحال ما ذهب إليه أرباب المعقول والاصول فيها من المفاسد الكثيرة. فنقول: البحث في هذه المرحلة يتم في ضمن مقدمة وجهات. أما المقدمة فهو أنه لا شبهة في أن المعاني الاسمية - والمراد منها مقابل المعاني الحرفية، سواء كانت ذاتية، أو حدثية - مختلفة بحسب الأوعية، فمن المعاني الاسمية ما يكون وعاؤها الذهن، ولا تطرق لها إلى الخارج والعين، كمعاني
الأنواع والأجناس، والذاتية والعرضية، والمعرفية، وغير ذلك من الموضوعات المبحوث عنها في المنطق.
ودعوى: أنها بمعانيها الأولية تكون في الخارج مسموعة، إلا أن ما هو الموضوع لها فعلا ينحصر به. ومنها: ما لا يكون إلا في الخارج، كمفهوم الوجود، وكلمة الجلالة، بناء على كون ما وضع فيها جزئيا حقيقيا. ومنها: ما لا خصوصية لها حسب الأوعية، كأسماء الطبائع، فإنها ذوات مصاديق ذهنية وخارجية دنيوية واخروية. إذا عرفت ذلك، فالبحث يقع أولا: في أصل المعنى الحرفي. ثم في أن المعاني الحرفية - كالمعاني الاسمية - مختلفة حسب الأوعية، أو كلها تختص بوعاء خاص من الذهن أو الخارج. ثم في أنها معان واقعية، أم اعتبارية، أو مختلفة، فمنها: الواقعية، ومنها: الاعتبارية. ثم في أن الموضوع له - بناء على إمكان الوضع العام، كما هو المشهور المعروف (1) - عام أم خاص. الجهة الاولى: في بيان المعاني الحرفية فعن ابن الحاجب في " الكافية " في حد الاسم: " أنه ما دل على معنى في
نفسه " وفي حد الحرف: " أنه ما دل على معنى في غيره " (2). وعن الشارح الرضي (رحمه الله): " الاسم: كلمة دلت على معنى ثابت في نفس تلك الكلمة، والحرف: كلمة دلت على معنى ثابت في لفظ غيرها " (3) انتهى.
وعن الجامي: " أن المعنى الاسمي مفهوم متحصل بنفسه، لا يحتاج في تحصله ذهنا إلى معنى آخر، بخلاف المعنى الحرفي، فإنه تحصل في الذهن وتحقق فيه بتبع غيره من المعاني " (1). وعن صاحب " الحاشية ": " أن معاني الأسماء معان متحصلة في نفس الأمر، ومعاني الحروف معان إنشائية إيقاعية توجد بإنشاء المتكلم " (2). وعن بعض محشي " القوانين ": " أن المعنى الحرفي: عبارة عن حقائق الارتباطات الواقعة بين المفاهيم المستقلة بحسب اللحاظ، والمعنى الاسمي: عبارة عن نفس تلك المفاهيم المستقلة المتشتتة التي لا ارتباط بينها في حد ذاتها مع قطع النظر عن المعاني الحرفية " (3) انتهى. والذي يحصل من المجموع: أن المعاني الحرفية هي المعاني الاندكاكية غير المتحصلة في ذاتها، وتكون متحصلة بالغير، والحروف تدل على تلك المندكات والفانيات في المعاني الاسمية القائمات بها، المورثة لخروجها عن الإطلاق إلى الضيق والتحديد. فالمعاني الاسمية لاتدل إلا على المعاني الكلية غير المحدودة بالحد الخاص. مع أن ما تحقق منها في العين وتشتغل صفحة التكوين بها، ليست هي
بإطلاقها، فتكون الحروف دوالا على الضيق العارض بها. وإليه يشير قول الشريف في حواشيه على " المطول ": " إن معاني الأسماء معان استقلالية ملحوظة بذواتها، ومعاني الحروف معان آلية " (4) حيث إنها تلحظ
1 - شرح الجامي على الكافية: 12 - 13. 2 - هداية المسترشدين: 34 / السطر 15. 3 - قوانين الاصول 1: 10 / السطر 6. 4 - المطول مع حاشية المير سيد شريف: 372 - 373. (*)
[ 84 ]
بنحو الآلية والمرآتية لملاحظة غيرها. ثم الذي يحصل من بعض تعابيرهم: أن المعاني الحرفية وعاؤها الذهن، ولا خارجية لها (1)، وسنحقق ذلك من ذي قبل إن شاء الله تعالى (2). الجهة الثانية: في وعاء المعاني الحرفية فالمشهور بين أرباب المعقول (3) وأصحاب الاصول (4): أن الوجود بحسب المراتب أربعة: فمنه: ما بذاته ولذاته وفي ذاته، وهو الواجب عز اسمه. ومنه: ما لذاته وفي ذاته وبغيره، وهي الجواهر العالية والدانية. ومنه: ما في ذاته وبغيره ولغيره، وهي الأعراض في الجملة، فإنها إذا وجدت وجدت في موضوع. والقسم الرابع: هو الوجود الرابط الذي لا نفسية له، قبال الثلاثة التي تعد وجودا محموليا لوقوع الوجود فيها محمول القضية الثنائية. ويسمى القسم الثالث ب " الوجود الرابطي " والثاني ب " الوجود النفسي " أيضا. والذي يدل على غير الأخير البرهان والوجدان، وإنما الكلام فيما هو الدليل
على الأخير، وهو امور: الأول: أن المقولات التسع بعضها - وهو الكيف والكم، أو المتكيف والمتكمم -
1 - المعتبر، لأبي البركات البغدادي 2: 14، الحكمة المتعالية 1: 143 و 332 - 335 و 4: 200، نهاية الدراية 1: 51. 2 - يأتي في الصفحة 91 - 95. 3 - الحكمة المتعالية 1: 79 - 82، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 61 - 63. 4 - نهاية الدراية 1: 52، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 84، محاضرات في اصول الفقه 1: 67. (*)
[ 85 ]
وجودات رابطية، بخلاف السبع الاخر، فإنها نسب وإضافات وهيئات، فهي وجودات ربطية بين الشيئين، ومحمولات بالضميمة، فلابد من حصولها في الخارج. وفيه: أن هذا ليس برهانا على المطلب، بل هو من التمسك بالإجماع في المسألة العقلية، والحق أحق أن يتبع من عقول الرجال وآرائهم، وقد تقرر منا إنكار تلك المقولات في " حواشي الأسفار " (1) وفي " القواعد الحكمية " (2). الثاني: لولا هذا الوجود الرابط، لما كان يرتبط المعاني الاسمية بعضها بالبعض، مثلا في قولنا: " زيد له البياض " أو " الجدار له الفوقية " كما يكون الموضوع زيدا الموجود، ويكون لفظ " زيد " حاكيا عنه، وهو الوجود الجوهري، ويكون المحمول البياض الموجود، ويكون كلمة " البياض " حاكية عنه، وهو الوجود العرضي والرابطي، كذلك يكون بينهما الوجود الثالث المتعلق به الجار والمجرور، وتكون كلمة " له " دليلا عليه، وهو الوجود الربطي. فتكون القضية هكذا: " زيد الموجود موجود وثابت له البياض الموجود " فعليه يعلم الوجودات الثلاثة في القضية، ولا معنى لعدم تطابق القضية المعقولة مع
القضية الخارجية. مع أن الألفاظ موضوعة للدلالة على ما هو في العين، فيستكشف الوجود الرابط في الخارج، وتكون العين مشمولة له أيضا. وفيه أولا: لو كان كلمة الجار مقيدة لذلك الوجود، لما كان وجه لإعادتها بعد إظهاره بالمعنى الاسمي، مع أنه لابد منه بالضرورة. وثانيا: التقسيم المعروف في الكتب العقلية غير صحيح، ضرورة أن المقسم إما الوجود، أو الماهية:
فإن كان الوجود، فلا معنى لما يقال في هذا المقام: " بأن العرض هو المعنى المستقل في الذهن وإن كان غير مستقل في العين، قبال المعنى الرابع، وهو ما لا يستقل في الذهن والعين " (1). وإن كان الماهية، فلا معنى لأخذ الوجود في تعريفها. مع أن ماهية الوجود الرابط متصورة، وهي النسبة والربط. ودعوى: أنها ليست ماهية لذلك الوجود، للزوم التطابق بين الماهيات والوجودات، لأنها معتبرة منها، ومتخذة عنها (2)، صحيحة، إلا أن ذلك أيضا منقوض بالعرض، فإن نحو وجوده في نفسه عين كونه لغيره، فهو أيضا ربط بالجوهر وطوره وشأنه، فكيف تكون له الماهية المستقلة في الذهن واللحاظ ؟ ! وتوهم كون المقسم هو الموجود (3) باطل، لأنه وإن كان واحدا في العين، إلا أن في مقام التعريف يحلله العقل إلى شئ وشئ، وإلا يلزم من أخذ الماهية في تفسيره زيادة الحد على المحدود، وهو هنا غير مغتفر، كما لا يخفى.
وثالثا: الموجود بجميع معانيه ربط صرف بعلته، على ما صرح به الأصحاب (4)، حتى قالوا: " ليس هو شيئا له الربط، للزوم الاستقلال الذاتي " (5) فعليه كيف يعقل الوجود الجوهري بعد كون الجواهر متدليات الى الرب، ونفس الروابط إلى العلة ؟ ! والعجب من الحكيم السبزواري، حيث أجاب: " بأنها بالنسبة إلى العلة تكون
1 - نهاية الدراية 1: 51 - 52 و 59، لاحظ مناهج الوصول 1: 69. 2 - مناهج الوصول 1: 69، محاضرات في اصول الفقه 1: 69 و 72. 3 - المشارح والمطارحات (مجموعة مصنفات شيخ الإشراق) 1: 212 - 213، الحكمة المتعالية 1: 85. 4 - الحكمة المتعالية 1: 329 - 330، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 62 - 63. 5 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 27. (*)
[ 87 ]
كذلك، وأما بالنظر إلى أنفسها فيصح التقسيم " (1) ! ! وأنت خبير: بأنه اعتراف باعتبارية المسائل العقلية، وحاشاه من ذلك. والذي هو الحق في المسألة: أن الموجودات جميعا روابط، إلا أن بعضا منها ربط بالعلة ربطا صدوريا، وبعضا منها ربط بالعلة ربطا حلوليا، فما كان من الأول فهو الجوهر، وما كان من الثاني فهو العرض. وأما مسألة مشمولية العين للوجود الرابط، فهي ممنوعة، بل الماهية العرضية منتسبة إلى الجوهر بوجودها الذي هو عين كونها للغير، ويكون من أطواره وتبعاته، وإلا فلا يعقل الحمل المقتضي للهوهوية، فمفهوم البياض أجنبي عن الجوهر، ولكن وجوده ربط بعلته، وهو الجوهر. بل الوجود الواحد ينسب إلى الجوهر في لحاظ، وإلى العرض في آخر، كما
صرحوا به في كيفية وجود الجسم التعليمي مع الجسم الطبيعي، واتحادهما في الخارج (2). فعليه، تكون القضية المذكورة حاملة للوجود الجوهري، ولمفهوم العرض، ولوجود العرض المرتبط بالموضوع، ولا ثالث في البين حتى يكون في العين، فالوجود في المحمول عين الوجود الرابط في القضية، وإن اختلفا اعتبارا ولحاظا. الثالث: مفهوم " النسبة والربط والإضافة " وأمثال ذلك، كواشف عن مسميات، فلابد من وجودها، وتكون تلك الألفاظ حاكية عن المعاني الخارجية بالوجدان والضرورة. وفيه أولا: كيف يعقل كون مصاديق المعنى الاسمي معاني حرفية، فهل يعقل
1 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 62 - 63. 2 - شرح الإشارات 2: 5 - 6، الحكمة المتعالية 5: 22 - 23، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 138 - 139. (*)
[ 88 ]
انتزاع المعنى الجوهري من المصاديق العرضية، أو المعنى العرضي من المصاديق الجوهرية ؟ ! فلا يمكن ذلك بالبرهان، فلابد من طرح الوجدان. وثانيا: جميع المفاهيم الاعتبارية تكون ذات مصداق أو مصاديق تكوينية، ثم بعد ذلك اتخذ العقلاء من تلك المفاهيم الواقعية - التي لها المصاديق الخارجية - المعاني الاعتبارية، لغرض ترتيب الآثار المخصوصة بها في التكوين على المعتبر الذي اعتبر في الخارج. مثلا: الملكية والوضع... وهكذا لهما المصاديق الواقعية، ولكنهم للتوسعة اعتبروا الملكية الاعتبارية والوضع الاعتباري الحاصل بين الألفاظ والمعاني، مع أنه ليس اللفظ موضوعا على المعنى كموضوعية اللبنة على اللبنة، والحجر على الحجر
في الأعلام، وقد تعرضنا لذلك المبحث في الكتب الفقهية بتفصيل ومرارا. ومن تلك المفاهيم " الربط والإضافة والنسبة " فإنها معان تكوينية بين العلة والمعلول، ولكن توسعة اعتبرت بين المتباينين لإفادة الحمل، كما مر في بيان " معنى الهوهوية في الوضع " (1) ولكن الذي هو المحكي بها في القضايا الحقيقية ليس إلا وجود العرض، فإنه ربط بالعلة وشأنها وطورها، ومتحد معها، حتى يصح حملها عليه، فلا شئ وراء الجوهر وطوره. بل قد عرفت إنكار وجود العرض إلا بمعنى وجوده في غيره، ولذلك تكون المقولات محمولات على الموضوعات، ولا يعقل الحمل إلا بالاتحاد، فلا واسطة، وإلا يلزم عدم إمكان الحمل، كما لا يخفى. فبالجملة: لو كان المراد من " واقعية المعاني الحرفية والوجودات الربطية " هي وجودات العرض، فيكون مفهوم العرض أمرا مستقلا ذهنيا، ووجوده معنى حرفيا، فلا منع من الالتزام بذلك، وإلا فلا ثالث بالضرورة.
1 - تقدم في الصفحة 59. (*)
[ 89 ]
بل لنا البرهان على امتناعه، وذلك لأن هذا النحو من الوجود لابد له من جاعل، لعدم كونه واجب الوجود، وحيث لا يتعلق به الجعل استقلالا - لأنه الربط بين الشيئين - فهو مجعول الشيئين. ولا يعقل كونه مجعول الكثير مع أنه واحد بالشخص، ولا يكون أحدهما علة، لعدم المعين، ولزوم الترجيح بلا مرجح. فكونه مجعولا بتبع مجعولية الجوهر والعرض، لا يستلزم عدم كونه مجعولا للفاعل الموجب، كما في حرارة النار، فهي مجعولة النار بالضرورة. فما اشتهر: من المقولات السبع النسبية (1)، إن رجع إلى وجود العرض الفاني
في الجوهر وجودا فهو، وإلا فلا واقعية لها، بل النفس تخترع من المقايسات معاني كثيرة من غير كونها ذات مصاديق مستقلة، ولا مستتبعة، فلا تخلط. شبهة حول كيفية نيل المعنى الاسمي من الحرفي بقي في المقام شئ وقد أشرنا إليه: وهو كيفية نيل المعنى الاسمي من المصاديق الحرفية، بل كيفية المعنى والمفهوم الجوهري من الموجودات التي هي عين الروابط لعللها ولو كانت روابط صدورية. وهذه الشبهة لا تختص بالمعاني الخاصة، كالنسبة والربط، بل - على ما تقرر (2) - تشترك فيها سائر العناوين الاستقلالية، فيلزم إما كون جميع العناوين حروفا، وبه قيل: يشعر قوله: " من علمني حرفا فقد صيرني عبدا " (3) أي من علمني حرفية العوالم من رأسها إلى قدمها.
1 - الحكمة المتعالية 4: 4، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 137 - 143. 2 - تقدم في الصفحة 86. 3 - عوالي اللآلي 1: 292 وفيه " من تعلمت منه حرفا صرت له عبدا ". (*)
[ 90 ]
أو يلزم كون جميع الحروف أسماء ومعنى جوهريا، ولا ثالث. ولعل تعريفهم للجوهر والعرض بالقضية الشرطية (1)، لإفهام أن ما في الخارج ليس بجوهر، ولا بعرض، ولكنهما لو فرض تحققهما في الأعيان فلا يكونان إلا بالنحو المذكور في القضية. أو لعل المراد من " الخارج " في القضية، الخارج عن ذهن الإنسان، والخارج عن حيطة البارئ عز اسمه، وكلاهما ممتنعان، ولا منع من عقد القضية الشرطية من الممتنعين، كما هو الظاهر البارز، وسيوافيك تمام البحث في الآتي. فذلكة الكلام في المقام:
هو أن الموجود في الأعيان، ليس إلا الجوهر وكمالاته التي هي شؤونه وترتبط به، والمفاهيم الجوهرية تنتزع من أصل الوجود، والمفاهيم الكمالية العرضية تنتزع من كمالاته وأطواره، وليست لتلك الكمالات وجودات حيال وجود الموضوعات، وإلا فليست هي كمالات ذلك الوجود. فالإنسان والعالم مختلفان في المفهومية، ومتفقان في المصداق، إلا أن مصداق الإنسان هو أصل الوجود المشترك بين جميع المصاديق والأفراد، ومصداق العالم هو الوجود مع كماله الخاص به الفاني فيه المتحد معه، وإلا فلا يصح الحمل، ولا يكون كمالا له. فالمقولات ليست إلا المحمولات الكاشفات عن أصل الوجود وكماله. وإليه يشير أرسطو المعلم الأول في تفسير المقولة: ب " أنها المتكمم والمتكيف " (2). ولا وجود ثالث وراء الوجود المبدأ لاعتبار الجوهر، وكماله المبدأ لاعتبار
1 - شرح المنظومة، قسم الحكمة: 136. 2 - لاحظ منطق أرسطو 1: 35، وأيضا الحكمة المتعالية 1: 42، الهامش 3. (*)
[ 91 ]
المفاهيم الاشتقاقية. وليس اختيار الأعيان بيد الاعتبار، حتى يكون هناك وجود ثالث، أو يكون الوجود الذي لا نفسية له في العين، بل هو كونه في نفسه عين كونه لغيره قابلا لأن يكون حيال وجود الموضوع، بل هو مرتبط به، وقائم فيه، مع تسامح في هذه التعابير. فما اشتهر: " من أن الفرق بين المشتقات والمبادئ بالاعتبار " (1) خال عن التحصيل. وأما كيفية اعتبار مفهوم العرض والكم والكيف، فهي تأتي في الآتي حول البحث عن عموم الموضوع له في الحروف وخصوصه (2)، فانتظر.
الجهة الثالثة: في بيان حقيقة المعاني الحرفية بعد الاطلاع على ما أسمعناك، تقدر على تعريف المعاني الحرفية، ونيل تلك الحقيقة، وأنها هي الخصوصيات الكمالية القائمة بالمعاني الجوهرية، المورثة لتحدد ذلك المعنى، وخروجه من الإطلاق والاشتراك إلى التقييد والتفرد. مثلا: في المثال المعروف " سرت من البصرة إلى الكوفة " يكون معنى السير بحسب المفهوم الاسمي مطلقا، إلا أنه بعدما تحقق في الخارج يكون مشوبا بالخصوصيات المختلفة، من صدوره من الفاعل، وكون مبدئه البصرة، ومختمه الكوفة، وتلك الخصوصيات خارجة عن مفهوم السير، وقائمة بوجوده المرتبط بالوجود الفاعلي، ويكون ما في الخارج المتحرك المتخصص بخصوصيات جزئية، نحو وجودها الخارجية والمتحقق في العين.
وتلك المعاني محكية بالألفاظ، إلا أن معنى أصل السير والفاعل والكوفة والبصرة، محكية بالمفاهيم الاسمية، والخصوصيات الجزئية الملتحقة بتلك المسميات الاسمية معان حرفية محكية بالهيئة وكلمة " إلى " و " من ". فتكون المسميات في الحروف، الحدود الطارئة والملتحقة بالمسميات في الأسماء، وتحكي الحروف عن الخصوصيات اللاحقة بالطبائع، ولا تحكي عنها نفسها، لأن الموضوع له فيها نفس الطبائع اللابشرط. فما اشتهر: " من أن المعاني الحرفية هي الوجودات الرابطة، حيال الوجودات الجوهرية والعرضية " (1) فاسد وباطل عاطل.
وتوهم: أن المعاني الحرفية لا واقعية لها (2) من الأمر البين فساده، بل قد عرفت: أن جميع المعنونات معان حرفية، فالمعاني الحرفية في اصطلاح الفيلسوف، تشمل الجواهر الأعلين والأدنين، حسب ما برهن عليه كما اشير إليه (3)، وحسب ما اصطلح عليه الادباء وعلماء اللغة، هي ما عرفت في طي كلماتهم السابقة (4)، واشير إليه آنفا. ثم إن المعاني الحرفية بعدما كانت واقعية من غير دخالة لحاظ اللاحظ فيها، لا تكون ذهنية. فما قد يقال: " بأن المعاني الحرفية روابط ذهنية بين الجمل، خبرية كانت، أو إنشائية، وتوجد في النفس، ولا واقعية لها " (5) في غاية الوهن والسخافة، وذلك لأن تلك الخصوصيات الوجودية، طارئة على الطبائع الكلية، ومورثة
1 - الحكمة المتعالية 1: 78 - 82، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 61 - 62، نهاية الدراية 1: 51 - 54. 2 - أجود التقريرات 1: 20. 3 - تقدم في الصفحة 86 - 87. 4 - تقدم في الصفحة 82 - 83. 5 - أجود التقريرات 1: 18. (*)
[ 93 ]
لشخصيتها، أو من أمارات التشخص، ولا تكون تلك الأمارات إلا جزئية بجزئية الوجود، وإلا فليست أمارة، بل تكون مباينة مع ذي الأمارة قهرا وطبعا. هذا مع أن لنا الاستغناء عن الحروف، بوضع الأسماء لتلك الطبائع على نعت التقييد بالخصوصيات الطارئة عليها في العين والخارج، فيقوم مقام " سرت من البصرة إلى الكوفة " " سافرت إلى الكوفة " بأن تكون كلمة " سافر " موضوعة من أول الأمر للسير من البصرة، فعندئذ يتخير المتكلم في أداء ما وقع في الخارج بين
الجملتين، كما هو الظاهر. ولتلك الجهة وضعت للناقة ألف لغة، وما هذا إلا لحاظ الخصوصيات التي لا نفسية لها في العين، بل تكون وجوداتها عين وجودها لغيرها، على وجه عرفت تفصيله. فعلم مما مر: أن المعاني الحرفية امور واقعية عينية، كالمعاني الاسمية. نعم، كما تكون من المعاني الاسمية ماهي اعتبارية، كذلك من المعاني الحرفية ماهي اعتبارية. وكما مر: أن المعاني الاعتبارية الاسمية، متخذة من المعاني التكوينية الاسمية، وليست هي معاني اختراعية (1)، كذلك المعاني الحرفية الاعتبارية - مثل ما يعتبر به النداء والقسم، وأمثالهما من التمني والترجي - متخذة من المعاني الحرفية الواقعية التكوينية، فإن ما هو النداء بالحمل الشائع، ليس إلا خصوصية قائمة بالحقيقة الجوهرية، وتكون من كمالاتها. وهكذا التمني والترجي من النفوس القدسية، فإنهما منهما مستلزمة لحصول المعنى منها، وصدوره عنها، ومن غيرهم لا تكون إلا اعتبار ذلك المعنى، فلا تخلط.
1 - تقدم في الصفحة 88. (*)
[ 94 ]
ومن جميع ما اشير إليه تبين: أن المعاني الحرفية والاسمية مختلفة بالتجوهر، وبينهما الخلاف والافتراق في الواقع ونفس الأمر، وتكون المعاني الاسمية من قبيل الماهيات المختلفة في الوعاء، والمعاني الحرفية من قبيل الوجودات الجزئية غير المتبدلة بحسب الأوعية، فما كان نفس حقيقته، الخارجية لا يأتي في الذهن، وما هو حقيقته، الذهنية والمعقولية لا يأتي في الخارج. فما يظهر من صاحبي " الكفاية " و " الدرر ": من أن المعاني الحرفية
والاسمية سيان، حسب المعنى والمفهوم، ومختلفان حسب لحاظ الواضع، كما في " الكفاية " (1) أو حسب الحاجة في التحقق إلى الامور الاخر، كما في " الدرر " (2) لا يرجع إلى محصل، ضرورة أن الخصوصيات اللاحقة بالمعاني الاسمية، امور غير مرتبطة بعالم الوضع واللحاظ، والاحتياج إلى الامور الاخر في التحقق، مشترك بين المعاني الاسمية والحرفية، فتكون الاسمية حرفية، لعدم الميز بينهما حسب ما يتراءى منه، فراجع. وتبين أن المعاني الحرفية خارجية جزئية، لا ذهنية. ولو قيل: فكيف يصح قولنا: " ابتداء سيري البصرة، وانتهاؤه الكوفة " فلو كانت هي المعاني الخارجية الحرفية، فكيف تكون محكية بالعناوين الإسمية ؟ ! قلنا أولا: قد أشرنا إلى ذلك، بأنه دليل على أن الحروف مما ليس واجبا استعمالها في إفادة المعاني المقصودة، فلا تكون هي المعاني الذهنية المخلوقة في النفس لانسجام الكلام. وثانيا: سيظهر لك أن المفاهيم الاختراعية المأخوذة من الامور الخارجية،
ربما تكون مستقلة ذهنا، إلا أن مصاديقها التي هي تلك المفاهيم بالحمل الشائع امور حرفية جزئية (1)، وعند ذلك تنحل هذه المعضلة. وتبين أن المفاهيم الحرفية قد تكون ذهنية، كالكليات المخصوصة بخصوصية التعقل التي بها تكون مصاديق لمفاهيم الأجناس والأنواع والفصول وأمثالها، فخصوصية كون الطبيعي معقولا، كخصوصية كون البصرة مبدأ السير، فكما أن تلك الخصوصية قائمة بها أو بالمتحرك منها، كذلك هي قائمة بتلك الصورة
الحاضرة في النفس. وتبين أن المعاني الحرفية قد تكون اعتبارية. فافهم هذه الامور التي تليناها، حتى تكفيك عما في المطولات. ثم إن شئت الضابط للفرق بين المعاني الاسمية والحرفية، والامتياز بينها: فكل شئ تحمل الإشارة الحسية مستقلا في هذه النشأة الكائنة في عمود الزمان، فهو المعنى الاسمي، وكل شئ لا يتحمل تلك الإشارة الحسية، فهو المعنى الحرفي، ويكون من سنخ الوجود الفاني والقائم بالغير، بمعنى أنه في نفسه عين كونه لغيره، وذلك هو وجود الأعراض، لا نفسها. وتوهم: أن ذلك يرجع إلى إنكار المقولات النسبية، في غير محله، ضرورة أن الموجود الخارجي كما ينتزع منه عنوان " المتكيف والمتكمم " ينتزع منه عنوان " المتمتي والمتأين " ويكون التمتي والتأين بمنزلة الكيف والكم. نعم، مقولة الإضافة بمعنى النسبة المتكررة، مما لا أساس لها، وتفصيلها يطلب من " حواشينا على طبيعيات الأسفار " (2) ومن كتابنا الموسوم ب " القواعد
1 - يأتي في الصفحة 100. 2 - لاحظ ما علقه المؤلف (قدس سره) على الحكمة المتعالية 4: 190. (*)
[ 96 ]
الحكمية " (1). إن قلت: كثيرا ما يطلق الحروف ولا تكون لها المحكيات الخارجية بالمعنى المزبور، مثلا يقال: " زيد له الإنسانية " و " الله تعالى له الوجود " أو " إن الوجود لشريكه ممتنع " أو " الجمع بين المتناقضين ممتنع " أو يقال: " لا خارجية للإمكان والوجوب " وأمثال ذلك مما تشهد على أن الحروف آلة الربط بين الجمل، وحيث لاتعدد في وضعها، فيعلم أنها لا واقعية لها إلا الارتباط بين الجمل، كما أفاده
صاحب " التقريرات " (رحمه الله) (2). قلت: تنحل هذه الشبهة بعد الغور فيما هو الموضوع له في الحروف، والذي هو محل الكلام في المقام نقضا وحلا: هو أن المعاني على وتيرة واحدة مع قطع النظر عن الألفاظ ووضعها، أو تكون المعاني مختلفة، فإن بعضها مع بعض منها متفاوتة في الحقيقة، ومتباينة في الواقع ونفس الأمر، ولعدم الميز بين المبحثين وقع الخلط في كلمات الأعلام - رضوان الله تعالى عليهم -. فتحصل: أن ما اشتهر: " من أن المعاني الحرفية إيجادية على نعت الكلي " (3) أو " إخطارية وإحضارية على نعت الكلي " (4) غير تام، بل هي متفاوتة، لأن منها: ما لها الواقعية في الأعيان، ومنها: ما لها الواقعية الاعتبارية وإن كانت متخذة من الواقعية، إلا أنها فعلا تكون اعتبارية. ومثلها الأسماء، فإنها إخطارية وإيجادية بالمعنى المشار إليه، فليتدبر. فما
اشتهر: " من أن المعاني في الأسماء كلها إخطارية " (1) أيضا غير تام، وكأنه الأمر المفروغ عنه في كتبهم. نعم، يمكن دعوى: أن جميع المعاني الاسمية والحرفية إحضارية، لأن المعتبرات الاسمية - كالملكية والرقية والحرية وغيرها - من المفاهيم النفس الأمرية، كما ذكرناه سابقا (2)، ثم المعتبرين من باب الاتساع للأغراض العقلائية، اعتبروا تحقق ذلك المفهوم الاسمي السابق في الوجود، عقيب الإنشاءات، فيكون
من باب تطبيق المعنى الكلي على المورد الجزئي، لا من باب الإيجاد، أي المعتبر عند العقلاء هو المعنى الكلي على نعت القضية الشرطية، أي عند تحقق البيع يعتبر الملكية، ثم بعدما تحقق السبب يترتب المسبب، من باب تحقق صغرى تلك القضية الكلية المعتبرة، فلا يعتبر في كل معاملة باعتبار خاص الملكية والرقية والزوجية وأمثالها. فعليه تكون الأسماء كلها إخطارية، وبتلك المثابة تكون المعاني الحرفية أيضا كذلك. فبالجملة: ما أفاده صاحب " الحاشية " من التفصيل بين الحروف (3)، إن يرجع إلى أن إيجادية حروف التأكيد والقسم والتمني والنداء والتشبيه وأمثالها، بمعنى صيرورة ما هو ليس إلى الأيس، فهو غلط. وإن اريد تحقق هذه المعاني بعد تحقق موضوعاتها وأسبابها في عالم الاعتبار، فالحروف كالأسماء، فتكون المعاني الاسمية كذلك، فلا تخلط. فتحصل: أن المراد من " إيجادية المعاني الحرفية " ليس إلا اعتباريتها،
والمقصود من " اعتباريتها " ليس أنها توجد بالحروف، كما هو الظاهر من القائلين بها (1) حتى الوالد المحقق - مد ظله - المفصل بين معانيها (2)، بل الحروف موضوعات، وتلك المعاني من قبيل أحكامها، أو أنها أسباب، وتلك المعاني مسبباتها، كما في أسباب العقود والإيقاعات، فإنه لا يعتبر عقيب كل سبب سبب اعتبار جزئي متعلق به، بل القضية المعتبرة كلية، ثم بعدما تحقق السبب أو موضوعها يترتب المسبب
والحكم قهرا، كما عرفت آنفا. وبذلك تنحل الشبهة في الاستعمال الإيجادي، ضرورة أن صحة الاستعمال موقوفة على وجود المستعمل فيه في المرتبة السابقة، فكيف يعقل تأخره عن الاستعمال وحدوثه به ؟ ! وإن شئت قلت: إن الاستعمال في الإخطاريات، هو إفناء اللفظ في المعنى، أو هو الاستثمار من العلق الموجودة بين الألفاظ والمعاني، أو هو تنجيز الوضع، وفي الحروف هو إيجاد العلامة، فإنها علامات على المعاني، وهكذا في جميع الإيجاديات، فتأمل. الجهة الرابعة: في وضع الحروف ظاهر القوم ابتناء المسألة على التحقيق في المعاني الحرفية، فإن كانت معاني كلية كالاسمية، فالموضوع له فيها عام، وإلا فهو خاص (3). والذي هو الحق: أن المعاني الحرفية من أنحاء الوجودات، ولا تكون إلا
1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 37 و 42. 2 - مناهج الوصول 1: 77. 3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 33، نهاية الأفكار 1: 38، نهاية الاصول: 18. (*)
[ 99 ]
جزئية خارجية، وسيتضح لك حال الوضع في أمثال حروف التمني والترجي والنداء وأمثالها (1)، ومع ذلك يكون الموضوع له فيها عاما. وهذا لا لما ذهب إليه صاحب " المقالات ": من امتناع الوضع العام (2) كما أشرنا إليه، بل لو سلمنا إمكان الوضع عاما، والموضوع له خاصا، لكان المتعين في الحروف عموم الموضوع له، وقد عرفت: أنه لا وجه لدعوى عموم الوضع (3) بعدما
عرفت إمكان ذلك، أي خصوصه (4)، فعليه يكون التحقيق عموم الموضوع له، لا الوضع. بل كما يمكن عمومه يمكن خصوصه. بيان ذلك: أنك قد عرفت أن ما هو في العين، ليس إلا الوجود جعلا وتحققا، والماهيات الجوهرية والعرضية هي العناوين المخترعة من الخارج بالملاحظات بين الموجودات، وما هو في الخارج جعلا ليس إلا الوجود المعلولي الذي هو الربط بالعلة (5)، وأي ربط أعظم من ربط المعلول بعلته ؟ ! فإنه أشد من ربط المقبول بقابله، والعرض بموضوعه، أو ربط القابل بمقبوله، كما في الهيولى والصورة، فعليه كيف يعقل أخذ المفاهيم الاسمية من الوجودات الرابطة، بل التي هي نفس الربط ؟ ! فإذا أمكن ذلك، فهذا يقتضي إمكانه في المعاني الحرفية بالمعنى الأخص. والذي هو السر في ذلك: أن النفس الإنسانية، قادرة على أخذ المعاني الكلية بالملاحظات اللازمة بين الامور الخارجية، فإذا لاحظت أن الوجودات المعلولية الصادرة - المربوطة بالعلة ربطا صدوريا - هي لا تكون قائمة إلا بالعلة، فمع قطع
1 - يأتي في الصفحة 106. 2 - مقالات الاصول 1: 72 - 79. 3 - تقدم في الصفحة 78 - 79. 4 - تقدم في الصفحة 69 - 71. 5 - تقدم في الصفحة 86 - 87. (*)
[ 100 ]
النظر عن القيام بها وإن كان هو ليس شيئا في نفس الأمر، ولكنه لا يقتضي قصور النفس عن هذا اللحاظ، فتشاهد اشتراك المعاليل - بنحو الكلي - في ربطها بالعلة، إلا أن منها ماهي الربط بها بلا وسط، أو مع الوسط، بلا أن يكون قائما بها قياما
حلوليا، فعندئذ ترى الفرق بين أنحاء الوجودات: فمنها: ما هو الواجب عز اسمه. ومنها: ما هو وجود الجواهر. ومنها: ما هو وجود الأعراض. فمفاهيم الجواهر مفاهيم مأخوذة من تلك الوجودات، ومصاديقها النفس الأمرية ليست إلا الحروف والربطيات الصرفة، ونفس تلك الوجودات القائمات بالعلل صدورا. ومن هذا القبيل المفاهيم في المعاني الحرفية، التي هي الروابط لتلك الموضوعات المربوطة بذاتها، الحالة فيها، والقائمة بها قياما حلوليا، فإن تلك المفاهيم وإن تكن كلية واسمية، إلا أن مصاديقها النفس الأمرية، ليست إلا الروابط المخصصة الفانيات في محالها، فكما للعقل أخذ معنى الجوهر من تلك الوجودات، له أخذ مفهوم الابتداء والانتهاء والظرفية والملكية والغاية والاستثناء وغير ذلك من هذه الوجودات، وكما لا تكون مصاديق تلك المفاهيم إلا الربطيات الصرفة، كذلك مصاديق هذه المفاهيم. فلاينبغي الخلط بين مقام الواقع والتكوين، ومقام الوضع واللغات، فما هو الموضوع له أمر، وما هو مصداقه أمر آخر. وتحت هذا سر جواز استعمال تلك المفاهيم الكلية مقام الحروف، فيصح أن يقال: " مبدأ سيري البصرة، ومنتهاه الكوفة " كما يصح جعل لفظة حذاء المعنى المركب، وهو " السير من البصرة " مثلا، أو " الوصول الى الكوفة " وهكذا، فإنه عندئذ
[ 101 ]
يستغنى عن تلك الأدوات، وما هذا إلا لأجل أن ما هو الرابط هي تلك المعاني، سواء القيت بالحروف، أو الأسماء.
وتوهم: أن هذا من التوسل إلى الهيئات، ويكون الموضوع له فيها خاصا، فاسد كما سيتضح لك (1). مع أنه لو سلمناه هناك لا يلزم الأمر هنا، لما نجد أن الربط المخصوص بين السير والبصرة، يمكن حكايته بتلك المفاهيم المتخذة من تلك الوجودات. نعم، قد يشكل ذلك بلزوم الاستعمال المجازي دائما، لأن ما هو الموضوع له غير ما هو المستعمل فيه. ولكنه مندفع: بأن ما هو الموضوع له هو الابتداء، وليس الابتداء ابتداء إلا بالوجود، وإذا كان هو في الخارج معنى ربطيا، فما هو المستعمل فيه والموضوع له واحد، إلا أن الاختلاف بحسب الموطن، كاختلاف مفاهيم الجواهر ومصاديقها. وتوهم: أن العناوين الذهنية على قسمين: أحدهما: ما هي الماهيات الأصيلة التي ظرف تحققها الذهن والخارج معا. ثانيهما: ما هي العناوين للمعنونات الخارجية، وتكون من قبيل خارج المحمول. فما كانت كذلك فهي لا خارجية لها إلا بخارجية مبدأ انتزاعها، كالوجود مفهوما ومصداقا، ومعاني الابتداء والانتهاء والظرفية والملكية - وغير ذلك من المتخذات العقلية - كلها ليست خارجية، بل تكون عناوين لما هو الخارج، فلابد من خصوص الموضوع له، بل - في اصطلاحنا - من جزئية الموضوع له، للزوم كونه الوجودات، وهي تساوق الجزئية (2).
1 - يأتي في الصفحة 119 - 121. 2 - نهاية الدراية 1: 53. (*)
[ 102 ]
في غير محله، ضرورة أنه لو لم يكن حيثية الابتداء خارجية، لما كانت
الحكاية عنها بعنوانها الاسمي - كقولنا: " مبدأ سيري البصرة " - صحيحة، مع أن الوجدان قاض بصحة ذلك، ولا يكون من الاستعمال المجازي، فيعلم منه أن ما هو في الخارج وإن لا يأتي في النفس وبالعكس، إلا أن مثابته مثابة الجوهر والعرض، فإن ما هو في الذهن عرض قائم حال بالنفس، جوهر في الخارج، من غير لزوم كون الجوهر والعرض معنى واحدا، فافهم وتدبر. فذلكة المرام ونهاية الفكر في المقام هو السؤال من الأعلام عن مسألة كيفية أخذ النفس المفاهيم الاسمية من المعاني الحرفية، مع التباين والتفارق الجوهري بينهما، فكيف يؤخذ عنوان المعاني الحرفية من الروابط الخارجية التي نفس حقيقتها خارجية، مع أن العنوان المشار إليه مفهوم اسمي ؟ فهل هذا يشهد على عدم الفرق بين تلك المعاني إلا حسب الأوطان، فلا يكون الفرق جوهريا، أو يشهد على أن تلك المفاهيم حرفية ؟ أو كيف تكون تلك المفاهيم حاكية عن المباينات، فكيف يمكن الوضع العام والموضوع له الخاص ؟ ! لأنه لا يعقل ذلك إلا بمرآتية العنوان الجامع الكاشف والحاكي عن مصاديقه، عرضية كانت، أو ذاتية، فعليه لابد من تفويض الأمر إلى الملك العلام. أو يقال بعد ذلك: بأن المعاني الحرفية في الأعيان تباين المعاني الاسمية فيها، ولا شبهة في أن الخارج مشغول بمعنيين: معنى اسمي ومعنى مرتبط واندكاكي، ولكنه كما تكون الطبيعة الواحدة، مختلفة الحكم بالجوهرية والعرضية في الخارج والذهن، هنا الأمر نظيره، ضرورة أن ما هو في الخارج وإن كان معنى اندكاكيا وربطيا، ولكن النفس القادرة على التجزئة والتحليل، وعلى أنحاء
[ 103 ]
اللحاظات بالنسبة إلى الامور المختلفة على الوجه الصحيح، لها لحاظ مفهوم الربط.
وإن شئت قلت: مفهوم الربط والنسبة مأخوذ من الارتباطات المتعارفة العرفية، وهكذا غيره من المفاهيم، فإن كل مفهوم لابد له من مأخذ صحيح، ثم استعمل تلك المفاهيم في المواقف الاخر، للتوسل إلى الأغراض والمقاصد الصحيحة، فعليه يكون أخذ المفاهيم الاسمية من المعاني الاسمية، إلا أن للمناسبات الخاصة تطلق لانتقال النفس إلى ما هو غرض المتكلم، وهذا كاف في السببية لنقل الإنسان إلى مقصده. ولكنه ليس موجبا للقول: بأن الموضوع له خاص، بل هذا يورث كون الابتداء أيضا من تلك المفاهيم، وهو ممنوع، ضرورة أنه لا يؤخذ إلا من المعنى الحرفي، لعدم إمكان تعقل المصداق الاسمي له، كما هو الظاهر. فعليه لابد من حل المعضلة، وهو لا يمكن بالتوسل بذيل الوضع العام والموضوع له الخاص كما عرفت (1)، مع امتناعه في ذاته. فيعلم منه: أن ما هو الموضوع له هو أمر كلي ذهني، لو كان في الخارج يكون جزئيا حرفيا، فكما أن ما هو في الذهن عرض وكلي، وإذا وجد في الخارج يكون جوهرا جزئيا، كذلك مفهوم الابتداء والانتهاء والظرفية وغيرها. وكما يكون الموضوع له في الجواهر معنى جوهريا، لا عرضا ذهنيا، كذلك الموضوع له هنا معنى اسمي وإن هو في الخارج معنى حرفي. وكما أن الموضوع له في الجواهر عام، كذلك هنا عام، فليتدبر جدا. إن قلت: بناء على هذا يكون الموضوع له فيها الجزئي، لأنه الوجود، دون المفاهيم، ودون المصاديق الذاتية لها المقترنة بالخصوصيات الزائدة على ذات الموضوع له، كما في أسماء الإشارة، ودون الموضوع له الكلي، كما في أعلام
1 - تقدم في الصفحة 99. (*)
[ 104 ]
الأشخاص. قلت: نعم، وهذا هو الحق الصرف، ولكنه فرق بين كون الموضوع له بالوضع الإنشائي في الحمل الأولي، والموضوع له بالحمل الشائع، فما هو الموضوع له بالذات هو العام والعنوان، إلا أن هذه العناوين ليست أنفسها حقيقة إلا بالمصداق والوجود. وقد عرفت: أن العناوين الذهنية بين ما تكون معتبرة في الخارج والذهن حقيقة وبنفسها، كالماهيات والطبائع، وبين ما هو المتحد في القضية مع الموضوع خارجا، وإن كان الخارج ظرفا له بالعرض، لا بالحقيقة، ولكنه هو في الخارج بمناشئ اعتباره واتخاذه (1)، ولو كان بين مفهوم الوجود والوجود تباينا بالخارجية والذهنية، لما صح الحمل، وهكذا بين حيثية الابتداء التي هي الوجود الرابط، وبين الابتداء، لما صح الحمل، ولما صح الاستفادة من مشتقات الابتداء مقام كلمة " من ". إن قيل: مصاديق الحروف على ما تقرر (2)، هي الوجودات الكامنة في الموضوعات، المورثة لاعتبار العناوين الاشتقاقية الكمالية منها، فمن أين جاء مفهوم الكيف والكم ؟ ! قلنا: لا يلزم اتخاذ جميع المفاهيم من الخارج، حتى يكون بحذائه في الخارج حيثية تمتاز عن سائر الحيثيات، ولذلك يصح الحكم على الممتنعات الخارجية، مع أنه لا واقعية لها فيها، فمن أين جاء تلك المفاهيم ؟ ! فكما أن مفهوم " شريك الباري " متخذ من " الشركة " و " الباري " في العقل، ومفهوم اجتماع الضدين والنقيضين من البسائط التصورية، كذلك مفهوم الكيف والكم، يتخذان من المتكمم والمتكيف بعدما صح التحليل، وإلا فلا حذاء في الخارج للكيف، للزوم كون ما في
1 - تقدم في الصفحة 101. 2 - تقدم في الصفحة 91 - 92 و 100. (*)
[ 105 ]
الخارج وجودا تابعا للحاظنا، وهو واضح المنع. وما اشتهر: " من أن الفرق بين المبدأ والمشتق اعتباري، ويكون الأول بشرط لا، والثاني لا بشرط " (1) مما لا أساس له، والتفصيل في مقام آخر (2). فبالجملة: المفاهيم المتخذة من أنحاء الوجودات الخارجية التي تكون لها خارجات المحمول، وتحمل عليها بالحمل الشائع، ربما يشكل كيفية نيل النفس لها. وقد يقال: بأنه من أصعب الامور تناولا، لأن ما لا إحاطة به للنفس، كيف يتمكن من اعتبار أمر منها ؟ ! فعليه يمكن دعوى أن مبدأ اعتبار الوجود ملاحظة الوجودات الذهنية، وفقدانها لأمر، ووجد انها لأمر آخر، وعندئذ يعتبر مفهوم العدم والوجود. وقد خرجنا عما هو محط النظر في المقام، فليعذرني الإخوان، لأنه من مزال الأقدام. وبذلك الذي أسمعناك وأسلفناك، تقدر على حل شبهة: وهي ما عرفت من استعمال الأدوات في الماديات والمجردات، مع عدم خصوصية حرفية قائمة بتلك الموجودات المجردة البسيطة، خصوصا المبدأ الأعلى. وذلك لأن معنى " الابتداء " و " الانتهاء " و " الظرفية " وأمثال ذلك، بين ما هو الواقع في نفس الأمر، كما في قولنا: " زيد في الدار " وقولنا: " سرت من البصرة إلى الكوفة " وتكون الحروف - كالأسماء - ذات مداليل خارجية بالضرورة والوجدان، وبين ما هو الملحق به ادعاء، وفي التشبيه والتنظير، وأمثال ذلك من التلاعبات المتعارفة في أنحاء الاستعمالات. ففي قولنا: " زيد في الخارج " أو قولنا: " الوجود من الله تعالى نازل إلى الهيولى " وهكذا، فإنه ليس في " زيد " معنى حرفي كحرفية الابتداء والظرفية في
1 - كفاية الاصول: 75، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 116 - 118.
2 - لاحظ ما يأتي في الصفحة 374 - 379. (*)
[ 106 ]
المثال الأول، إلا أنه من باب الادعاء والاتساع، لا الحقيقة، وهكذا الابتداء والانتهاء في المثال الثاني، فإنه من باب توهم المبدئية الحرفية، وإلا فهو تعالى حقيقة المبدئية لسائر الموجودات، إلا أنه ليس خصوصية قائمة به تعالى، بخلاف التحرك من البصرة. ولعدم نيل هذا قيل: " بأن المعاني الحرفية من عالم المفهوم، وتكون المعاني الحرفية تضييق المعاني الاسمية " (1) ظنا أنه بذلك تنحل هذه الشبهة، غفلة عن أن المعاني الحرفية الخارجية، من المبرهنات العقلية والمرتكزات الوجدانية. فبالجملة: ما ترى في كتب الأدب من قولهم: " بأن كلمة من للابتداء، وكلمة إلى للانتهاء، وكلمة في للظرفية، وكلمة على للاستعلاء " وهكذا، هو بظاهره موافق لافق التحقيق، وحقيق بالتصديق. هذا تمام الكلام في الحروف الحاكية. التحقيق في الحروف الإيجادية وأما حروف النداء وغيرها مما يضاهيها في دخولها على الجمل التصديقية، فهي ليست موضوعة لمعنى ذهني، ولا لحقيقة خارجية، بل هي الأسباب الموضوعة لاعتبار المعاني الخارجية المترتبة على الأسباب التكوينية، وتكون موضوعات لاعتبارها في الخارج، وقد عرفت توضيحه (2). وإجماله: هو أن التمني والترجي والنداء، مصاديق خارجية عينية، كالمعاني الاسمية، ومعان اعتبارية، ولكن الأسماء موضوعة للمعاني الاسمية، والحروف موضوعة لاعتبار تلك المعتبرات عقيبها، فلا دلالة لها إلا من قبيل دلالة الأعلام على الفراسخ، فإنها دلالة لا بالوضع المتعارف في اللغات، بل هي من قبيل الانتقال
1 - أجود التقريرات 1: 18، التعليقة 1، محاضرات في اصول الفقه 1: 75 - 79.
2 - تقدم في الصفحة 93 - 94. (*)
[ 107 ]
من الضد إلى الضد، فإنه ليس " الأسود " موضوعا للأبيض، مع دلالته وسببيته للانتقال، وهذه الحروف - على ما يحللها الوجدان - ليست إلا عناوين، وليست لها الحكاية عن شئ، ولا إيجاد الشئ بل الأمر الكلي المعتبر عند العقلاء - على ما عرفت (1) - ينطبق بإلقاء هذه الأدوات. وإن شئت قلت: إن لجميع هذه المعاني الاسمية، محكيات خارجية وحيثيات في نفس الأمر شاغلة للعين، ومعاني اعتبارية اخذت منها واعتبرت: فما كان من قبيل الأول، تكون تلك الحروف بالنسبة إليها حاكيات. وما كان من قبيل الثاني، تكون الحروف بالنسبة إليها موجدات، بمعنى أن تلك المعاني - على نعت الكلي - اعتبرت عقيبها، من غير استعمالها فيها، بل هو أمر آخر، وهو الإلقاء قبال الاستعمال. وسيتضح لك حقيقة الإلقاء والاستعمال في الامور الآتية إن شاء الله تعالى (2). فما قيل: " من أن الحروف كلها حاكيات " (3) أو " كلها موجدات " (4) أو " بعضا منها حاكيات، وبعضها موجدات " (5) كله الغفلة والذهول، بل الحروف كلها حاكيات، فيما كانت المعاني المستعمل فيها معانيها الأولية والواقعية، وكلها موجدات، فيما كانت المعاني المستعمل فيها اعتبارية، كاعتبار الابتداء في المبدأ الأعلى، أو في الزمان، واعتبار المظروفية له تعالى وهكذا، فلا تخلط. فما قد يتوهم: من أن صحة استعمال الأدوات في المجردات والبسائط الخارجية - كقولنا: " من يوم السبت إلى الخميس " أو " من العشرة إلى العشرين " -
1 - تقدم في الصفحة 87 - 88. 2 - يأتي في الصفحة 151.
3 - نهاية الأفكار 1: 47 - 51. 4 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 42، أجود التقريرات 1: 18. 5 - هداية المسترشدين: 23 / السطر 1، مناهج الوصول 1: 72. (*)
[ 108 ]
دليل على أن المعاني الحرفية ليست إلا واقعيات في عالم المفهوم (1)، فاسد جدا، لما اشير إليه. ولو كان الإطلاق والاستعمال دليلا عليه، لكان يلزم من صحة استعمال قضية " البصرة موجودة " عدم أصالة الوجود، ويستلزم كون الوجود في المفاهيم الذهنية، ضرورة عدم الوجود المخصوص بالبصرة، لأنها من المؤلفات الاعتبارية، فلاينبغي الخلط بين الحقائق والاعتباريات، وبين الإطلاقات المبنية على الحقيقة الأولية والثانوية. وتوهم لزوم الاشتراك اللفظي بين الحروف المستعملة في المركبات التي تكون المعاني الحرفية قائمة بها، وبين البسائط، أو لزوم المجاز، في غير محله، لأن تلك الأدوات موضوعة للابتداء والانتهاء على الوجه الذي عرفت (2)، من غير أخذ خصوصية المستعمل فيه فيها، من كونه معنى واقعيا، بل هي موضوعة للابتداء، وهو بذاته ذو حيثية خارجية في هذه النشأة وذو حيثية اعتبارية في البسائط، واختلاف المصاديق في الحقيقة، لا يستلزم عدم إمكان الجامع المقصود في باب الوضع والألفاظ. ومما ذكرنا يظهر صحة قول المولى لعبده: " سر من البصرة إلى الكوفة " فإن الابتداء هنا اعتباري، لا واقعي، وإذا تحقق السير فللابتداء مصداق خارجي واقعي، ولذلك يمكن قبل تحققه دعوى أن الحد في العبارة للمحدود، لا للامتثال، ولكنه بعدما تحقق لا يمكن قلبه بالضرورة، فما هو مبدأ السير لا ينقلب عما هو عليه، كما
لا يخفى.
1 - محاضرات في اصول الفقه 1: 72 و 77 - 78. 2 - تقدم في الصفحة 105 - 106. (*)
[ 109 ]
تذنيب: هل الألفاظ موضوعة للمعاني العامة ؟ المشهور في بعض العلوم: أن الألفاظ موضوعة للمعاني العامة (1)، مثلا " الكتاب " موضوع لما ينتقش فيه، سواء كان ماديا، أو مجردا، وسواء كان نقشه معقولا، أو محسوسا، أو متخيلا، أو موهوما، وهكذا غيره من الألفاظ المستعملة في الكتاب والسنة، ك " السماء، والأرض، والجنة والنار، والحساب، والميزان، والصراط، والدار، والشجر، والماء، والعسل " وغير ذلك من العناوين الدارجة في المآثير والأخبار المتعلقة لأحكام المجردات، وأحوال المعاد والقيامة، والجنة والنار. ولو كانت الموضوعات لها المعاني الخاصة الملحوظ بلحاظ الواضعين القاصرين، للزم المجازات الكثيرة. وبعدما اتضح من صحة الوضع الخاص والموضوع له العام (2)، فلا منع من الالتزام بذلك. أقول: نعم، إلا أن ما عرفت من إمكانه هو ما إذا صرح الواضع بالعلة، حتى يسري الوضع إلى عموم الموضوع له، وما نحن فيه من العلة المستنبطة، لا المنصوصة. مع أن الوضع متوقف على الإنشاء، وحدود الإنشاء إذا كانت مضيقة فلا يسري إلى المعنى الأعم، ومجرد فرض السؤال عن الواضع لا يكفي لعموم الموضوع له، بل لابد من لحاظ العموم. فدعوى: أن هذه الألفاظ موضوعة للمعاني العامة - كما صرح به الحكيم
1 - أسرار الحكم: 53، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 161. 2 - تقدم في الصفحة 69 - 71. (*)
[ 110 ]
السبزواري (قدس سره) (1) والوالد المحقق - مد ظله - في بعض كتبه في بعض العلوم (2) - مطابقة للذوق، إلا أنها غير موافقة للبرهان. وأما لزوم المجاز والكناية، فهو مما لا بأس به بعد كون المقصود من المجاز هو التلاعب في المعاني، لا الألفاظ، كما سيأتي تفصيله (3)، فلا مانع من إطلاق " الجنات " و " النيران " على ما في الآخرة المشابهة لهما في الأثر، وإن كانت مختلفة بالحقيقة فرضا. الجهة الخامسة: في وضع الهيئات وهي من الامور التي وقعت أنظار المحققين فيها مختلفة، وأنها هل هي مثل الأعلام الشخصية، أو مثل الأسماء الجنسية، أو الموضوع له فيها خاص، والوضع عام ؟ ويتم البحث حولها في ضمن امور: الأمر الأول: حول الوضع النوعي لا شبهة في أن الهيئة في الجوامد، تابعة لمادتها في الوضع خصوصا وعموما، جزئيا وكليا. وأما هي في المشتقات فالمشهور على أن الوضع فيها نوعي، وليس بشخصي (4)، وهذا تقسيم آخر للوضع بعد تقسيمه إلى التعييني والتعيني. والمراد من " الوضع النوعي " هو أن هيئة " فاعل " موضوعة بالوضع النوعي
لمطلق من يصدر عنه الفعل، وليست مخصوصة بتلك المادة وهي مادة " فعل " وبهذا المعنى يكون وضع المادة في المشتقات مثلها في النوعية. نعم، يبقى الإشكال في أنه من الوضع الخاص والموضوع له العام الذي أصر القوم على امتناعه (1)، ضرورة أن الهيئة غير قابلة للتعقل إلا بالمادة وبالعكس، فما هو متعلق اللحاظ أمر خاص، وهي كلمة " فاعل " والتفكيك لا يمكن إلا بذكر العلة بعد ذلك، وإلا يلزم استقلال الهيئة في التصور. أو بذكر كلمة " هيئة فاعل " حتى يسري الوضع إلى سائر المواد، فيكون المادة مغفولا عنها، إلا أن الغفلة ليست دائمية، فلو لم يتمكن الواضع من الغفلة يلزم - على المشهور - امتناع إسراء الوضع إلى مطلق المادة، كما يلزم امتناعه بالنسبة إلى سائر الهيئات الطارئة على المادة الموضوعة لطبيعة من الطبائع في ضمن هيئة من الهيئات، مع أن الأمر ليس كذلك، فيعلم أن الوضع خاص. وأما أن الموضوع له عام، أو خاص، أو جزئي، فهو يأتي من ذي قبل إن شاء الله تعالى (2). الأمر الثاني: في أنحاء الهيئات المستعملة في الكلام الهيئات المستعملة في الكلام مختلفة: فمنها: الهيئة في الجملة الخبرية. ومنها: المستعملة في الإنشائية. ومنها: المستعملة تامة. ومنها: الناقصة.
1 - كفاية الاصول: 24، نهاية الاصول: 18.
2 - يأتي في الصفحة 116 - 123. (*)
[ 112 ]
ومنها: المستعملة في الجمل الاسمية. ومنها: في الجمل الفعلية. ومنها: الخبرية المستعملة في الإنشاء. ومنها: غير ذلك. فهل لتلك الهيئات المختلفة وضع خاص، أم يكفي الوضع في المفردات عن الوضع في المركبات ؟ لا شبهة في عدمه. نعم، قد يتوهم الاستثناء في خصوص الجمل الفعلية، أو في مطلق الجمل، بدعوى أن الفعل والهيئة إذا كان موضوعين، وكان الجامد موضوعا، فلا حاجة بعده إلى الوضع الرابع لهيئة الجملة، فالوضع في الهيئات الناقصة مما يحتاج إليه، دون الهيئات التامة، فإذا قال: " زيد قائم " أو " ضارب " أو " ضرب " فإنه يفهم منه المعنى من دون الحاجة إلى وضعها على حدة (1). ولكنه غير تام، بل لو انعكس الأمر فهو الأولى بأن يجعل الواضع بوضع الجملة وضع سائر المواد والمفردات، فإذا قال: " هيئة زيد قائم لكذا " فلا معنى للاحتياج إلى وضع الهيئة الناقصة، بخلاف ما لو وضع الهيئة الناقصة، فإنها لا تفيد فائدة يصح السكوت عليها، كما لا يخفى. فتحصل: أن قضية السهولة، هو التوصل إلى وضع مادة المشتقات، وهيئاتها، وهيئات الجمل التامة، والناقصة، على نحو الوضع النوعي بالوجه الذي عرفت. وغير خفي: أن الهيئات التامة قد تكون ذات إفادة خاصة، كما في تقديم الخبر على المبتدأ، والجار والمجرور على الفعل، وهكذا. وأما توهم الوضع الخامس لمطلق الجمل (2)، فهو مما لا معنى له، ولا حاجة
1 - هداية المسترشدين: 35 - 36. 2 - لاحظ نهاية الدراية 1: 76، محاضرات في اصول الفقه 1: 111. (*)
[ 113 ]
إليه، وإن لم يكن محذور فيه عقلا، ولعله يأتي الإشارة إليه من ذي قبل. الأمر الثالث: في أنحاء الجمل الخبرية التامة وأنحاء الجمل الجمل الخبرية التامة على أنحاء: فمنها: ما يكون مفادها الهوهوية، كقولنا: " الإنسان إنسان " أو " حيوان ناطق " أو " ممكن " أو " نوع " أو " إنه تعالى موجود " و " الوجود نور " و " البياض أبيض " مما يكون مفاد الكل واحدا، وهي الهوهوية التي لا زيادة عليها، ولا واسطة بين الموضوع والمحمول حتى تسمى " نسبة ". وما اشتهر: " من أن النسبة موجودة في القضية " (1) فهو في القضايا الاخر، دونها. نعم، النسبة الحكمية التي هي مفاد الجملة التصديقية، غير النسبة الخارجية التي هي الوجود الزائد على الموضوع. ومنها: ما يكون مفادها الهوهوية، إلا أنه في القضايا المتعارفة في العلوم، مثل " زيد قائم " و " الجسم أبيض " و " الجوهر كذا " و " الطبيعة سيالة " وهكذا، فإن المشهور فيها أن القضية مركبة من الموضوع، والمحمول، والنسبة (2)، ولكنه فاسد. بل قضية ما عرفت منا عدم تمامية النسبة، لأن اللابشرط من مراتب الجوهر، فما هو المحمول من كمالاته الفانية فيه وشؤونه القائمة به (3)، فما أفاده
1 - الجوهر النضيد: 38، شرح المطالع: 113، نهاية الأفكار 1: 56 - 57، منتهى الاصول 1: 24. 2 - المطول: 35، فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 40، نهاية الأفكار 1:
56 - 57، منتهى الاصول 1: 24. 3 - تقدم في الصفحة 91 - 92. (*)
[ 114 ]
الوالد - مد ظله -: من إنكار النسبة في هذه القضايا (1)، حق محض لا شبهة فيه. مع شهادة البرهان، لأنه لو كان الأمر كما قيل يلزم إما المجاز، أو تعدد الوضع، أو زيادة الصفات على الذات الأحدية في القضايا المستعملة في حقه تعالى، مع أن الوجدان شاهد على خلافه. فعناوين المشتقات المأخوذة من الذوات بكمالاتها، لا تكون زائدة عليها، خصوصا بناء على اعتبار الذات فيها، كما لا يخفى. ومنها: ما تكون من قبيل " زيد له البياض " و " هو في الدار " من القضايا المسماة ب " المؤولة " فإنها عند الكل مشتملة على النسبة. ولكنه غير تام، ضرورة أن معنى هذه الجملة: هو أن زيدا كائن له البياض، وثابت في الدار، فما دام لم يعتبر المشتق لا يصح الحمل، والمشتق معتبر من الذات بالحيثية الكمالية الملحوظة معها الفانية فيها حتى يكون كمالا لها، وإلا فهو أجنبي عنها، ولايكون مصححا للحمل، كما هو الظاهر. فالحروف في هذه الجمل، حاكيات عن وجودات الأعراض القائمة بالذوات، أي أن مفهوم " البياض " ومفهوم " الجسم " المتباينين بحسب التقرر، مرتبطان بحسب الخارج، ولا رابط بينهما إلا بوجود العرض الذي لا نفسية له إلا في الغير. فما هو المحكي بالحروف غير ما هو المحكي بالهيئة، فإن المحكي بالحروف نفس الوجود في الموضوع، والمحكي بالهيئة فناء ذلك مع ما يتعلق به في الموضوع، و " أنه كماله " و " جماله " و " شأنه " و " طوره " وهكذا من العبائر المختلفة. فوجود النسبة في القضايا بنحو الكلي ممنوع، من غير فرق بين أنحائها.
ومما يشهد لذلك صحة اعتبار القضايا المؤولة في الماهيات ولوزامها مع عدم لحاق الوجود بها في هذا الاعتبار، فتأمل جيدا.
1 - مناهج الوصول 1: 86 - 87. (*)
[ 115 ]
فتحصل: أن مفاد الحمليات لابد وأن يكون الهوهوية، من غير فرق بين أنحائها، وإذا كانت هي كذلك، فلا محكي لها إلا الاتحاد والوحدة، واقعية كانت، أو اعتبارية، أو ادعائية. ثم إن أنحاء الحمل ثلاثة: أولي ذاتي وثانوي عرضي وشائع صناعي: فالأول: ك " الإنسان حيوان ناطق " مما يكون مفاده التحديدات المنطقية، سواء كانت التحديدات تامة، بأخذ جميع الأجناس العالية والسافلة والفصول فيها، أو كانت ناقصة، بأخذ الفصل الأخير، أو هو مع الجنس الأخير فيها، كما هو الشائع. والثاني: ك " الإنسان نوع وممكن " مما لا دخالة للوجود في الحمل، بل نفس تقرر الماهية كاف في صحة الحمل، ولا يكون المحمول من أجزاء الماهية والموضوع، ولا من عوارضه الخارجية ومن المحمولات بالضميمة، بأن يكون الضميمة مصداقا ذاتيا للمحمول، والموضوع مصداقا عرضيا، فإن المعقولية الملحوظة في موضوع القضية المذكورة، ليست مصداق النوع، بل النوع مصداقه الإنسان العقلي. وبذلك يظهر: أن المناط في المحمولات بالضميمة والخارج المحمول ماذا، ويتبين أن هذا أيضا ثلاثة أقسام: المحمولات بالضميمة، والخارج المحمول، والخارج المحمول بالضميمة، ك " الإنسان نوع ". والثالث: ما كان المحمول من العوارض الخارجية للموضوع، ويكون من الكمالات الوجودية أو العدمية له، ومفاده الهوهوية في الوجود، لا في التقرر كما
في القسم الثاني، ولا يكون الفرق بينهما بالإجمال والتفصيل، كما في القسم الأول. الأمر الرابع: وفيه إشارة لمناط الصدق مناط الصدق كون مفاد الجملة التصديقية مطابقا للواقع المناسب له، ومناط
[ 116 ]
الكذب عدم هذه المطابقة، وتفصيل البحث حول هذا الأمر يأتي في المباحث الآتية من ذي قبل إن شاء الله تعالى (1). حول الهيئات الإخبارية الناقصة إذا عرفت ذلك فاعلم: أن البحث حول وضع المشتقات وكيفياتها، يأتي في مباحث المشتقات (2)، والبحث حول وضع المركبات على حدة - زائدا على وضع المفردات والهيئات - يأتي في بعض المباحث الآتية على سبيل الإجمال، كما اشير إليه إجمالا. والذي هو مورد البحث هنا وضع الهيئات المركبة التامة - كالجمل الإخبارية، أو الإنشائية - والناقصة: أما الناقصة، فلا شبهة في أن الموضوع له فيها عام، وليست مشتملة إلا على نحو ارتباط بين المضاف والمضاف إليه، والموصوف والصفة. نعم تارة: يكون الارتباط المذكور - كالطرفين - له المحاذاة الخارجية، كقولنا " إله العالم " فإن لكل واحد من المضاف والإضافة والمضاف إليه، محكيا خارجيا واقعيا. واخرى: يكون اعتباريا، مثل " غلام زيد " فإن الملكية والابوة والبنوة - وغير ذلك من الموجبات للإضافة - لا خارجية لها وإن كانت اعتبارية في الخارج، أي اعتبر خارجيتها. والبنوة والابوة من المتضايفات في المفهومية، وليست من مقولة الإضافة،
1 - يأتي في الصفحة 118 - 119. 2 - يأتي في الصفحة 357. (*)
[ 117 ]
وإن توهمه القوم في كتبهم (1)، فإن مقولة الإضافة غير التضايف في المفاهيم المشتركة فيها المجردات والماديات، فلا تغفل. وثالثة: لا واقع له إلا في عالم المفهومية، مثل " غلام زيد " في القضية المفروضة التصورية. فتلك الإضافة لفظية كانت أو معنوية أو بيانية، مشتركة في إفادة المعنى الثالث، وهو وجود الربط الإجمالي، سواء كانت الرابطة المفروضة قابلة للحكاية التصديقية، مثل الإضافة البيانية، وإضافة الصفة والموصوف، أو غير قابلة لذلك، فإنه في هذا اللحاظ لا يكون المحكي بهذه الهيئة الناقصة إلا الربط الإجمالي غير القابل للسكوت عليه. فتلك الهيئة موضوعة لا لإحداث الربط، ولا للحكاية عن الربط، ولا للدلالة عليه، بل هي موضوعها الربط الخاص. نعم بعد الوضع له تكون حاكية أو دالة عليه حكاية تصورية، أو دلالة ناقصة. فما في كتب القوم: من وضع الهيئة للدلالة وهكذا (2) كما سيأتي، غير خال من الخلط بين الموضوع له وما يترتب عليه أثرا. حول الهيئات الإخبارية التامة وأما الهيئات التامة التي يصح السكوت عليها، فهي في الإخبارية - على ما في كتب القوم - موضوعة للدلالة على النسبة التصديقية (3)، أو للدلالة على
1 - الحكمة المتعالية 4: 190، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 145. 2 - نهاية الأفكار 1: 39 و 54، مناهج الوصول 1: 122.
3 - لاحظ مقالات الاصول 1: 95. (*)
[ 118 ]
الهوهوية التصديقية (1) أو لإبراز قصد الحكاية والإخبار عن الواقع ونفس الأمر (2). وأنت خبير: باشتراك الكل في إشكال، وهو أن الدلالة من متفرعات الوضع، وإبراز القصد من الغايات المترتبة على الوضع، ف " اللام " المأخوذ في هذه العبارة غير " اللام " في قولهم: " من للابتداء " فإن الموضوع له في الكلمة معنى تصوري، والموضوع له في الجملة معنى تصديقي، فكون قصد الحكاية أو إبراز قصد الحكاية موضوعا لها، من المناقضة بين ما هو الموضوع، وما هو الموضوع له. واختصاص الأولين بأن القضايا الكاذبة من القضايا الحقيقية، أي تكون الهيئة فيها مستعملة فيما وضعت لها، مع أنها لا محاكاة ولا مدلول ولا نسبة لها وراء الوهم الكاذب. اللهم إلا أن يقال: هي موضوعة للاستدلال، وهو أعم من المطابقة واللا مطابقة. واختصاص الثالث بأن مناط القضايا الكاذبة، عدم موافقة مضمون الجملة لما في الواقع ونفس الأمر، وعليه يلزم إما صدق جميع القضايا، وهو واضح المنع، وإما كون الهيئة ذات مفادين ومضمونين، أحدهما: صادق دائما، وثانيهما: صادق وكاذب، حسب التطابق وعدمه، وهذا أيضا واضح المنع، ضرورة أن الهيئة موضوعة لمعنى واحد بسيط، كسائر اللغات والهيئات التصورية، فلاينبغي الخلط، وتدبر. فعلى ما عرفت، لا يمكن تصور الموضوع له في الهيئات التصديقية، لأن تصور الهيئة التصديقية ليس إلا تصور أمر بسيط، والهيئة التصديقية مركبة، فلا يعقل إسراء الوضع إلى ما هو المقصود، لأنه غير ما هو المقصود بالوضع. إن قلت: نعم، إلا أنه كالحروف والمعاني الاسمية الحاكية عنها في حال الوضع، فكما أن بتلك العناوين الاسمية كان يمكن ذلك، فكذلك الأمر هنا، وكما أن
1 - مناهج الوصول 1: 89 - 91 و 117. 2 - محاضرات في اصول الفقه 1: 85 - 87. (*)
[ 119 ]
هناك كان الموضوع له عاما، كذلك هنا. قلت: ليس الأمر كما قيل، ضرورة أن ما ذكرناه هناك (1): هو أن الأمر الواحد البسيط - وهي حيثية الابتداء - يمكن أن يكون معنى اسميا في موطن، وحرفيا في موطن، كما التزم المشهور من الفلاسفة في الجوهر والعرض في مباحث الوجود الذهني (2). وأما المركب والبسيط والقضية والتصور، فغير قابلة للانقلاب حسب الخارج والذهن، فعليه لابد من الالتزام بأن الموضوع له خاص، وقد عرفت أن الوضع العام والموضوع له الخاص ممتنع (3)، فلابد من علاج هذه العويصة جدا. وبعبارة اخرى: أخذ المفاهيم التصورية من الهيئات التصديقية، وإسراء الوضع إلى تلك الهيئات - كما وضعوا ذلك في الحروف - مما لا يعقل، ولو سلمنا تعقله فهو مما لا يورث السراية، لما عرفت في أصل المسألة (4)، ولخصوصية في المقام. فما أفاده جماعة من المحققين ومنهم الوالد - مد ظله -: من أن الموضوع له في الهيئات خاص، كما في الحروف (5)، غير تام في الهيئات الناقصة، لأنها وإن كانت دالة وكاشفة في الجمل الإخبارية عن حيثية غير حيثية المضاف والمضاف إليه بالضرورة، إلا أن المستكشف بها - كما قد عرفت - مختلف الأوعية، حسب أوعية المضاف والمضاف إليه، والجامع لها ليس إلا أمرا كليا، ولا دليل على لزوم كونه جامعا ذاتيا، بل هو باختيار الواضع، فما يأخذه من الشتات والمتباينات، هو
1 - تقدم في الصفحة 103 - 104.
2 - الحكمة المتعالية 1: 264. 3 - تقدم في الصفحة 77 - 78. 4 - تقدم في الصفحة 110 - 111. 5 - نهاية الدراية 1: 51، نهاية الاصول: 21 و 170، مناهج الوصول 1: 122. (*)
[ 120 ]
الجامع في عالم الوضع والألفاظ وإن كان وهميا وعنوانيا وعرضيا. وإذا كان الوضع أمرا اعتباريا، فما هو اللابد منه كونه قابلا للاعتبار في الخارج، وهذا مما لا شبهة تعتريه، فعليه كما يعتبر الواضع الجامع موضوعا له فيكون كليا، كذلك يعتبره في الخارج، فيكون ما هو الجامع موجودا في الخارج سنخ موجودية الطبيعي في الخارج، وبهذا تنحل الشبهة في الحروف أيضا. وهذا طريق آخر لحل الشبهات في عموم الموضوع له في الحروف، ولحل الشبهة في أخذ المفاهيم الاسمية من المصاديق الحرفية، وحملها عليها. وأما في الهيئات التامة، فقد عرفت الشبهة فيها. وقال صاحب " المقالات " بعموم الموضوع له في الهيئات التامة والناقصة، قائلا: إن الهيئة الناقصة تحكي عن النسبة الثابتة، والهيئة التامة تحكي عن إيقاع النسبة، نحو " زيد قائم " و " عبدي حر " في مقام إنشاء العتق، والإنسان يرى بالوجدان: أن المتكلم يرى الموضوع عاريا عن النسبة التي يريد إثباتها إخبارا أو انشاء، وهو بالحمل والإنشاء يوقعها بين الموضوع والمحمول، بخلاف النحو الأول فإن المتكلم يرى النسبة فيه ثابتة للموضوع أو المحمول (1)، انتهى ما هو لب مرامه. وأنت خبير بما فيه، لما عرفت من أن قولنا: " الربط بين غلام زيد ربط إضافي " جملة صحيحة، ولا واقعية للنسبة الناقصة، فيعلم أن المحكي بالهيئة الناقصة والمدلول عليه مختلف:
فتارة: يكون تكوينا مقوما لطرف الإضافة، كقولنا: " إله العالم " فإن هذه الإضافة تحكي عن الإضافة الإشراقية. واخرى: يكون من قبيل " بياض الجسم ". وثالثة: يكون من قبيل " غلام زيد ".
ورابعة: من قبيل ما اشير إليه. وخامسة: غير ذلك. والذي هو الجامع هو الموضوع له. ولا وجه لدعوى خصوص الموضوع له، لوقوع هذه النسبة مورد الأمر، مع فقد المضاف والمضاف إليه مجموعا، كما إذا قيل: " صل صلاة الكسوف والخسوف " وهكذا، والقيام بحل هذه الامور بطريق خارج عن المتعارف - بعد عدم لزومه - مستهجن. هذا وفي قوله: " تحكي عن إيقاع النسبة " تناقض ظاهر، وكان ينبغي أن يقال: " آلة لإيقاع النسبة " وسيظهر ما هو التحقيق في مفاد الهيئة التامة إن شاء الله تعالى. والذي هو التحقيق فيها: أن الواضع في هذه المواقف بالاستعمال يتمكن من أداء وظيفته، فإذا أراد إفادة مفاد القضية، فيقول: " زيد قائم " مريدا به أن الهيئة فيها تكون ذات دلالة على أمر غير ما يدل عليه المفردات هيئة ومادة، وفي هذا الاستعمال لا يلتزم بالصدق والكذب، بل المقصود فيه المعنى الأعم من ذلك، لإمكان أداء وظيفته بقوله: " شريك الباري موجود " فيعلم من ذلك أن ما هو مفاده، إثبات الاتحاد والهوهوية في الحمليات. وأما في الفعلية من الجملة، وهكذا في الاسمية غير الحملية، فلعل الهيئة
فيهما موضوعة بوضع آخر - يطلب تفصيله في المشتقات (1) - لا الحكاية عن الهوهوية، ولا إيقاع النسبة، كما لا يخفى. والعجب من صاحب " المقالات " (رحمه الله) حيث توهم: " أن الفرق بين مفاد الناقصة والتامة، هو أن في الاولى يكون المحكي هي النسبة بلحاظ نفسها، مع قطع
1 - يأتي في الصفحة 363. (*)
[ 122 ]
النظر عن وجودها وعدمها، وفي الثانية هو وجودها " (1) انتهى. وأنت خبير: بأن عمدة البحث في الهيئات الناقصة، هي الواقعات في الجمل التامة، كقولنا: " زيد العالم قائم " و " غلام زيد فاضل " وهكذا، ولو كان القائم والفاضل زيدا الجاهل، وغلام عمرو، لكان هو الكاذب بالضرورة، ويؤخذ كذبه من عدم المحكي للنسبة الناقصة، المستلزمة لعدم النسبة التامة كما هو الواقع، فليتدبر. وما قيل: " من أن مناط كذبه عدم مطابقة مضمون الهيئة التامة للواقع " (2) إن كان يرجع إلى ما أشرنا إليه فهو، وإلا فهو ضروري الفساد بالوجدان، فما أفاده بقوله: " مع قطع النظر عن وجودها " لا فائدة فيه. فتحصل: أن الهيئة تكون موضوعة لمعنى تصديقي، فلا يكون وعاؤه الخارج، لأنه وعاء الوجود وكماله، وأما التصديق والإذعان فهو من الامور الذهنية والنفسانية، ووعاؤها الذهن، فما هو في الخارج كما يمكن لحاظه بالنسبة التصورية، يمكن لحاظه بالنسبة التصديقية، فهذا كاشف عن أن هذه الامور ليست واقعية، بل تختلف باختلاف الأغراض والمقاصد. نعم، لابد من ملاك الاتحاد في الحمل بلا شبهة، ولكنه غير ما هو الموضوع له في الهيئة، ضرورة أن العنوان الذاتي كعنوان " الإنسان " والعنوان العرضي ك " العالم " ونحوه، لا يكونان متحدين في الخارج، بل ما هو المتحد هو وجود
الأعراض مع الجواهر اتحاد الشئ مع كماله. فجميع العناوين اختراعية، والحمل بينها إبداعي، والهيئة موضوعها إثبات الاتحاد، وقد مضى أن ملاك الصدق ليس إلا تمامية مضمون الجملة مما هو في
نفس الأمر (1)، والمراد من " نفس الأمر " أعم من الخارج، والذهن، ودرك العقل صحة الحمل، كما في قولنا: " الإنسان إنسان " فلا محكي في مجموع القضايا حتى تكون الهيئة موضوعة للحكاية، أو لإبراز قصد الحكاية، أو لأمثالها مما لاتخفى. فبالجملة: لا ينبغي الخلط بين حيثية الحمل، وحيثية الاتحاد، فإن الاولى ذهنية، والثانية خارجية، فالذي هو الحامل بين العنوانين هي نفس الإنسانية، والهيئة لا تكون إلا موضوعة لما يتصدى له النفس، وهو حمل شئ على شئ. وتوهم: أن الموضوع له كلي إذا كان ذهنيا، في غير محله، لتشخصه به. كما لا ينبغي الخلط بين مباحث الألفاظ، ومسائل الفلسفة، وقد وقع ذلك في هذه المباحث وأشباهها لكثير من أهل الفضل والعلم. وارتباط مسائلها بعضها ببعض أحيانا لا يورث جوازه، ولا يستلزم اقتناص الحقائق الحكمية من الإطلاقات العرفية والاستعمالات الدارجة فليتأمل، فإن التحفظ عليه صعب جدا. ثم إن في قولنا: " إن مفاد الهيئة التامة إثبات الاتحاد " إشكالا أو إشكالين، وذلك لأن إثبات الاتحاد يستلزم دوام الصدق، ولأن مفاد القضايا في الحمليات الأولية هو الاتحاد في الذات والمفهوم، وفي الشائع الصناعي هو الاتحاد في الوجود، وفي مثل " الإنسان نوع " هو الأمر الآخر.
ويمكن حل الأول: بأن الإثبات أعم من الثبوت الواقعي، فإن كان ثابتا فالقضية صادقة، وإلا فهي كاذبة. وحل الثاني: بأن المراد من " الاتحاد " هو المهمل منه، لا القسم الخاص، فإذا كان بين الموضوع والمحمول، نوع اتحاد في وعاء من الأوعية، فالهيئة متكفلة لإثباته والحكم به. وإن شئت قلت: مفاده إثبات نوع اتحاد بين الموضوع والمحمول، وأما
1 - تقدم في الصفحة 115 - 116. (*)
[ 124 ]
خصوصيات الاتحاد فتعرف في موقف الاستعمال. الأمر الخامس: في وضع الهيئات الإنشائية وهي على ثلاثة أصناف: منها: ما يختص بالإنشاء، كالأوامر والنواهي، وعهدة البحث فيها على مباحث الأمر والنهي. ومنها: ما هو الظاهر في الإخبار، وقد يستعمل في الإنشاء، كالفعل المضارع، وبعض الجمل الحملية، ك " هذا مسجد " أو " مملوكك ". ومنها: بعكس ذلك كالفعل الماضي المستعمل كثيرا في الأدعية وصيغ العقود والإيقاعات، وبعض الجمل الحملية ك " هي طالق " و " هو حر " و " ضامن ". ولما كان اختلاف الأعلام في الموضوع له، ناشئا من اختلافهم في حقيقة الإنشاء، فلابد من الإشارة إلى تلك الحقيقة: فنقول: جميع المعتبرات العقلائية التي عليها تدور رحى معاش الناس، متخذات من الامور التكوينية، فإذا كان المأخذ أمرا معلوما واضحا، فلا وجه للاختلاف في المأخوذ، وقد مر منا الإيماء إلى هذه القاعدة سابقا (1). هذا هو
إجماله. وتفصيله: أنا إذا راجعنا كل واحد من الاعتبارات، نجد أنها ذات مناشئ خارجية مناسبة جدا للمعتبر العقلائي، مثلا الملكية الاعتبارية مأخوذة من الملكية الواقعية الثابتة للنفس بالنسبة إلى القوى، ولله تعالى بالنسبة إلى العالم، ولما كان اعتبار الملكية لأجل السلطان على المملوك، والاقتدار عليه، يعد صاحب الدار مالكا، لما نجد له السلطنة عليها في التصرفات.
1 - تقدم في الصفحة 88 و 93 - 94. (*)
[ 125 ]
والبيع هو مبادلة مال بمال، وتلك المبادلة تكوينية إذا كانت في المكان، واعتبارية إذا كانت في الملكية، والإجارة مثله، وهكذا النكاح والطلاق والعتق، فإن لكل واحد منها معنى تكوينيا، ثم بعد ذلك اعتبر في المجتمع البشري، لإدارة السياسة المدنية والحكومية، ولحفظ نظام العالم من الوقوع في المفاسد والمهالك المترتبة على الهرج والمرج. ومن هذا القبيل ما مر منا في الوضع، فإنه اعتبار من الوضع التكويني (1)، وهكذا الإنشاء، فإنه اعتبار الإيجاد، لأن معناه التكويني إيجاد الشئ، كما في قوله (عليه السلام): " أنشأ الخلق إنشاءا " (2). ثم إن المعتبرات العقلائية أبدية، إلا إذا اضمحلت الأقوام والامم، أو زالت الجهات المورثة لحدوثها، وليست باختيار الآحاد بما هم آحاد، فهي الامور الموجودة في وعاء الاعتبار، إلا أن نحو الاعتبار قضية تعليقية على نعت الكلي، كما عرفت منا أيضا تفصيله (3). فلا معنى لتوهم اعتبار الملكية من قبل المالكين، أو اعتبار الطلاق والزواج من قبل الأفراد وهكذا (4)، بل هذه الامور - بمعناها الواقعي - ليست اختيارية بيد
الأفراد والآحاد، والذي هو باختيارهم أمر اعتبر - بنحو الكلي - سببا لها، وهذا بيد الأفراد والآحاد، وهو عناوين العقود والإيقاعات، كالبيع والإجارة والصلح وهكذا. وهذه العناوين لها لغات موضوعة لها، فيكون جميع هذه اللغات أسبابا لفظية لتحصل المعتبر العقلائي الذي هو مفاد تلك اللغات، وهي في الحقيقة موضوعات
1 - تقدم في الصفحة 88. 2 - نهج البلاغة: 40، بحار الأنوار 4: 248. 3 - تقدم في الصفحة 97 - 98. 4 - فوائد الاصول 1: 46. (*)
[ 126 ]
لتلك المعتبرات الكلية الخارجة عن اختيار العقلاء، وهي الملكية، والنقل والانتقال، والزواج والطلاق، بالحمل الشائع وهكذا. فهنا ثلاثة امور: اللفظ، ومعناه المنشأ به، والأثر المترتب عليه: أما اللفظ، فهو باختياره، ويوجد بإنشائه التكويني. وأما معناه، فهو باختياره مع الوسط، ويكون بين اللفظ وهذا المعنى اعتبار السببية والإيجاد. وأما الأثر، فهو مترتب على فعله الاختياري، وهذا الأثر هو الذي يترتب عليه عند العقلاء - بعد إمضائهم - القانون الكلي، وهو أن كل من نطق بهذه الألفاظ بمالها من المعاني، مريدا ذلك المعنى، فهو مالك الثمن، وذاك مالك المثمن، أو غير ذلك من التعابير الممكنة. فالذي باختيارنا السعي في إيجاد مقدم هذه القضية المعلقة والشرطية. فعلى هذا، تكون الألفاظ آلات إيجادية في وعاء الاعتبار لوجود اعتباري، وهذا هو الإنشاء الاعتباري. ولا شبهة في أن المنشئ لابد من تصوره ما يترتب
على إنشائه، وما هو المنشأ، وهكذا، فما دام لم يتصور ذلك، ولا يصدق بالأثر المترتب عليه، لا يكون كلامه سببا، ولا ما يحصل منه موضوعا لتلك القضية الكلية. إذا عرفت ذلك علمت: أن ما أفاده العلمان الأصفهاني والخميني الوالد - عفي عنهما - صحيح، ولكنهما لم يبينا وجه المسألة (1)، وما أفاده غيرهما - كصاحبي " الكفاية " و " المقالات " وأتباعهما (2) - فهو الغفلة والذهول، والخروج عما هو يليق بالتحقيق.
1 - نهاية الدراية 1: 62، مناهج الوصول 1: 94 - 95. 2 - كفاية الاصول: 27، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 63 - 65، محاضرات في اصول الفقه 1: 88 - 89. (*)
[ 127 ]
والعجب من صاحب " المقالات " حيث ينسب إليه أن الإنشاء هو إبراز المعتبر النفساني بمبرز خارجي. وهذا إن رجع إلى لزوم تصور المبادلة قبل إنشاء البيع، فهو أمر واقعي مطابق للتحقيق، وقد أشرنا إليه. وإن رجع إلى أمر آخر فهو واضح المنع، ضرورة أن المعتبر النفساني لا يمكن إبرازه، لأنه أمر ذهني لا يعتبر وراء النفس، فلابد من كون المعتبر أمرا مطلقا من الذهن، ويكون في الاعتبار خارجيا، كما يقال: " زيد مالك وبايع " خارجا، لا ذهنا. وإن اريد إظهار ما في الخيال فجميع القضايا مبرزات لما في النفس، إخبارية كانت، أو إنشائية. هذا مع أنه يلزم كفاية الإخبار عما صنعه في الذهن من المبادلة الذهنية، فإنها ليست مبادلة اعتبارية، بل هي مبادلة وهمية أو خيالية، أي بدل بين الصور العلمية
الموجودة عنده من الأثمان والمثمنات. فما قيل: بكفاية الأمر النفساني عن الإبراز (1)، باطل، ومنشأه الغفلة عن أن الامور الاعتبارية، موجودات معلقة على طريق القوانين الكلية، فما دام لم يوجد المقدم لا يتحقق التالي، ووجود المقدم هو المعتبر خارجا، وما كان وجوده اعتباريا في الخارج لا يتحقق بصرف الوهم والخيال. فما هو القانون الكلي: " هو أنه إذا تحقق البيع في الخارج تحقق الملكية، ويتبادل الأملاك " والبيع الوهمي غير البيع الاعتباري بالضرورة، فإن وعاء الاعتبار اخذ من وعاء الخارج، لا الذهن، فاغتنم. ثم إنك إن شئت قلت: الإنشاء هو تحقيق المعتبرات العقلائية، أي إيجادها
1 - محاضرات في اصول الفقه 1: 88. (*)
[ 128 ]
وإلباسها لباس الخارجية. إذا عرفت ذلك، فلابد من الالتزام بأن الموضوع له فيها خاص، لما عرفت: من أن مفاد القضية والهيئات المركبة، غير قابل لشمول العنوان الواحد له، حتى يكون هو الموضوع له (1). ثم إن الهيئة في الفعل الماضي المخصوصة بالإنشاء، لا تكون بالوضع التعييني، بل هي بالاستعمال، كما عرفت وجهه، فعليه يتعدد الوضع، وتكون تلك الهيئة مشتركة بالاشتراك اللفظي، كما في كثير من المواد، ولا سبيل إلى القول بالمجاز. وأما الهيئة في المضارع المستعملة أحيانا في الإنشاء، فهي ليست مثلها، بل الظاهر أنها تستعمل كالاستعمال في الإخبار، إلا أنه بنحو الادعاء والمجازية، لنكتة في ذلك كما لا يخفى.
ومن هذا القبيل الهيئات في الجمل الاسمية الإخبارية الحملية، كقولهم: " هذا مسجد " أو " أنت ضامن " أو " هي طالق " و " هذا مملوكك " في مقام الوقف وفي مقام إنشاء البيع، فإن الكل بنحو المجاز والادعاء، ومصحح هذه الدعوى الآثار المقصودة بها. وربما تكون الجملة الحملية كثيرة الاستعمال في الإنشاء، بحيث ربما تكون حقيقة ثانوية، كما في الطلاق والضمان. ولا يستلزم صحة استعمال تلك الجملة في مواقف خاصة، صحتها على الإطلاق كما توهم، فلا يجوز أن يقال: " زيد قائم " في مقام الأمر بالقيام، بخلاف قولهم: " زيد ضامن " في مقام الأمر بالأداء، أو " هو يعيد صلاته " في مقام الأمر بالإعادة، فلا تغفل. وربما يخطر بالبال عدم صحة المجاز والادعاء في هذه الجمل الحملية، لأن
1 - تقدم في الصفحة 121 - 123. (*)
[ 129 ]
المقصود إفادة الطلاق والملكية والوقفية، فلابد من كونها بنحو الحقيقة، فإذا قال: " هذا مسجد " فلابد من استعمال الهيئة في المعنى الإيجادي الاعتباري، ويكون الموضوع من أفراد المحمول الكلي الذي هو ذو أحكام خاصة. نعم، فيما إذا قال: " هذا مملوكك " في مقام إفادة البيع، فربما كان ذلك من باب الكناية، باستعمال اللازم وإرادة الملزوم، وإلا فهو لا يقع بيعا بهذه الجملة. نعم يتمكن من مطلق التملك بناء على جوازه. وعندئذ تارة: يلزم كون الموضوع من مصاديق المحمول، كما في المثال الأول. واخرى: ليس الأمر كذلك، كما في المثال الثاني، لأن الكلي المملوك مضاف إلى زيد، وهو ليس مالكا لشئ فرضا، فتأمل.
إن قلت: لا يعقل الاستعمال الإيجادي، لأن صحته تتوقف على وجود المستعمل فيه قبل الاستعمال، فكيف يعقل وجوده متأخرا عنه ؟ ! قلت: هذا ما يظهر من موضع من " الدرر " (1) وفيه ما مر في المعاني الحرفية (2).
1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 41. 2 - تقدم في الصفحة 97 - 98. (*)
[ 130 ]
الجهة السادسة: في وضع أسماء الإشارة والضمائر والموصولات أما أسماء الإشارة: ففيها احتمالات، بل وأقوال: أولها: أنها موضوعات للإشارة الخارجية، كما أن لفظة " الرجل " و " زيد " موضوعتان لأمرين في الخارج، فلابد من تحقق الإشارة خارجا بأمر من الامور، كالإصبع ونحوه، ويكون لفظة " هذا " موضوعة لتلك الإشارة الموجودة بالسبب الآخر. وهذا هو قول ظاهر من الفاضل المحشي الأصفهاني، وبعض تلامذته (1). وما فيه ظاهر، ضرورة أن الإشارة تتحقق بدون الأسباب المورثة لتحققها الخارجي تحققا اعتباريا، على نحو ما عرفت منا. ومعنى " تحقق الإشارة خارجا " ليس إلا التحقق الوهمي، لا التحقق التكويني. فالإشارة قسمان: وهمي، واعتباري، فالوهمي ما يحصل من الإصبع، والاعتباري ما يحصل من اللفظة القائمة مقام الإصبع، من دون لزوم ذلك في التحقق الاعتباري. ثانيها: أنها موضوعة للإشارة المقيدة بالمشار إليه (2). ثالثها: أنها موضوعة للمشار إليه، لا بعنوانه، بل بعنوان آخر (3)، فتكون كلمة
" هذا " موضوعة للمفرد المذكر، لا للمفرد المذكر المشار إليه. رابعها: أنها موضوعة له بعنوان المشار إليه، ولكن لا من تلك الإشارة
1 - نهاية الدراية 1: 63 - 64، محاضرات في اصول الفقه 1: 91. 2 - الكافية 2: 32 - 33. 3 - كفاية الاصول: 27. (*)
[ 131 ]
الاعتبارية، بل من الإشارة الخارجية (1). خامسها: أنها موضوعة لإيجاد الإشارة الاعتبارية. ولعله هو الظاهر من الوالد المحقق - مد ظله - (2). سادسها: أنها موضوعة للإشارة الاعتبارية، وأما وجودها فهو يحصل من الاستعمال في الجمل التصديقية، فيدل الهيئة التصديقية على الإيجاد، دون الهيئة التصورية. وهذا هو الظاهر من بعض سادة أساتيذنا (رحمه الله) (3). والذي يستظهر من أهل الأدب أنها موضوعة للإشارة، وهي المسند إليه (4). وهذا هو التناقض غير القابل للجمع، ضرورة أن ما هو الموضوع للإشارة بالحمل الشائع معنى حرفي، وهو لا يكون مسندا إليه إجماعا. ولذلك صرح الوالد - مد ظله -: " بأن المسند إليه هو المشار إليه، لا الإشارة، كما يعلم ذلك من إشارة الأخرس " (5). والذي يتوجه إليهم: أن المشار إليه ليس دخيلا في الموضوع له، لتحقق الإشارة بدونه فيما إذا قال: " هذا زيد " مع عدم وجود له، وأنه توهم وجوده للظلمة الشديدة، فإن الإشارة قد تحققت هنا بلا شبهة، مع أن المشار إليه لا تحقق له، فجميع الأقوال الآخذة فيه المشار إليه في الموضوع له فاسدة. فيبقى كونها موضوعة للإشارة الاعتبارية، فيكون مدلولها تلك الإشارة، كما
عليها تدل إصبع الأخرس دلالة غير وضعية أو وضعية غير لفظية، وما ترى في كلام
الوالد المحقق - مد ظله -: " من أنها موضوعة لإيجاد الإشارة اعتبارا " (1) غير موافق للتحقيق، لعدم اعتبار الوجود في الموضوع له فهي موضوعة لحيثية الإشارة الاعتبارية. نعم، اعتبار الوجود والإيجاد يجئ بالاستعمال في الجملة التصديقية، على نحو ما اشير إليه آنفا، وحيث قد تقرر عدم إمكان الوضع العام والموضوع له الخاص (2)، فالموضوع له هنا هو العام، من غير لزوم التوصل إلى الوضع بالاستعمال - كما عرفت في الهيئات المركبة (3) - لأن ما هو الموضوع له هو عنوان " الإشارة " وهي تعتبر في الخارج، فتكون مصاديقها معاني حرفية، والمفهوم الذهني اسميا، كما في الحروف وأشباهها. ولذلك ترى أنه إذا قال: " هذا عالم " يصح الحكاية عنه: " بأنه أشار إليه بأنه عالم " فيعلم أن ما صنعه في الخارج مصداق الإشارة، فيكون مفهوم " الإشارة " كمفهوم " الإنسان " في الخارج، فلا تغفل، ولا تختلط. نعم في الطبيعي الحقيقي هو موجود حقيقة بالوجود - إلا على بعض المذاهب الراقية - وفي مفهوم " الربط " و " النسبة " و " الإشارة " هي موجودات في الخارج اعتبارا.
وأ ما الضمائر: فالقول الوحيد في ضمير المتكلم: أنه ليس موضوعا إلا لنفس المتكلم، وليس في البين إشارة، ولا خطاب.
1 - مناهج الوصول 1: 96 - 97. 2 - تقدم في الصفحة 77 - 78. 3 - تقدم في الصفحة 120 - 123. (*)
[ 133 ]
نعم، مختار الوالد المحقق - مد ظله - أن الموضوع له خاص، قائلا: " إن المتبادر منه هو الهوية الشخصية الخارجية بالوضع العام " (1). ومختارنا: أن الموضوع له هو المتكلم، وأنه منطبق عليه لأجل كونه متكلما، ولو كان عاريا عن جميع الخصوصيات والتشخصات، كان ذلك على نعت الحقيقة. وأما ضمائر الغيبة، فالقول الوحيد فيها ما أفاده الوالد المحقق - مد ظله -: " من أنها حروف الإشارة إلى الغائب، أما كونها حروفا فلأن المعاني الخارجية حروف، وأما كونها إشارة فللتبادر " (2). وإلى هذا يرجع قول النحوي الذي قال في جملة " ربه هو كذلك ": " بأن كلمة " رب " اضيفت إلى النكرة (3)، لأن المناط في ذلك هو المرجع ". فما اشتهر: " من أن الضمائر من المعارف كلا " (4) غير صحيح، بل في الغائب تابع له في ذلك. فما تخيله النحاة والاصوليون " من أن الموضوع لها المراجع المبهمة " (5) واضح المنع. ويشهد لذلك صحة توهم المرجع، وإرجاع الضمير إليه، فإنه إذا صنع ذلك فقد أشار إلى الغائب بالضرورة مع توهم المشار إليه، فيعلم أنه غير دخيل في الموضوع
له، فكلمة " هو " مثل كلمة (أو) وكلمة " هذا " مثل كلمة (إين) في الفارسية، فليتدبر جدا يعرف. وأما الموضوع له فهو خاص عنده، وعام عندي، لأنه هو الإشارة إلى الغائب،
1 - مناهج الوصول 1: 98 - 99. 2 - مناهج الوصول 1: 96 - 97. 3 - الكافية 2: 128 و 332، شرح شذور الذهب: 319. 4 - شرح شذور الذهب: 134، شرح ابن عقيل 1: 87، البهجة المرضية 1: 41. 5 - الكافية 1: 33، مقالات الاصول 1: 106. (*)
[ 134 ]
كما كانت كلمة " هذا " موضوعة للإشارة إلى الحاضر على نحو ما عرفت، من غير كون القيد - وهو الحاضر والغائب - داخلا في الموضوع له. وأما ضمائر الخطاب، فهي على صنفين: أولهما: ماهي موضوعة لاعتبار الخطاب، فيوجد بها الخطاب في الاستعمال، فلا تكون موضوعة لأنفس المخاطبين، حتى يكون من أسمائه تعالى كلمة " إياك " مثلا، بل هي موضوعة - كأخواتها - للخطاب والمخاطبة، من دون كون المخاطب داخلا في الموضوع له. فما عرفت من الأقوال في أسماء الإشارة، آت في الضمائر والخطابات، والتحقيق في الكل: أن الموضوع له معنى اسمي كلي، ومصاديقه معان حرفية. وبذلك يعلم الفرق بين الموضوع له في المعاني الاسمية والحرفية، فإن المعاني الاسمية ماهي المستقلات في الموطنين، والمعاني الحرفية ما هي المستقلات في النفس، والمتدليات في العين والخارج بوجه مضى سبيله (1). فعدول الوالد المحقق من المشهور إلى أن هذه أدوات لا أسماء (2)، في محله إذا كان المناط
مصاديق تلك الموضوعات. ولكن الحق: أن ما هو المناط هو الموضوع له، وهو المعنى الاسمي، دون مصاديقه التي هي معان حرفية. ولو رجع قول " الكفاية " وأتباعه (3) إلى ما أسسناه فهو، وإلا فهو كغيره في الضعف والفساد. ثانيهما: التي هي علامات ورموز، وليست موضوعة حتى تدل على معنى يكون هو في عالم الدلالة والاستعمال حرفا، وفي عالم الوضع والتصور اسما، وهي
1 - تقدم في الصفحة 91 - 94. 2 - مناهج الوصول 1: 98. 3 - كفاية الاصول: 27، أجود التقريرات 1: 28 - 29، نهاية الأفكار 1: 60 - 61. (*)
[ 135 ]
كالألفاظ المستعملة عقيب أسماء الإشارة، مثل قوله تعالى: * (ذلكما مما علمني ربي) * (1) فإن الظاهر والمتبادر من قوله: * (ذلكما) * ليس إلا الإشارة إلى معنى معلوم، وليس في هذا المقام خطاب إليهما، بخلاف ما إذا قيل: * (فذلكن الذي لمتنني فيه) * (2) فإنه فيه - زائدا على الإشارة - خطاب، والأمر سهل. فإن أبيت عن ذلك نقول: إن جميع ألفاظ الخطاب موضوعة للمخاطبة، فيوجد بها في مقام الاستعمال الخطاب. وما هو السر في توهم كون المشار إليه داخلا في الموضوع له (3)، وهكذا المرجع، أو المخاطب: هو أن مصاديق هذه المعاني الكلية معان حرفية، فلا تتوجه النفس من هذه الألفاظ إلا إلى الطرف الذي هو المقوم للإشارة ونحوها، ولكنه بالنظر الثانوي يعلم خلاف ذلك. ثم إن حرفية هذه المعاني، ليست كحرفية وجود الأعراض بالنسبة إلى وجود الجواهر، بل هي حرفية اعتبارية، وتلك حرفية خارجية عينية. والذي هو المناط في تشخيص كون مفاد جملة أو كلمة أنها معنى اسمي أو
حرفي: هو أن المعاني الاسمية ليست لها مفاهيم اخر حاكية عنها إلا نفسها، بخلاف المعاني الحرفية، فإن لها مفاهيم اخر اسمية يحكى بها، فلحيثية المعنى الحرفي في كلمة " من " معنى اسمي هو " الابتداء " وهكذا، ولحيثية المعنى الحرفي في كلمة " هذا " وأخواتها معنى اسمي هي " الإشارة والخطاب ". وهذا دليل على أن ضمائر الغيبة مفادها الإشارة، وأن أدوات الخطاب مفادها معان حرفية، لإمكان حكايتها بالمفهوم الاسمي وهو " الخطاب " فإذا قال: * (إياك
نعبد وإياك نستعين) * (1) يصح أن يقال: " هو خاطب ربه بهكذا ". وهكذا لحيثية مفاد الهيئة المركبة معنى اسمي يحكى به، فيقال بعد حكمهم بأن زيدا عالم: " إنه حكم باتحاد زيد والعالم " أو " أخبر بأن " " زيد " و " عالم " " متحدان في الخارج " فإن مفاد الجملة الحملية يحكى بالمفهوم الاسمي، فافهم واغتنم. وأ ما الموصولات: فقال صاحب " المقالات ": " إنها موضوعة لمعان مبهمة مقترنة بما يفرض صلة لها " (2). واختار بعض سادة أساتيذنا في " نهاية الاصول ": " أن جميع المبهمات قد وضعت بإزاء الإشارة، ليوجد بسببها الإشارة إلى امور متعينة في حد ذاتها، إما تعينا خارجيا، كما في الأغلب، أو ذكريا كما في ضمير الغائب، أو وصفيا كما في الموصولات، حيث إنه يشار بها إلى ما يصدق عليه مضمون الصلة " (3) انتهى.
واختار الوالد المحقق - مد ظله - بعد ذكر ذلك: " أن هنا احتمالا آخر ربما يصعب تصوره، ولا يبعد أن يكون هو المتبادر منها عند إطلاقها، وهو أن يقال: إنها موضوعة لإيجاد الإشارة إلى مبهم يتوقع رفع إبهامه، بحيث يكون عملها أمرين، أحدهما: أصل الإشارة، وثانيهما: إفهام المشار إليه المتوقع للتوصيف، فيكون معنى " الذي " و " التي " معنى مبهما مشارا إليه بإيجاد الإشارة إليه. هذا في غير " من " و " ما " و " أي " وأما فيها فالظاهر أنها أسماء وضعت
لعناوين مبهمة، والأمر سهل " (1) انتهى. والذي هو التحقيق بعد المراجعة إلى النظر الدقيق: هو أن الموصولات مختلفة: فمنها: ما اشرب فيها الإشارة، ولكنها ليست لمجرد الإشارة، بل هي موضوعة للإشارة إلى المفروض، قبال الإشارة إلى الموجود الحاضر، أو الإشارة إلى الموجود الغائب، من غير كون القيدين داخلين كما تقرر، فقوله: * (الذي هو يطعمني) * (2) فيه إشارة إلى موجود فرضي، إلا أن هذا قد يكون مطابقا للواقع، كما في المثال المذكور، وقد يكون فرضيا صرفا، كقوله: " الذي يحاربني لم تلده امه " وقد يكون فرضيا متوقع الوجود، كقوله: * (الذي يقرض الله قرضا حسنا) * (3) ومرادفه بالفارسية (آن كسي كه). ومنها: ما يكون مفادها المعنى الاسمي المبهم، ولا إشارة فيها بوجه، مثل قوله: " من رد عبدي... " وقوله: " رفع... ما لا يعلمون " (4) فإن المفهوم منه معنى كلي
قابل للصدق على الكثيرين، ولا يصدق إلا على ما يصدق عليه الصلة. ومرادفه بالفارسية (چيزي كه) أو (كسي كه). فعليه إطلاق القولين الأولين ممنوع، وما أفاده بعنوان الاحتمال هو الأوفق بالصواب. فبالجملة: الموصولات تفارق الضمائر والإشارات، فإن منها: ما يكون مفاده المركب من معنى حرفي، ومعنى اسمي، ك " الذي " و " التي ".
1 - مناهج الوصول 1: 98، تهذيب الاصول 1: 28. 2 - الشعراء (26): 79. 3 - البقرة (2): 245. 4 - الخصال: 417، وسائل الشيعة 15: 369 كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1. (*)
[ 138 ]
ومنها: ما يكون مفاده معنى اسميا مبهما مرتفعا إبهامه بما بعده، والضمائر والإشارات مشتركة معها في الإبهام، وارتفاع الإبهام بما بعدها في اللفظ، أو بالقرائن الاخر. ولكن الذي يورث إشكالا: هو أن كلمة " الذي " و " التي " من البسائط، فكيف يعقل كونها موضوعة للمعنيين اللذين أحدهما الموضوع له فيه خاص، والآخر عام ؟ ! اللهم إلا أن يقال: بتركبها كما في الفارسية، فإن كلمة (آن) وكلمة (كسي كه) مركبة، فيتعدد الوضع. أويقال: بأن الموضوع له خاص، كما اختاره الوالدالمحقق مستدلا بالتبادر (1). أو يقال: بأن الموضوع له عام، كما هو المختار. بل قد عرفت أن المعاني
الحرفية في وعاء الوضع معان اسمية، وفي وعاء الاستعمال مصاديق حرفية (2)، فتلك المعاني في وعاء غير مختلفة، وفيما هي المختلفة فهو الخارج عن باب الوضع وعلقة الدلالة. هذا كله بناء على كون كلمة " الذي " مرادفا لكلمة (آن كسي كه) في الفارسية، وإلا فهو كغيره من الموصولات، فلاحظ وتدبر جيدا.
1 - تهذيب الاصول 1: 29، مناهج الوصول 1: 98. 2 - تقدم في الصفحة 134. (*)
[ 139 ]
المبحث الثالث في الاستعمالات المجازية
[ 141 ]
وهنا وجوه وطرق: الطريقة الاولى ما هو المشهور بين أهل الأدب والاصوليين (1)، وظنوا أن المجاز هو استعمال اللفظ في غير ما هو الموضوع له، لمناسبة وعلاقة خاصة بين المعاني الحقيقية والمجازية. واختلفوا في أنه جائز مطلقا (2)، أو لابد من الوضع الشخصي (3)، أو النوعي (4)، أو المناسبة الخاصة المصرح بها في كلمات القوم، فلا يجوز التعدي عما وصل إلينا من الاستعمالات المجازية إلى غيرها، بل لابد من الاقتصار على العلاقات المعينة البالغة إلى خمسة وعشرين مثلا (5)، فذهب إلى كل احتمال جمع.
والذي اختاره " الكفاية " هو الأول (1)، فلاضيق من الجوانب الاخر، فلا حاجة إلى الوضع، ولا إلى الترخيص، ولا إلى العلاقات المعينة، بل الملاك حسن الاستعمال، وموافقة الذوق السليم، والذهن المستقيم، لشهادة الوجدان، ولما نجد من جوازه فيما لم يصل منهم بالنسبة إليه الإذن والترخيص، كما في استعمال اللفظ في نوعه ومثله. أقول: يتوجه إلى هذه الطريقة أولا: أن الوضع الشخصي أو النوعي إما لا معنى له في المقام، أو يستلزم خروج الكلام في المقام عما هو المقصود والمرام، فعليه ينحصر الأمر باشتراط الإذن والترخيص، وهو غير مبرهن، لا لعدم كون الواضع أهلا لذلك، كما في كلام القوم (2)، بل لأن الشرطية تحتاج إلى الدليل، وهو غير مذكور. وثانيا: إطلاق اللفظ وإرادة معناه الموضوع له أمر، وكون ذلك المعنى مقصودا بالأصالة أمر آخر. وبعبارة اخرى: قد يتفق إطلاق اللفظ في مورد لا يصح إلحاقه بالكلمات الموروثة من البلغاء، حتى يندرج في الطريقة الآتية عن السكاكي أو الأصفهاني، بل هو إطلاق متعارف، فإنه لا يصح حينئذ تتميم ذلك بتلك الطرق الخارجة عن أفهام متعارف الناس.
مثلا: إذا سئل عن منزل زيد في شارع كذا ؟ فيقول المجيب: " اسأل هذه الدكة " فإنه ليس مقام إدراج هذه الكلمة في كلمات الفصحاء، حتى يقال: بأنه في مقام ادعاء أنه رجل مشهور في البلد، بحيث تعرفه الدكة، أو أن الدكة في هذه البلد تكون شاعرة وفهيمة وقابلة للسؤال، أو يكون في مقام أن السائل ليس من جنس
البشر ونوع الإنسان حتى يجيبه الشاعر، بل ينبغي أن يجيبه الجامد أو غير ذلك. فعلى هذا، لا يأتي ما أفاده أهل الذوق من المعاصرين في جميع الاستعمالات. ولكن لا يلزم مع ذلك كله، استعمال اللفظ في غير ما هو الموضوع له، بل في المثال المذكور وفي جميع المواقف، لا يستعمل الهيئات ولا المواد إلا فيما هو الموضوع له، ولكنه تارة: يكون هو المقصود بالذات والأصالة. واخرى: يكون هو السبب لانتقال السائل إلى أمر آخر، فلا حذف في المقام، ولا مجاز في الكلمة، ولا في الإسناد: أما كونه سببا لذلك، فهو الواضح. وأما عدم كونه مجازا في الحذف والكلمة، فلأن السببية للنقل معناها عدم حذف المضاف، وكون الكلمة مستعملة فيما هو الموضوع له بالإرادة الاستعمالية، أيضا مانع عن كونه مجازا في الكلمة. وأما عدم كونه مجازا في الإسناد، فلأن المناط في ذلك كونه مرادا بالأصالة، وهو ممنوع فرضا. اللهم إلا أن يقال: إن المناط في ذلك هي الإرادة الاستعمالية، وهي موجودة،
فلا تغفل. فبالجملة: المجاز بمعنى استعمال اللفظ في غير ما وضع له، غير مرضي، والمجاز - بمعنى أنه معبر ما هو المقصود بالأصالة - محقق، والذي هو المصحح لتلك الاستعمالات المجازية، التسهيل في الأمر، وأداء المقصود بأسهل ما يمكن، لأن النظر ليس مقصورا على مفاد الجمل مطابقة، بل المنظور الأصلي هو الأمر الآخر، فتدبر.
[ 144 ]
الطريقة الثانية ما أفاده السكاكي في خصوص الاستعارات (1)، وهو السبب لانتقال الشيخ أبي المجد محمد رضا الأصفهاني (رحمه الله) في " الوقاية " إلى تهذيبه وتوسعته: فهذبه بدعوى: أن اللفظ لا يستعمل في خصوصيات المورد فيما إذا قيل: " رأيت أسدا يرمي " فإنه يستلزم المجازية حتى في المصداق الحقيقي. ووسعه بعدم اختصاص ذلك في الاستعارة، بل هو جار في جميع المجازات، حتى المركبات والكنايات (2). وملخص ما أفاده: أن حقيقة المجاز ليست إلا تبادل المعاني والتلاعب بها، لا باستعارة الألفاظ وتبادلها، وإنما حسن المجازات من جهة توسعة المفاهيم إلى ما لا يسعه وضع ألفاظها، ولا يشمله نفس تلك المفاهيم ابتداء، ولكن بعد ادعاء كون هذا منه تشمله حكما. مثلا: في قوله تعالى: * (إن هذا إلا ملك كريم) * (3) ليس حسن المجاز المستعمل فيه اللفظ من جهة إعادة لفظ " الملك " خلوا عن معناه، لوجود يوسف، وجعلهما متحدين في الاسم، بل لأن " الملك " استعمل في الماهية المعهودة من الروحانيين، واطلق اللفظ عليها واستعمل فيها، وادعي انطباقها على المعنى
الادعائي. وقس عليه قولنا: " رأيت أسدا وحاتما " فإن لفظي " الحاتم " و " الأسد "
استعملا في معناهما، ولكن ادعي أن زيدا هو الأسد، وهو الحاتم. وما أفاده يسري في جميع الكلمات المجازية المستعملة في القرآن وأشعار الفصحاء والبلغاء، ولا يشذ عنه شئ من المجاز المرسل وغيره حتى المركبات، ففي قول الفرزدق: هذا الذي تعرف البطحاء وطأته * والبيت يعرفه والحل والحرم (1) يكون الاستعمال فيما وضع له، بضميمة ادعاء أنه في الشهرة بالغ إلى حد يعرفه كل شئ. وفي قولهم: " أراك تقدم رجلا، وتؤخر اخرى " لا يستعمل المفردات ولا الهيئات إلا في الموضوع له، ولا معنى لدعوى استعمال هذه الجملات في الرجل المتردد، بل هذا هو بيان حال مثله. ولهذه المقالة خضع جمع من الأعلام، كالوالد، والسيد البروجردي (2)، وهي مما لا تنكر بنحو الإجمال بالضرورة. أقول: قد عرفت أن ما أفاده لايتم في المجازات الرائجة في كلمات أراذل الناس، وعوام الامة، فلا حاجة إلى ضميمة الادعاء إلا في مواقف خاصة وكلمات الأولياء والخبراء من الفن. فبالجملة: ما أفاده من قبيل " الحكومة " المصطلحة في هذا الفن، فإذا ورد:
" لا سهو على من أقر على نفسه بسهو " (3) أو ورد: " الطواف بالبيت صلاة " (4)
1 - ديوان الفرزدق 2: 178. 2 - مناهج الوصول 1: 104 - 107، نهاية الاصول: 29 - 31. 3 - وسائل الشيعة 8: 229 كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 16، الحديث 8. 4 - عوالي اللئالي 1: 214 / 70، مستدرك الوسائل 9: 410 كتاب الحج، أبواب الطواف، الباب 38، الحديث 2. (*)
[ 146 ]
فلايراد منه إلا نفي السهو، أو دعوى أنه عين المحمول، وما هذا إلا سلب الحكم، أو إثباته وإسراء الحكم إلى الموضوع. ولكنه غير خفي: أن ما يجده الذوق السليم والطبع المستقيم في هذه المواقف، لا يلازم كونه مطابقا للواقع، لخلو كلمات كثيرة - حتى من أبناء الخطابة أحيانا - من هذا الدعاوى، فلابد من قرينة على هذا، وإلا فيندرج فيما ذكرناه: من أن الاستعمال كثيرا ما يكون بداعي الانتقال إلى المعاني الاخر المقصودة بالذات، فافهم وتدبر جيدا. الطريقة الثالثة ما مر منا في مباحث الوضع: وهو أن الألفاظ ليست موضوعة إلا للمعاني العامة، فإذا اطلق " الميزان والكتاب والقسطاس والصراط " وأمثال ذلك، واريد منها غير ما هو الموضوع لها بدوا، فليس هو إلا لأجل توهم أن دائرة الموضوع له مضيقة (1). وأما إذا كان هو الموضوع لأمر أعم، فيكون " الميزان " موضوعا لما يوزن به، وهكذا غيره، فما يراد من هذه التعابير، ليس من المجاز، بل هي عين الحقيقة، لأنها
موضوعة لمعنى أعم. وإرادة يوسف من " الملك الكريم " من هذا القبيل، لأنه موضوع لكل ما كان فيه غلبة الروحانية، سواء كانت في المادة، أم لم تكن، فالحكومة بالإخراج في قوله: * (ما هذا بشرا) * (2) ليست إلا لعدم انطباق المعنى
1 - تقدم في الصفحة 109. 2 - يوسف (12): 31. (*)
[ 147 ]
الموضوع له عليه واقعا بالإدراج في قوله: * (إن هذا إلا ملك كريم) * (1) أيضا مثله. أقول: قد مر (2) ما في هذا المنهج المصرح به بعض أرباب التفسير والعرفان في كتبهم (3)، ولو صح ذلك في بعض اللغات، فلا يمكن تمشيه في هذا الموقف، ضرورة أن في مثل: * (وسئل القرية التي كنا فيها والعير) * (4)، وفي قوله: " والبيت يعرفه " (5) لايتم هذه المقالة، وهكذا في الاستعمالات المتعارفة، وفي المجازات المركبة، فلاينبغي الخلط. فتحصل: أن الطريقة الاولى غير صحيحة، والطريقتين الأخيرتين غير كافيتين، بل لابد من تأسيس أمر آخر، كما اشير إليه.
1 - يوسف (12): 31. 2 - تقدم في الصفحة 109 - 110. 3 - أسرار الحكم: 53، شرح الأسماء الحسنى: 428، مصباح الهداية: 39. 4 - يوسف (12): 82. 5 - تقدم في الصفحة 145. (*)
[ 149 ]
المبحث الرابع استعمال اللفظ في اللفظ
[ 151 ]
استعمال اللفظ في اللفظ إذا قيل: " زيد لفظ " أو " ثلاثي " أو " كيف مسموع " أو قيل: " ضرب فعل ماض " أو قيل: " زيد في قولك هذا: ضرب زيد، فاعل " أو قيل: " زيد في جملة ضرب زيد، فاعل " فهل هذا من قبيل استعمال اللفظ في المعنى، إلا أن المعنى هنا هو اللفظ، فيكون استعمال اللفظ في اللفظ ؟ ! أو هو من سنخ آخر في باب المحاورات العرفية، وليس استعمالا فيه، بل هو الإلقاء والإطلاق والإيجاد، فيكون من قبيل الإشارة إلى الموجود الخارجي والحكم عليه " بأنه عالم " أو " قائم " فلا تكون القضية الملفوظة ذات موضوع ملفوظ، بل هو محذوف ومعلوم، فتكون القضية مركبة من الموضوع الخارجي والمحمول اللفظي ؟ فهاهنا طريقان: المشهور هو الأول، والذي اختاره بعض السادة من أساتيذنا هو الثاني (1)، وكنا في سالف الزمان نؤيده. والحق هو التفصيل: بين ما كان من قبيل الإطلاق والإلقاء وإرادة الشخص، كما في المثال الأول، فإنه من قبيل الثاني، وما كان من قبيل الاستعمال وإرادة النوع والمثل والصنف، كما في الأمثلة الاخرى، فهو من قبيل الأول، وذلك لشهادة الوجدان، ومساعدة البرهان، ضرورة أن لفظ " زيد " في الجملة المعروفة لا يكون
1 - نهاية الاصول: 34 - 35. (*)
[ 152 ]
حاكيا، ولا دالا، فلا يكون مستعملا في شئ لأن الاستعمال يلازم الدلالة والحكاية. ولا أقول هذا للزوم اتحاد الدال والمدلول (1)، حتى تصبح المسألة في واد آخر خارج عن المقام، بل الوجدان قاض بذلك.
فما هو الموضوع في القضية موجود خارجي، ولو كان حاكيا عن أمر ذهني تكون القضية كاذبة، لأن زيدا المعقول ليس ملفوظا، ولا شئ آخر حتى يكون هو الحاكي عنه، ولا داعي إلى الالتزام بالاستعمال، ولا برهان عليه. وما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - في المقام (2)، يناقض ما أفاده في حروف الإشارة (3)، ضرورة أن الخارج يكون موضوع القضية، ومحكوما عليه، كما في الإشارة بالإصبع إلى العين الخارجية، والحكم عليها " بأنها كذا وكذا ". وليس ذلك معناه نيل الخارج حتى يلزم الخلف، لأن ما هو في الخارج إذا نالته الأنفس يكون ذهنيا، بل لو كان ذلك منقلبا إلى الذهن يلزم كذب القضية ف " زيد " في قولنا: " زيد لفظ " وإن كان مسببا لحصول الصورة المعقولة من الكيف المسموع غير القار، إلا أن المحكوم عليه ليس تلك الصورة، لأنها ليست ملفوظة. فما كان هو الملفوظ، هي الحركة الخارجية الصادرة من مخارج الحروف المركبة منها كلمة " زيد " وسائر الكلمات والحروف والجمل، وهذا هو الموضوع للقضية، دون الأمر الآخر، كما إذا قيل: " العدم موجود " مريدا به وجوده اللفظي أو الكتبي، فإن الموضوع في هذه القضية أيضا نفس ما هو الصادر، ولا أمر وراء ذلك حتى يكون العدم دالا عليه، وحاكيا عنه.
وأما حديث الاختلاف الاعتباري بين الدال والمدلول، فيكون ما نحن فيه من قبيل الاستعمال (1)، فهو - مضافا إلى عدم البرهان على لزومه - غير تام، للزوم الجمع بين اللحاظين المتنافيين غير القابل للارتفاع بالاعتبارين المختلفين.
ولو سلمنا عدم تقوم الاستعمال بحقيقته باللحاظ الآلي والاستقلالي، بل ذلك في نوع الاستعمالات، دون ماهيتها، فيكون الاستعمال في المقام بمعنى سببية اللفظ الموضوع لحضور الصورة المعقولة منه، ثم بعد ذلك تنطبق تلك الصورة المعقولة على الموضوع الملفوظ المحكوم عليه " بأنه لفظ " أو " ثلاثي " أو " كيف مسموع " أو غير ذلك، فلا تعدد في اللحاظ، بل التعدد يحصل بالاستعمال الإيجادي، فإنه أيضا نوع من الاستعمال، فلا نسلم كون ما نحن فيه من هذا القبيل، لشهادة الذوق السليم على خلافه. مع أن ما ذكرناه في الحروف الإيجادية (2)، ليس من الاستعمال، فحروف النداء موضوعات لاعتبار النداء بعد الإلقاء والإيجاد، وليست مستعملات في المعاني الموجودة بها، فتأمل. ومما يشهد على ما ذكرناه قولنا: " ديز مقلوب زيد " فإن ما ذكرناه فيه من الواضح، كالنار على المنار. هذا مع أن الاختلاف الاعتباري بين الدال والمدلول، لا يستلزم تعين كون ما صدر دالا، وهو بنفسه مدلولا، لإمكان العكس، ولا معين في البين. فعلى ما تقرر، تكون القضية المعروفة " زيد لفظ " قضية موضوعها الموجود الخارجي، ومحمولها المعنى الكلي، بالاستعمال الحقيقي، ولا برهان على لزوم كون القضية الملفوظة حذاء القضية الخارجية.
1 - كفاية الاصول: 29. 2 - تقدم في الصفحة 97 - 98. (*)
[ 154 ]
وإن شئت قلت: إن هنا تكون القضية الملفوظة عين القضية الخارجية، أو تكون القضية هنا مركبة من الموضوع الخارجي الذي هو الملفوظ، والمحمول
اللفظي المتحد مع الموضوع خارجا. هذا كله فيما إذا اطلق اللفظ، واريد شخصه. وأما فيما وراء ذلك، مما كان الموضوع غير مشمول للمحمول، كما في الأمثلة الاخر، ومنها: ما إذا اطلق اللفظ واريد منه جنسه، كقوله: " ضرب فعل ماض " فإن المتبادر منه الانتقال من هذه اللفظة إلى المصاديق المستعملة منه في الجمل، ولا يكون المقصود ما إذا أطلق واريد منه نفس الطبيعة النوعية، لأنها ليست فعلا ماضيا، فما هو الفعل الماضي هو المستعمل في الجمل، فعلى هذا يكون في الحقيقة استعمال، إلا أنه مجازي. ولكنه لا بمعنى استعمال اللفظ في غير ما هو الموضوع له، بل بالمعنى الذي عرفت منا في الاستعمالات المجازية (1). إن قلت: مجرد الانتقال إلى أمر وراء اللفظ، ليس من الاستعمال (2). قلت: نعم، إذا اريد منه الاستعمال الحقيقي، وأما الاستعمال المجازي، فهو ليس إلا الانتقال من اللفظ إلى ما اريد به، وما هو المقصود للمتكلم حين الاستعمال، فحقيقة الاستعمال: هي الاستفادة من اللفظ لإحضار أمر ذهني، هو مقصود المتكلم ومرامه ومراده، وبهذا المعنى يمكن استعمال " البياض " في السواد وبالعكس. فتحصل: أن كلمة " ضرب " اطلقت واريد منها ما هو المستعمل في الجملة التصديقية، وهذا هو الاستعمال، أي الاستفادة من اللفظ لإحضار ما هو الأمر الغائب عن الناس، ويكون ذهنيا ونفسانيا.
1 - تقدم في الصفحة 142 - 143. 2 - لاحظ نهاية الاصول: 34. (*)
[ 155 ]
فما ذهب إليه بعض الأعلام - مع الالتزام بالتكلفات الباردة - (1) غير لازم
جدا، فلا تغفل. وإجماله: هو أن المتكلم الموجد للفظة " ضرب " إذا أتى بعد ذلك بقوله: " لفظ " فهو القرينة على أنه أراد منه شخص هذا اللفظ. وإذا أتى بعد ذلك بقوله: " فعل ماض " فهو القرينة على أنه أراد منه الطبيعة، مع إلغاء الخصوصية، أو عدم لحاظها. وإذا أتى بقوله: " فعل ماض في قولي: ضرب زيد " فهو القرينة على إرادته ما يماثله في خصوص هذه الجملة. وإذا أتى بقوله: " فعل ماض في جملة: ضرب زيد " فهو القرينة على إرادة الصنف منه. ففي جميع الصور، يكون إلقاء اللفظ وإيجاد الموضوع، وباختلاف الحكم يعلم نظره. وفيه نقضا: أنه يلزم كون الموضوع في هذه القضايا مشمول المحمول، مع أن الأمر واضح المنع. وتوهم: أنه مما لا بأس بالالتزام به (2)، من أفحش المفاسد والغرائب، ضرورة أن كلمة " ضرب " ليس فعلا ماضيا، بل الفعلية والماضوية والمضارعية من أوصاف المعاني، لا الألفاظ حتى يقال: بأنها في هذه الجملة أيضا فعل ماض، ولكنها لم تستعمل في الفعل الماضي، فلا تخلط. وحلا: أن الوجدان قاض باختلاف إرادة المتكلم الذي يريد الإخبار عن ماضوية " ضرب " في جميع الجمل بنحو القضية الحقيقية، والذي يريد إيجاد اللفظ
1 - لاحظ نهاية الاصول: 34، محاضرات في اصول الفقه 1: 94 - 102. 2 - نهاية النهاية 1: 21، محاضرات في اصول الفقه 1: 102. (*)
[ 156 ]
وإرادة النوع منه، فإن بين المتكلمين بعد التحليل فرقا واضحا، وعليه يمكن الأخذ بالمسلكين: الاستعمال، والإلقاء. ولكن الذي هو المتفاهم العرفي هو الأول، دون الثاني. اللهم إلا أن يقال: بأن الاستعمال المجازي فرع الاستعمال الحقيقي، فإذا لم يكن الاستعمال الحقيقي فيما نحن فيه - لعدم الوضع الآخر لكلمة " ضرب " غير الوضع النوعي لمادتها وهيئتها - فلا معنى للاستعمال المجازي. ويمكن دعوى الاستعمال الحقيقي، لما عرفت: من إمكان الوضع بالاستعمال (1)، فللمتكلم وضع كلمة " ضرب " بالوضع الشخصي، إلا أنه من الوضع العام والموضوع له الخاص، فيكون ممتنعا، إلا بالوجه الذي عرفت منا في محله (2)، فليتدبر.
1 - تقدم في الصفحة 63 - 64. 2 - تقدم في الصفحة 69 - 71. (*)
[ 157 ]
المبحث الخامس وضع الألفاظ لذوات المعاني
[ 159 ]
وضع الألفاظ لذوات المعاني هل الألفاظ موضوعة لذوات المعاني، فيكون " الإنسان " موضوعا لطبيعة الحيوان الناطق ؟ أو هي موضوعة لتلك المعاني المتقيدة بالإرادة بالحمل الشائع، أو المتقيدة بها بالحمل الأولي ؟ أو المتضيقة على نعت القضية الحينية، فلا يكون تقييد في جانب الموضوع
له، ولكن مع ذلك لا إطلاق في مقام الوضع، لأن التقييد يستلزم المحذور، وهكذا الإطلاق ؟ أما محذور التقييد، فللزوم كون الموضوع له خاصا في الفرض الأول، ولزوم كون جميع الاستعمالات مجازا في الفرض الثاني. وأما محذور الإطلاق، فهو اللغوية، لأن الأعمية مما لا معنى لها بعد كون الوضع بداعي الإفهام، فعليه يتعين الحد الوسط، وهو خير الامور. أقول: البحث هنا مخلوط، وقد وقع الأعلام في الخلط بين الأغراض والمقاصد المتأخرة - وهي التي تكون ملحوظة في الاستعمالات - وبين ما هو الملحوظ تصورا حين الوضع وإنشاء العلقة الاعتبارية، والذي هو محل الكلام في المقام هو الثاني، والأول من توابعه، ولايجوز لحاظ الجهات الموجودة في مرحلة
[ 160 ]
الاستعمال في مرحلة الوضع والإنشاء. وقد تقرر: أن تلك العلقة بين الألفاظ والمعاني، تحصل بالأسباب المختلفة، ومنها: التعهد والتباني (1)، فإنه يورث حصولها وإن لم يكن استعمال، وإلا يلزم عدم الموضوع له للألفاظ، ويكون كتب اللغة لغوا، لأن ما هو الموضوع له هو المعاني حال الاستعمال، لا الأعم، مع أن ضرورة الوجدان قاضية على خلافهم. فما في " الدرر " لشيخ مشايخنا الحائري (رحمه الله) (2) لا يخلو من تأسف. وتوهم: أن ذكر المعنى بعد إلقاء اللفظ في عالم التصور من أجل شدة الانس (3) - مع أنه منقوض بما إذا لم يكن العالم بالوضع مأنوسا - يستلزم المحذور الآخر: وهو أن المتكلم بقوله: " الأسد يرمي " مادام لم يفرغ من الكلام، لا يخطر بالبال لأجل الوضع من كلامه شئ، بل الخطور لأجل الانس أولا، ثم بعد تمامية قوله: " يرمي " يخطر ثانيا لأجل الوضع، والالتزام بهذا المحذور كالالتزام بالتناقض
جدا. فما نسب إلى العلمين البلخي والطوسي (رحمه الله) (4) من إنكار الدلالة الوضعية، وإثبات انحصار الدلالة بالتصديقية، أي بالجمل المستعملة (5)، أو نسب إليهما: من كون الموضوع له مقيدا بالإرادة والقصد (6)، غير قابل للتصديق، ضرورة أن القضية مركبة من الدلالة التصورية والتصديقية، ولا يعقل دلالة الموضوع على التصديق، أو على التصور والتصديق، كما لا يعقل إنكار دلالته، ولا شبهة في أن الدلالة من
1 - تقدم في الصفحة 47 - 48. 2 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 41 - 42. 3 - محاضرات في اصول الفقه 1: 104 - 105. 4 - لاحظ الشفاء، قسم المنطق 1: 42، شرح الإشارات 1: 32. 5 - كفاية الاصول: 31 - 32، نهاية الأفكار 1: 64 - 65. 6 - الفصول الغروية: 17 / السطر 40. (*)
[ 161 ]
متفرعات الوضع، وعدم دلالة كلمة " الأسد " على شئ بالوضع عند الإلقاء، لا ينافي دلالته عليه حين إفادة الجملة. مع أن الإرادة لا تتعلق بالمعنى التصوري، بل تتعلق بالمعنى التصديقي، فالمتكلم ناهض ومريد لإثبات رمي الأسد، وأنه يرمي، ولا يكون مريدا للأسد، ف " الأسد " يدل على المعنى مع أنه ليس مرادا قطعا، والإرادة المتعلقة بالاستعمال موجودة فيما إذا أراد إلقاء الأسد، يعلم أن المخاطب يفهم منه شيئا ويخطر بباله معنى، أم لا، فهي مشتركة بين الصورتين والفرضين. فتحصل: أن احتمال دخول الإرادة في الوضع، منشأه الغفلة عن أن تلك الصفة، من الأوصاف المتعلقة بالمعاني التصديقية، ولا يعقل تعلقها بالمعاني
التصورية، سواء كانت هي مصحوبة بالتصديقية، أو كانت خالية عنها، وكانت لمجرد الاطلاع على أن المخاطب عالم باللغة أم لا. وما يستظهر من كلمات القوم صدرا وذيلا، لا يخلو من مناقشات لا خير في إظهارها وإفشائها. هذا، وكان الأولى أن يجعل عنوان البحث حول أن الهيئات التامة موضوعة للمعاني المرادة، أم لا، حتى يقال: بأنها موضوعة لإثبات المعاني المرادة، كما عرفت منا تفصيله (1). فما اشتهر في عنوان البحث (2) لا يخلو من التناقض، لأن معاني الألفاظ ليست قابلة لتعلق الإرادة بها، وما هو قابل لتعلق الإرادة به فرضا هو معنى الهيئات، فافهم وتدبر جيدا. وإن شئت قلت: ما يمكن أن يجعل عنوانا في البحث هنا: " هو أن الألفاظ هل هي موضوعة للمعاني المتصورة بما هي متصورة، أم لا " والجواب: هو أنها
1 - تقدم في الصفحة 117 - 122. 2 - الفصول الغروية: 17 / السطر 29، كفاية الاصول: 31، درر الفوائد، المحقق الحائري: 41، نهاية الأفكار 1: 63، محاضرات في اصول الفقه 1: 105. (*)
[ 162 ]
لذوات المعاني، بحكم التبادر. ولك إحداث البحث الآخر حول ما هو الموضوع للهيئات التامة، كما اشير إليه، والجواب ما عرفت الإيماء إليه: وهو أن الضرورة قاضية بأن الإرادة تتعلق بإثبات المحمول للموضوع، وإثبات نحو من الاتحاد بينهما، فهي علة، وذاك معلول، ولا وجه لكون العلة بعنوانها قيدا لمعلولها. مع أن المتبادر من معنى الهيئات، هو الأمر الخالي من هذه الجهات، وما قيل: من لزوم اللغوية (1)، واضح المنع، لأن اللغو الباطل، هو الوضع للمعنى مع العلم بعدم الاستعمال أبدا، دون الوضع للمعنى مع العلم بالاستعمال في الجملة، ولا حاجة إلى
جعل الألفاظ موضوعة للمعاني المضيقة غير القابلة للانطباق إلا على المراد.
1 - الفصول الغروية: 17 / السطر 34 - 35. (*)
[ 163 ]
المبحث السادس علائم الحقيقة والمجاز
[ 165 ]
تمهيد المتعارف جعل العنوان المتكفل لجهة البحث قبل الورود فيه، ولكن العلامة الخراساني (رحمه الله) لم يعنون ذلك (1)، وما هذا إلا للزوم الشبهة فيما عنونه القوم: فعنون جماعة منهم البحث هنا هكذا: " في علائم الحقيقة والمجاز وأماراتهما " (2). وأنت خبير: بأن جهة البحث هنا حول تشخيص المعنى التصوري للألفاظ، وحدود ما هو الموضوع له، وأما الحقيقة والمجاز فهما من الأوصاف الطارئة على الاستعمال، ولا بحث هنا في ذلك قطعا. وعنونه العلامة الأراكي (رحمه الله) هكذا: " في علائم الوضع " (3). وقد عرفت منا: أن " الوضع " سواء كان المراد منه المعنى المصدري القائم بالواضع، أو المعنى الحاصل من المصدري، ليس مورد البحث في مباحث الوضع (4)، ضرورة أن ما هو مورد الكلام هناك، بعد الفراغ عن حصول العلقة بين
1 - كفاية الاصول: 33. 2 - نهاية الأفكار 1: 66، نهاية الاصول: 39، مناهج الوصول 1: 124، محاضرات في اصول الفقه 1: 113. 3 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 96.
4 - تقدم في الصفحة 61 - 62. (*)
[ 166 ]
قوافل الألفاظ وسلسلة المعاني، وتلك العلقة معلولة العلل المتعددة، فعليه لا تكون الجهة المبحوث عنها هنا ذلك. فما هو الحري بأن يجعل عنوانا للبحث هو هكذا: " في تشخيص ما هو طرف تلك العلقة المفروغ عنها " فإن الأدلة المذكورة في المقام تمامها منسوجة لفهم ذلك، وأن اللفظ وجوده معلوم، ومعناه - وهو ما ينتقل منه إليه بدون الواسطة الاخرى والدخيل الآخر - مجهول بشخصه، ومعلوم بأصله، أي أصل كون هذا اللفظ ذا معنى واضح، ولكنه بخصوصيته وتشخصه مجهول، فالبحث هنا حول ما يستدل به على تشخيصه وتمييزه. العلامة الاولى: التبادر إذا عرفت ذلك فاعلم: أن من جملة ما استدل به في المقام هو التبادر، فإن مبادرة المعنى من اللفظ بدون الدخيل الآخر - وجوديا كان، أو عدميا - وانسباقه إلى الذهن من نفس تلك اللفظة، دليل على تلك العلقة الاعتبارية بين اللفظ والمعنى. وأما سبب حصول تلك العلقة، فهو أمر آخر ربما يكون جعل الواضع، أو غير ذلك من الامور التي ذكرناها (1). فالتبادر ليس إلا دليل تلك العلقة إثباتا، ولا مدخلية له في مرحلة الثبوت، فبذلك يستكشف وجودها، ولا يتوقف وجودها عليه، بل هو معلول الامور الاخر. أقول: لا معنى لكونه دليلا عليه مع تقوم دليليته بالدليل الآخر، وهو العلم من الخارج بتلك العلقة، ضرورة عدم معقولية الانسباق إلا بعد العلم بتلك العلقة، ومع العلم بها لا معنى لانكشافها ثانيا، لأن الشئ لا ينكشف مرارا، بل الصورة الثانية
1 - تقدم في الصفحة 61 - 62. (*)
[ 167 ]
مع أنها صورة علمية إلا أنها ليست كاشفة بالتأسيس، إلا مع الغفلة والذهول، ولذلك ذكرنا في محله: امتناع قيام البراهين - بالحمل الشائع - على الأمر الواحد (1)، كما لا يخفى. ومن هنا يعلم ضعف ما سلكه القوم في المقام: بأن التبادر موقوف على العلم بالوضع، والعلم بالوضع موقوف على التبادر (2)، فاجيب بما اجيب، مع ما في أجوبتهم من النقوضات الكثيرة، فالعلم بالوضع لا يتوقف على التبادر، بل هو يحصل من طريق آخر، بمعنى أن إخبار المطلعين يورث العلم بأن معنى " الأسد " هو الحيوان المفترس، ثم بعد ذلك يتبادر منه ذاك، وليس منشأ هذا التبادر إلا العلم بالوضع والاعتقاد به. وأما حديث الإجمال والتفصيل (3) فهو غير صحيح، وأحسن ما قيل في تقريره ما عن الشيخ الرئيس في نظائر المقام وهو: " أن العلم التفصيلي بأن معنى هذا ذاك - على نحو القضية الحملية - موقوف على التبادر، وهو ليس موقوفا على هذا العلم التصديقي المحتاج إلى تصور الموضوع والمحمول، بل يحصل بالعلم الارتكازي من مبادئه وعلله، كعلم الأطفال بمعاني الألفاظ ومفاد اللغات " (4) انتهى. وأنت خبير: بأن حدود العلم التفصيلي، تابعة لمقدار انكشاف المعلوم بالعلم الإجمالي، وما في كلامه من التمثيل، دليل على أن علم الأطفال بمعاني اللغات هو العلم التصديقي، ولا يعقل ذلك إلا بعد التصور، ولا يلزم علمهم بالاصطلاح، وهو مفهوم " التصور " و " التصديق " فعلم الأطفال بمعاني اللغات، ليس إلا العلم
التصديقي الذي هو العلم الموقوف عليه فيكون الموقوف والموقوف عليه واحدا، كما لا يخفى. فبالجملة: لا معنى لكون التبادر كاشفا عن الوضع وتلك العلقة، وعن كون المعنى المنسبق إلى الذهن، مستندا إلى حاق اللفظ وصريح الكلمة، أو حاق الهيئة وصريح الجملة، لعدم اختصاص الجهة المبحوث عنها بمعاني اللغات. وأعجب من هذا ما في " الكفاية ": " من أن المتعلم يرجع إلى العلماء، فالتبادر عندهم سبب حصول علم الجاهل " (1) ! ! وجه التعجب: هو أن علم هؤلاء العلماء من أين جاء، وهم كيف صاروا عالمين ؟ ! فلا يندفع الدور بذلك، ولا يكون علم المتعلم بمعنى اللغة، لأجل التبادر القائم عنده، بل هو لأجل إخبار المطلعين، أو الاطلاع على فهمهم ذلك من اللغة بالقرائن المختلفة المتنوعة، كما مر في كلامنا السابق. مع أن ما هو المقصود في الكلام، هو أن يحصل العلم بالتبادر حتى لا يكون لغوا، ولا دورا، وهو ممنوع كما عرفت. هذا، ولو كان التبادر دليل الوضع، يلزم فيما إذا تبادر أحد المعاني من المشترك اللفظي، اختصاصه بما تبادر، فيكون مجازا في غيره، مع أن ذلك واضح المنع، فالمناط في الحقيقة والمجاز ليس التبادر وعدمه. ولو قيل: خطور المعنى من اللفظ إلى الذهن أمر، وكونه مستندا إليه من غير دخالة الأمر الآخر أمر آخر، والأول هو العلم الإجمالي، والثاني هو التفصيلي، فيندفع الدور.
قلنا: نعم، إلا أن العلم التفصيلي هنا يرجع إلى العلم الآخر بأمر آخر: وهو أن هذا المعنى يخطر من هذا اللفظ إلى الذهن، ثم يتوجه تفصيلا إلى أنه لا دخل له في
1 - كفاية الاصول: 33. (*)
[ 169 ]
ذلك، بل هو مستند إلى حاق اللفظ، فكأنه كان شاكا في ذلك، فبدل شكه إلى العلم، لا أن علمه الإجمالي بدل إلى التفصيلي، فافهم وتدبر جيدا. وبعبارة واضحة: لا يندفع الدور إلا إذا كان الموقوف والموقوف عليه، مختلفين بالشخص، أو في المرتبة، وأما الاختلاف بالإجمال والتفصيل، فهو ليس دافعا للدور، لوحدة الشخص كما لا يخفى. وحيث سقط دلالة التبادر على الوضع، فلا نطيل الكلام في بعض شرائطه. نعم، هنا إشكال في أصل دلالته: " بأنه إن كان يستدل به على الوضع التعييني، فهو ممنوع. وإن كان يستدل به على الأعم منه ومن التعيني، فلا معنى له، لأن معنى وضع الجامع للقسمين، ليس إلا كون اللفظ بحيث إذا سمع فهم منه المعنى، وهو نفس التبادر " (1) انتهى. أقول: هذا ما أفاده سيدنا الاستاذ البروجردي (رحمه الله) وما فيه غير خفي، ضرورة أن التبادر ليس من أسباب حصول العلقة بين اللفظ والمعنى، فربما تحصل العلقة، ولا دليل على حصولها إلا إخبار المطلعين، أو التبادر، بناء على إمكان كونه دليلا. تنبيه: في الاستصحاب القهقري وأصالة اتحاد العرفين إن الاطلاع على معاني اللغات بعد المراجعة إلى أهل المحاورة والغور معهم فيها، ممكن واضح، ولكن لا يثبت بذلك كون المعنى الموجود، هو المعنى الملحوظ في حال الوضع، فلعله مهجور، وهذا طارئ عليه. وهذا مما لا شبهة فيه. ولكنه إن اريد بذلك نفي جواز التمسك بكلمات السابقين، فهو ممنوع، لأصالة اتحاد العرفين،
وهو الأصل العقلائي. ومن عجيب ما قيل في المقام هو التمسك بالاستصحاب القهقري، ظنا أنه
1 - نهاية الاصول: 40. (*)
[ 170 ]
الأصل العقلائي في خصوص المسألة (1) ! ! وأنت خبير: بأن هذا غفلة وذهول عن حقيقة الاستصحاب، وهو المتقوم بالشك المستقر، دون الاحتمال العقلي، فلو كان دليل حجيته بناء العقلاء، فلابد من فرض شكهم في ذلك، واستقرار ذلك الشك في نفوسهم، ولا يمكن ذلك إلا مع القرينة القائمة العقلائية. كما لو فرضنا أن معنى " الأسد " فعلا هو الحيوان المفترس، وفرضنا أنه كان معناه في زمن من الأزمنة غير ذلك، فهل ترى من نفسك تمسكهم بهذا الاستصحاب القهقري حتى يرجعوا بذلك إلى فهم مراد المولى في كلامه المردد أنه استعمل في المعنى الأول، أو المعنى الثاني ؟ ! أو يلاحظون النسبة بين الأصلين المتعارضين، ويقدمون أحدهما على الثاني، فما هذا إلا الوهم الخالي من التحصيل. فما هو الدليل المرجع للعقلاء أصالة عدم النقل، أو أصالة اتحاد العرفين، وهي مثل أصالة الظهور، أي أن بناء العقلاء على عدم الاعتناء بهذه التسويلات الباطلة، لا أن بناءهم على العمل بالاستصحاب مع وجود الشك الفعلي المستقر في نفوسهم، فإنهم عند ذلك لا يعتنون، ولا ينعقد الظهور بمثل هذا الأصل، كما هو الظاهر. تذنيب: في التمسك بأصالة عدم القرينة لاشبهة في عدم ثبوت المعنى الموضوع له بأصالة عدم القرينة، سواء كانت أصلا شرعيا، أو عقلائيا، وإنما الإشكال في أصل طرو الشك في أن المعنى المفهوم من اللفظ، هل هو مستند إلى حاقه، أو إلى قرينة، وجودية كانت أو عدمية، داخلية
كانت أو خارجية، ضرورة أن الأمر دائر بين العلم بأنه يفهم منه ذلك، وبين العلم بأنه لا يفهم منه ذلك، ولا وجه لفهم المعنى منه واحتمال استناده إلى القرينة. فما في كلام
1 - محاضرات في اصول الفقه 1: 114. (*)
[ 171 ]
القوم (1) مجرد احتمال وبحث، ولا واقعية له كما لا يخفى. ذنابة: في عدم التبادر وتبادر الغير قيل: عدم التبادر أو تبادر الغير، علامة المجاز (2). وقيل: " عدم التبادر أعم، فلا يكون علامة " (3). والذي هو الظاهر: أنه لا معنى لتبادر الغير، فإنه لو كان دليلا فهو لأجل عدم تبادر المعنى المقصود، لا لأجل تبادر الغير. وأما عدم التبادر، فإن كان مستوعبا - أي لا يتبادر منه المعنى عند الكل - فيعلم عدم وجود العلاقة الفعلية التي هي الوضع، وسبقها وهجرانها لا يستلزم الوضع الفعلي، فيكون عدم التبادر دليلا على عدم وجود الربط بين اللفظ والمعنى فعلا. وإن كان الاستيعاب مشكوكا، فلا يكون علامة عدم وجود العلاقة، لأعميته كما هو الظاهر. نعم هو دليل عدم الربط والعلقة في تلك المنطقة. وأما عدم التبادر عند الآحاد الخاصة، فهو أعم مطلقا، لأن من شرائطه العلم الارتكازي، وإذا كان هو معدوما فلا تبادر، لانتفاء الشرط. وما يظهر من العلامة الأراكي من الأعمية (4)، في غير محله، ضرورة أن عدم الوجدان هنا دليل عدم الوجود، لأن وعاء الربط المذكور بين اللفظ والمعنى أذهان الناس، وإذا كانت هي خالية بعدم التبادر فيعلم عدم وجوده، كما لا يخفى.
العلامة الثانية: صحة الحمل ومنها: صحة الحمل المعبر عنها: ب " عدم صحة السلب " أي نجد جواز الحمل. ولا يشترط في ذلك الحمل الشائع. فإمكان الحمل، وعدم إمكان السلب، كاف في ذلك، أي في كونها علامة تشخيص الموضوع له، فإذن يسقط كونها علامة، للزوم استكشاف المعنى الموضوع له بدونها، حتى يمكن الحكم بإمكانه وعدم إمكانه. وإن شئت قلت: بعد عدم إمكان دفع الدور في التبادر، فلا يمكن دفعه هنا، فلا علامة إلا إخبار المطلعين، أو الغور في المحاورات والاستعمالات، واستكشاف معاني اللغات ابتداء بالقرائن الخاصة، كما لا يخفى. هذا، وقد استشكل الوالد - مد ظله - في هذه العلامة وغيرها إلا التبادر: باستباق التبادر عليها، فلا تصل النوبة إليها، وذلك لأن المعاني التصورية تخطر بالبال تفصيلا، وهو معنى " التبادر " فلا معنى لإعمال الهيئة التصديقية لكشف حال المحمول المشكوك. وتوهم الغفلة والذهول عن التبادر، في غير محله، لأن من يريد استعلام حال الوضع لا يكون غافلا وذاهلا. فما قيل: من الإجمال والتفصيل في مسألة التبادر، لا يأتي هنا، لأنه إذا كان بصدد إقامة البرهان على المعنى الموضوع له، فقهرا يتبادر من الموضوع إلى ذهنه ما يتبادر من المحمول، ويكون عالما بأن المحمول أعم من الموضوع، أو هو أخص، أو هو مساو، أو يكون الحمل أوليا، أو ثانويا، أو غير ذلك (1).
أقول: إن كان ما هي العلامة والدليل هو الحمل الشائع، نحو " الإنسان بشر "
أو " زيد إنسان " حتى يستكشف منه المعنى الموضوع له تصديقا، بعد مسبوقية ذهنه بذلك إجمالا وارتكازا، فللغفلة عن خصوص ما به يستكشف الوضع - وهو التبادر - وجه ممكن، لأنه وإن كان بصدد استعلام المعنى الموضوع له، ولكنه يغفل عن خصوص الطريق، وهو التبادر، لا عن أصل الطريق وهو الحمل، وما هو غير ممكن هو الغفلة عن جميع الطرق، لا بعض منها. وإن كان ما هو الدليل والعلامة إمكان الحمل، كما هو الظاهر، فلا يعقل انكشاف المعنى بالحمل، بل ذلك يستكشف بالتبادر، وحيث إن التبادر أيضا ليس علامة كما مر (1)، فلا يعقل إدراك صحة الحمل وعدم صحة السلب إلا بعد الاطلاع التام على خصوصيات اللغات والمعاني، فافهم ولا تغفل. ثم إن التحقيق يظهر في علامية عدم صحة الحمل وجواز السلب للمجازية (2)، أي عدم كون المعنى المشكوك فيه هو الموضوع له، أو هو الداخل في حدود الموضوع له، ضرورة أن الحكم بذلك لا يمكن إلا باستكشاف المعنى من غير هذه الطريقة، فلاتصل النوبة إليها. مع لزوم الدور أيضا هنا وعدم جريان جوابه أيضا، كما لا يخفى. هذا، وأما إطالة البحث حول أقسام الحمل وتقسيماته الذاتية، ثم أقسام الحمل الشائع، وتفصيل البحث حول ما هو الدليل، وما ليس بدليل، فغير صحيحة جدا، ضرورة أن الجهة المبحوث عنها كونه علامة بنحو الإجمال وفي مورد ما، أو كون الحمل الأولي الذاتي، علامة كشف أصل المعنى الموضوع له، والشائع الصناعي علامة حدوده وبسطه وضيقه، وأما سائر الموارد فهي خارجة، وإذا كان كاشفيته
الإجمالية ممنوعة، فلا تصل النوبة إلى هذه الأقسام المسطورة في الكتب
1 - تقدم في الصفحة 166 - 168. 2 - قوانين الاصول 1: 17 / السطر 24، الفصول الغروية: 34 / السطر 7، كفاية الاصول: 34. (*)
[ 174 ]
المفصلة (1)، فلاحظ وتدبر جيدا. تذييل: وجه آخر لإبطال علامية صحة السلب قد عرفت: أن ما هو القدر المتيقن من كاشفية صحة الحمل وعدم صحة السلب عند الأصحاب قاطبة، هو ما كان الاتحاد بين الموضوع والمحمول بحسب المفهوم، وكان كل واحد منهما بسيطا، كقولنا: " المطر غيث " أو " التراب صعيد " و " الإنسان بشر " وهكذا، وهو غير مقبول، وغير موافق لافق التحقيق. ومن هنا يعلم: أن عدم صحة الحمل وصحة السلب أيضا كذلك، ضرورة أن الحال المشكوك لا يعلم من السلب بالحمل الشائع، بل هو مستكشف من إدراك صحة السلب، ومن تجويز العقل السلب بين الموضوع والمحمول، ولا يمكن إدراك ذلك إلا بإدراك عدم الاتحاد، وأن ما يفهم من المحمول غير ما يفهم من الموضوع، فلا يستكشف من السلب شئ إلا وقد كشف قبله، لأن من شرائط درك صحة السلب ذلك. وليس هذا هو تقريب الدور، حتى يقال بما قيل هناك، بل هو بيان آخر لإبطال كاشفية هذه الأمارة، وإن كان الدور جائزا كما لا يخفى. العلامة الثالثة: الاطراد ومنها: الاطراد، ولعل المراد منه ما أشرنا إليه: وهو أن المتعلم إذا راجع أهل المحاورة، ولاحظ اللفظ مستعملا في الموارد المختلفة، من الاستعمالات
السلبية والإيجابية، وكان المستعملون يريدون منه المعنى الخاص، فإنه عندئذ يحصل له كشف الموضوع له، وإذا كان ذلك كثير الدور في الكلمات - بحيث يرى عدم تقييدهم بالقيود الخاصة، من العلائق الكلية، أو حسن الاستعمال - يجد المعنى من الاطراد وشيوع الاستعمال. وهذا أحد الطريقين لفهم المعنى الموضوع له الذي مر الإيماء إليه سابقا (1)، فالمقصود من " الاطراد " حسب الظاهر ذلك، فيكون من اللواحق للاستعمال، وليس من قبيل التبادر، أو درك جواز الحمل، حتى يلزم الإشكال. فهو بعد الغور في الامم والأقوام، يحصل له بالقرائن غير الكلامية أصل المعنى، ثم بعد ما يجد شيوعه وعدم تقييدهم بأمر في الاستعمال، يحصل له العلم بالموضوع له. وهذا هو الاجتهاد الذي صنعه أرباب اللغات، بالتقلب في القرى والقصبات. وعليه يعلم: أن عدم الاطراد دليل عدم الوضع، لأنه لو كان موضوعا لكان مطردا، للزوم الخلف. اللهم إلا أن يحتمل الاشتراك، فلا يكون أمارة على عدم الوضع، كما لا يخفى. فعلى ما تقرر يظهر: أن التقارير الاخر حوله لا تخلو من تأسف، وكأنهم ظنوا أن الاطراد هو الشيوع بحسب استعمال المستعلم، أو تكرار اللغة في الموارد المختلفة فرضا، فهجموا عليه من كل جانب (2)، ومنهم: الوالد المحقق - مد ظله - فقال: " إن الاستعمال إن كان في المصداق والفرد بخصوصيته، فهو مجاز أو غلط.
1 - تقدم في الصفحة 172.
2 - الفصول الغروية: 38 / السطر 21، كفاية الاصول: 34 - 35. (*)
[ 176 ]
وإن كان بنحو التطبيق، وإطلاق الكلي على الفرد، فهو راجع إلى علامية الحمل " (1) انتهى. وأنت خبير بما فيه، ضرورة أنه راجع إلى العلم بالوضع قبله، فيلزم الدور، ولا يأتي جوابه، وقد عرفت معنى " الاطراد " فلا يتأتى إليه الإشكال إلا لأجل القصور في التقرير، مع أن الاستعمال أعم من الحمل.
في تعارض الأحوال فإنه عند الدوران بين التجوز والإضمار والكناية والاشتراك والنقل والاستخدام والتخصيص والتقييد، وبين أعدامها، فلا شبهة في الرجوع إلى أعدامها، أي إلى الحقيقة، وعدم الإضمار والكناية، وعدم النقل والاستخدام، وعدم التخصيص والتقييد. ولا يخفى: أن هذه الامور بعضها يرجع إلى بعض، فإنه لا معنى للكناية والمجاز والإضمار فإن هذه ترجع إلى عدم التجوز. مع أن المجازية ترجع إلى عدم تطابق الجد والاستعمال، دون الاستعمال، فإنه كلا على نعت الحقيقة. فبالجملة: بعد ورود " أكرم العلماء، وسلم عليهم " فالمتبع هو الظاهر المفهوم منه فعلا، وكل واحد من الاحتمالات المذكورة فيه جارية، ولكنها مندفعة بالاصول
العقلائية، حتى مسألة الاستخدام، فإن المراد منه إرادة المعنى الآخر بعد مفروغية الاشتراك اللفظي، وعند ذلك أيضا لا بناء منهم على العدول من الجملة الثانية، بدعوى الإجمال، خصوصا بناء على ما مر: من أن الضمائر حروف الإشارة (1)، فلا يمكن الإرادة إلا من اللفظ الأول على سبيل استعمال اللفظ في معنيين، وهو إما ممتنع، أو مستبعد عن الأذهان العرفية.
1 - تقدم في الصفحة 133 - 134. (*)
[ 180 ]
هذا كله فيما إذا شك في مفاد " كان " التامة. وأما إذا كان الشك في الناقصة، بأن يكون المجازية معلومة، ولكنه يتردد الأمر بين الإضمار والكناية وسائر المجازات، والنقل والاشتراك وهكذا، أو تردد الأمر بين التخصيص والتقييد، بعد العلم بورود القرينة، أو تردد الأمر بين حمل الكلام الواصل على المعنى المفهوم منه فعلا، أو على المعنى المفهوم منه قبل عصر صدوره، ولكنه مشكوك أن عصر الاستعمال متحد مع هذا العصر، أو مع العصر الأسبق، أو تردد بين استخدامه المعنى الاشتراكي، أو المجازي والكنائي، بعد ثبوت أصل الاستخدام، ففي هذه المواقف هل يمكن الرجوع إليهم في تعيين أنحاء الاستعمالات ؟ أم تصير الكلمات والجمل مجملة فيما لم يكن المراد معلوما ؟ أو ليست مجملة، ولكن لا بناء من العقلاء - بعد العلم بالوظيفة - على تعيين نوع الاستعمال، حقيقة كان أو مجازا، في الكلمة كان أو في الإسناد، حتى في التخصيص والتقييد ؟ وجهان: ظاهرهما الثاني، ضرورة أن الاصول العقلائية هي الاصول العملية، ولاربط لها بعالم الألفاظ ومحاسن الاستعمالات، فالمدار - كما قيل - على ما هو
الظاهر من اسلوب الكلام (1). وقضية أصالة اتحاد العرفين، وأصالة التطابق بين الجد والاستعمال، أنه هو مراد المتكلم، ولا يثبت بهما شئ آخر، فتدبر.
1 - كفاية الاصول: 35، تهذيب الاصول 1: 61، محاضرات في اصول الفقه 1: 125. (
[ 181 ]
المبحث الثامن في الحقيقة الشرعية
[ 183 ]
والبحث حولها يقع في ضمن جهات: الجهة الاولى: في تحرير محل النزاع وهو أن الألفاظ المستعملة في الكتاب والسنة - سواء كانت في العبادات، أو المعاملات، أو غيرها - كلها حقائق لغوية، ولا تصرف للشرع المقدس في ذلك، ولا إبداع منه في وضع لغة لمعنى، ولو كان فهو من التصرفات اليسيرة الراجعة إلى جعل القيود والشروط لها. أم جميع الألفاظ المذكورة المستعملة في المعاني المستحدثة وغير المستحدثة، على سبيل الوضع الثانوي والحقيقة الثانوية: أما في المعاني المستحدثة، فبالاستعمال، ونصب القرينة عليه، أو إخباره بذلك قبل الاستعمال. وتوهم: أن الاستعمال لا يورث الوضع (1)، في غير محله، لما تقرر سابقا تفصيله، وقد فرغنا عن إمكانه، من غير لزوم الجمع بين اللحاظين. بل اختلاف الدواعي يستلزم ذلك، مع نصب القرينة على تعددها (2).
1 - أجود التقريرات 1: 33.
2 - تقدم في الصفحة 62 - 64. (*)
[ 184 ]
وأما السؤال عن حكم هذا الاستعمال: هل هو حقيقة، أو مجاز، أو لا هذا ولا ذاك ؟ فيمكن الجواب بالثلاثة، كما لا يخفى. وأما في غير المستحدثة، فهو كذلك، أي يمكن باستعمال الألفاظ الاخرى فيها، فتكون حقائق شرعية، أو بإلغاء الوضع الأول، وإحداث الوضع الجديد، بمعنى رفض الربط والعلقة الوضعية اللغوية، وإحداث الربط في محيط التقنين والتشريع ثانيا، وحيث إن الأول معلوم العدم، لعدم تلك الألفاظ بأعينها، فيتعين الثاني، لإمكانه. فما أفاده المشهور: من خروج الألفاظ الموضوعة للمعاني غير المستحدثة عن حريم النزاع (1)، غير مقبول، كما أن ما أفاده العلامة الأراكي (رحمه الله): من وضع الألفاظ الاخر لها (2)، مجرد وهم لا يمكن المصير إليه. أو يفصل بين الألفاظ، فالغالب منها تكون حقائق لغوية، إلا أنه قد يوجد بعض الألفاظ، يكون من الحقيقة الشرعية. ولعل منها لفظة " الحق " و " الباطل " وفي كتاب الصلاة لفظ " السهو " فإنه - حسب ما يتراءى من الأخبار - يطلق على الشك (3)، بحيث صار حقيقة فيه، على ما قيل في محله (4)، وأيده العلامة الحائري (رحمه الله) في كتاب الصلاة (5). وقد ذكرنا في " كتاب البيع ": أن كلمة " الحق " و " الباطل " مختلفة المفاهيم حسب الآفاق
1 - الفصول الغروية: 43 / السطر 5، كفاية الاصول: 36 - 37، نهاية الاصول: 44. 2 - مقالات الاصول 1: 35. 3 - وسائل الشيعة 8: 187 - 251 كتاب الصلاة، أبواب الخلل الواقع في الصلاة، الباب 16 و 18 و 21 و 24 - 25.
4 - مرآة العقول 15: 227، الحدائق الناظرة 9: 239. 5 - الصلاة، المحقق الحائري: 415. (*)
[ 185 ]
المختلفة، وليس المعنى العرفي منها محفوظا في المصطلحات الشرعية (1). فبالجملة: حصر محل النزاع بطائفة من الألفاظ، أو حصره بما إذا كانت المعاني مستحدثة، غير موجه. بل لا معنى له فيما كانت الألفاظ مستحدثة، وإن كانت معانيها غير مستحدثة، فإن المدار على الأول، فلا مانع من كون هذه المخترعات سابقة على الإسلام، إلا أن إطلاق هذه الألفاظ عليها كان من الشرع، ولم يعهد من العرف ذلك قبل البعثة. ومن هنا يظهر مواضع الخلط في كلمات القوم (رحمهم الله). ثم إن الظاهر منهم خروج الوضع التعيني عن موضوع المسألة، لعدم كونه من الحقيقة الشرعية، ولكنه أيضا ممنوع، كما سيأتي ذكره. الجهة الثانية: فيما هو التحقيق في المسألة لاشبهة في أن معاني المعاملات وأكثر الامور، ليست مستحدثة، ولو توهم استحداث معنى فهو في العبادات، كالصلاة والصوم والحج والاعتكاف، وأمثالها كالوضوء والغسل والتيمم، وأمثالها كالحيض والنفاس والمستحاضة، وغير ذلك. ولكن المستفاد من الكتاب (2) المؤيد بالوجدان، عدم حدوث هذه المعاني بنحو الإبداع والاختراع، وذلك لما يستفاد من الشرائع السابقة من وجود الصلاة
1 - تحريرات في الفقه، كتاب البيع، المبحث الأول، شبهات على الاستدلال بآية التجارة لا يمكن دفعها. 2 - كقوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) * البقرة (2): 183. * (أوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا) * مريم (19): 31، * (أذن في الناس بالحج) * الحج
(22): 27. (*)
[ 186 ]
والزكاة والحج والصوم وأمثالها فيها، والالتزام بالوضع الثانوي على الوجه الماضي مما لا معنى له، لعدم الحاجة إليه بعد ذلك. نعم، فيما كانت المعاني المرادة منها في الشرع، بعيدة عن المعاني العرفية، بحيث يمكن دعوى الاختلاف والبينونة بينها، فإنه عند ذلك يشكل نفي الحقيقة الشرعية. اللهم إلا أن يقال بالمجاز، ولكنه مندفع: بأنه مجاز في بدو الاستعمال، لا بعد مضي مدة، فإنه بعد ذلك يصير حقيقة شرعية. ثم إنه قد يقال: بأن الصلاة والحج والصوم والاعتكاف، من تلك المعاني، لأنها بمعنى الدعاء، أو الميل والعطف، وعلى كل تقدير لا تتناسب مع ما هو المراد منها في الشريعة. ومجرد كونها مصداق الميل والعطف لا يكفي، كما في حاشية الوحيد الأصفهاني (رحمه الله) (1) كما لا يخفى. والحج بمعنى القصد، والصوم هو الإمساك وهكذا، والاعتكاف بمعنى الخضوع المشترك فيه لغة الركوع والسجود، ولكن المراد منها في الشرع أمر آخر، وتكون تلك الألفاظ منصرفة إليه، فتكون حقيقة شرعية. بل استعمال الكلي في المصداق بخصوصياته الفردية مجاز، فيكون بعد مضي مدة حقيقة شرعية، فلا تخلط. إن قلت: الحقيقة الشرعية تنحصر بالوضع التعييني، وأما الوضع التعيني الحاصل بكثرة الاستعمال، فهو ليس من الحقيقة الشرعية، كما هو الظاهر من التوصيف، بل هو من الحقيقة المتشرعية، أو المخلوطة منهما. قلت: هذا ما يظهر من القوم، ولكنه غير تام، ضرورة أن كثرة الاستعمال من
1 - نهاية الدراية 1: 89. (*)
[ 187 ]
أرباب الشريعة مع القرينة، إذا وصلت إلى حد صارت حقيقة فيه، وموضوعة له، تكون مقابل الحقيقة اللغوية، ولا نريد من " الحقيقة الشرعية " إلا ذلك، أي حدوث الربط الوضعي في محيط الشرع والتقنين. هذا هو التحقيق في المسألة، ولا يلزم - بناء عليه - حصر الوضع بالاستعمال في المقام (1)، حتى يقال بامتناعه (2)، كما عرفت تفصيله. فعلى هذا، إنكار الحقيقة الشرعية في غاية الإشكال، بداهة أن ألفاظ الطهارات الثلاث، موضوعة لمعان خاصة، أي منصرفة بالوضع التعيني إليها، وهكذا كثير من الألفاظ التي اريد منها المعاني المركبة. فبالجملة: لاشبهة في احتياج القوانين والشرائع إلى المصطلحات الخاصة، حتى العرفية منها، وليست هي إلا بمعنى أنها ألفاظ ظاهرة في المعنى الخاص، وهذا لا يكون إلا من الحقيقة الشرعية، لأن استعمال الألفاظ في الخصوصيات اللاحقة بالمعاني الكلية مجاز، وإذا كان بحد شائع في الشريعة يصير حقيقة فيه، والألفاظ المستعملة في الشريعة من هذا القبيل، كما هو الظاهر الواضح. وأما احتمال الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني بكلا قسميه، فبعيد وباطل جدا، لعدم مساعدة الوجدان معه. وأما احتمال حدوث الألفاظ المستعملة في الماهيات السابقة على الشريعة المقدسة الإسلامية أيضا فممنوع، للزوم اشتمال الكتاب على ما لا يفهمه المخاطبون في عصر الخطاب، فالالتزام بالحقيقة الشرعية في أول الإسلام غير موافق للذوق السليم، ولكنه بعد الاستعمالات الرائجة والإطلاقات الكثيرة، تحصل
تلك الحقيقة الشرعية، لما عرفت من البينونة بين المعاني، ومن استعمال تلك الألفاظ في خصوصيات المصاديق، ومن عدم انحصار الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني. ومن هنا يظهر وجه ذكر الآيات للاستدلال بها على عدم الحقيقة الشرعية (1)، فإنها شاهدة على عدم حدوث اللغات، ولا نظر فيها إلى حدوث المعاني وعدمه. نعم، هي أيضا شاهدة على عدم حدوث المعاني أيضا، وربما يظهر منها ومن أمثالها استباق بعض الماهيات العبادية على شريعة الإسلام أيضا. إن قيل: كما يستبعد الوضع التعييني بالاستعمال، كذلك يستبعد الوضع التعيني بكثرة الاستعمال. قلنا: لا وجه له، بداهة أنه بذاته أمر مستبعد حتى قيل بامتناعه (2)، بخلاف الثاني، فإن إطلاق الألفاظ وإرادة المعاني الخاصة منها وإن لم يكن من الاستعمال المجازي عندنا، ولكنه مجاز، بمعنى عدم اتحاد المراد الجدي والاستعمالي، وإذا كان ذلك كثيرا يصبح تلك الألفاظ ظاهرة في مرادات الشرع المقدس، فيحصل الربط قهرا، والوضع بلا اختيار. ودعوى احتياج ذلك إلى القرينة، وهي مفقودة إلا في بعض المواقف الشاذة (3)، مسموعة ولكنها لا تضر، وذلك لأن القرائن المنفصلة كافية فيما كانت القوانين المجعولة في الكتاب والسنة، غير قابلة للإجراء بعد الجعل، فإذا احتاج إجراؤها إلى مضي مدة، فلا مانع من تأخير القرينة إلى تلك الحال.
وأما ما يقال: " بأن الجهة المبحوث عنها هي الحقيقة الشرعية، أي الحاصلة في الصدر الأول واليوم الأول " (1) فهو غير مبرهن كما اشير إليه، فلا تخلط. الجهة الثالثة: في ثمرة القولين فقد يمكن تقرير الثمرة الاصولية، لما سيأتي في الصحيح والأعم (2)، فإن القول بالحقيقة الشرعية يورث تأتي جريان النزاع الآتي، بخلاف القول بعدمها. وهذا المقدار من الثمرة كاف ولو كان القول المزبور هو القدر المتيقن من مصب النزاع الآتي. ويمكن تقرير الثمرة في المسألة الفرعية: بأنه لو وصل من الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) الأمر بالوضوء بالنسبة إلى من ابتلي بالرعاف، فإنه ربما يشكل الأمر، فإن كان " للوضوء " حقيقة شرعية بالوضع التعييني، فعليه يلزم الوضوء الاصطلاحي، وإن لم يكن ذلك فيلزم الغسل فقط. وهكذا لو فرضنا تأريخ الاستعمال بعد كثرة استعمال " الوضوء " في المعنى الاصطلاحي، فإنه أيضا يحمل عليه، كما أفتى به العامة، وجعلوه من النواقض (3)، لحصول العلقة الوضعية قبل الاستعمال. وهذه أيضا ثمرة. ويمكن تقريرها: بلزوم الإجمال بناء على معلومية تأريخ الاستعمال، مع عدم القرينة على المعنى اللغوي والاصطلاحي، فإنه بعد الاستعمال في الاصطلاحي
1 - الفصول الغروية: 43، السطر 15 - 20. 2 - يأتي في الصفحة 198 - 199. 3 - المغني، ابن قدامة 1: 176، المبسوط، السرخسي 2: 21. (*)
[ 190 ]
مع القرينة، وعدم وصوله إلى كثرة كافية في صحة اتكاء المتكلم على الاستعمال بلا قرينة، يلزم الإجمال في الخبر المزبور، لأن من المحتمل اتكاء المتكلم على القرينة المنفصلة معتقدا كفايته. وهذه ثمرة اخرى. ثم إن من المعلوم اشتراط مهجورية المعنى اللغوي في الحمل على المعنى الاصطلاحي، إلا إذا كان بالوضع التعييني، فإنه لا يحتاج إلى الهجر المزبور. فما أفاده صاحب " الدرر " (1) غير مقبول، ضرورة أنه بعد ثبوت الحقيقة الشرعية، لابد من حمل ما يرد في استعمالات الشرع عليها، وإلا يلزم لغوية الفرض المذكور. أقول: هذا النزاع لا ثمرة عملية له، إلا بالنسبة إلى البحث الآتي، لو التزمنا هناك باختصاص محل البحث بصورة خاصة، كما يأتي تفصيله (2). وأما بالنسبة إلى ما قيل (3)، فالظاهر أن القرائن المنفصلة، قد بلغت إلى حد صار مراد المولى معلوما في عصرنا، فليس في الشرع كلمة إلا وهي معلومة من هذه الجهة. وتوهم إمكان حمل كلمة على معناها اللغوي بعد وضوح المعنى الاصطلاحي، إذا كانت في الجملة الواصلة إلينا من النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) من غير طريق المعصومين (عليهم السلام) (4)، في غاية الفساد، لأنه بعد ذلك لابد من حملها عليه، كما هو الظاهر. فالبحث المزبور قليل الجدوى جدا، لأن المرادات الخاصة تظهر وإن لم تصل
1 - درر الفوائد، المحقق الحائري: 46 - 47. 2 - يأتي في الصفحة 195 وما بعدها. 3 - لاحظ كفاية الاصول: 37، درر الفوائد، المحقق الحائري: 46 - 47. 4 - محاضرات في اصول الفقه 1: 126. (*)
[ 191 ]
الألفاظ إلى حد الحقيقة الشرعية، وحصول الحقيقة الشرعية بالوضع التعيني، بعد فهم المراد بكثرة الاستعمال المقترن مع القرينة، كما لا يخفى. هذا كله فيما يمكن أن يصغى إليه. وأما البحث عن الاصول الشرعية الجارية حول النقل، ومهجورية المعنى اللغوي والاستعمال، وحصول الوضع، فهو غير لازم، وقد مضى منا ملاك جريان مثلها (1)، فلاحظ وتدبر. ذنابة: في أن " الحقيقة " هل توصف بكونها " شرعية " يخطر بالبال المناقضة من التوصيف المعروف وهو " الحقيقة الشرعية " ضرورة أن مقتضى كونه حقيقة، تبادر المعنى من حاق اللفظ من غير دخالة القيد والقرينة، متصلة كانت أو منفصلة، حالية كانت أو مقالية، وقضية كونها شرعية، دخالة محيط الشرع والمنطقة الإسلامية والمتكلمين المخصوصين في التبادر المزبور. ولو لم تكن القرينة العامة دخيلة في ذلك، ولا القرينة الخاصة، فهي تصير حقيقة لغوية، ومنشأها أفراد الشرع وأرباب الشريعة، لا بما هم أصحاب الشرع الخاص، فعليه لا يعقل حصول الحقيقة. نعم، يمكن دعوى: أن المراد من العنوان المذكور هي الحقيقة المصطلح عليها هنا، وهو ما يقابل المجاز الذي يحتاج إلى القرائن الخاصة الجزئية، دون ما لا يحتاج إلى مطلق القرينة، حتى الكلية العامة. ومما يشهد لذلك: عدم لزوم مهجورية المعنى اللغوي في حصول تلك
1 - تقدم في الصفحة 168 - 170. (*)
[ 192 ]
الحقيقة، فلا منع من كون أفراد الشرع، يدركون المعنى الثاني في محيط التشريع عند
استعمال الألفاظ الخاصة، ويدركون المعنى الأول منها في المحيط الآخر. وتوهم: أن هذه القرينة هي القرينة المعينة المحتاج إليها في ألفاظ المشترك، في غاية الوهن كما ترى.
[ 193 ]
المبحث التاسع الصحيح والأعم
[ 195 ]
الكلام في المقام يتم في ضمن امور: الأمر الأول: في تحرير محل النزاع بناء الأصحاب إلى زماننا هذا، على قصر البحث حول ألفاظ العبادات عليها وعلى المعاملات (1). وأنت خبير: بأن الجهة المبحوث عنها أمر كلي، يستكشف منه حال هذه الألفاظ بما هي مصاديق ذلك الأمر العام، ضرورة أن البحث في حدود معاني اللغات، لا يختص بألفاظ دون ألفاظ، فيشترك فيه جميع أسامي الحيوانات والنباتات والأشجار والأثمار وهكذا، وذلك لأن المقصود من تحريره، فهم حدود المعنى الموضوع له والمسمى، ودرك مقدار سعة المعنى المدلول عليه باللفظ، فلا معنى لحصر محل النزاع بألفاظ دون ألفاظ. فأخصية الغرض لا يورث أخصية البحث، أما ترى أن البحث في مباحث العمومات والإطلاقات، ليس مقصورا بما ورد في الشرع، وإن كان الغرض خاصا ؟ ! بيانه: هو أن جميع المعاني ذات أطوار ومراتب وحالات، مثلا الشجرة ذات شؤون، من القصر والطول، ومن الكيف والأوضاع، ومن الحالات الاخر الطارئة عليها في الأزمنة المختلفة، وبالجملة المقولات الزائدة على ماهيتها ووجودها -
وهي أمارات تشخصها وتعينها - مختلفة، فهل المعنى والموضوع لها الشجرة التامة الكاملة، حتى تكون الفاقدة للأوصاف الكمالية غير داخلة في مسماها ؟ أم المسمى أمر أعم، فتكون الشجرة في جميع شؤونها وشتات حياتها وخصوصياتها، موضوعة لها ؟ أو تكون الحالات مختلفة: فمنها: ماهي الداخلة في الموضوع لها، مثل كون أجزائها ذات حياة نباتية في الجملة. ومنها: ماهي الخارجة، مثل كمالاتها الاخر صغرى وكبرى، كيفا وكما ووضعا، ونقصا وكمالا، وغير ذلك. فإذا كانت الشجرة بلا روح نباتي - مثل الأمثال والأشباح الموجودة في الأعيان، والمجسمة والصور لها - فإطلاق هذه الكلمة عليها بالادعاء والمجاز، دون الحقيقة، فالموضوع له مقيد من تلك الجهة، ومطلق من الجهات الاخر ؟ فعلى هذا، تبين لك قصور طريقة الأصحاب في المسألة، وتبين: أن الجهة المبحوث عنها هي هذه، وهذا أمر سار وجار في جميع الألفاظ، ومنها: الألفاظ المستعملة في الامور الاعتبارية، عبادية كانت أو معاملية، فإذا كانت الشجرة مطلقة من حيث ترتب الثمرة عليها وعدمه، فتلك الألفاظ ربما تكون مثلها، كما لا يخفى. فتحصل: أن مصب النزاع هنا هذا الذي أبدعناه، وتصير النتيجة أن الصحيحي يقول: بأن الموضوع له " الشجرة " هي الكاملة المثمرة، ومثلها الصلاة التي ثمرتها " قربان كل تقي " (1) و " معراج المؤمن " (2) وناهية * (عن الفحشاء) * (3) وسقوط الأمر
وأمثال ذلك، والأعمي ينكر ذلك، ويدعي أن " الشجرة " صادقة على القصيرة غير المثمرة المشحونة بالنواقص والآلام، ومثلها الصلاة، وغير ذلك من الألفاظ الموضوعة للأجناس والمخترعات اليومية، بل للأشخاص كما لا يخفى. وتوهم: أن القوم يقولون بالأعم في جميع الألفاظ، ويختلفون في هذه الألفاظ الخاصة، واضح المنع، كما سيأتي في بعض الامور الآتية (1). الأمر الثاني: فيما يمكن أن يجعل عنوانا للبحث وقد جعل الأصحاب عنوانه هكذا: " في أن ألفاظ العبادات والمعاملات أسام للصحيح منها، أو للأعم " (2). وفي كتاب " الدرر ": " في أن ألفاظ العبادات هل هي موضوعة بإزاء خصوص الصحيحة، أو الأعم " (3). وقال الوالد المحقق - مد ظله -: " الأولى أن يعنون البحث هكذا: إن الأصل في استعمالات الشارع لألفاظ العبادات والمعاملات ماذا ؟ " (4) انتهى. وقد يشكل الأمر تارة: لأجل ما ذكرناه كما عرفت. واخرى: لأجل أن الوضع التعيني ليس بوضع، فلا يشمل عنوان " الموضوعة " مثله. ولوشمل قولهم " الأسامي " للوضع التعيني، فلا يشمل الاستعمالات المجازية،
فإن تلك الألفاظ ليست أسامي للمرادات منها، فيأتي النزاع المذكور في المجازات مع قصور عنوان البحث عن شموله. فعليه يلزم شمول البحث لتلك الألفاظ، بناء على القول بالحقيقة الشرعية بالوضع التعييني، دون التعيني والمجاز. ويمكن حله بدعوى: أن الوضع التعيني والتعييني، كليهما ليسا بوضع على ما تقرر (1)، فإن ما هو المقصود في مباحث الوضع، أمر آخر غيرهما، أو هما كلاهما وضع، نظرا إلى الأسباب المورثة لتلك العلقة والربط. وأما المجازات، فربما هي خارجة عن الجهة المبحوث عنها في جميع الاستعمالات، شرعية كانت، أو غير شرعية، ضرورة أن " الأسد " موضوع للحيوان المفترس، ولكنه لا مدخلية للشجاعة في موضوعه، ولذلك يصدق على الجبان منه، والميت منه، والصغير منه، فعليه يأتي فيه البحث، ولكنه إذا اريد منه الرجل الشجاع، فلا معنى لصدقه على من لا شجاعة فيه، فعليه يتعين المجازات في صورة وجود العلقة والسبب الادعائي. فإذا كانت (الصلاة) المستعملة في الكتاب والسنة، مجازا في المركب المقصود بالأصالة والمراد الجدي، فلابد من لحاظ اشتمالها على الدعاء، أو الميل والعطف، فلا يمكن حفظ هذا الاستعمال على الوجه الصحيح إلا مع وجودها، فيتعين في المجازات القول بالأخص. اللهم إلا أن يقال: بأن سبب الادعاء هي هذه الامور، ولا منافاة بين بطلانها
وفسادها من ناحية اخرى، فهي صلاة، لاشتمالها على الدعاء، ولكنها فاسدة، لفقدانها الجزء أو الشرط الكذائي. نعم، هذا يرجع إلى النزاع الآخر، وهو كيفية ادعاء الشرع، ولحاظه العلق
1 - تقدم في الصفحة 60 - 64. (*)
[ 199 ]
والأسباب المورثة لصحة الاستعمال المجازي، فإن تم البحث هناك ترتفع الشبهة فيما نحن فيه، وعندئذ لا مانع من خروجها من الجهة المبحوث عنها في المقام، كما لا يخفى. وبالجملة: ظاهر العنوانين خروج المجازات من حريم النزاع، واختصاصه بالوضع، سواء كان من قبيل الحقيقة الشرعية، أو كان من قبيل الحقيقة اللغوية. وتوهم لغوية النزاع حينئذ، لعدم صحة " الحقيقة الشرعية " في غير محله، وذلك لأن المراد من " الحقيقة الشرعية " أعم من الحاصلة بالوضع التعييني والتعيني، والثاني مما لا يكاد ينكر بالنسبة إلى طائفة من الألفاظ، كما مضى (1). ولأن كثيرا من المخترعات الشرعية، كانت سابقة بهيئاتها وموادها على الإسلام، كالصلاة والحج وأمثالهما، فهي من الحقائق اللغوية، والتصرفات اليسيرة لا تورث الاستعمال المجازي حتى يفتتح باب الحقيقة الشرعية. ولعل إلى ذلك ترجع مقالة أبي بكر الباقلاني: " من أن الإطلاقات كانت لغوية " (2) وإلا فهي المقالة السابقة الراجعة إلى الاستعمال المجازي بالمعنى الذي ذكرناه: وهو الانتقال من المعنى المستعمل فيه إلى المراد الجدي بنصب القرينة، فإن حقيقة المجاز - وهي المعبر - هذه، كما مضى (3). فتحصل: أننا أصبحنا وقد استغنت الشريعة عن المجاز، والاستعمال بالمصحح، والأسباب المصححة، لحصول الحقيقة الشرعية بكثرة الاستعمال، أو
لكون الحقيقة من أول الأمر لغوية، فلا حاجة إلى إدراج المجازات في عنوان
1 - تقدم في الصفحة 185 - 187. 2 - شرح العضدي 1: 51 - 52، الفصول الغروية: 49 / السطر 16. 3 - تقدم في الصفحة 142 - 144. (*)
[ 200 ]
المسألة، لو فرضنا إمكان إدراجها فيه. إن قلت: الحقيقة الشرعية خارجة عن عنوان البحث، لأن الظاهر منه حصول الوضع بوجه لا يحتاج إلى القرينة الخاصة والعامة، والقرينة المقالية والحالية، وقد مضى أنها تحتاج إلى الحالية العامة، وهو محيط التقنين والتشريع، ومنطقة الاستعمالات من أرباب الشرع والمتشرعة (1)، فلا وضع، ولا اسم، فلابد من دعوى الحقيقة اللغوية رأسا. قلت أولا: لا وجه للالتزام بالعنوان المذكور. وثانيا: إن من الممكن دعوى أن القرينة اللازمة هي المعينة، فتأمل. وثالثا: لا مانع من الإلحاق بعد شمول الغرض والمقصود. ثم إنه يتوجه أيضا إلى العنوان الذي اتخذه الوالد - مد ظله -: - مضافا إلى ما سلف (2) - أن الجهة المبحوث عنها في الصحيح والأعم حول الموضوع له، من غير النظر إلى الاستعمال وعدمه، وان كان المقصود لا يحصل إلا بالاستعمال، ولكنه لا يورث قصر النزاع فيه، كما مضى في بحث علائم الحقيقة والمجاز (3) فليراجع، والبحث في المجازات يرجع إلى حدود العلاقة المنظور إليها في نظر الشرع، وأنها العلاقة المورثة لصحة الاستعمال بالنسبة إلى المصاديق الصحيحة، أو هي الأعم، وهذا لا يرجع إلى ذاك، ولا وجه لإرجاعه إليه، كما هو الواضح. هذا مع أن حيثية البحث، مغفول عنها في العنوان المذكور، مع أنه لابد من
معلوميتها فيه، ضرورة أن من الممكن أن يقال بعد العنوان المزبور جوابا عنه: بأن الأصل في استعمالات الشرع هو الحقيقة، ثم بعد ذلك يقع البحث في أن الموضوع
1 - تقدم في الصفحة 191. 2 - تقدم في الصفحة 197 - 198. 3 - تقدم في الصفحة 165. (*)
[ 201 ]
له خاص أو أعم، فالعنوان المأخوذ في كلامه غير واف بتمام المقصود، كما هو الظاهر، فتدبر. ثم إنه يتوجه ثالثا إلى العنوان الذي ذكره القوم: أن الصحيحي لا يريد إثبات كون الموضوع له هي الماهية الموصوفة ب: " الصحة " حتى يقال: بأنه إن أراد من " الصحة " مفهومها بالحمل الأولي، يلزم كونه حقيقة ومجازا بالنسبة إلى المصداق المعين، حسب اختلاف حالات المكلفين، وإن أراد منها الصحة بالحمل الشائع، يلزم كون الموضوع له خاصا (1). والسر في ذلك ما سيأتي تفصيله: من أن الصحة والفساد، أمران يعتبران حسب إضافة الماهية إلى الخارج، وتحققها فيه، فإن كانت متحققة فيه وجامعة لجميع ما يترقب منها، ينتزع منها الصحة، وإلا فالمنتزع منه هو مفهوم " الفاسد " ولا معنى لاتصاف مفهوم وعنوان بالصحة والفساد (2)، وهذا أمر واضح على جميع المباني في حقيقة الصحة والفساد، فعلى هذا يتعين العدول عن العنوان المزبور. وتوهم عدم لزومه إذا فسرا بالتمامية والنقصان (3)، في غير محله، لما يلزم الإشكال الأول، لأن معنى " التمام " حسب حالات الأفراد مختلف، فيلزم كونه حقيقة في شئ واحد، ومجازا فيه أيضا، وهذا ضروري البطلان في باب تحديد معاني اللغات، وتفسير حدود الموضوعات. مع أن المعاني والماهيات في عالمها،
لاتوصف بالتمامية والنقصان. فتحصل من ذلك: أن الصحيحي يريد دعوى: أن الموضوع له ما لا ينطبق إلا على المصداق الذي ينتزع منه مفهوم " الصحة " والأعمي يقول بالأعم، وقد أخذ
1 - تهذيب الاصول 1: 67. 2 - يأتي في الصفحة 204. 3 - تهذيب الاصول 1: 69. (*)
[ 202 ]
عنوان " الصحة " مشيرا إلى ذلك، ولايكون داخلا في المسمى أصلا، ولكنه خلاف المتفاهم من العنوان، فلابد من العدول عنه إلى العنوان الآخر. وإن شئت قلت: لا يوصف الشئ بشئ إلا باعتبار أمر زائد على ذاته واقعا، أو اعتبارا، فكما أن الجسم لا يوصف بالبياض والسواد والحركة والسكون، إلا بلحاظ وجوده الخارجي، ولا يوصف بالإمكان والشيئية إلا باعتبار أمر زائد عليه، أو لحاظ أمر وراء أصل حقيقته، كاتصافه تعالى بالعلم، فإنه بلحاظ انكشاف الأشياء لديه، كذلك الطبائع والمعاني الكلية لاتوصف بهذه الامور - من الصحة والفساد، والسلامة والعيب، والتمام والنقص - إلا بعد تحققها في الخارج، فإذن لا معنى لتوهم كون الألفاظ موضوعة لها. الأمر الثالث: في تحرير محل النزاع في الشرائط قضية ما تقرر منا في تحرير حدود محل النزاع (1): هو أنه إن فرغنا واخترنا الأخص، يلزم كون ألفاظ العبادات مثلا، موضوعة لما لا يكون إلا صحيحا على الإطلاق، أي لطبيعة إذا تحققت ينتزع منها العنوان المزبور، ويتحقق بها الامتثال، ويسقط بها الأمر والطلب. وإن اخترنا الأعم تكون النتيجة هنا هو الأعم. إن قلت: النزاع في الصحيح والأعم حيثي، أي يقول الأخصي: بأن ما هو
الداخل في المسمى، ليس مطلق ما هو الدخيل في سقوط الأمر، والدخيل في الامتثال، وحصول المطلوب، ضرورة أن الشرائط على أقسام: فمنها: ما هو من قبيل الستر والطهارة والاستقبال، مما يمكن أخذه في متعلق الأمر، وقد اخذ بنحو التقييد. ومنها: ما يمكن أن يؤخذ ولم يؤخذ، كعدم كون المأمور به منهيا عنه بوجه
1 - تقدم في الصفحة 195 - 197. (*)
[ 203 ]
آخر، أو عدم كونه مزاحما بالأهم أو بالمثل. ومنها: ما لا يمكن أخذه فيه، كقصد القربة، والأمر، والوجه، ووجه الوجه، وهكذا. فما كان من قبيل الأول، فهو داخل في محل النزاع، لأنها الأجزاء التحليلية، وهي كالأجزاء المقدارية. وتوهم خروجها، لتأخرها عن اعتبار أصل الماهية وإطلاق الاسم عليها، كقولهم: " صل مع الطهور " كما عن العلامة الأراكي (رحمه الله) (1) غير تام، لصحة قولهم: " صل مع الركوع " وكونها خارجة عن الأجزاء غير كونها خارجة عن المسمى. ولو صح ما قيل يلزم صحة إخراج بعض الأجزاء أيضا عن حريم النزاع، إذا كانت غير دخيلة في الغرض إلا في الجملة، فلا تخلط. وما كان من قبيل الثاني، فإمكان إدراجه في محل النزاع معلوم، إلا أنه غير متنازع فيه، لعدم احتمال أحد من القائلين بالأخص كون هذه الشروط العدمية داخلة، أو هذه الموانع دخيلة في المسمى، ضرورة أن هذه الموانع ليست موانع - بالحمل الشائع - إلا بعد إمكان تحقق المسمى مع قطع النظر عنها. بل لو صح اعتبار الموانع في الاعتباريات، لا يعقل إدراجها في محل النزاع، لأنها أجنبية عن المسمى.
وما كان من قبيل الثالث، فإمكانه محل منع، لأن هذه الامور من اللواحق المتأخرة عن الأمر، المتأخر عن المأمور به، فكيف يعقل دخالتها في المسمى الذي هو المأمور به ؟ ! أقول: مع أن ما أفاده العلامة النائيني (رحمه الله) (2) وغيره (3) في المقام - وكان
محصله ما شرحناه - غير تام لجهات مذكورة في محالها، ولسنا هنا نخوض فيها، لايتم ما أفادوه هنا لو كان تاما في حد ذاته، وذلك لما يظهر من عنوانهم المسألة من أن البحث لغوي، وأن الجهة المبحوث عنها فيه لها الإطلاق. فيكون المراد: أن الصحيحي يقول: إن المسمى والموضوع له، هي الطبيعة التي إذا وجدت في الخارج، ينتزع منها عنوان " الصحة والتمامية والسلامة " وأي شئ تريد أن تعبر عنه، ويفيد هذا المعنى، والأعمي ينكره، ويدعي أن العناوين المذكورة، ليست أمارات حدود الموضوع له، بل هو الأعم، فلو انتزع منها المقابلات لها فهو أيضا من المسمى. وحصر الصحة في الصحة الحيثية والمخصوصة بناحية الأجزاء دون غيرها، مما لا شاهد له. فلو تحققت الطبيعة، ولم ينتزع منها الصحة والتمامية - سواء كان ذلك لأجل فقدانها الأجزاء المقدارية، أو التحليلية، أو الشرائط الآتية من قبل الأمر، أو كان لأجل وجود المانع، بناء على إمكان تصويره في الاعتباريات - فهي ليست مصداق المسمى والموضوع له عند الأخصي، بخلاف الأعمي.
فما توهمه القوم كله الغفلة عن حقيقة الحال، والذهول عن أن الصحة والفساد والتمامية، ليست واردة بعناوينها في المسمى، حتى يتوهم: أن قصد القربة متأخر عنها، فكيف يعقل اعتباره فيها (1) ؟ ! فبالجملة: النزاع في هذه الجهة أيضا غير متصور بما يظهر من بعض الأعلام. مع أن كلمات القوم بشتاتها، تنادي بأعمية النزاع من هذه الجهة أيضا، هذا ما في " الكفاية " حيث قال: " إن وحدة الأثر كاشفة عن وحدة المؤثر، فإن الأثر مترتب
1 - أجود التقريرات 1: 35. (*)
[ 205 ]
على تام الأجزاء والشرائط " (1) انتهى، وفي " الفصول " ما هو الظاهر في الأعمية (2). وعلى كل تقدير: لا معنى لما أفاده القوم، ومنهم الوالد المحقق - مد ظله - (3)، فتدبر. إن قلت: نعم، ولكن " الصحة " و " التمامية " وما يقاربها من العناوين، كلها منتزعة من الماهية التي تكون أجزاؤها الواقعية والمقابلة للشرائط موجودة، سواء كانت الشرائط موجودة، أو لم تكن، فحقيقة هذه العناوين قاصرة بذاتها، وليست معلقة في الانتزاع من الخارج على كونها صحيحة في مصطلح الفقهاء والمتكلمين. قلت: هذا مما لا يصدقه العقل ولا الخصم، وذلك لأن سقوط الأمر وموافقة الشريعة وإن لم يكن معناهما معنى " الصحة " بالحمل الأولي، ولكنه تفسير بما هو اللازم الخاص لها، ولا معنى لدعوى الاصطلاح الخاص في مفهومهما لهؤلاء الأعلام، ف " الصحة " معناها واضح، واختلاف الناس في الشرائط والأجزاء الدخيلة في تحققها، غير الاختلاف في مفهومها، والخصم ينكر دخول الشرائط لبراهين عقلية، وليس من هذا الوجه في كلامهم عين ولا أثر، فتدبر. إذا عرفت ذلك فاعلم: أن الذي يمكن أن يكون عنوانا لهذه المسألة، هو أن
المعاني المتبادرة من الألفاظ، هل هي القابلة للاتصاف بالصحة والسلامة والتمامية ومقابلاتها، حتى تكون المسميات أعم. أو ليست قابلة لذلك، ولا تكون هذه الأوصاف الكمالية وصفا لها، حتى تكون خارجة عن ذاتها، بل هي تنتزع منها بعد تحققها، فيكون المسمى أخص ؟
ولا يذهب عليك أن البحث لغوي، وهذا عنوان معنوي، لأنه في العنوان كذلك، ولكن الواقع ونفس الأمر يكون بحثا لغويا، لرجوعه إلى كشف حال الواضعين ولحاظهم بالقرائن والشواهد. وإن شئت قلت: البحث هنا حول أن الألفاظ، هل هي موضوع وأسام للمعاني التي إذا تحققت ينتزع منها مفهوم " الصحة والسلامة " أو هي للأعم ؟ والأمر بعد وضوحه سهل. ثم إنك قد اطلعت خبرا على أن البحث عن مفهوم " الصحة والفساد " لا وجه له، لأن الجهة المبحوث عنها أعم من الموضوعات الموصوفة بهما، أو الموصوفة بعناوين اخرى من " السلامة والعيب والتمامية والنقصان " وغيرها، فالصحيحي لا يقصر النزاع في ذلك، حتى لو أصبح أحد ويقول: بعدم اتصاف المركبات الشرعية بالصحة، يكون هو الفارغ عن البحث، بل نظره إلى بيان أخصية الموضوع له حسب الكمال والنقص، أي أن ما هو الموضوع له هو ما ينتزع منه العناوين الكمالية المترقبة بعدما تحقق في الخارج، فلاحظ ولا تخلط. الأمر الرابع: حول الاحتياج إلى الجامع وعدمه
بعد مفروغية كون الموضوع له عاما، سواء كان الوضع عاما أو خاصا، فلابد من تصوير الجامع على كلا المذهبين، وذلك لأن المصاديق والأفراد مختلفة الشؤون والحيثيات، ومتشتتة الجهات والحالات، ومتفاوتة في الخصوصيات، ولا يعقل أخذ جميع الخصوصيات المتباينة في الموضوع له بالضرورة، للزوم الخلف، وهو كون الموضوع له خاصا. بل ربما يحتاج إلى الجامع المعانق مع جميع الأطوار والنشات في الأعلام
[ 207 ]
الشخصية أيضا، ضرورة أن المسمى ب " زيد " ليس المتكمم والمتكيف في الصغر، ولا في الكبر فما هو الموضوع له هو الصادق على الوجود الخارجي في جميع هذه الحالات، حتى في البرزخ والقيامة. فما يظهر من القوم: من الاحتياج إلى القدر الجامع فيما كان الموضوع له عاما فقط (1)، غير مقبول. كما أن كون الوضع عاما أيضا غير دخيل في الاحتياج إلى القدر الجامع بناء على إمكان الوضع الخاص والموضوع له العام، بل هو المدعى وقوعه كثيرا، فتدبر. وأما الحاجة إلى الجامع فيما كان الوضع عاما والموضوع له خاصا (2)، فهي مخدوشة، لأن هذا الجامع هو العنوان المشير ولو كان مأخوذا من الآثار واللواحق، ك " معراج المؤمن " وما هو الجامع المحتاج إليه في الموضوع له العام، هو الجامع الحقيقي الاعتباري، أو المقولي، أو ما يقرب منهما، المحمول عليه الاسم، والمتحد معه في الحمل الأولي، كما لا يخفى. بل ربما لانحتاج إلى لحاظ المعنى العام ويكون الإيماء بألفاظ الإشارة كافيا في ذلك، كما لو كان جميع أفراد العام موجودة في محيط، فيقول الواضع: " وضعت لفظة كذا لهؤلاء " على سبيل القضية الخارجية.
إذا عرفت ذلك فاعلم: أن المنسوب في تقريرات جدي المحقق إلى الشيخ الأعظم، الارتضاء والميل إلى إنكار كون جميع الأفراد الطولية والعرضية مصاديق الصلاة مثلا، حتى يحتاج إلى الجامع (3). لا بمعنى الالتزام بالاشتراك اللفظي،
ولا بمعنى كون الوضع عاما، والموضوع له خاصا، وما في تقريرات العلامة النائيني هنا (1)، لا يخلو من غرابة. بل بمعنى أن ما هو الموضوع له، هي الطبيعة الجامعة للأجزاء والشرائط الأولية المجعولة بدوا على المكلفين، فيكون الموضوع له عاما، ولا حاجة مع ذلك إلى الجامع المقصود في المقام - وأما مطلق الجامع فهو ضروري، كما لا يخفى - وذلك لأن اطلاقها على غير الطبيعة المزبورة، سواء كانت فاسدة، أو صحيحة، حسب اختلاف حالات المكلفين، ليس إطلاقا حقيقيا، بل هو مجاز، سواء كان من قبيل المجاز الذي يقول به المشهور (2)، أو من قبيل المجاز الذي يقول به السكاكي (3)، أو الشيخ الأصفهاني (رحمه الله) في " الوقاية " (4). إن قلت: بناء عليه يسقط نزاع الصحيح والأعم، للزوم كون الأفراد الصحيحة والفاسدة، خارجة عن الموضوع له (5). قلت: لا، فإن الصحيحي لا يجوز إطلاق اللفظة الموضوعة للمرتبة العليا - وهي الصلاة التامة الجامعة للأجزاء والشرائط - على الفاسدة الجامعة لمعظم الأجزاء، ويجوز الإطلاق على الصحيحة الفاقدة له والأعمي يجوز ذلك كله، ويرجع
نزاعهم إلى فقد المصحح وعدمه، ضرورة احتياج صحة الإطلاق إلى المصحح والعلاقة، وهذا هو ما مر في بحث إدراج المجازات في محل النزاع (6).
إن قلت: إطلاق " الصلاة " مثلا على الواجدة للأجزاء والهيئات الناقصة، ممكن عرفا، للمشابهة والمشاكلة مع التامة والكاملة، ولكنه ممنوع في مثل صلاة الميت والغرقى، بل والمضطجع والنائم، فإنها ليست صلاة عرفا، مع أن الصحيحي والأعمي يطلقون عليها اللفظ (1). قلت: كما أن تصوير الجامع الشامل لهذه الأفراد في غاية الإشكال هناك، كذلك الأمر هنا. ويندفع: بأن هذا يستكشف جوازه من إطلاق الشرع عليه، بمعنى أن في هذه الأفراد، يكون الادعاء بلحاظ الآثار التي هي مستكشفة بالشرع، وفي الأفراد المتوسطة بلحاظ المشابهة وغيرها، ثم بعدما ثبت ذلك من الشرع يستعمل تلك اللفظة فيها عرفا، ونتيجة هذا سقوط التمسك بإطلاق أدلة الأجزاء والشرائط، لأن موضوعها - وهي الصلاة - غير معلوم أنها الصلاة الكاملة، أو هي الأعم منها ومن الفاقدة (2)، انتهى ملخص ما يمكن تحريره هنا بتقرير منا.
أقول: قد اجيب بكلمة واحدة: وهي أن الوجدان ناهض على أن إطلاق الصلاة على جميع المراتب - إلا المرتبة الدنيا، كصلاة الغرقى على إشكال فيه - على نسق واحد، ونهج فارد، من غير فرق بين ذلك، والمنكر مكابر (3). ويمكن الجواب عنه: بأن الأمر فعلا كذلك، إلا أن هذه الطبيعة ما كانت تطلق عليها هذه اللفظة على نسق واحد في بدو الأمر بالضرورة، بل القرائن الخاصة كانت تصحح ذلك. والذي هو الحجر الأساس، أن هذه اللفظة ليست موضوعة بالوضع التعييني
1 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 63. 2 - نفس المصدر. 3 - محاضرات في اصول الفقه 1: 141 - 142. (*)
[ 210 ]
لتلك الطبيعة في الشرع الأنور قطعا، ومقتضى ما مر منا: أن هذه الطبيعة كانت قبل الإسلام متداولة، وكان يطلق عليها تلك اللفظة (1). فهذه اللفظة وسائر الألفاظ الموضوعة لسائر الطبائع، على نهج واحد، ونسق فارد، فكما أن لفظة " البقرة والحمار " ولفظة " الشجرة والجدار " ولفظة " المأذنة والمنارة " تطلق على جميع المصاديق المختلفة، من غير تكلف الادعاء والتنزيل، وتجشم المجاز والتأويل، ولا يخطر ببال أحد كون هذه الألفاظ موضوعة للمرتبة العليا، والطبيعة الواجدة لجميع الشرائط والأجزاء، كذلك الأمر هنا. فما أفاده يمكن توهمه لو كان الوضع تعيينيا، ولا أظن التزامه والتزام أحد به. هذا، ونفي جواز التمسك بالإطلاق على المعنى المزبور محل منع إطلاقه، ضرورة أنه لو كانت " الصلاة " في محيط الشرع تطلق كثيرا على ما يشابه الصلاة الأولية، حتى صح إرادة المرتبة المشابهة للمرتبة العليا من المراتب المتوسطة من
تلك اللفظة، فإنه عند ذلك يصح التمسك بالإطلاق. بل بناء عليه يلزم الحاجة إلى الجامع، إذ هو ضروري في الوضع التعييني والتعيني. وإنكار الوضع التعيني والحقيقة المتشرعية والشرعية الحاصلة لكثرة الاستعمال في بعض الألفاظ، مكابرة جدا. والمقصود بالبحث ليس محصورا بلفظ " الصلاة " فقط، حتى تكون هي بخصوصها مورد النزاع والبحث، كما هو الواضح. هذا غاية ما يمكن أن يقال في هذا المقام، وقد عرفت ما فيه (2). بقي الكلام فيما هو المهم في البحث، وهو تصوير الجامع للصحيحي والأعمي، فالبحث يقع في موقفين:
1 - تقدم في الصفحة 185 - 187. 2 - تقدم في الصفحة 195 - 196. (*)
[ 211 ]
الموقف الأول: فيما يمكن أن يكون جامعا للأخصي وهو وجوه: الوجه الأول: ما أفاده " الكفاية ": " وهو أن المسمى وإن لا يمكن التعبير عنه، للزوم الإشكال في كل ما جعل جامعا، ولكن الإشارة إليه بالآثار المشتركة بين الأفراد الصحيحة ممكنة، وما هو المشير هي العناوين الواردة من الشرع ك " معراج المؤمن " (1) والناهية * (عن الفحشاء) * (2) و " قربان كل تقي " (3) فإن من الاشتراك في الأثر، يستكشف الاشتراك في المؤثر، للقاعدة المعروفة بين أهلها " (4) (5) انتهى. وما أفاده لا يخلو من قصور، لأن اللازم إثبات كون جميع الأفراد مشتركة في الحيثية التي هي المسماة ب " الصلاة " وهذا مما لا يثبت، لإمكان الاشتراك في الحيثية التي تكون آثارها مشتركة، وليست هي المسماة ب " الصلاة ".
فالأولى أن يقال: بأن ما هو المسمى لا يمكن أن يكون معظم الأجزاء، ولا الأجزاء المجملة، للزوم النقض طردا وعكسا، ولكن حيث ثبت أن جميع الأفراد الصحيحة، مشتركة في الشرع في الاسم على نعت الحقيقة، ونجد أن الشارع يطلق على جميع هذه الأفراد لفظة " الصلاة " مثلا على وجه الحقيقة، فعندئذ يعلم وجود المسمى الجامع بينها عند الشرع وإن لا نتمكن من بيانه. وليس هذا معناه كون
الموضوع له والمسمى هو عنوان " المعراج " و " الناهية " وهكذا. وبناء على هذا التقريب، لا نحتاج إلى إعمال القاعدة المعروفة، حتى يتوجه إلينا: أنها قاعدة مضروبة للواحد البسيط الحقيقي، ولا معنى للتمسك بها هنا إلا غفلة وذهولا. ولعمري، إن هذا التقرير أحسن ما يمكن أن يحرر في المقام، ولكنه مع الأسف غير تام، ضرورة أن ذلك ينتج كون الإطلاقات على الأفراد الصحيحة المتوسطة - بل والنازلة والدانية - غير معلومة عندنا، وأنها على نعت الحقيقة، أو المجاز، أو الغلط، لأن المستعمل مادام لم يعلم المسمى، لا يتمكن من الاستعمال الحقيقي، مع أنا نجد أن استعمال " الصلاة " في الأفراد الصحيحة والبعيدة حسب الأجزاء والشرائط عن الأفراد الصحيحة الجامعة لها، يكون على الحقيقة، فلابد من عرفان المسمى، ويكون هو المعلوم عند مرتكزنا، فدعوى: أن المسمى معلوم
للشرع دوننا (1)، غير قابلة للتصديق جدا. والعجب من بعض المعاصرين، حيث أطال الكلام في المقام حول أجنبية القاعدة عن المسألة، وكان هو دأبه ! ! ولكنه ليس منه بعجيب، لأنه قريب الافق إلى مذاق الأخباريين، فقال في طي كلامه: " إن هذه القاعدة وإن كانت تامة في العلل الطبيعية لا محالة دون الإرادية " (2) انتهى. وأنت خبير: بأنه أجنبي عن الغور في هذه المواقف، والعذر عند كرام الناس مقبول، والتفصيل موكول إلى أهله ومحله.
1 - حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 160. 2 - محاضرات في اصول الفقه 1: 144 - 146. (*)
[ 213 ]
الوجه الثاني: ما أفاده صاحب " الحاشية " المدقق الأصفهاني (رحمه الله) (1). وغير خفي: أنه لتمثيله بالمسائل العقلية، وخروجه عن طور الاعتبار، وقع المتأخرون في مقصوده حيارى، وأوردوا عليه الإيرادات (2). والذي يظهر منه: أنه في مقام إثبات الجامع الحقيقي الذي ليس عنوانيا حتى يكون باطلا، ولا مقوليا حتى يكون ممتنعا، بل الامور الاعتبارية كما تكون خارجة عن المقولات، تكون خارجة عن الإشكالات والتوالي الفاسدة المترتبة عليها، فإن الاعتباريات سهلة التناول، وهي بيد المعتبرين لإفادة الأغراض والمقاصد. فعليه يقال: بأن الصلاة معجون اعتباري من الحركات والأقوال والأفعال الخاصة، التي لا تلحظ تلك الخصوصيات الموجودة والثابتة لتلك الحركات فيها، بل هي المجموعة الاعتبارية من هذه الامور، فانية فيها بحسب الزيادة والنقيصة، ملحوظا فيها بعض هذه الامور على نعت الإجمال والإبهام، فلو كان المعجون المذكور ملحوظا فيه ثلاثة أجزاء معينة، فهو ينتفي عند الانتفاء، وأما إذا لوحظ
ثلاثة أجزاء على البدل، ويكون معها المشترك في ذلك - وهو المسمى - فلا ينتفي المسمى بانتفائها. وإن شئت قلت: في الاعتباريات الإبهام الذاتي غير ممنوع، وفي الموضوعات الاعتبارية تعدد الذاتيات جائز، كما هو الظاهر منه، فإنه لا ينبغي نسبة الغفلة إليه عن هذا الأمر الواضح. فلو كان " الحمار " موضوعا للحيوان المتفصل بأحد الفصول المنوعة، فما هو الماهية المتحصلة الحقيقة، لا يمكن أن يتردد أمر فصله بين الامور، بخلاف باب التسمية والاعتبار، فإنه يمكن أن يجعل الاسم
1 - نهاية الدراية 1: 98 - 103. 2 - منتهى الاصول 1: 56، تهذيب الاصول 1: 74 - 75، محاضرات في اصول الفقه 1: 152 - 155. (*)
[ 214 ]
للمسمى المبهم من هذه الجهة، أو من جهة الجنس والفصل، وهكذا. فعليه يمكن أن يقال: بأن ما هو الموضوع له والمسمى، هي الطبيعة الفانية فيها الأجزاء بخصوصياتها، مع عدم خروجها عن الأجزاء المعتبرة البالغة مجموعها إلى عشرة، وعلى هذا يلزم كونه جامعا للأعمي. ولكنه قال: " إنه هو الجامع للأخص، لأن ما هو المعرف والملازم له عنوان الناهية * (عن الفحشاء) * و " معراج المؤمن " نعم لو كان المعرف المذكور عنوان الناهية بالاقتضاء، كان هو الجامع للأعمي أيضا، فعليه يتصور الجامع على كلا الرأيين والمذهبين ". أقول: لو أغمضنا عن جميع ما يتوجه إليه من الخدشات والمناقشات الواردة عليه في كلام القوم، لا يمكن لنا تصديق ما أفاده، لأن معنى ذلك جهل العرف بالموضوع له، لأن هذه المعرفات إن كانت عرفية كان لما أفاده الوجه القريب،
لرجوعه أحيانا إلى ما نقول في الجامع للأعمي (1)، ولكنه عندئذ لا حاجة إلى المعرف. وأما إذا كانت شرعية، فلازمه إما كون ألفاظ العبادات، موضوعة لتلك المعرفات في الشرع، وقد فرغنا عن بطلان الحقيقة الشرعية مطلقا في ألفاظ " الصلاة " وأمثالها، بل والمتشرعية (2)، بل هي مثل سائر الألفاظ استعملها الشرع لإفادة مقصوده استعمالا عرفيا، فما جعل معرفا فهو الأثر المترتب على طائفة من تلك الطبيعة الواسعة والمطلقة. أو كون المسمى معروفا لدى الشرع فقط، وهذا خلاف ما عليه الصحيحي، لتمسكه بالتبادر في إثبات مرامه.
1 - يأتي في الصفحة 218. 2 - تقدم في الصفحة 185 - 189. (*)
[ 215 ]
إن قلت: ظاهر هذه التعابير المبينة لآثار الصلوات، كونها أثرا لكل ما صدق عليه " الصلاة " فيعلم منه أن ما لا أثر له ليس بصلاة، على نعت عكس النقيض، فيعلم منه وجود الجامع للصحيحي (1). قلت: هذه التعابير من قبيل القضايا الطبيعية المهملة، كقولهم: " السقمونيا مسهل للصفراء " وهكذا، ولا نظر فيها الى القضايا المحصورة الحقيقية، فليس هذه المعرفات إلا إشارات إلى طائفة من الصلوات، فلا تخلط. الوجه الثالث: ما أفاده العلامة الأراكي، ولعل ما تخيله متخذ مما قيل: " إن حقيقة الوجود في الخارج، سارية في جميع الماهيات والمقولات، نازلة من الأعلى إلى الأدنى، من غير لزوم الكثرة الخارجية الواقعية، وتكون المقولات والمظاهر، مراتب تلك الحقيقة وتعيناتها وشؤونها وأطوارها " (2).
ولذلك قال: ما هو المسمى ليس الجامع العنواني، كعنوان " معراج المؤمن " (3) وأمثاله، ولا الجامع المقولي، لعدم الجنس الجامع بين الأجناس العالية، ولكن مع ذلك كله هنا أمران آخران، أحدهما: مفهوم الوجود، والآخر: حقيقته: فإن قلنا: بأن الموضوع له هو مفهوم الوجود المشترك بين تلك المقولات، فهو مضافا إلى لزوم صدق " الصلاة " على جميع الأشياء، يلزم كون الجامع عنوانيا، كما أنه ليس بخفي. وأما لو كان الموضوع له هي الحقيقة الخارجية على إرسالها، فيلزم كون الموضوع له لجميع الألفاظ واحدا، فما هي الموضوع لها، تلك الحقيقة المعرفة بتلك
المعرفات، فتكون الحصة الخاصة من تلك السارية في تلك المقولات، هو الموضوع له والمسمى (1)، انتهى بتحرير منا، كما هو دأبنا في نقل الأقوال. أقول: يلزم عليه كون الموضوع له خاصا، بل في اصطلاحنا جزئيا، مع أن المقصود فرض الجامع، فلا تغفل. وقد ذكر الوالد المحقق - مد ظله - التوالي الفاسدة لمرامه في كتابه (2)، ومن شاء فليراجع، ولكن الأمر سهل، فلا تخلط. الوجه الرابع: أن يقال: بأن الموضوع له هو المعنى اللغوي، وجميع الاستعمالات الشرعية يكون كذلك، وإرادة الخصوصيات - من قبيل الشرائط للمسمى، والأجزاء - كلها بدليل منفصل، فتكون الضمائم خارجة عنه. نعم، هو الدعاء المعرف بتلك المعرفات المزبورة من غير كونها قيدا، فما هو
المسمى هو الدعاء الذي كان كذا، لا مطلقه، والأعمي في راحة من تصويره، لأنه هو هذا مع إلغاء تلك الجهة أيضا. وفيه: - مضافا إلى ما مر من أنه ليس جامعا في محيط العرف واللغة - أنها ولو كانت موضوعة لغة للدعاء، ولكنها صارت قبل الإسلام حقيقة في الهيئة الخاصة الخضوعية والعبودية، والآن كذلك، فلابد من الجامع على هذا التقدير، لما مر من أن الاحتياج إليه على الوضعين - التعييني والتعيني - ثابت بالضرورة (3). تذنيب: في وجه امتناع الجامع على الأخصي إذا عرفت عدم إمكان تصوير الجامع للأخصي، فاعلم: أنه يمكن إقامة
1 - نهاية الأفكار 1: 81 - 86، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 116 - 119. 2 - مناهج الوصول 1: 150 - 152، تهذيب الاصول 1: 73. 3 - تقدم في الصفحة 210. (*)
[ 217 ]
البرهان على امتناعه، ضرورة أن الغرض من ذكر الجامع، هو بيان ما تصوره الواضع حين الوضع، وإذا لم يكن الواضع هو الله تعالى، أو أحد المبادئ العالية، وكان هو المتعارف من الناس، وكانت تلك الألفاظ أيضا موضوعة لمعانيها في محيط العرف والعقلاء، كسائر الألفاظ، فكيف يمكن فرض كون المسمى موجودا عند ثلاثة أجزاء، ومفقودا عند تسعة أجزاء ؟ ! وهذا هو البرهان التام، لا ما أفاده بعض الأعلام في المقام (1). تنبيه: حول ما جعله الاستاذ البروجردي جامعا للأخصي ما جعلناه الوجه الرابع، قريب مما جعله الاستاذ البروجردي (رحمه الله) جامعا للأخصي، مع قصور في بيانه، لأنه ترك ما يورث كون الحالة الخاصة الموجودة من
أول الأجزاء إلى آخرها، جامعا للأخصي (2)، فراجع. وملخص ما قاله: هو أن الصلاة ليست عبارة عن نفس الأقوال والأفعال المتباينة المتدرجة بحسب الوجود - حتى لا يكون لها حقيقة باقية إلى آخر الصلاة محفوظة في جميع المراتب، ويترتب على ذلك عدم كون المصلي في حالة السكونات المتخللة مشتغلا بالصلاة - بل هي عبارة عن حالة توجه خاص يحصل للعبد، ويوجد بالشروع فيها، ويبقى ببقاء الأجزاء والشرائط، ويكون هذا المعنى المخصوص كالطبيعة المشككة، لها مراتب متفاوتة، تنتزع في كل مرتبة عما اعتبر جزء لها (3)، انتهى. وأنت خبير: بأن ما أفاده - مضافا إلى عدم مساعدة اللغة والعرف عليه -
1 - أجود التقريرات 1: 37 - 40. 2 - نهاية الاصول: 47 - 48. 3 - نفس المصدر. (*)
[ 218 ]
لا يمكن مساعدة البرهان عليه، ضرورة أن قيام الأجزاء - بل والأفعال في وجه - بالإنسان قيام صدور، وقيام تلك الحالة قيام حلول، فكيف تتحد تلك الحالة مع تلك الأجزاء والأفعال ؟ ! هذا مع أن هذه الحالة، ليست في جميع المصلين، مع أن ما أفاده جامع للأعمي. اللهم إلا أن يجعل عنوان الناهية * (عن الفحشاء) * معرفا، كما جعله غيره (1)، وعندئذ يتوجه إليه ما توجه إلى الآخرين، كما لا يخفى. هذا تمام الكلام فيما يمكن أن يعد جامعا للأخصي، وقد عرفت عدم وجوده، بل عدم إمكانه (2). الموقف الثاني: في ذكر عمدة الوجوه الممكنة لأن تكون جامعا
للأعمي فمنها: ما نسب (3) إلى صاحب " القوانين " (رحمه الله): من أن الموضوع له هي الأركان بعرضها العريض، لا بحدها الخاص، وأما سائر الأجزاء والشرائط فهي الداخلة في المأمور به بالأدلة المنفصلة، لا لاقتضاء الاسم ذلك (4). وهذا هو مختار بعض المعاصرين، وقد دافع عما توجه إليه في كلمات القوم (5). ولكن الذي يتوجه إليه، وليس مدفوعا عنه، ولا يمكن دفعه: هو أن المسمى والموضوع له، ليس الأمر الشرعي والمعنى المخترع الإسلامي، حتى يقال: بأن
1 - كفاية الاصول: 39. 2 - تقدم في الصفحة 209 - 216. 3 - مطارح الأنظار: 7 / السطر 15. 4 - قوانين الاصول 1: 60. 5 - محاضرات في اصول الفقه 1: 159. (*)
[ 219 ]
الصلاة بدون الركن ليست بصلاة ولو كانت مستجمعة لجميع الأجزاء والشرائط، أو يتشبث بالأدلة اللفظية، كما تشبث بها الفاضل المذكور (1). بل مسمى هذه اللفظة كغيرها، مأخوذ من العرف ومن العابدين بها الله تعالى قبل الإسلام، ولم يتصرف الشرع في التسمية، كما مضى تفصيله (2)، فإذن نجد وجدانا صدق " الصلاة " على فاقد الطهورين لغة. بل قيل: " إن البحث في الشرائط كلها، خارج عن بحث الصحيح والأعم " (3) وهل هذا إلا لكون المسمى، صادقا مع فقد الركن الشرعي، وهو الطهور حسب الأدلة الموجودة ؟ ! وبعبارة اخرى: كما أن البحث لغوي، ويكون حول أن الموضوع له بهذه
الألفاظ طرا، أعم أو أخص، كذلك مفهوم " الصحة والفساد " المذكور في كلامهم لغوي، فلا معنى لدعوى الأخصي أنها ليست بصلاة عند الشرع، والأعمي أنها ليست بصحيحة عنده. فالمناط على فهم العرف في الموصوف والصفة، فكأن من تخيل أن الجامع هي الأركان المأخوذة من الشرع (4)، غفل عن الجهة المبحوث عنها في المقام. وأما إذا جعلت الأركان العرفية جامعا، فلابد من بيانها، وإلا فهي الإغراء بالجهالة. ولعمري، إن جعل الأركان جامعا للأخصي، كان أولى من جعله للأعمي، خصوصا مع الالتزام بالإهمال في ناحية عدد الأركان، كما مضى تفصيله من
1 - محاضرات في اصول الفقه 1: 159 - 165. 2 - تقدم في الصفحة 185 - 188. 3 - نهاية الأفكار 1: 76. 4 - قوانين الاصول 1: 60. (*)
[ 220 ]
صاحب " الحاشية " بتقريب منا (1). وما يتوجه إلى هذه المقالة: من أن سائر الأجزاء والشرائط، إن كانت داخلة فلا تحقق للمسمى بدونها، وإن كانت خارجة، فإطلاقها على المجموع مجاز، مدفوع بما تقرر في كتاب الصلاة حول الشبهة في أن قول المصلي: " ورحمة الله وبركاته " إن كان جزء في الماهية ومأمورا به بأمرها فيجب، وإن كان مستحبا بأمر آخر فلا منع من الإحداث قبله وحينه، لخروجه قبله من الصلاة، ويكون هو التعقيب لها (2). وإجماله: أن من الأجزاء ماهي الدخيلة في تحقق الاسم، ومنها ماهي لو
التحق بالمسمى يدخل، ويطلق عليه " الكل " قهرا، ولو لم يلتحق به يتحقق المسمى بما هو الدخيل، كما في عنوان " الدار والبيت والسوق والحمام " فلاحظ وتدبر جيدا. وقد عبر عن هذا الوالد المحقق - مد ظله -: ب " لواحق المصداق " في قبال قيود الطبيعة ومقوماتها (3). ومنها: ما نسبه شيخ مشايخنا إلى المشهور، وهو أن المسمى معظم الأجزاء (4). وتحرير ذلك بوجه لا يتوجه إليه ما وجهه " الكفاية " وأتباعه (5)، قد مضى في ذكر الوجوه المزبورة للأخصي، عند نقل كلام صاحب " الحاشية " بتقريب ذكرناه حوله (6)، بعد وضوح أن المقصود ليس كون المعظم مسمى بعنوانه، حتى يكون
1 - تقدم في الصفحة 213. 2 - لاحظ جواهر الكلام 10: 329 - 330، الصلاة، المحقق الحائري: 281 - 282. 3 - لاحظ مناهج الوصول 1: 147 و 155 - 157، تهذيب الاصول 1: 71 و 77 - 78. 4 - مطارح الأنظار: 8 / السطر 3، كفاية الاصول: 41. 5 - كفاية الاصول: 41، أجود التقريرات 1: 42 - 43، نهاية الأفكار 1: 86. 6 - تقدم في الصفحة 213. (*)
[ 221 ]
جامعا عنوانيا، مع بطلانه بذاته. وبعد ظهور عدم إرادتهم كون معظم الأجزاء في كل صلاة بالنسبة إلى أحوال المصلين، هو الموضوع له، حتى يلزم كون الموضوع له خاصا، والوضع عاما، كما يظهر من الفاضل الإيرواني، ظنا أنه مقصودهم (1). بل المقصود: أن المسمى واقع أكثرية الأجزاء، أي لو كانت صلاة المختار عشرة أجزاء، وأقل الصلوات أجزاء هي المشتملة على الستة، فما هو المسمى هو
الستة على الإهمال من غير لزوم الإشكال، لعدم جواز الخلط بين المركبات الحقيقية والاعتبارية، فلاحظ وتدبر. نعم، يتوجه إلى هذه المقالة: أن الصلوات المشتملة على الأجزاء اليسيرة عند الاضطرار، ليست بصلاة حقيقة. ولعلهم يلتزمون بذلك، بدعوى مساعدة العرف على مجازية تسمية صلاة الغرقى والميت وبعض الأفراد الاخر " صلاة " كما يلتزم به الآخرون، ولا داعي إلى تصوير الجامع الكذائي، بل هو غير معقول كما لا يخفى. ويتوجه إليها ثانيا: أن المراد من " المعظم " إن كان ما هو العظيم من حيث الدخالة في الاسم بنظر العرف، فهو مجهول. وإن كان بنظر الشرع، فهي راجعة إلى القول الأول في الجامع. وإن اريد منه أكثرية الأجزاء، لا الأركان، كما هو المتفاهم منه، فكثير من الصلوات المشتملة على الركوع والسجدة والتكبيرة والسلام أو بعض الأجزاء الاخر - عوضا عما ذكرناها - صلاة عرفا، وفاقدة للمعظم. وبعبارة اخرى: ما هو المشتمل على الخمسة من العشرة، صلاة عرفا، إذا كان من تلك الخمسة ما هو القائم به بعض الهيئة المعتبرة في الصلاة، فلا تخلط.
1 - نهاية النهاية 1: 37 - 38. (*)
[ 222 ]
ومنها: الوجوه الاخر التي ذكرناها في طي الوجوه للأخصي (1)، فإن كثيرا منهم جعل ما هو الجامع للأخصي، جامعا للأعمي، مع الاختلاف في المعرف (2). مثلا: الشيخ العلامة صاحب " الحاشية " (قدس سره) بعد إفادة الجامع الاعتباري بمعرفية " معراج المؤمن " قال: " هذا هو الجامع للأعمي، بمعرفية المعراجية بالشأن والاقتضاء " (3).
وفيه: أن هذا الجامع لا يحتاج إلى المعرف، لأن ما هو المسمى لابد وأن يكون معلوما بحده، لا مجملا. مع أن الأجزاء المهملة من بين الأجزاء المعلومة، ليست مسماة إذا اعتبرت خالية عن الهيئة، ضرورة أن الصلاة مركبة من الهيئة والمادة، كما سيأتي تفصيله (4). والسيد الاستاذ البروجردي أفاد في جامع الأخصي ما هو الأولى بجامعية الأعمي (5)، وقد مضى تفصيله، وعرفت أن الحالة المنطبقة على الأجزاء ليست هي الصلاة، بل لا يعقل انطباقها على الأجزاء، لأنها كيفية نفسانية قائمة قيام حلول بالمصلي، والأجزاء هي الحركات الصادرة قيام صدور بالإنسان، وقيام حلول بالهواء، فتكون من الكيفيات المحسوسة، فكيف يمكن انطباق ذاك على هذا ؟ ! كما لا يخفى. وقد عرفت أيضا إمكان جعل الدعاء جامعا للأعمي، لا الدعاء المطلق، فإنه المعنى الأولي، بل الدعاء بطرز بديع وشكل خاص، من غير خروجه عن شكل
1 - تقدم في الصفحة 209 - 217. 2 - لاحظ أجود التقريرات 1: 36، نهاية الأفكار 1: 86، نهاية الاصول: 47. 3 - نهاية الدراية 1: 113. 4 - يأتي في الصفحة 228. 5 - نهاية الاصول: 47. (*)
[ 223 ]
الدعاء. فقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " صلوا كما رأيتموني اصلي " (1) أي ادعوا كما أدعو، فمفهوم الدعاء ذو عرض عريض، والصلاة مثله، إلا أنها في الشرع تطلق على الدعاء الخاص المعروف عند المتشرعة المعروف بقابليته للنهي * (عن الفحشاء) * و " معراج
المؤمن " وهكذا. وفيه مالا يخفى. ومنها: الوجوه الإجمالية من غير ذكر ما هو المسمى حقيقة، كما عرفت في جعل الدعاء جامعا (2)، فإن هذه الوجوه غير كافية، لأن معلومية المسمى عند المتشرعة غير قابلة للإنكار، وهكذا في اللغة، والإيماء والإشارة والتمثيل بالأعلام المشخصة (3)، غير مفيد فيما هو المقصود في المسألة. مثلا قد يقال: بأن المسمى ما هو المعروف عند العرف، من إطلاقه في بعض الأحيان على بعض الأفراد، ومن عدم الإطلاق على الأفراد الاخر (4). وفيه: أنه لابد من الاطلاع على المعنى قبل الإطلاق والحمل، كما مضى في علائم الحقيقة والمجاز (5). وقد يقال: بأن المسمى هنا من قبيل المسميات لألفاظ المقادير، ك " المثقال والحقة " (6) فكما أنها تطلق على الناقص والزائد، فهي مثلها.
وفيه: أنه بيان مضى تفصيله، ولكن التمثيل غير صحيح، لأن هذه الألفاظ موضوعات للمعاني المقدارية بالدقة العرفية، ولا يعتنى بالإطلاقات المسامحية. وقد يقال: بأن لفظة " الصلاة " بالقياس إلى معناها القصير والطويل والناقص
والزائد، نظير الأعلام الشخصية، فكما أن تلك الألفاظ صادقة مع اختلاف الحالات وجميع اللواحق والخصوصيات، كذلك ألفاظ العبادات (1). وفيه: أن ما أفاده يرجع فيما نحن فيه إلى ما شرحناه سابقا، من أخذ الأجزاء الثلاثة المهملة من العشرة المفصلة المعلومة موضوعا (2)، ولكنه لايتم في الأعلام الشخصية، للزوم الامتناع فيها، بداهة أن ما هو المسمى في تلك الأعلام من الحقائق الخارجية، ولا يعقل الإهمال فيها في تجوهر ذاتها، ولا يمكن تبدل الذات، فإن الذاتيات لا تختلف ولا تتخلف في أنحاء الوجودات، فلا يصح قياس الاعتباريات بالحقائق، فإن فيه الزلل الكثير، والبعد عن محيط الشرع والتقنين، كما هو الواضح الظاهر. التحقيق فيما هو جامع الأعمي إذا عرفت ذلك كله، فاستمع لما يوحى إليك من عبدك، فقد علمت فيما سبق منا إلى هنا: أن دائرة البحث في هذه المسألة أوسع مما ظنه الأصحاب، فلابد من النظر إلى ما هو الجامع بالنسبة إلى جميع الألفاظ الموضوعة على سبيل الاشتراك المعنوي للمعاني المختلفة أفرادها ومصاديقها اختلافا فاحشا من جميع الجهات والمقولات.
وأيضا علمت: أن قصر النظر في مفهوم " الصحة والفساد " (1) غير جائز، بل الجهة المبحوث عنها، غير راجعة إلى فهم مفهوم هاتين اللفظتين، فإن الصحيحي يريد اثبات كون المعاني ليست مطلق الطبيعة، بل هي الطبيعة الجامعة للآثار المترقية منها، وما هو الفاقد لها يعد منها مجازا ومشابهة، سواء اتصفت تلك الطبيعة
بعنوان " الصحيح " كما في طائفة من الموضوعات، أو اتصفت بعنوان " السلامة " كما في اخرى منها، أو بعنوان " التمامية " كما في ثالثة منها. وأيضا علمت: أن البحث حيث يكون لغويا، فلا معنى لكون المراد من " الصحة والفساد " فيه - فرضا - هي الصحة الشرعية، أو الأعم منها ومن الصحة والفساد العرفيين (2)، بل النظر مقصور إلى ما هو مفهومهما، ومفهوم " السلامة والعيب " ومفهوم " التمامية والنقصان " في محيط العرف. فما يظهر من الوالد - مد ظله -: من أن الصحة والفساد فيما نحن فيه ليسا حيثيين، لأن الصلاة لا تتصف بالصحة الفعلية من حيث، بل هي موصوفة بأحد الوصفين بالفعل، ولا توصف بالآخر، وإذا وجدنا أنها مع فقد الشرط تكون فاسدة، فيتعين القول بالأعم، ويلزم تصوير الجامع، ويسقط احتمال القول بالأخص، لما عرفت من خروج بعض الشرائط عن محل النزاع (3)، في غير مقامه، ضرورة أن الطبيعة الفاقدة للشرط توصف بالفساد، إلا أنه توصيف شرعي إذا كان ذلك الشرط شرعيا، وإذا كان شرطا عرفيا فللأخصي دعوى المجازية، كما ادعاها فيما كان فاسدا للإخلال بالأجزاء. إن قلت: بناء على هذا يلزم خروج طائفة من الشرائط عن محل النزاع، مع
1 - تقدم في الصفحة 206. 2 - تقدم في الصفحة 219. 3 - تهذيب الاصول 1: 76. (*)
[ 226 ]
أن مقتضى ما مر دخول مطلق الشرائط فيه (1). قلت: ما ذكرناه هناك هو أمر أدق، وإجماله أن الجهة المبحوث عنها ليست الجزء، ولا الشرط، بل هي أن الألفاظ هل تكون معانيها وما هو الموضوع لها هي
الطبيعة المرسلة، أم هي الطبيعة المستجمعة لما يترقب منها، وينتظر من الآثار والخواص الدنيوية والاخروية ؟ فعندئذ تدخل الشرائط في محل النزاع، إذا كانت لها الدخالة في ذلك عرفا، أو استكشفت بالشرع فصدقها العرف، كما ربما يستكشف بالطب بعض خواص للبطيخ، فإنه عند فقده ذلك الأثر لا يكون بطيخا عند الأخصي، فلا تغفل، ولا تخلط. فإذ قد تبين ذلك كله فاعلم: أن الماهيات على صنفين: أصيلة، وغير أصيلة: فالماهيات الأصيلة - مركبة كانت، كالمواليد الثلاثة: بالجمادات، والنباتات، والحيوانات، أو بسيطة، كالأعراض، والمقولات - كلها ذات أجناس وفصول، ويكون الجامع فيها معلوما، لأنه قابل للذكر بعنوانه، أو بالإيماء والإشارة، بأخذ العناوين اللازمة فصولا، كما هو الأكثر، خصوصا على القول: بأن حقائق الفصول هي الوجودات الخاصة (2). فما هو الموضوع له مثلا " الذهب " و " الفضة " الجسم الجامد الذي له خاصية كذا، ولون كذا، وما هو الموضوع له " الحنطة " و " الشعير " مثل ذلك، وهكذا في الحيوانات. ويترتب على هذه، الثمرة العملية الفقهية، مثلا الأدلة المتكفلة للكفارات في تروك الحج، إذا كانت مطلقة، ولم يرد مقيد لها، يؤخذ بإطلاقها، ويطرح الشك في كون الشاة سمينة أو سالمة أو غير ذلك بها، لأن الموضوع له " الشاة " أعم من
1 - تقدم في الصفحة 203 - 205. 2 - الحكمة المتعالية 2: 36، 5: 181، شرح المنظومة، قسم المنطق: 103. (*
[ 227 ]
السالمة والمريضة، وهكذا في الغلات والنقدين وغير ذلك. ومن هنا يعلم: أن الأوفق بالتحقيق أعمية مصب البحث في هذه المسألة، ولا
يقصر على ألفاظ العبادات. وأما الماهيات غير الأصيلة، فهي مثلها ذات بسائط، ومركبات: فالبسائط منها، ما هو المعنى الواحد القائم بالواحد العرفي، ولا يكون المعنى المقوم داخلا في الموضوع له، وهذا مثل الأواني والظروف، فإن الألفاظ الموضوعة لها بجامع واحد، وهي الهيئة الخاصة اللا بشرط صغرى وكبرى إلى حد معين، ولا تكون مادة هذه المسميات دخيلة في الاسم، كما ترى. وأما المركبات منها، كالدار والحمام والسوق، وجميع المخترعات اليومية، من السيارة والطيارة والسفينة الفضائية، فإن المادة الخاصة غير دخيلة في الموضوع له، بل لو أمكن إيجاد الهيئة القائمة بها بدونها، يصدق عليها الأسماء، وهذا شاهد على أن المسمى هي الهيئة الملحوظة بلحاظ خاص في جهة، وتكون هي اللا بشرط من الجهات الكثيرة الاخرى. فالاجزاء القائمة بها البيت والحمام، فانية في مقام التسمية في تلك الهيئة، ولا يعقل في هذا اللحاظ النظر إليها، لأنها عند النظر إليها تكون جزء مباينا لها، وخارجة عنها، وتضاف إليها، فيقال: " هذا رأس (القليان) " أو " هذا وسطه " فما هو الموضوع له (للقليان) هي الهيئة والشكل المعين اللابشرط صغرى وكبرى، سوادا وبياضا، صحيحا وسالما، فلو لم يمكن الاستيفاء منه للتدخين فهو لا يضر، لأن ما هو الجامع هو الشكل المحفوظ في الحالتين. فتحصل: أن في جميع المركبات التأليفية غير الحقيقية، يكون الجامع الشكل والهيئة، وقد يسأل الصبيان: ب " أن (القليان) ما هو ؟ " حتى يقال: " هذا رأس (القليان) وهذا جسد (القليان) وهذا ماؤه وناره ودخانه " وهكذا، مع أن (القليان) ليس أمرا
[ 228 ]
وراء تلك الأجزاء.
ومن العجب ظن بعض المتفلسفين في عصرنا - المسمى ب " الفيلسوف الأكبر الإسلامي " - أن أول الدليل على وجود النفس وراء البدن ما يقال: ب " أن هذه يدي، وهذه رجلي، وهذا رأسي " فمن هو المتكلم بهذه الكلمات ؟ ! وما هذا إلا الروح ! ! ولم يتفطن هذا المرء إلى إطلاق قوله: " ونفسي وروحي " نقضا، وإلى ما ذكرنا في (القليان) مع بداهة عدم وجود الأمر البسيط المجرد وراء هذه الأجزاء المضافة إليه. وحل الشبهة ما عرفت: من أن ما هو الموضوع له هي الهيئة والشكل، وتلك الأجزاء غير منظور إليها في التسمية، بل غير داخلة فيها، والإضافة إليه لكونها موضوعا للشكل والهيئة التي هي الجامع حقيقة. ومن التدبر في أمثال هذه الامور ونظائرها، يسهل الاطلاع على ما هو الجامع في المركبات الاعتبارية، كالعبادات المركبة من الهيئات الخاصة، ومنها الصلاة، فإن الجامع فيها ليس إلا الهيئة الكاملة المشتملة على الهيئات الجزئية، كهيئة القيام والركوع والسجود والقعود، من غير لزوم جميع هذه الهيئات، بل يكفي عدة منها، وإن فقدت بعضها يبقى المسمى، كما عرفت في مثال (القليان) فإن رأسه وإن كان داخلا بحسب الهيئة الخاصة - في تلك الهيئة الكاملة المشتملة على الهيئات الجزئية الفانية في تلك الهيئة الكلية، ولكنه مع ذلك ليس دخيلا ومقوما، لبقاء الجامع بدونه. نعم، مع فقدان الرأس والوسط لا يبقى، والصلاة مثله، فإنه بدون القيام الركوع بأبدالهما العرفية، ليس صلاة. فما أفاده الوالد المحقق - مد ظله - وإن قرب من التحقيق، إلا أنه يلزم عليه الالتزام: بأن ما هو الجامع هنا أمر لا مانع من تردده بين الامور، وقد تحاشى عن
[ 229 ]
ذلك برهانا: بأن الإهمال في تجوهر الذات ممتنع (1)، وقد مضى وجه الخلل فيه
بالخلط بين الحقائق والاعتباريات، فتدبر. إن قلت: بناء عليه يلزم الالتزام بخروج الأفراد الفاقدة للقيام والأبدال العرفية، فإن الإيماء ليس - عرفا - بدلا من الركوع والسجود، وهكذا القعود (2). قلت: لا منع من ذلك، لأن ما هو المقصود - كما يأتي في ذكر ثمرة البحث - يحصل بذلك أيضا، ضرورة ثبوت الفرق بين إنكار الجامع والالتزام بالمجازية المطلقة، وإثبات الجامع بين الأفراد المتعارفة المتقاربة وإثبات المجازية في الجملة، فإن التمسك بالإطلاق في كثير من المواقف ممكن عندئذ. نعم، فيما شك في شئ، واحتمل واقعا دخالته في المسمى، فعندئذ لا يمكن التمسك بالإطلاق، ولكنه مجرد احتمال لا واقعية له، فانتظر واغتنم. حول الجامع في المعاملات إن قلت: قضية ما تحرر دخول ألفاظ المعاملات في حريم التشاح ومورد النزاع، فلابد من تصوير الجامع هنا كغيرها. قلت: ما هو التحقيق في أسامي المعاملات، يأتي عند ذكر التحقيق في أصل المسألة (3)، وما هو المحتملات فيها فهي كثيرة: فإنه يحتمل تارة: أن يكون المسمى هنا، هو الأثر القهري الحاصل من الملكية والانتقال، الذي هو حكم العقلاء بعد وجود الأسباب والمؤثرات. وهذا
الحكم - كما مضى تفصيله سابقا (1) - يكون على نعت الكلي بنحو القضية التعليقية: " وهو أنه إذا تحقق البيع أو سبب النقل، تحصل الملكية والانتقال " فلا تخلط.
وعندئذ لا يمكن الجامع، لدوران هذا الأمر المتأخر المعلول والأثر لما تقدم عليه، بين الوجود والعدم، ولا أظن التزام أحد بذلك، أي بأن هذا هو المسمى، فلا يعقل الجامع. وما ربما يتوهم من عبائر بعض الأصحاب: " من كون أسامي المعاملات موضوعة للمسبب " (2) ليس هذا، فإنه الأثر المترتب - بحكم العقلاء - على ما هو " السبب " المقصود في كلامهم، فلا تغفل. واخرى: يحتمل كون المسمى نفس الألفاظ بما لها من المعاني، من غير كون هذه المعاني دخيلة في التسمية، بناء على إمكان تعقل مثل ذلك. ولكنه غير معقول، لأن قضية ذلك كون الألفاظ بدونها داخلة في المسمى، وهو واضح المنع، فيلزم التقييد. وما اشتهر: " من إمكان التضييق بدون التقييد " كما عن العلامة الأراكي (رحمه الله) في نظائر المقام (3)، لا يرجع إلى محصل. وثالثة: يحتمل كونها أسامي لتلك الألفاظ بما لها من المعاني الإنشائية، فإن كانت المسماة ذاتها فيلزم المحذور السابق. وإن كانت المسماة هي مع المعاني المترتبة عليها إنشاء، فهو أيضا أمر دائر بين الوجود والعدم، لأن المسمى هو السبب - بما هو سبب - بالنسبة إلى المعاني المنشأ بها، وهذا لا يتصف بالصحة والفساد، ولا بالتمام والنقصان، لأن ما أوجده من الألفاظ غير الموجد بها المعاني الإنشائية، غير قابل للإتمام، حتى يقال: " بأنه
1 - تقدم في الصفحة 125. 2 - نهاية الأفكار 1: 97، أجود التقريرات 1: 48 - 49، تهذيب الاصول 1: 89. 3 - نهاية الأفكار 1: 44 و 64. (*)
[ 231 ]
سبب ناقص ".
فبالجملة: ترتب المسبب وهو المعنى الإنشائي على الألفاظ، ترتب قهري، أي لا يمكن تحقق تلك الألفاظ بما لها من المعاني، مع عدم تحقق تلك المعاني، فيدور أمر سببيتها لها بين الوجود والعدم، فلا جامع هنا أيضا حتى يقع البحث فيما نحن فيه في ذلك. ورابعة: يحتمل كونها أسامي لتلك المعاني المنشأة بتلك الألفاظ التي هي السبب لوجودها، وتلك تكون موضوعة لحكم العقلاء، أو سببا للانتقال، فهي مسببات للألفاظ، وأسباب للملكية والانتقال، وعند ذلك يمكن دعوى إمكان اتصافها بالصحة والفساد، لأن ذلك المنشأ العقلائي الحاصل من الألفاظ، إن كان دائما موضوع حكم العقلاء بترتب الأثر، فلا يدور أمره إلا بين الوجود والعدم. وأما لو كانت النتيجة غير دائمية، كما في الفضولي على مقالة المشهور، فإن ما يصنعه الفضولي عين ما يوجده المالك، حسب الألفاظ ومعانيها ولكن الفرق حاصل بينهما بترتب الأثر على منشأ المالك، دون الفضولي، فإذن يصح أن يقال: بلحاظ ترتب الأثر يتصف بالصحة، وبلحاظ عدم ترتب النتيجة يتصف بالباطل والفاسد، فلا يدور أمره بين الوجود واللاوجود. ولو قيل: لا يوصف الشئ بالصحة بلحاظ الأثر، وبالفساد بلحاظ عدمه، فإن الأثر حاصل من الصحيح، وما ليس بصحيح لا أثر له. وبعبارة اخرى: لا يكون المركبات الاعتبارية التي هي ذات أجزاء، إلا وهي إن كانت مستجمعة للشرائط والأجزاء، يترتب عليها الأثر، فهي في المرتبة السابقة عليه توصف بالصحة وإذا لم يترتب عليها الأثر يكشف عن الإخلال بما هو الشرط في التأثير، أو الجزء المعتبر قواما، فلا يوصف إلا بالفساد. قلنا: لا نبالي بذلك بعدما عرفت منا: أن الكلام ليس محصورا في مفهوم
[ 232 ]
" الصحة " أو " السلامة " أو " التمامية " بل هو الأعم من ذلك، فإذا وصف ب " التمامية " هنا فهو أيضا كاف. مع أن فقد الأثر إذا كان لفقد قيد، فهو يستلزم صحة التوصيف ب " الصحة " أيضا. فبالجملة: إمكان الجامع قد اتضح هنا، فيصح النزاع المذكور. فما يظهر من جمع من خروج ألفاظ المعاملات عن حريم البحث (1)، غير تام، ولاسيما بعد اشتهار صحة الفضولي عندهم، مع أنه غير تام بحسب السبب والعلية، فليتأمل جيدا. كما أن ما يظهر من جمع من أن تلك الألفاظ إن كانت أسامي للأسباب يجري النزاع (2)، غير ظاهر، إلا إذا رجع إلى ما ذكرناه من السبب الثاني الذي هو موضوع حكم العقلاء، أو اعتبر سببا للملكية. وتوهم: أن النزاع غير صحيح، لأن المعروف بينهم أنها إما للأسباب، وهي الألفاظ بما لها من المعاني، أو المسببات بمعنى الأثر والملكية، في غير محله، لذهاب الأكثر إلى ما شرحناه، وإن كان في كلماتهم الإجمال والإهمال (3). مع أن المقصود تحرير النزاع المعقول. ومن هذا القبيل توهما: أن الثمرة لا تترتب على هذا النزاع، وسيأتي دفعه. مع أن البحث الكلي لابد وأن يكون مثمرا في الجملة، ولا يلزم كونه في جميع جهاته وحيثياته ذا ثمرة، كما لا يخفى. وخامسة: يحتمل كونها أسامي لما هو المؤثر بالفعل، لا المسبب، ولا السبب الناقص، بل السبب التام، وعندئذ لا يجرى النزاع، لعدم وجود الجامع بين
الصحيح والفاسد. وسادسة: يحتمل كونها أسامي للمعتبر النفساني وإن لم يكن مبرزا بإحدى المبرزات، فإن كان هذا المعتبر النفساني والتبادل الذهني من الذي يليق بذلك، يكون معتبره صحيحا، وإلا فهو فاسد، فإذا اعتبره البالغ الرشيد يكون صحيحا عرفا وشرعا، وإذا اعتبره المميز الرشيد يكون صحيحا عرفا فقط، وفاسدا شرعا، وإذا اعتبره غير المميز يعد فاسدا على الإطلاق (1). ثم إنه قد يقال: بإمكان تصوير الجامع بالنظر إلى الشرائط الشرعية، فيكون المسمى ما هو المستجمع للشرائط العرفية، فإن كانت جامعة للشرائط الشرعية أيضا فهي الصحيحة، وإلا فهي الفاسدة (2). فالصحة والفساد تارة: يلاحظان في افق العرف بالنسبة إلى الماهية العرفية، فعندئذ لا يدور الأمر إلا بين وجودها وعدمها. واخرى: يلاحظان في نظر الشرع بالنسبة إلى تلك الماهية، فعندئذ تتصف تلك الماهية ب " الصحة " و " الفساد ". وتمامية النزاع على هذا، متوقف على إمكان الالتزام بالحقيقة الشرعية في المعاملات، حتى يقال: بأن الشرع تصرف في محيط العرف ولغتهم، واختار وضع تلك الألفاظ لما هو الصحيح عنده، والمؤثر في نظره. ولكنه مما لا يلتزم به الأخصي، لرجوعه إلى أن الأعمي يدعي: أن ما هو المسمى هو المؤثر العرفي وإن كان باطلا شرعا، والأخصي يدعي: أن ما هو المسمى هو المؤثر الشرعي الذي إذا تحقق ينتزع منه عنوان " الصحة ".
1 - محاضرات في اصول الفقه 1: 195.
2 - تقريرات المجدد الشيرازي 1: 423. (*)
[ 234 ]
وربما يخطر بالبال أن يقال: بأن مفهوم " الصحيح " ليس إلا ما هو المستجمع المؤثر، وما لا يكون مستجمعا لشرائط التأثير والسببية أو الموضوعية، يكون فاسدا، فإذا كانت معاملة عند الشرع باطلة، فليس يعقل ذلك إلا باعتبار قيد أو شرط في التأثير والموضوعية، فيلزم التصرف القهري - بنحو القانون الكلي - في ماهية البيع ونحوها، باعتبار الجزء أو الشرط فيها، فعندئذ لابد من الالتزام بالأخص في تلك الألفاظ، أو يلزم صحة الاحتمال المذكور، فيجري النزاع المشهور (1). وأما نظر العرف، فإن كان من الملة الإسلامية مثلا التابعة للقوانين الإلهية، فبعد مضي المدة الطويلة، تصير تلك الألفاظ حقيقة عرفية ثانوية عندهم فيما هو المؤثر في القانون الإسلامي، ضرورة انقلاب العنايات العرفية حسب إعمال القوانين الشرعية، أو القوانين العرفية المخلوقة لمجاميع البشر، فافهم وتدبر. وبالجملة: الاعتبارات المخلوقة للبشر الأسبق، لا تكون دائمة الوجود، بل هي دائما تابعة للمعتبرين، فإذا تبدل في محيط وافق بناء المعتبرين إلى تغيير القانون الموجود عندهم، أو تصرفوا في قيوده نفيا أو إثباتا، تتبدل المعتبرات الموجودة، وتضمحل إلى ما اعتبر بعد ذلك، فلا يكون ما هو السبب للملكية في الأسبق، سببا في تلك الحيطة، لا أنه سبب عند الآخرين، فيتصف بالفساد عند اللاحقين، بل هو بماهيته ينعدم. نعم، الاعتبار الانفرادي، أو من القانون غير النافذ في ملته، لا يورث تغيير المعتبرات قهرا، فيبقى ما كان نافذا بينهم على حاله، فيلاحظ حينئذ أن الشرائط على قسمين: شرائط نافذة في الملة وما ليس نافذا، ولكنه دخيل عند القانون، فافهم وتدبر فيما أسمعناك، وسنزيدك توضيحا من ذي قبل إن شاء الله تعالى (2).
1 - مطارح الأنظار: 6 / السطر 6، نهاية النهاية 1: 33 - 34. 2 - يأتي في الصفحة 241. (*)
[ 235 ]
الأمر الخامس: في ثمرة القولين في العبادات والمعاملات فالبحث يقع في مقامين: المقام الأول: في العبادات وقد ذكروا للمسألة ثمرات: الثمرة الاولى: إنه على الأخصي، لا يصح التمسك بالإطلاقات الواردة في الكتاب والسنة، لأن التمسك بها فرع إحراز موضوعها، وإذا شك في شرطية شئ - بناء على كونها داخلة في مورد النزاع - وعدمها، أو في الجزئية والمانعية، فيرجع إلى الشك في أن ما بيده بدون ذلك المشكوك، صلاة أو حج أو صوم أو اعتكاف، أو غير ذلك، أم هي ليست منها وعندئذ كيف يعقل التمسك ؟ ! لأنه من التمسك بالعموم والإطلاق في الشبهة الموضوعية. وأما على الأعمي، فالتمسك بعد تمامية المقدمات الاخرى ممكن، لأن الشك المزبور لا يرجع إلى الشك في الموضوع (1). وقد يشكل ذلك: تارة: بأن التمسك بالإطلاقات المتصدية للتشريع في الكتاب والسنة، غير جائز، لفقد الشرط الآخر وهو كونها في مقام البيان، فلا ثمرة على القولين من تلك الجهة (2).
مع أن الصحيحي يتمكن من كشف حال الموضوع من الإطلاق المقامي الثابت لبعض المآثير، مثل صحيحة حماد ونحوها (1)، فإنه - بعد كونه (عليه السلام) في مقام بيان ماهية الصلاة صدرا وذيلا، ولم يبين الأمر الآخر وراء تلك الامور - يتمكن الأخصي من التمسك بالإطلاق، لأمر آخر يستلزم نفي الشرطية والجزئية والمانعية، وذلك الأمر نفي دخالة المشكوك في موضوعية الموضوع، وإذا ثبت التلازم بين عدم الوجوب وعدم الدخالة في الاسم، يرفع الوجوب بارتفاع الثاني، كما هو الظاهر. والعجب من جمع من الأصحاب، حيث دفعوا الإشكال: بإحداث الفرق بين الإطلاق اللفظي والمقامي، وأن الأخصي لابد من التمسك بالإطلاق الثاني، والأعمي تمسك بالأول (2) ! ! وذلك لأنه ليس من الثمرة لهذا البحث الطويل الذيل، فلابد من كون ثمرة المسألة الاصولية مسألة فقهية عملية، لا مسألة علمية. فبالجملة: إما لا يصح للأعمي أيضا التمسك بالإطلاقات اللفظية، أو يجوز للأخصي التمسك بالإطلاقات المقامية. أقول: مناط الثمرة في المسألة الاصولية، ليس كونها مثمرة لجميع الباحثين عن تلك المسألة بالفعل، بل المناط إمكان الاستثمار منها في الفقه، لا مجرد الإمكان المحض، أو الإمكان الوقوعي لبعض الباحثين النادر جدا، بل الإمكان الوقوعي لطائفة من الفقهاء والاصوليين، كما نحن فيه، فإن إنكار إطلاق أدلة الطبائع طرا وإن صدر من جمع (3)، ولكنه لا يصدقه الآخرون (4)، وعندئذ لا منع من البحث
1 - وسائل الشيعة 5: 459 كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1. 2 - أجود التقريرات 1: 45، بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 129 - 130، محاضرات في اصول الفقه 1: 177.
3 - فوائد الاصول (تقريرات المحقق النائيني) الكاظمي 1: 78، نهاية الأفكار 1: 96. 4 - منتهى الاصول 1: 64 - 65، مناهج الوصول 1: 161، محاضرات في اصول الفقه 1: 177. (*)
[ 237 ]
المزبور لكل اصولي، حتى ينقح المسألة للآخرين. مثلا: لا منع من البحث عن حجية الإطلاق أو العام المخصص بالمنفصل، مع إنكاره عدم إطلاق في الأدلة، أو عدم وجود عام مخصص إلا وتخصيصه يرجع إلى الاتصال، وهكذا، فلا تخلط كما خلط بعض الأعلام (رحمه الله) (1). وأما تمسك الأخصي بالإطلاق المقامي، فهو - مضافا الى عدم تماميته في سائر العبادات، لعدم وجود مثل صحيحة حماد (2) فيها - غير تام في الصلاة، لأن كثيرا من الشرائط داخل في محل النزاع، والأخصي يدعي: أن الصحة الداخلة في المسمى، هي الصحة من قبيل الأجزاء، وتلك الشرائط كشرطية الطهور والقبلة والستر وأمثالها. مع أن تلك الصحيحة ليست ذاكرة لها. واحتمال الإطلاق والتقييد لا يخلو من الغرابة، بأن يتمسك بالإطلاق المقامي فيما وراء القيد، كما لا يخفى. هذا وقضية ما مر منا، جريان النزاع في جميع الشرائط والموانع (3)، والالتزام بالتقييد غير جائز عندئذ. واخرى: بأن الأعمي أيضا لا يجوز له التمسك بالإطلاقات، لأن متعلق الأوامر في العبادات، ليس باقيا على إطلاقه الأعم من الصحيح والفاسد، بل هو مقيد بالصحة، وحيث إن ذلك في محيط الشرع والقانون، لابد من إرادة الصحة عند الشرع، لا الصحة العرفية وإن كان فاسدا شرعيا (4). فعلى هذا، يجب على المكلفين إيجاد الطبيعة الصحيحة عند الشرع، فإذا شك
1 - نهاية الأفكار 1: 96.
2 - وسائل الشيعة 5: 459 كتاب الصلاة، أبواب أفعال الصلاة، الباب 1، الحديث 1. 3 - تقدم في الصفحة 203 - 205. 4 - مطارح الأنظار: 9 / السطر 34 - 35، بدائع الأفكار، المحقق الرشتي: 142، أجود التقريرات 1: 46، محاضرات في اصول الفقه 1: 180. (*)
[ 238 ]
في شرطية شئ، لا يصح التمسك بالإطلاق للأخصي، كما هو الواضح، ولا للأعمي، لأنه أيضا من التمسك في الشبهة الموضوعية، لأن الشك في تحقق قيد المأمور به، كالشك في تحقق الاسم، وقد تقرر في محله: لزوم حفظ موضوع الإطلاق في جميع الحالات، حتى يجوز التمسك. وبعبارة اخرى: كما لا يجوز ولا يعقل رفع الشك في الشبهة الموضوعية للعام والمطلق بهما، كذلك لا يعقل ذلك في المطلق المقيد بدليل آخر، منفصلا كان، أو كالمنفصل كما نحن فيه، فإن اعتبار قيد الصحة في المأمور به وإن لا يساعده الدليل اللفظي ولكنه يصدقه العقل. وتوهم: أن الصحة ليست قيدا، بل ولا يعقل أن تكون قيدا في المأمور به، لتأخرها عنه، لأنه منتزعة من تطابق المأمور به والمأتي به (1)، في غير محله من جهات، ومنها: أن الصحة عند الأخصي ليست قيدا في الموضوع له، كما عرفت (2)، بل ولا يعقل ذلك هناك، فما هو مراد الأخصي: هو أن المسمى هي الطبيعة التي إذا تحققت ينتزع منها ذلك، ويوصف المصداق بها، وهكذا المراد من تقييد المأمور به بالصحة. ولكنك تعلم: أن عدم كونها قيدا في لحاظ الواضع عند الأخصي، لا يورث صحة تمسكهم بالإطلاق، لأنه يشك في الانتزاع المزبور، ولا دليل عليه حتى يتشبث به، والأعمي يتمسك بالإطلاق النافي للجزئية، فيتمكن من الانتزاع المشار
إليه، لأنه بعد ثبوت عدم جزئية شئ للمأمور به، يتوافق المأتي به مع المأمور به
1 - بدائع الأفكار (تقريرات المحقق العراقي) الآملي 1: 130، محاضرات في اصول الفقه 1: 181. 2 - تقدم في الصفحة 201 - 202. (*)
[ 239 ]
المعلوم بحدوده، وينتزع عنوان " الصحة ". وإن شئت قلت: ما هو المأمور به هو نفس الطبيعة، لإطلاق الدليل، ولو لم يكن إلا تلك الإطلاقات، كان الواجب ما صدق عليه تلك الطبيعة فقط. وإذا كانت الأدلة الخاصة متكفلة للقيود والشرائط لها، فلابد من الإتيان بها مع تلك القيود، وإذا أتى بها فقد أسقط الأمرن، وانتزع مما أتى به الصحة، وإذا شك في قيد لها يتمسك بتلك الإطلاقات. فما في كلام العلامة الأراكي (قدس سره): " من أن المأمور به يضيق قهرا، لعدم الإطلاق له حتى يشمل الفاسد " (1) في محله، إلا أن ذلك لا يرجع إلى تعنونه بعنوان " الصحيح " فإنه غير معقول، لما مر في أن العناوين الكلية لا توصف بمثله (2)، بل غايته أن العقل يحكم بلزوم كون المأتي به على وجه ينتزع منه الصحة، وفيما نحن فيه يكون الأمر كذلك على الأعمي، بعد نفي جزئية المشكوك بالإطلاق. ولايكون كذلك على الأخصي، للزوم الدور، فإن الأعمي يجد أن ما بيده يكون إذا تحقق ينتزع منه " الصحة " فلا يتمسك بالإطلاق، والأخصي لا يجد ذلك، ورفع الوجوب المشكوك متوقف على كون ما بيده صلاة، وكونها صلاة متوقف على رفع المشكوك، وهو الدور الصريح كما لا يخفى. وأما دفع الشبهة: بأن دليل المقيد وهو الصلاة الصحيحة، ليس العقل الارتكازي حتى يمنع من التمسك بالإطلاق، بل هو العقل النظري (3)، ففي غير
مقامه، لأنه ممنوع صغرى وكبرى، والتفصيل في محاله.
وثالثة: أن قضية ما تحرر منا في تقرير عنوان البحث (1)، أن الأخصي لا يقول: بأن الموضوع له هي الطبيعة المقيدة بعنوان " الصحة " حتى يلزم الإشكال، بل وهذا يستلزم الامتناع. والذي غاية مأموله: أن الموضوع له عنده، هي الطبيعة التي إذا تحققت ينتزع منها " الصحة " لا أن الوضع معلق، بل القيد المذكور معرف لبيان أن الموضوع له هي التامة الأجزاء، أو هي والشرائط، لأنها هي التي تكون كذلك. فإن أراد من " الصحة " الصحة عند العرف، فله التمسك بالإطلاقات أيضا، بالنسبة إلى ما شك في جزئيته شرعا. وإن أراد منها الصحة عند العرف والشرع، فلا يصح التمسك. والذي يظهر من تمسكهم بالإطلاقات في المعاملات مع ذهابهم إلى الأخص: هو أنهم هناك اختاروا أن المراد من " الصحة " هي الصحة عند العرف، وهذا هو المستظهر من عنوان المسألة، ومن أدلتهم، كالتبادر ونحوه. ولكن ينافي ذلك الاستظهار عدم تمسكهم بها هنا، وتصديهم لذكر الجامع بين الأفراد الصحيحة الشرعية والعرفية، مع أنهم اعتقدوا بتأسيس الشرع، وإحداث المخترعات في العبادات، فيعلم من ذلك تفكيكهم في المراد منها، فعليه يشكل جواز تمسكهم بذلك. نعم، لو ادعى أحد: بأن الألفاظ أسام للأخص عند العرف - قبال الأخصي
والأعمي - فيكون قولا ثالثا قبال القولين المعروفين، وقبال قول الشيخ (2)، فإنه أخص الخواص، ولعله أقرب إلى الصواب من القائل بالأخص على الإطلاق، فله
1 - تقدم في الصفحة 201. 2 - مطارح الأنظار: 7 / السطر 10 - 12. (*)
[ 241 ]
التمسك بالإطلاقات كالأعمي. اللهم إلا أن يقال: بأن اعتبار الشرع قيودا وأجزاء في الصلاة العرفية، يستلزم كونها قيودا عرفية، لما مر من أن القوانين النافذة في الملة التابعة لها، تورث انقلاب الاعتباريات البدوية إلى الاعتبارات الراقية المولودة من تلك القوانين العالية (1)، فيصير ما ليس جزء عرفيا من الأجزاء العرفية، فيشكل حينئذ التمسك أيضا، لأنه يدعي أن الموضوع له هو الصحيح عند العرف، فيشك في أن الصلاة بلا سورة صلاة، أم لا. نعم، له دعوى: أن المشكوكة جزئيته معلوم عدم كونه جزء عرفيا، لأن مناط صيرورة الجزء الشرعي جزء عرفيا، نفوذ القوانين في الملة، وهذا غير حاصل كما لا يخفى. إفادة وفذلكة الإشكالات على الثمرة الاولى، بين ما يكون متوجها إلى إطلاق الثمرة المزبورة: وهو أن الأخصي كالأعمي، يتمسك لرفع ما شك في المانعية وبعض الشرائط، ولا يتمسك لرفع ما شك في جزئيته وبعضها الآخر. وهذا مدفوع بما مر منا في جريان النزاع في مطلق الشرائط (2). وبين ما يكون متوجها إلى أن الأخصي كالأعمي في جواز التمسك. وبين ما يكون متوجها إلى أن الأعمي كالأخصي في عدم جواز التمسك.
وإلى الآن أوردنا الإشكالات الأربعة، ومع هذه المناقشة في إطلاق الثمرة
1 - تقدم في الصفحة 206. 2 - تقدم في الصفحة 203 - 225. (*)
[ 242 ]
بلغت إلى خمسة. وهنا إشكال سادس: وهو أن الأخصي يتمكن من التمسك بالإطلاق، وذلك لأن قوله تعالى مثلا: * (أقم الصلوة...) *، ليس مورثا لتعلق الوجوب بالعنوان البسيط المحصل من الأجزاء والشرائط، ويكون هو المسمى، ولا مورثا لتعلقه بالبسيط المتحد مع الأجزاء بالأسر، بل المستفاد منه عرفا لزوم الإتيان بالأجزاء المعلومة في الشريعة المقدسة، مع لحاظ الشرائط والقيود، سواء كانت عند المكلف مسماة ب " الصلاة " حقيقة، أو مجازا. ولا أظن التزام الفقيه ببطلان صلاة من يأتي بالأجزاء وحدودها، معتقدا أنها صلاة مجازا، وتكون هي العنوان المشير إلى تلك الأجزاء، وهي تكون العنوان الخاص المستعمل في معناه اللغوي، لانتقال الناس إلى ما هو المراد الجدي منه، الثابت بتفسير الرسول المعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وأولاده صلوات الله عليهم. فالأخصي في بحثه العلمي، يقول بالأخص في الأوضاع واللغات، ولكنه في الواقع ونفس الأمر لا يستفيد من الأدلة إلا ذلك، فبعد قصور أدلة الأجزاء والشرائط، إذا شك في وجوب شئ، فيتمسك بإطلاق قوله: * (أقم) * أي أقم هذه الأجزاء. وأنت خبير بما فيه، ولا يحتاج إلى البيان. الثمرة الثانية: إن القائلين بالأعم بين من يقول بالبراءة العقلية في الأقل والأكثر، لانحلال العلم الإجمالي بالتكليف ولو انحلالا حيثيا، كما أفاده سيدنا الاستاذ
البروجردي (رحمه الله) (1) وبين قائل بالاشتغال عقلا، لعدم الانحلال وإهمال الخطاب.